Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
سورة النساء: الآية ١٩
قال علماؤنا: وهذا غلط؛ لأنَّ مثل بناتِ الملوك اللائي لهنَّ خِدمةٌ كثيرةٌ لا
يَكفيها خادمٌ واحد؛ لأنَّها تحتاجُ من غسل ثيابها وإصلاحِ مضجعِها(١) وغيرِ ذلك إلى
ما لا يَقومُ به الواحدُ، وهذا بيِّن. والله أعلم.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿فَإِن كَرِفْتُمُوهُنَّ﴾ أي: لدمامةٍ، أو سوءِ خُلُقٍ، من غير
ارتكابٍ فاحشةٍ أو نُشُوزٍ؛ فهذا يُندبُ فيه إلى الاحتمال، فعسى أنْ يؤول الأمرُ إلى أنْ
يرزقَ اللهُ منها أولاداً صالحين. و﴿أَنْ﴾ رفع بـ ((عسى))، و ((أنْ)) والفعل مصدر(٢).
قلتُ: ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم(٣) عن أبي هريرةَ قال: قال
رسول اللـه ﴾: ((لا يَفْرَك مؤمِنٌ مؤمِنَةً، وإنْ كَرِهَ منها خُلُقاً رضِي منها آخَرَ)). أو قال:
((غَيْرَهُ)». المعنى: أي: لا يُبغِضْها بغضاً كُليّاً يحملُه على فراقها. أي: لا ينبغي له
ذلك، بل يغفرُ سيئتَها لحسنتها، ويتغاضَى عما يَكره لمَا يُحِبُّ.
وقال مكحول: سمعتُ ابنَ عمر يقول: إن الرجل ليستخيرُ الله تعالى، فيخَارُ له،
فيَسخطُ على ربِّه عزَّ وجلَّ، فلا يلبثُ أن ينظرَ في العاقبة، فإذا هو قد خِيرَ له (٤).
وذكر ابن العربيّ(٥) قال: أخبرني أبو القاسم بنُ حبيب(٦) بالمهديّة، عن أبي
القاسم السيُوريِّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال(٧): كان الشيخ أبو محمد بن أبي
زيد من العلم والدين في المنزلة المعروفة (٨)، وكانت له زوجةٌ سيئةُ العِشْرةِ، وكانت
(١) في (خ) و (ظ): مطبخها.
(٢) مشكل إعراب القرآن ١٩٤/١.
(٣) رقم (١٤٦٩)، وهو عند أحمد (٨٣٦٣).
(٤) أخرجه نعيم بن حماد في زياداته على الزهد لابن المبارك (١٢٨)، وابن أبي الدنيا في الرضا (٥٦)،
ومكحول عن ابن عمر مرسلا، كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص١٦٦ .
(٥) في أحكام القرآن ٣٦٣/١ .
(٦) في أحكام القرآن: أخبرني أبو القاسم بن أبي حبيب.
(٧) قبلها في (م): حیث.
(٨) في أحكام القرآن: في المنزلة والمعرفة.

١٦٢
سورة النساء: الآيات ١٩ - ٢١
تُقصِّرُ في حقوقه وتؤذيه بلسانها، فيقال له في أمرها، ويُعذَل بالصبر عليها، فكان
يقول: أنا رجلٌ قد أكمل الله عليَّ النِّعمةَ في صحة بدني، ومعرفتي، وما ملَكَت
يميني، فلعلَّها بُعثتْ عقوبةً على ذنبي، فأخافُ إن فارقتُها أن تنزل بي عقوبةٌ هي أشَدُّ
منها.
قال علماؤنا(١): في هذا دليلٌ على كراهةِ الطَّلاقِ مع الإباحة. وروي عن النبيِّ ﴾
أنَّه قال: ((إنَّ الله لا يكرَهُ شيئاً أباحَه إلَّ الظَّلاقَ والأكلَ، وإنَّ اللهَ ليُبغضُ المِعَى إذا
امتلأً))(٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدَّثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجَ مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَدَهُنَّ
قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا (٥) وَكَيْفَ
تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَقًّا غَلِيظًا
٢١
فيه ست مسائل :
الأولى: لمَّا مضى في الآية المتقدِّمة حكمُ الفراق الذي سببُه المرأة، وأن للزوج
أخذَ المال منها، عقّب ذلك بذكر الفراق الذي سببه الزوج (٣)، وبيَّن أنه إذا أراد
الطلاق من غير نُشُوزٍ وسوءِ عِشْرةٍ؛ فليس له أن يطلب منها مالاً (٤).
الثانية: واختلف العلماء إذا كان الزوجان يريدان الفراق، وكان منهما نشوزٌ
وسوءُ عِشْرة؛ فقال مالك ﴾: للزوج أن يأخذ منها إذا تسبَّت في الفراق، ولا يراعَى
تسبَّبه هو. وقال جماعة من العلماء: لا يجوز له أخذُ المال إلّا أن تنفرد هي بالنشوز
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٣٦٣/١.
(٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج أبو داود (٢١٧٨) عن محارب بن دثار عن ابن عمر عن النبي 8# قال:
((أبغض الحلال إلى الله الطلاق)). وأخرجه (٢١٧٧) بنحوه عن محارب عن النبي { 8# مرسلاً. قال
الخطابي في معالم السنن ٢٣١/٣: المشهور في هذا عن محارب بن دثار مرسل عن النبي #.
(٣) المحرر الوجيز ٢٧/٢ .
(٤) ينظر الإشراف ٢١٥/٤ .

١٦٣
سورة النساء: الآيتان ٢٠ - ٢١
وبظلمه في ذلك(١).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنَطَارًا﴾ الآية. دليلٌ على جواز المغالاة
في المهور؛ لأن الله تعالى لا يمثِّل إلَّا بمباح(٢). وخطب عمره فقال: أَلَا لا تُغالُوا
في صَدُقات النساء، فإنها لو كانت مَكْرُمَةً في الدنيا، أو تقوى عند الله، لكان أَوْلاكُم
بها رسولُ اللهِ ﴾؛ ما أَضْدَقَ قَظُ امرأةً من نسائه ولا بناتِه فوق اثنتي عَشْرةَ أُوقِيةٌ(٣).
فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتَحْرِمُنا! أليس الله سبحانه وتعالى
يقول: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَدهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئً﴾؟ فقال عمر: أصابت امرأةٌ
وأخطأ أمير (٤)!
وفي رواية: فَأَظْرَق عمر ثم قال: كلُّ الناس أفقهُ منك يا عمر(٥)! وفي أخرى:
امرأةٌ أصابت ورجلٌ أخطأ، والله المستعان(٦). وتَرَكَ الإنْكارَ.
(١) في النسخ: وتطلبه في ذلك، والمثبت من المحرر الوجيز ٢٧/٢، والكلام منه.
(٢) المحرر الوجيز ٢٧/٢ .
(٣) إلى هذا الموضع أخرجه أحمد (٣٤٠)، وأبو داود (٢١٠٦)، والترمذي (١١١٤) من طريق محمد بن
سيرين عن أبي العجفاء السلمي قال: خطبنا عمر، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وانظر ما
سيأتي.
(٤) في (ظ): وأخطأ أميركم، وفي (م) وإحكام الآمدي ١٩٣/٤: وأخطأ عمر. وأورده ابن حزم في
الإحكام ٢٤٤/١-٢٤٥ بلفظ: وأخطأ أمير المؤمنين. وأخرجه عبد الرزاق (١٠٤٢٠) بلفظ: إن امرأةً
خاصمت عمر فخَصَمَتْه.
(٥) عزاه الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٨٤/٤، وابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَدُهُنَّ قِنَطَارًا﴾
لأبي يعلى من طريق مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عمر. قال الهيثمي: رواه أبو يعلى
في الكبير، وفيه مجالد بن سعيد، وفيه ضعف، وقد وثق. وأخرجه سعيد بن منصور (٥٩٨) والبيهقي
٧/ ٢٣٣ من طريق مجالد عن الشعبي عن عمر، ولم يذكر مسروقاً فيه، ولفظه: كل أحد أفقه من عمر.
قال البيهقي: هذا منقطع.
وأخرجه الدَّارَقُطْنِي في العلل ٢٣٣/٢، ٢٣٨ - ٢٣٩ من الطريقين بلفظ: نصف إنسان أفقه من عمر.
وذكر أن هذه الزيادة في رواية مجالد لم يأت بها غيره، وقال: لا يصح إلا حديث أبي العجفاء.
(٦) قوله: والله المستعان، من النسخ الخطية وليس في (م)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٢٩/٢
والكلام منه، وهذه الرواية أوردها ابن كثير من طريق الزبير بن بكار، قال: حدثني عمي مصعب بن
عبدالله، عن جدي قال: قال عمر بن الخطاب، وفيه انقطاع كما ذكر ابن كثير.

١٦٤
سورة النساء: الآيتان ٢٠ - ٢١
أخرجه أبو حاتم البستيُّ في صحيحٍ مُسنَدِهِ عن أبي العَجْفاء السُّلَميِّ قال: خطب
عمر الناس، فذكره إلى قوله: اثنتي عَشْرةً أوقيَّةً، ولم يذكر: فقامت إليه امرأة. إلى
آخره(١).
وأخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي العَجْفاء(٢)، وزاد بعد قوله أوقية: وإن الرجل
ليُثقلُ (٣) صَدُقةَ امرأته حتى يكون لها عداوةٌ في نفسه، ويقولُ: قد كَلِفْتُ إليكِ عَلَق
القِرْبة، أو عَرَق القِرِبة. وكنتُ رجلاً عربِيّاً مُؤَلَّداً(٤)؛ ما أدري ما عَلَقُ القِربة، أو عَرَقُ
القِربة .
قال الجوهري(٥): وعَلَقُ القِربة لغةٌ في عَرَق القِربة. قال غيره(٦): ويقال: عَلَقُ
القِربة عِصامُها الذي تُعَلَّق به؛ يقول: كَلِفْتُ إليكَ حتى ◌ِصام القِربة. وعرقُ القِربة:
ماؤها؛ يقول: جَشِمْتُ إليكَ حتى سافرتُ واحتَجْتُ إلى عرق القِربة، وهو ماؤها في
السفر.
ويقال: بل عرقُ القِربة أن يقول: نَصِبتُ لك وتكلَّفتُ حتى عَرِقتُ عَرَقَ القِربة،
وهو سَيَلَانُها.
وقيل: إنهم كانوا يتزوَّدون الماء، فيعلِّقونه على الإبل يتناوبونه، فيَشُقُّ على
الظهر؛ ففسِّر به اللفظان: العَرَقِ والعَلَق.
وقال الأصمعي: عرقُ القِربة: كلمةٌ معناها الشدّة. قال: ولا أدري ما أصلُها.
(١) صحيح ابن حبان (٤٦٢٠)، وانظر ما تقدم قبل تعليقين.
(٢) رقم (١٨٨٧)، وهو عند أحمد (٢٨٥). وأبو العجفاء السلمي البصري، قيل: اسمه هرم بن نسيب،
وقيل العكس، وقيل بالضاد بدل السين، مات بعد (٩٠هـ) فيما ذكر البخاري. التقريب ص٥٧٩ .
(٣) في (خ) و (ظ): ليغلي، وفي (د) و (ز): ليعطي، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في سنن ابن ماجه.
(٤) في النسخ الخطية: غريباً مولَّداً. والمثبت من (م) وهو الموافق لما في المصادر. والمولَّد قال الجوهري
في الصحاح (ولد): رجل مولد: إذا كان عربيّاً غير محض.
(٥) الصحاح (علق).
(٦) غريب الحديث لأبي عبيد ٢٨٦/٣ - ٢٩٠ .

١٦٥
سورة النساء: الآيتان ٢٠ - ٢١
قال الأصمعي: وسمعتُ ابن أبي طَرَفَة - وكان مِن أفصح مَن رأيتُ - يقول: سمعت
شِيْخَانَنا(١) يقولون: لقيتُ من فلانٍ عرقَ القِربة، يعنون الشدَّة. وأنشدني لابن أحمر:
عَرَقُ السِّقاءِ على القَعُودِ اللََّغِبِ(٢)
لَيْسَتْ بِمَشْتَمَةٍ تُعَدُّ وعَفْوُها
قال أبو عبيد: أراد أنه يَسمع الكلمة تغِيظه، وليست بشتم فيأخذَ(٣) صاحبَها بها،
وقد أُبلغت إليه كعرق القربة، فقال: عَرَق (٤) السِّقاء، لمَّا لم يُمَكِّنه الشِّعر، ثم قال:
على القَعُود اللاغِبِ، وكأن معناه: أنْ تُعَلَّق القِربة على القَعود في أسفارهم. وهذا
المعنى شبيهٌ بما كان الفرَّاء يَحكيه؛ زعم أنهم كانوا في المفَاوِز في أسفارهم يتزوَّدون
الماء، فيعلِّقونه على الإبل يتناوبونه، فكان في ذلك تعبٌ ومشقّة على الظّهر. وكان
الفرَّاء يجعل هذا التفسير في علَقَ القِربة باللام.
وقال قوم: لا تُعطي الآيةُ جواز المغالاة بالمهور؛ لأن التمثيل بالقِنْطار إنما هو
على جهة المبالغة، كأنه قال: وآتيتم هذا القَدْرَ العظيم الذي لا يؤتيه أحد. وهذا
كقوله {﴾: ((مَن بَنَى لله مسجداً ولو كمَفْحَص قَطَاةٍ، بَنَى الله له بيتاً في الجنة)). ومعلومٌ
أنه لا يكون مسجدٌ كمفحص قطاة(٥).
وقد قال ﴿ لابن أبي حَدْردٍ وقد جاء يستعينه في مهره، فسأله عنه، فقال: مئتين،
فغضب رسول اللـه 8﴿ وقال: ((كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عُرْض الحَرَّة، أو
(١) شيْخان: جمع شيخ. الصحاح (شيخ). ووقع في (ظ): مشايخنا.
(٢) تهذيب اللغة ٢٢٦/١، ومقاييس اللغة ٢٨٤/٤، والمستقصى ٢٢٢/٢، واللسان (عرق) (شتم)،
والقَعود من الإبل: هو ما اتخذه الراعي للركوب وحمل المتاع، واللاغب: العَبِيُّ التَّعِب. اللسان (قعد)
(لغب).
(٣) في (م): فيؤاخذ.
(٤) في النسخ: كعرق، والمثبت من غريب الحديث.
(٥) المحرر الوجيز ٢٩/١. وأخرج الحديث أحمد (٢١٥٧) من حديث ابن عباس ، وابن حبان
(١٦١٠) من حديث أبي ذر، وابن ماجه (٧٣٨) من حديث جابر. ومفحص القطاة، قال في
النهاية (فحص): موضعها الذي تجثم فيه وتبيض، كأنها تفحص عنه التراب، أي تكشفه.

١٦٦
سورة النساء: الآيتان ٢٠ - ٢١
جيل))(١).
فاستقرأ بعضُ الناس من هذا مَنْعَ المغالاة بالمهور، وهذا لا يلزم، وإنكارُ النبيِّ #.
على هذا الرجل المتزوِّج ليس إنكاراً لأجل المغالاة والإكثار في المهور، وإنما الإنكارُ
لأنه كان فقيراً في تلك الحال، فَأَخْوَجَ نفسَه إلى الاستعانة والسؤال، وهذا مكروه
باتِّفاق(٢). وقد أَصْدَقَ عمرُ أمَّ كُلْتُوم بنتَ عليٍّ من فاطمةَ رضوان الله عليهم أربعين ألفَ
درهم(٣).
وروى أبو داود(٤) عن عقبة بن عامر، أن النبيَّ ﴾ قال الرجل: ((أَتَرْضَى أن
أُزوّجكَ فلانة؟)) قال: نعم. وقال للمرأة: ((أَترضَيْنَ أن أزوِّجكِ فلاناً؟)) قالت: نعم.
فزوَّج أحدهما من صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صَداقاً، ولم يعطها
شيئاً، وكان ممن شهد الحديبية، وكان مَن شهد الحُدَيْبِيَة(٥) له سهمٌ بخَيْبَر، فلما
حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﴾ زوَّجني فلانة، ولم أَفْرِضْ لها صَداقاً، ولم
أُعطها شيئاً، وإني أُشهدكم أني قد أَعطيتُها من صَداقها سَهْمِي بخيبر؛ فأخذتْ
سهمه(٦)، فباعته بمئة ألف.
وقد أجمع العلماء على أن لا تحديد في أكثر الصَّدَاق؛ لقوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْتُمْ
(١) المحرر الوجيز ٢٩/٢، وأخرج الحديث أحمد (٢٣٨٨٢) وفي إسناده مبهم، ويشهد له حديث أبي
هريرة عند مسلم (١٤٢٤) وفيه أن المهر كان على أربع أواق. وليس فيه تسمية الصحابي صاحب
القصة. وينظر مسند أحمد (١٥٧٠٦).
(٢) ينظر المحرر الوجيز ٢٩/٢، والمفهم ١٢٦/٤.
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل ١٥٠٣/٤، والبيهقي ٢٣٣/٧ من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه
زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر ... ، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١٩٠ من طريق عطاء الخراساني، وعطاء
لم يدرك عمر. ينظر المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٣٠.
(٤) في سننه (٢١١٧).
(٥) قوله: وكان من شهد الحديبية، من (خ) و (ظ)، وليس في باقي النسخ، وهو الموافق لما في سنن أبي
داود.
(٦) المثبت من (ظ)، وفي باقي النسخ: سهمها.

١٦٧
سورة النساء: الآيتان ٢٠ - ٢١
إِحْدَهُنَّ قِنِطَارًا﴾. واختلفوا في أَقَلْه (١)، وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿أَن تَبْتَغُواْ
بِأَمَّوَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. ومضى القول في تحديد القنطار في ((آل عمران))(٢).
وقرأ ابن محيصن: ((وَآتَيْتُمُ احْدَاهنَّ» بوصلِ ألفِ ((إحداهنّ))(٣)، وهي لغة؛ ومنه
قول الشاعر :
وتسمعُ من تحت العجَاج لها ازْمَلا (٤)
وقول الآخر :
إن لم أقاتلْ فالبِسوني بُرْقُعا(٥)
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ قال بكر بن عبد الله المزنيُّ: لا
يأخذ الزوجُ من المختلعة شيئاً؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا﴾، وجَعَلها ناسخةً لآية
((البقرة))(٦).
وقال ابن زيد وغيره: هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَحِكُمْ
أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾(٧).
والصحيح أن هذه الآيات مُحْكَمَةٌ، وليس فيها ناسخٌ ولا منسوخ، وكلُّها ينبني(٨)
(١) ينظر الإشراف ٤٨/٤ .
(٢) ٥/ ٤٧ - ٤٨.
(٣) القراءات الشاذة ص ٢٥، والمحتسب ١٨٤/١.
(٤) لم نقف على قائله، وهو في المحتسب ١/ ١٨٤، والخصائص ١٥١/٣، والمستقصى ٤٤/٢،
واللسان (زمل)، وصدره: تَضِبُّ لِئَاتُ الخيل في حَجَراتها .
والأزمل: الصوت، وجمعه الأزامل.
(٥) تقدم ٣٨١/٣.
(٦) أخرجه الطبري ٦/ ١٦١، وقد تقدم ٧٨/٤، ويعني بآية البقرة قوله تعالى: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ
به٤﴾ [٢٢٩].
(٧) أخرجه الطبري ٦/ ٥٤٧ .
(٨) في (د) و (ز) و(م): يبنى، وفي (ظ): يثنى، والمثبت من (خ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز
٣٠/٢ والكلام منه.

١٦٨
سورة النساء: الآيتان ٢٠ - ٢١
بعضُها على بعض. قال الطبريُّ: هي مُحْكَمَةٌ، ولا معنى لقول بكر إن أرادت هي
العطاء، فقد جوَّز النبيُّ# لئَابِت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها(١).
﴿بُهْتَنَا﴾ مصدرٌ في موضع الحال ﴿وَإِثْمًا﴾ معطوف عليه ﴿مُبِينًا﴾ مِن نعته(٢).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ الآية. تعليلٌ لمنع الأخذ مع الخلوة.
وقال بعضهم: الإفضاءُ إذا كان معها في لحافٍ واحد، جامَعَ أوْ لم يجامع؛ حكاه
الهرويُّ وهو قول الكلبيّ(٣). وقال الفرَّاء(٤): الإفضاء أن يخلوَ الرجل والمرأة، وإن
لم يجامعها(٥).
وقال ابن عباس ومجاهد والسُّديُّ وغيرهم: الإفضاء في هذه الآية الجماع. قال
ابن عباس: ولكن الله کریم يَكْني(٦).
وأصل الإفْضَاء في اللغة: المخالطة، ويقال للشيء المختلط: فَضاً. قال الشاعر:
وتَمْرٌ فَضاً في عَيْبَتي وزَبِيبُ(٧)
فقلتُ لها يا عمَّتي لكِ ناقتي
ويقال: القوم فَوْضَى فَضاً، أي: مختلطون لا أميرَ عليهم(٨).
وعلى أنَّ معنى ((أَفْضَى)): خلا وإن لم يكن جامعَ؛ هل يتقرَّر المهر بوجود الخلوة
أم لا؟ اختلف علماؤنا في ذلك على أربعة أقوال: يستقرُّ بمجرَّد الخلوة. لا يستقرُّ إلا
(١) تقدمت هذه المسألة ٧٦/٤ - ٧٨، وفيها قول الطبري وحديث ثابت بن قيس ﴾.
(٢) إعراب القرآن ٤٤٤/١ .
(٣) قول الكلبي ذكره أبو الليث ٣٤٢/١ .
(٤) في معاني القرآن ٢٥٩/١ .
(٥) في (م): وأن يجامعها، وهو خطأ.
(٦) المحرر الوجيز ٣٠/٢، وينظر تخريج أقوالهم في مصنف عبد الرزاق (١٠٨٢٦)، وتفسير الطبري
٥٤١/٦ - ٥٤٢، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٠٦٦)، وتفسير مجاهد ١٥١ .
(٧) لم نقف على قائله، وورد في معاني القرآن للنحاس ٤٩/٢، وتهذيب اللغة ٧٧/١٢ ، ومجمل اللغة
٧٢٣/٣، ومقاييس اللغة ٥٠٩/٤ ، والصحاح واللسان (فضا)، ووقع عند بعضهم: يا عمتا، وعند
بعضهم: يا خالتي.
(٨) معاني القرآن للنحاس ٤٩/٢ .

١٦٩
سورة النساء: الآيتان ٢٠ - ٢١
بالوطء. يستقر بالخلوة في بيت الإهداء. التفرقةُ بين بيته وبيتها.
والصحيح استقراره بالخلوة مطلقاً (١)، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه؛ قالوا: إذا
خلا بها خلوة صحيحةً يجب كمالُ المهر والعِدَّة، دخل بها أَوْ لم يدخل بها؛ لمَا رواه
الدار قطنيُّ عن [محمد بن عبد الرحمن بن] ثوبان قال: قال رسول اللـه لَ﴾: «مَن كَشَفَ
خِمَارَ امرأةٍ، ونظر إليها، وجبَ الصَّدَاق))(٢).
وقال عمر: إذا أغلق باباً، وأرخى ستراً، ورأى عورة (٣)، فقد وجب الصَّداق،
وعليها العِدَّة، ولها الميراث. وعن عليٍّ: إذا أغلق باباً، وأرخى ستراً، ورأى (٤)
عورة، فقد وجب الصداق(٥).
وقال مالك: إذا طال مكثُه معها مثل السَّنة ونحوها، واتفقا على أن لا مَسِيسَ،
وطلبت المهر كلّه، كان لها. وقال الشافعيُّ: لا عِدَّةَ عليها، ولها نصفُ المهر(٦). وقد
مضى في ((البقرة))(٧).
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَقًّا غَلِيظًا﴾ فيه ثلاثة أقوال:
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٣٦٧/١، ولم يذكر ابن العربي القول الرابع وهو: التفرقة بين بيته وبيتها،
وهو مذكور في الموطأ ٥٢٩/٢؛ قال مالك: إذا دخل عليها في بيتها، فقالت: قد مسني، وقال: لم
أَمَسَّها، صُدِّقَ عليها، فإن دخلت عليه في بيته، فقال: لم أمسها، وقالت: قد مسني، صُدِّقت عليه.
(٢) سنن الدارقطني (٣٨٢٤) وما سلف بين حاصرتين منه، وهو من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن
محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان به. قال البيهقي ٧/ ٢٥٦ : وهذا منقطع، وبعض رواته غير محتج به.
وأخرجه أبو داود في المراسيل من طريق صفوان بن سليم، عن عبدالله بن يزيد، عن محمد بن ثوبان،
به. قال ابن التركماني في الجوهر النقي: هو سند على شرط الصحيح، ليس فيه إلا الإرسال. وقد سلف
٠١٦٩/٤
(٣) قوله: ورأى عورة، ليس في (ظ)، ولم نقف عليه من قول عمر ﴾.
(٤) في سنن الدارقطني (٣٨١٩): أو رأى.
(٥) موطأ مالك ٥٢٨/٢، ومصنف عبد الرزاق ٢٨٥/٦ - ٢٩٠، وسنن الدارقطني (٣٨١٩). وسنن
البيهقي ٢٥٥/٧ - ٢٥٦ .
(٦) ينظر الاستذكار ١٢٥/١٦ - ١٣٣، والإشراف ٦٤/٤، والمنتقى ٢٩٢/٣ - ٢٩٣.
(٧) ٤ / ١٦٩ .

١٧٠
سورة النساء: الآيات ٢٠ - ٢٢
قيل: هو قولُه عليه الصلاة والسلام: ((فاتَّقوا الله في النساء، فإنكم أخذتُموهُنَّ
بأمانةِ الله، واستَحْللتُمْ فُروجهنَّ بكلمة الله)»(١). قاله عكرمة والربيع .
الثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قاله الحسن
وابن سيرين وقتادة والضَّحَّاك والسُّدّيُّ.
الثالث: عُقدةُ النكاح؛ قول الرجل: نكحتُ وملكتُ عُقدة النكاح؛ قاله مجاهد
وابن زيد(٢).
وقال قوم: الميثاق الغليظ: الولد. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَّ
إِنَُّ كَانَ فَاحِشَةُ وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ يقال: كان
الناس يتزوَّجون امرأة الأبِ برضاها بعد نزول قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا
يَجِلُ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا
نَكَحَ مَابَآؤُكُمْ﴾، فصار حراماً في الأحوال كلِّها؛ لأن النكاح يقع على الجماع
والتزوُّج، فإن كان الأب تزوَّج امرأةً، أو وَطِئَها بغير نكاحٍ، حَرُمت على ابنه (٣)، على
ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى(٤).
الثانية: قوله تعالى: ﴿مَا نَكَحَ﴾ قيل: المرادُ بها النساء.
وقيل: العقد، أي: نكاح آبائكم الفاسدَ المخالفَ لدين الله؛ إذ اللهُ قد أَحْكمَ
(١) هو قطعة من حديث جابر الطويل في الحج عند مسلم (١٢١٨) وقد سلف ٣٧٥/٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٢/ ٣٠، وأخرج أقوالهم الطبري ٦/ ٥٤٣ - ٥٤٦ .
(٣) تفسير أبي الليث ٣٤٣/١ .
(٤) ص١٨٨ من هذا الجزء .

١٧١
سورة النساء: الآية ٢٢
وجه النكاح، وفصَّل شروطه. وهو اختيار الطبري(١)؛ فـ(مِنْ)) متعلِّقةٌ بـ (تَنْكِحُوا)) و((مَا
نَكَحَ)) مصدر. قال: ولو كان معناه: ولا تنكحوا النساء اللاتي نكحَ آباؤكم، لوجب أن
يكون موضع ((ما)) ((مَن)). فالنهيُ على هذا إنما وقع على ألَّا ينكحوا مثلَ نكاحٍ آبائهم
الفاسد.
والأوّلُ أصح، وتكون ((ما)) بمعنى ((الذي)) و((مَن)). والدليل عليه أن الصحابة
تلقَّت الآية على ذلك المعنى، ومنه استدلَّت على منع نكاح الأبناءِ حلائلَ الآباء (٢).
وقد كان في العرب قبائلُ قد اعتادت أن يخلُف ابنُ الرجل على امرأة أبيه،
وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمةً، وكانت في قريشٍ مباحةً مع التراضي . ألا ترى
أن [أبا] عمرو بن أميةَ خَلَفَ على امرأة أبيه بعد موته، فولدت له مسافراً وأبا مُعيط،
وكان لها من أمية أبو العِيصِ وغيره، فكان بنو أميةً إخوةً مُسَافِرٍ وأبي مُعِيط
وأعمامَهما(٣).
ومن ذلك صفوان بنُ أمية بنِ خَلَف؛ تزوَّج بعد أبيه امرأته فاخِتَةً بنتَ الأسود بن
المطّلب بن أسد، وكان أمية قُتل عنها. ومن ذلك منظور بنُ زَبَّن؛ خَلَفَ على مُلَيْكَةً
بنتِ خارجة، وكانت تحت أبيه زَبَّان بن سَيّار. ومن ذلك حِصْن بنُ أبي قيس؛ تزوَّج
امرأة أبيه كُبَيْشَة بنت مَعْن، والأسود بنُ خلف تزوَّج امرأة أبيه (٤).
وقال الأشعث بن سَوَّار: توفِّي أبو قيسٍ وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنُه
قيسٌ امرأةً أبيه، فقالت: إني أَعدُّك ولداً، ولكني آتي رسولَ اللـه :﴿ أستأمرُه، فأتته
(١) في تفسيره ٦/ ٥٥٢ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣٦٨/١ - ٣٦٩ .
(٣) المحرر الوجيز ٢٦/٢، وما سلف بين حاصرتين منه، واسم أبي عمرو بن أمية: ذكوان، واسم أبي
معيط: أبان بن أبي عمرو. طبقات ابن خياط ٢٦/١ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٢٦٢٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: فرق الإسلام بين أربع وبين أبناء
بعولتهن ... ، وينظر المحرر الوجيز ٢٦/٢، ٣٠، وأسباب النزول للواحدي ص ١٤١ .

١٧٢
سورة النساء: الآية ٢٢
فأخبرته، فأنزل الله هذه الآية(١).
وقد كان في العرب مَن تزوَّج ابنته، وهو حاجب بن زُرَارَة؛ تَمَجَّس وفعل هذه
الفَعلة، ذكر ذلك النضر بن شُمَيْل في كتاب ((المثالب)). فنهى الله المؤمنين عما كان
عليه آباؤهم من هذه السيرة(٢).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: تقدَّم ومضى. والسَّلَف: مَن تقدَّم
من آبائك وذوي قرابتك. وهذا استثناءٌ منقطع، أي: لكنْ ما قد سلف فاجتنبوه
ودعوه(٣).
وقيل: ((إلا)) بمعنى بعد، أي: بعد ما سلف (٤)، كما قال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ
فِيهَا اٌلْمَوْتَ إِلَّ اٌلْمَوْقَةَ الْأُولَىّ﴾ [الدخان: ٥٦] أي: بعد الموتة الأولى.
وقيل: ((إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ)) أي: ولا ما سلف، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ
أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًَا﴾ [النساء: ٩٢] يعني: ولا خطأ.
وقيل: في الآية تقديمٌ وتأخير، معناه: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم مِن النساء، إنه
كان فاحِشةً ومقتاً وساء سبيلاً إلَّا ما قد سلف.
وقيل: في الآية إضمارٌ لقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ◌َبَاؤُكُمْ مِنَ الْنِسَآءِ﴾ فإنكم
إن فعلتم تُعاقَبون وتؤاخذون إلَّا ما قد سلف(٥).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ عقَب بالذمِّ
البالغ المتتابع، وذلك دليلٌ على أنه فعلٌ انتهى من القبح إلى الغاية (٦).
(١) أسباب النزول ص١٤١، وأخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٧٣) من طريق أشعث بن سوار، عن عدي بن
ثابت، عن رجل من الأنصار قال: توفي أبو قيس ...
(٢) المحرر الوجيز ٣٠/٢ - ٣١.
(٣) ينظر معاني القرآن للنحاس ٥٠/٢ .
(٤) زاد المسير ٤٤/٢ .
(٥) تفسير أبي الليث ٣٤٣/١ .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٣٦٩/١ .

١٧٣
سورة النساء: الآيتان ٢٢ - ٢٣
قال أبو العباس: سألتُ ابن الأعرابيّ عن نكاح المقت، فقال: هو أن يتزوّج
الرجل امرأة أبيه إذا طلَّقها أو مات عنها، ويقال لهذا الرجل: الضَّيْزَن(١).
وقال ابن عرفة: كانت العرب إذا تزوَّج الرجل امرأة أبيه فأولدها قيل للولد:
المَفْتِيّ.
وأصل المَقْت: البغضُ، من مَقَتَه يَمْقُتُه مَقْتاً، فهو مَمْقُوتٌ ومَقِيتٌ. فكانت العرب
تقول للرجل من امرأة أبيه: مَقِيتٌ، فسمَّى تعالى هذا النكاحَ مَقْتاً؛ إذ هو ذا مقتٍ
يلحق فاعله.
وقيل: المراد بالآية النهيُ عن أن يطأ الرجل امرأةً وطئها الآباء، إلَّ ما قد سلف
من الآباء في الجاهلية من الزنى بالنساء لا على وجه المناكحة، فإنه جائزٌ لكم
زواجُهن. وأن تطؤوا بعقد النكاح ما وطئه آباؤكم من الزنى؛ قاله ابن زيد (٢). وعليه
فيكون الاستثناء متصلاً، ويكون أصلاً في أن الزنى لا يُحرِّم، على ما يأتي بيانه(٣).
والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُنَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ
وَخَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأَمَهَنُكُمُ الَّتِىَ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ
الرَّضَعَةِ وَأُمَهَتُ نِسَابِكُمْ وَرَبَيِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُورِكُم مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِىِ
دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ
أَبْنَآَبِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَْ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا
فيه إحدى وعشرون مسألة :
(١) المعاني الكبير لابن قتيبة ١/ ٥٢١، وقال: وأنشد ابن الأعرابي لأوس:
فكلهم لأبيه ضَيْزنٌ سَلِفُ
والفارسية فيهم غير منْكّرةٍ
(٢) المحرر الوجيز ٢/ ٣١، وأخرجه الطبري عن ابن زيد مختصراً ٦ / ٥٥١ .
(٣) ص١٨٨ من هذا الجزء .

١٧٤
سورة النساء: الآية ٢٣
الأولى: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الآية. أي: نكاحُ
أمهاتِكم ونكاحُ بناتكم؛ فذكر الله تعالى في هذه الآية ما يَحِلُّ من النساء وما يحرُم،
كما ذكر تحريمَ حَليلة الأب، فحرَّم الله سَبعاً من النَّسب، وستّاً من رَضاعٍ وصِهْر،
وأَلحقت السنَّةُ المتواترة سابعةً، وذلك الجمعُ بين المرأة وعمتها، ونصَّ عليه
الإجماع(١).
وثبتت الروايةُ عن ابن عباس قال: حُرِّم من النَّسب سبعٌ، ومن الصهر سبع، وتلا
هذه الآية(٢). وقال عمرو بن سالم مولى الأنصار مثلَ ذلك، وقال: السابعةُ قولُه
تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَكُ﴾(٣).
فالسبعُ المحرَّماتُ من النَّسب: الأمهاتُ، والبنات، والأخوات، والعمَّات،
والخالات، وبناتُ الأخٍ، وبنات الأخت.
والسبعُ المحرماتُ بالصِّهر والرَّضاع: الأمهاتُ من الرَّضاعة، والأخوات من
الرضاعة، وأمهاتُ النساء، والربائبُ، وحلائلُ الأبناء، والجمعُ بين الأختين،
والسابعة: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢].
قال الطَّحَاوي: وكلُّ هذا من المحكم المتفَقِ عليه، وغیرُ جائزِ نكاحُ واحدةٍ منهن
بإجماع إلَّا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن أزواجُهن، فإنَّ جمهور السَّلف ذهبوا
إلى أنَّ الأمَّ تحرُمُ بالعقد على الابنة، ولا تحرُ الابنةُ إلا بالدخول بالأم؛ وبهذا قولُ
جميع أئمة الفَتْوى بالأمصار.
وقالت طائفةٌ من السلف: الأمُّ والربيبة سواءٌ، لا تحرُمُ منهما واحدةٌ إلَّا بالدخول
بالأخرى.
قالوا: ومعنى قوله: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَائِكُمْ﴾ أي: اللاتي دخلتُم بهن ﴿وَرَبِِّيُكُمُ
(١) المحرر الوجيز ٣١/٢، والإجماع لابن المنذر ص ٨٠ .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٠٨)، والطبري ٦/ ٥٥٣، والحاكم ٢/ ٣٠٤ وصححه.
(٣) المحرر الوجيز ٣١/٢، وأخرجه الطبري ٦/ ٥٥٥ . وعمرو بن سالم هو أبو عثمان الأنصاري المدني:
قاضي مرو، وقيل: اسمه عمر. رأى ابن عباس وابن عمر. تهذيب الكمال ٦٩/٣٤ .

١٧٥
سورة النساء: الآية ٢٣
اَِّ فِي حُورِكُم مِّن نِسَابِكُمُ الَِّ دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾. وزعموا أنَّ شرط الدخول راجعٌ
إلى الأمهات والربائبِ جميعاً(١)؛ رواه خِلَاسٌ(٢) عن علي بن أبي طالب(٣). ورُوي
عن ابن عباس وجابرٍ وزيد بن ثابت، وهو قولُ ابن الزبير ومجاهد(٤). قال مجاهد:
الدُّخولُ مرادٌ في النازلتين(٥).
وقول الجمهور مخالفٌ لهذا، وعليه الحكم والفُتيا(٦)، وقد شدَّد أهلُ العراق فيه
حتى قالوا: لو وطِئَها بزِنِىَ، أو قبَّلَها، أو لمسَها بشهوة، حُرمت عليه ابنتُها. وعندنا
وعندَ الشافعي إنما تحرُمُ بالنكاحِ الصحيح؛ والحرامُ لا يحرِّم الحلالَ على ما يأتي(٧).
وحديثُ خِلاسٍ عن عليٍّ لا تقومُ به حجَّة، ولا تصِحُّ روايتُه عند أهل العلم
بالحديث(٨)، والصحيحُ عنه مثلُ قولِ الجماعة.
قال ابنُ جُريج: قلتُ لعطاء: الرجل ينكحُ المرأةَ، ثم لا يراها ولا يجامعُها حتى
يُطلِّقها، أوَ تَحِلُّ له أمُّها؟ قال: لا، هي مرسلةٌ، دخلَ بها أَوْ لم يدخل. فقلتُ له:
أكانَ ابنُ عباس يقرأ: ((وأمهاتُ نسائِكُمُ اللاتي دخلتُم بهنَّ))؟ قال: لا لا (٩).
وروى سعيد، عن قتَادةَ، عن عكرِمةَ، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: ﴿وَأُمَهَتُ
◌ِسَآَبِكُمْ﴾ قال: هي مُبهَمةٌ(١٠)، لا تَحِلُّ بالعقد على الابنة.
(١) الاستذكار ١٦/ ١٨١.
(٢) ابن عمرو الهَجَري البصري، سمع عمار بن ياسر وابن عباس وعائشة وروى عن علي بن أبي طالب وأبي
هريرة، وهو ثقة، قالوا: وروايته عن علي من كتاب، لا سماع. تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٧٧ .
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١٧١/٤، والطبري ٦/ ٥٥٦ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٣٧٦/١ . قال ابن عبد البر في الاستذكار ١٦/ ١٨٢: اختلف فيه عن ابن
عباس وجابر، ولم يختلف عن ابن الزبير ومجاهد فيها.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨١١).
(٦) ينظر الإشراف ٩٣/٤، والاستذكار ١٨٤/١٦، وأحكام القرآن للجصاص ٢/ ١٢٧.
(٧) في المسألة الرابعة عشرة.
(٨) الاستذكار ١٨٤/١٦، وأحكام القرآن للجصاص ١٢٧/٢.
(٩) المحرر الوجيز ٣٢/٢، وأخرجه الطبري ٦/ ٥٥٠، وبنحوه عبد الرزاق (١٠٨٠٥) و (١٠٨١٦).
(١٠) أخرجه ابن أبي شيبة ١٧٣/٤، وابن أبي حاتم (٥٠٨٦).

١٧٦
سورة النساء: الآية ٢٣
وكذلك روى مالك في موّئِه(١) عن زيد بن ثابت، وفيه: فقال زيد: لا، الأمُّ
مُبهَمةٌ ليس فيها شرط، وإنما الشرطُ في الربائب. قال ابن المنذر(٢): وهذا هو
الصحيحُ؛ لدخول جميع أمهات النساء في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ﴾.
ويؤيد هذا القولَ من جهة الإعراب أنَّ الخبرين إذا اختلفا في العامل، لم يكن
نعتُهما واحداً، فلا يجوزُ عند النَّحويين: مررتُ بنسائكَ وهربتُ من نساء زيدٍ
الّريفاتِ، على أنْ تكونَ ((الَّريفات)) نعتاً لنسائك ونساء زيد، فكذلك الآيةُ لا يجوزُ
أن يكون ((اللاتي)) من نعتهما جميعاً؛ لأنَّ الخبرين مختلفان، ولكنه يجوز على معنى
(أعني))(٣). وأنشد الخليل وسيبويه:
إنَّ بها أكْتَلَ أو رِزامَا خُوَيْرِبَيْنٍ يَنْقُفَانِ الْهَاما (٤).
خُوَيْرِبَيْن يعني لِصَّين، بمعنى: أعني. وينقفان: يكسِران؛ نقفتُ رأسه: كسرته(٥).
وقد جاء صريحاً من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﴾:
((إذا نكح الرجلُ المرأةَ، فلا يَحلُّ له أنْ يتزوَّج أمَّها؛ دخلَ بالبنت أوْ لم يدخلْ، وإذا
تزوَّج الأمَّ فلم يدخل بها ثم طلَّقها، فإنْ شاء تزوَّجَ البِنْتَ))(٦).
(١) ٢ / ٥٣٣ .
(٢) الإشراف ٤/ ٩٣ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٣٤/٢.
(٤) الكتاب ١٤٩/٢، ونسبه سيبويه لرجل من أسد، وهو في مجاز القرآن ٢/ ١٧٥، والكامل ٩٣٧/٢،
وأمالي ابن الشجري ٧٦/٣ . وأورده ابن منظور في اللسان (كتل)، مرتين، وقع في إحداهما:
خُوَيْربان، وقال: يقال: لصَّ خارِب، ويصغّر، فيقال: خُوَيْرِب. ونقل عن الفراء قوله: ((أو)) هاهنا
بمعنى واو العطف؛ أراد أن بها أكتلَ ورِزاماً، وهما خارِبان.
(٥) قال الشنتمري في شرح الشواهد ص٢٩١ : معنى ينقفان الهام: يستخرجان دماغها، وهذا مَثَلِ ضَرَبه
لعلمهما بالسَّرَق، واستخراجهما لأخفى الأشياءِ وأبعدِها مراماً.
(٦) وقع بعدها في (خ) و (د) و(ز) و(م): خرجه في الصحيحين، وفي (ف): أخرجه مسلم، وكلاهما
خطأ والمثبت من (ظ)، والحديث ليس في الصحيحين، ولا في صحيح مسلم، إنما أخرجه الترمذي
(١١١٧)، وابن عدي ١٤٦٩/٤، من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب، وأخرجه الطبري ٥/ ٥٥٧
من طريق المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب قال الترمذي: هذا حديث لا يصح من قبل =

١٧٧
سورة النساء: الآية ٢٣
الثانية: وإذا تقرَّر هذا وثبت؛ فاعلم أنَّ التحريمَ ليس صفةً للأعيان(١)، والأعيانُ
ليست مورداً للتحليل والتحريم ولا مصدراً، وإنما يتعلَّق التكليفُ بالأمر والنهي
بأفعال المكلَّفين من حركة وسكون، لكنَّ الأعيان لمَّا كانت مورداً للأفعال أضيفَ
الأمرُ والنهي والحكم إليها، وعُلِّق بها مجازاً على معنى الكناية بالمحلّ عن الفعل
الذي یحِلُّ به.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿أُكَّهَتُّكُمْ﴾ تحريمُ الأمهاتِ عامٌّ في كلِّ حالٍ لا يتخصَّص
بوجهٍ من الوجوه، ولهذا يسميه أهلُ العلم: المُبهم، أي: لا بابَ فيه ولا طريقَ إليه؛
لانسداد التحريم وقوته، وكذلك تحريمُ البنات والأخوات(٢)، ومَن ذُكر من
المحرَّمات.
والأُمهات جمع أُمّهَة؛ يقال: أمُّ، وأمَّهةٌ، بمعنىّ واحد، وجاء القرآن بهما(٣).
وقد تقدَّم في الفاتحة بيانُه(٤).
وقيل: إنَّ أصل أمُّ: أُمَّهةٌ، على وزن فُعَّلَة، مثل: قُبَّرَةَ وحُمَّرة، لطيْرَيْن(٥)،
فسقطت وعادت في الجمع. قال الشاعر:
أُمَّهتِي خِنْدِفُ والدَّوْسُ أبي(٦)
= إسناده ... والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعفان في الحديث. والعمل على هذا عند أكثر أهل
العلم. وقال الطبري: في إسناده نظر.
(١) يعني أعيان الحُرمة، كما هو في نسخة في حاشية أحكام القرآن لابن العربي ٣٧١/١، والكلام منه.
(٢) المحرر الوجيز ٣١/٢.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٤/١.
(٤) ١ / ١٧٣ .
(٥) شرح الشافية ٣٠٢/٤ .
(٦) نسبه ابن دريد في الجمهرة ٢٦٧/٣ والأستراباذي في شرح الشافية ٣٠٣/٤ لقصي بن كلاب، وهو
بلا نسبة في الصحاح (أمم)، والمزهر ١٧٩/١، والخزانة ٣٧٩/٧، وهو عندهم برواية : ... وإلياس
أبي، وقبله: عند تنادیھم بِهَالٍ وهبٍ
وذكر السيوطي في المزهر عن الأصمعي عن أبي عمرو أن هذا مصنوع، وليس بحجة. وخندف زوجة
إلياس بن مضر، واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران، وخندف لقبها. القاموس(خندف).

١٧٨
سورة النساء: الآية ٢٣
وقيل: أصل الأمِّ أُمَّةٌ، وأنشدوا:
تَثُوبُ إليها في النوائب أجمَعا (١)
تقبلتَها عن أُمَّةٍ لك طالما
ويكون جمعها أُمّات(٢). قال الراعي:
كانت نَجائِبُ مُنْذِرٍ ومُحَرِّقٍ
أُمَّاتِهِنَّ وطَرْقُهُنَّ فَحِيلًا(٣)
فالأمُّ اسم لكلِّ أنثى لها عليكَ وِلادةٌ؛ فيدخلُ في ذلك الأمُّ دِنْيَةً(٤)، وأمهاتُها
وجدَّاتُها، وأمُّ الأب وجدَّاتُه وإنْ عَلَوْنَ. والبنتُ اسم لكلِّ أنثى لك عليها ولادةٌ، وإنْ
شئتَ قلتَ: كلُّ أنثى يرجعُ نسبُها إليك بالولادة بدرجة أو درجات، فيدخلُ في ذلك
بنتُ الصُّلْب وبناتُها وبناتُ الأبناء وإنْ نَزَلْن. والأختُ اسم لكلِّ أنثى جاورتك في
أصلَيْك، أو في أحدهما.
والبناتُ جمع بنت، والأصل بَنَةٌ، والمستعمل: ابْنَة وبِنْت. قال الفراء: كُسِرت
الباء من بنت لتدلَّ الكسرةُ على الياء، وضُمَّت الألفُ من أخت لتدلَّ على حذف
الواو، فإنَّ أصلَ أخت: أَخَوَة، والجمع أخَوَات(٥).
والعمَّةُ اسم لكلِّ أنثى شاركت أباك أو جدَّك في أصلَيْه، أو في أحدهما. وإنْ
شئت قلتَ: كلُّ ذكرٍ رجع نَسَبُه إليك فأختُه عمتُك. وقد تكون العمَّة من جهة الأم،
وهي أختُ أبِ أُمِّك.
(١) لم نقف على قائله، وهو في أمالي القالي ٣٠١/٢، واللسان (أمم)، ورواية عجزه فيهما: تُنُوزِعَ في
الأسواق عنها خمارها.
(٢) قال الأستراباذي في شرح الشافية ٣٠٢/٤: إنه في غالب الأمر فيمن يعقل بالهاء، وفيمن لا يعقل بغير
هاء، زادوا الهاء فرقاً بين مَن يعقل، وبين من لا يعقل.
(٣) ديوانه ص ٢١٧، وهو في غريب الحديث ٢٦٦/٤، وتهذيب اللغة ٧٤/٥ و٢٣٣/١٦ براوية: كانت
هجائن ... ، وقد قاله يصف إبلاً. والطَّرْق: الضِّراب، والفحيل: المنجب في ضرابه. قال ابن بري كما
في اللسان (فحل): صواب إنشاد البيت: نجائبَ منذرٍ، بالنصب، والتقدير: كانت أماتُهن نجائبٌ
منذرٍ، و کان طَرْقُهن فحلاً.
(٤) في القاموس (دنى، لحح): هو ابنُ عمي (لحاً) أي: لاصق النسب.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٤١ و ٤٤٤ .

١٧٩
سورة النساء: الآية ٢٣
والخالةُ اسم لكلِّ أنثى شاركت أمَّك في أصلَيها، أو في أحدهما. وإنْ شئت
قلتَ: كلُّ أنثى رجَع نسبُها إليك بالولادة فأختُها خالتُك. وقد تكون الخالةُ من جهة
الأب، وهي أخت أمِّ أبيك.
وبنتُ الأخِ اسمٌ لكلِّ أنثى لأخيك عليها ولادةٌ بواسطةٍ أو مباشرةً؛ وكذلك بنتُ
الأخت. فهذه السبعُ المحرَّمات من النسب(١).
وقرأ نافِعٌ - في رواية أبي بكر بن أبي أُوَيْس - بتشديد الخاء من الأخ إذا كانت فيه
الألف واللام مع نقل الحركة (٢).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَأُنَهَنُكُمُ الَِّىّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وهي في التحريم مثلُ مَن
ذكرنا؛ قال رسول الله ﴾: ((يحرُمُ من الرَّضاع ما يحرُمُ من النَّسَبِ))(٣).
وقرأ عبدالله: ((وأمهاتكم اللاي)) بغير تاء(٤)؛ كقوله تعالى: ((وَاللَّيْ يَئِسْنَ مِنَ
الْمَحِيضِ)) (٥). قال الشاعر:
مِن الَّلاءِ(٦) لم يحجُجْنَ يَبْغینَ حِسْبَةً
ولكنْ ليقتلْنَ البريءَ المغفَّلا(٧)
(١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٣٧٢/١ - ٣٧٣، والوسيط ٣١/١ - ٣٢.
(٢) لم نقف على هذه القراءة في هذا الموضع. وذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٥: ((وله أخٍّ))
[الآية: ١٢] بالتشديد عن بعضهم، وقال: قال ابن دريد: التشديد لغةٌ. قال ابن خالويه: وأهل العربية
يرونه لحناً. لأن لام الفعل واو. اهـ. وقراءة نافع المتواترة عنه كقراءة الجماعة.
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٩٠)، والبخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٢/٢، وأبو حيان في البحر ٢١١/٣، وقيدها ابن عطية بكسر
الياء، ولم یقیدها أبو حيان.
(٥) وبها قرأ ابن البزّي وأبو عمرو: بياء ساكنة. ينظر السبعة ص٥١٨، والتيسير ص١٧٨.
(٦) في (خ): اللاتي، وفي (ز) و(ظ): اللائي، والمثبت من (د)، وهو الموافق للمصادر.
(٧) نسبه الأصفهاني ٢١٧/١٩ للعرجي، ونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ١٢٠ لعمر بن أبي ربيعة، ولم
نقف عليه في ديوانه المطبوع، وذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد ١٠٩/٦ عن عائشة بنت طلحة أنها
أنشدته، وورد بغير نسبة في معاني القرآن للزجاج ٢٨/٢، وأمالي ابن الشجري ٦٠/٣ . والأزهية
ص٣٠٦. وجميعهم أنشدوه بالهمز.

١٨٠
سورة النساء: الآية ٢٣
((أَرْضَعْنَكُمْ)) فإذا أرضعت المرأةُ طفلاً حُرمت عليه لأنها أمُّه، وبنتُها لأنها أختُه،
وأختُها لأنها خالتُه، وأمُّها لأنَّها جدَّتُه، وبنتُ زوجِها صاحِبِ اللبن لأنها أختُه،
وأختُه لأنها عمته، وأمُّه لأنها جدَّته(١)، وبناتُ بنيها وبناتِها؛ لأنهنَّ بناتُ إخوتِه
وأخواتِه.
الخامسة: قال أبو نُعيم عبيدُ الله بن هشام الحلبيُّ: سئل مالك عن المرأة: أَيَحجُ
معها أخوها من الرَّضاعة؟ قال: نعم. قال أبو نُعيم: وسئل مالك عن امرأة تزوَّجت،
فدخل بها زوجها، ثم جاءت امرأةٌ، فزعمت أنها أرضعتهما؛ قال: يفرَّق بينَهما،
وما أخذت من شيءٍ له، فهو لها، وما بقي عليه فلا شيءَ عليه(٢). ثم قال مالك: إنَّ
النبيَّ # سئل عن مثل هذا فأمر بذلك، فقالوا: يا رسول الله، إنها امرأة ضعيفة،
فقال النبيُّ ل﴿: ((أليس يُقالُ إنَّ فلاناً تزوَّجَ أختَه؟))(٣).
السادسة: التحريمُ بالرضاع إنما يحصل إذا اتَّفَقَ الإرضاعُ في الحولين، كما تقدَّم
في ((البقرة)) (٤). ولا فرقَ بين قليل الرَّضاع وكثيره عندنا إذا وصل إلى الأمعاء، ولو
مَصَّةً واحدة(٥).
واعتبر الشافعيُّ في الإرضاع شرطين:
أحدُهما: خمسُ رضَعات؛ لحديث عائشةَ قالت: كان فيما أنزلَ اللهُ: ((عشرُ
رضعاتٍ معلومات يحرِّمن))، ثم نُسخْنَ بخمسٍ معلومات، وتوفِّي رسول اللـه {# وهنَّ
(١) المفهم ٤ /١٧٨.
(٢) وقول مالك في المدونة ٢/ ٤١١، وفي النوادر والزيادات ٨٤/٥: أنه لا يفرق بينهما. وفي المدونة
١٥٨/٥ عن مالك: لا يجوز في شيءٍ من الشهادات أقل من شهادة امرأتين، لا تجوز شهادة امرأة
واحدة في شيء من الأشياء.
(٣) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه بنحوه البخاري (٨٨) وأحمد (١٦١٤٨) من حديث عقبة بن الحارث ﴾.
(٤) ٤ / ١٠٩ .
(٥) الاستذكار ٢٥٩/١٨ .