Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
يقتضي أنها جمع(١). وقال عليه الصلاة والسلام: ((الاثنان فما فوقهما جماعة)) (٢).
وحُكي عن سيبويه أنه قال: سألتُ الخليل عن قوله: ما أَحْسَنَ وجُوهَهُما. فقال:
الاثنان جماعة(٣). وقد صحَّ قول الشاعر:
ظهراهما مِثلُ ظُهورِ التُّرْسَيْنْ (٤)
ومَهْمَهِيْن قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ
وأنشد الأخفش :
فقلنَ إن الأمر فينا قد شُهِرْ(٥)
لمَّا أتتنا المرأتانِ بالخَبَرْ
وقال آخر:
ويُبْخَل بالسلام على الفقير
يُحيَّى بالسلام غنِيُّ قومٍ
إذا ماتوا وصاروا في القبورِ (٦)
أليس الموتُ بينهما سواءً
ولمَّا وقع الكلام في ذلك بين عثمان وابن عباس، قال له عثمان: إن قومك
حجبوها - يعني قريشاً - وهم أهلُ الفصاحة والبلاغة(٧).
(١) المحرر الوجيز ١٧/٢.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٩٧٢)، والعقيلي في الضعفاء ٥٣/٢، والدارقطني (١٠٨٧) من حديث أبي موسى
الأشعري ع﴾. وأخرجه البيهقي ٦٩/٣ من حديث أنس ، والدَّارَقُطْنِي (١٠٨٨) من حديث عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده. وابن عدي ٥/ ١٨٩٠ من حديث الحكم بن عمير. قال الزيلعي في نصب
الراية ١٩٨/٢ : كلها ضعيفة.
(٣) الكتاب ٤٨/٢ .
(٤) الرجز لخطام المُجَاشِعي كما في الكتاب ٤٨/٢، وشرح المفصل لابن يعيش ١٥٦/٤، والخزانة
٥٣٩/٧، ونسب لهِمْيان بن قحافة في الكتاب ٦٢٢/٣ وأمالي الشجري ١٦/١، وهو بلا نسبة في
المخصص ٧/٩، ومعاني القرآن للزجاج ٢/ ١٧٣، والبيان والتبيين ١٥٦/١ .
قال ابن يعيش: يصف مفازة قطعها، والمهْمَه: القَفْر، والقذف بالفتح: البعيد، والمَرْت: الأرض التي
لا تنبت. وقال البغدادي: والظهر ما ارتفع من الأرض؛ شبَّهه بظهر الترس في ارتفاعه وتعرِّيه عن النبت.
(٥) لم نقف عليه.
(٦) المؤتلف والمختلف للقيسراني ٧٥/١، وذكر العسكري في جمهرة الأمثال ٢٠٨/١ البيت الأول
برواية: يحِّي الناس كل غني قوم ...
(٧) تقدم تخريجه قريباً في هذه المسألة.

١٢٢
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
وممن قال: إن أقلَّ الجمع ثلاثة - وإن لم يقل به هنا - ابن مسعود والشافعيُّ وأبو
حنيفة وغيرهم. والله أعلم.
الموفية عشرين: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ قرأ ابن كثير
وابن عامر(١) وعاصم: ((يُوصَى)) بفتح الصاد. والباقون بالكسر، وكذلك الآخَر.
واختلفت الرواية فيهما عن عاصم(٢). والكسر اختيار أبي عُبيد وأبي حاتم؛ لأنه جرى
ذكر الميتِ قبل هذا. قال الأخفش(٣): وتصديق ذلك قوله تعالى: ﴿يُوصِينَ﴾
و﴿تُوُصُونَ﴾.
الحادية والعشرون: إن قيل: ما الحكمةُ في تقديم ذكر الوصية على ذكر الدَّين،
والدَّين مُقدَّم عليها بإجماع(٤)؟
وقد روى الترمذيُّ عن الحارث عن عليٍّ(٥): أن النبيَّ ﴾ قضى بالدَّين قبل
الوصية، وأنتم تقرؤون الوصية قبل الدَّين(٦). قال: والعملُ على هذا عند عامة أهل
العلم، أنه يُبدأ بالدَّين قبل الوصية.
وروى الذَّارَقُطْنِيُّ من حديث عاصم بن ضَمْرَةً عن عليٍّ قال: قال رسول الله ﴾:
(١) وقع في (د) و (ز) (ظ) و (م): ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، بزيادة أبي عمرو، وهو خطأ، والمثبت
من (خ)، وانظر التعليق التالي .
(٢) قرأ ابن عامر وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر: ((يوصَى بها)) بفتح الصاد في الحرفين، وقرأ نافع
وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ((يوصِي بها)) بكسر الصاد فيهما، وقرأ حفص عن عاصم: الأولى بالكسر
(يوصِي بها))، والثانية: ((يوصَى بها)) بالفتح. السبعة ص٢٢٨، وينظر التيسير ص٩٤ .
(٣) معاني القرآن ١/ ٤٣٨ .
(٤) المحرر الوجيز ١٧/١، وتفسير البغوي ٤٠٢/١ .
(٥) سنن الترمذي (٢١٢٢)، وهو عند أحمد (٥٩٥)، وأخرجه الترمذي أيضاً (٢٠٩٤) و (٢٠٩٥) وقال:
هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق عن الحارث عن علي، وقد تكلم بعض أهل العلم في
الحارث.
(٦) نقل المباركفوري في تحفة الأحوذي عن الطيبي قال: قوله: وأنتم تقرؤون: إخبار فيه معنى الاستفهام،
يعني أنتم تقرؤون هذه الآية، هل تدرون معناها؟ فالوصية مقدَّمة على الدَّين في القراءة متأخرة عنه في
القضاء. انتهى.

١٢٣
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
((الدَّيْنُ قبلَ الوصيّة، وليس لوارثٍ وصيّة))(١). رواه عنهما أبو إسحاق الهَمْدانيّ.
فالجواب من أوجهٍ خمسة: الأول: إنما قصد تقديم هذينِ الفعلين(٢) على
الميراث، ولم يقصد ترتيبهما في أنفسهما؛ فلذلك تقدَّمت الوصية في اللفظ.
جوابٍ ثان: لمَّا كانت الوصية أقلَّ لزوماً من الدَّين؛ قدَّمها اهتماماً بها، كما قال
تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةٌ﴾ [الكهف: ٤٩].
جواب ثالث: قدَّمها لكثرة وجودها ووقوعها، فصارت كاللازم لكلِّ ميّت، مع
نصِّ الشرع عليها، وأخَّر الدَّين لشذوذه، فإنه قد يكون وقد لا يكون، فبدأ بذكر الذي
لا بُدَّ منه، وعطَفَ بالذي قد يقع أحياناً. ويقوِّي هذا: العطفُ بأو، ولو كان الدَّين
راتباً لكان العطف بالواو.
جواب رابع: إنما قدِّمت الوصية إذْ هي حظّ مساكينَ وضعفاء، وأُخِّر الدَّين إذ هو
حظٌ غريم يطلبه بقوَّةٍ وسلطان، وله فيه مقال(٣).
جواب خامس: لما كانت الوصية ينشئها مِن قِبَل نفسه قدَّمها، والدَّين ثابتٌ
مؤدَّی؛ ذَگره أو لم يذكره(٤).
الثانية والعشرون: ولمَّا ثبت هذا، تعلَّق الشافعيُّ بذلك في تقديم دَيْن الزكاة
والحج على الميراث، فقال: إن الرجل إذا فرَّط في زكاته [وحجِّه]، وجب أخذُ ذلك
من رأس ماله، وهذا ظاهرٌ ببادئ الرأي؛ لأنه حقٌّ من الحقوق، فيلزم أداؤه عنه بعد
(١) في (د) و (ز): ولا وصية لوارث، وفي (ظ) و(خ) لا وصية لوارث، والمثبت من (م) وهو الموافق لما
في سنن الدَّارَقُطْنِي (٤١٥٢)، وأخرجه أيضاً ابن عدي ٢٦٤٨/٧ ، وهو من طريق يحيى، عن أبي
إسحاق، عن عاصم بن ضمرة عن علي. ونقل ابن عدي عن أحمد والنسائي قولهما: يحيى ابن أبي أنيسة
متروك الحديث، ونقل أيضاً تضعيفه عن البخاري وابن المديني وابن معين.
(٢) في النسخ: الفصلين، والمثبت من المحرر الوجيز ١٧/١، والكلام منه.
(٣) المحرر الوجيز ١/ ١٧.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٣٤٣/١ .

١٢٤
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
الموت كحقوق الآدميين، لا سيما والزكاةُ مَصْرفُها إلى الآدميّ.
وقال أبو حنيفة ومالكٌ: إن أوصى بها أُدِّيت من ثلثه، وإن سكت عنها لم يُخْرَج
عنه شيء. قالوا: لأن ذلك مُوجِب لترك الورثة فقراء؛ لأنه (١) قد يتعمَّد ترك الكلِّ،
حتى إذا مات استغرق ذلك جميعَ ماله، فلا يبقى للورثة حق (٢).
الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿َابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ﴾ رفع بالابتداء، والخبر
مضمَر، تقديره: هم المقسوم عليهم، وهم المعطّوْن(٣).
الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُنْ نَفْعًا﴾ قيل: في الدنيا
بالدعاء والصدقة، كما جاء في الأثر: ((إن الرجل ليُرفع بدعاء ولده مِن بعده)(٤). وفي
الحديث الصحيح: ((إذا مات الرجل انقطع عمله إلَّا من ثلاثٍ)). فذكر: ((أو ولدٍ
صالح يدعو له))(٥).
وقيل: في الآخرة، فقد يكون الابن أفضلَ، فيشفَّعُ في أبيه؛ عن ابن عباس
والحسن(٦).
وقال بعض المفسرين: إن الابن إذا كان أرفعَ من درجة أبيه في الآخرة، سأل الله،
فَرفَع إليه أباه، وكذلك الأب إذا كان أرفعَ من ابنه(٧). وسيأتي في ((الطور)) (٨) بيانه.
(١) في (م): إلا أنه.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣٤٤/١، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٣) المحرر الوجيز ١٨/٢ وقال السمين الحلبي في الدر المصون ٦٠٤/٣: ((آباؤكم وأبناؤكم)) مبتدأ، و((لا
تدرون» وما في حيّزه في محل الرفع خبراً له.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ ٢١٧/١ عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قوله. قال ابن عبد البر في
التمهيد ١٤٢/٢٣: وهذا لا يُدْرَك بالرأي، وقد روي بإسناد جيد عن النبي 8#. ثم أخرجه من حديث
أبي هريرة، أن رسول الله# قال: ((إن الله ليرفع العبد الدرجة، فيقول: أي رب، أنى لي هذه الدرجة؟
فيقال: باستغفار ابنك لك)».
(٥) تقدم ٨/١ .
(٦) المحرر الوجيز ١٨/٢، وخبر ابن عباس أخرجه الطبري ٦/ ٤٧١.
(٧) معاني القرآن للزجاج ٢٤/٢، وتفسير البغوي ٤٠٣/١، وزاد المسير ٢٩/٢.
(٨) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَعَنْهُمْ ذُرِيُّهُم بِإِيَنٍ﴾ [٢١].

١٢٥
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
وقيل: في الدنيا والآخرة؛ قاله ابن زيد، واللفظ يقتضي ذلك(١).
الخامسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةٌ﴾ ((فريضة)) نصب على المصدر
المؤكِّد، إذ معنى (يُوصِيكُم)): يَفرض عليكم. وقال مَكِّي وغيره: هي حالٌ مؤكدة،
والعامل ((يوصيكم)). وذلك ضعيف(٢).
والآية متعلِّقة بما تقدَّم، وذلك أنه عرَّف العباد أنهم كُفُوا مُؤنة الاجتهاد في إيصاء
القرابة مع اجتماعهم في القرابة، أي إن الآباء والأبناء ينفع بعضُهم بعضاً (٣) في الدنيا
بالتناصر والمواساة، وفي الآخرة بالشفاعة. وإذا تقرَّر ذلك في الآباء والأبناء؛ تقرَّر
ذلك في جميع الأقارب؛ فلو كان القسمة موكولةً إلى الاجتهاد؛ لوجب(٤) النظر في
غِنَى كلِّ واحدٍ منهم. وعند ذلك يخرج الأمر عن الضبط، إذ قد يختلف الأمر، فبيَّن
الربُّ تبارك وتعالى أن الأصلح للعبد ألَّا يُوكَلَ إلى اجتهاده في مقادير المواريث، بل
بَيَّن المقادير شرعاً. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ أي: بقسمة المواريث ﴿حَكِيمًا﴾
حَكم قِسمتها وبيَّنها لأهلها. وقال الزجاج: (عَلِيماً)) أي: بالأشياء قبل خَلْقِها،
((حَكِيمًا)) فيما يقدِّره ويُمضيه منها. وقال بعضهم: إن الله سبحانه لم يَزَلْ ولا يزالُ،
والخبر منه بالماضي كالخبر منه بالاستقبال. ومذهب سيبويه: أنهم رأوا حكمةً وعلماً
فقيل لهم: إن الله عزَّ وجلَّ كان كذلك [ولم يَزَلْ، أي: ] لم يزل على ما رأيتم (٥).
السادسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ﴾ الآيتين.
(١) المحرر الوجيز ١٨/١.
(٢) كذا نقل المصنف عن ابن عطية في المحرر الوجيز ١٨/١ من قول مكي، والذي في مشكل إعراب
القرآن لمكي ١٩٢/١: ((فريضة)) نصب على المصدر، والذي قال إنها نصب على التوكيد والحال
الزجاج في معاني القرآن ٢٥/٢ .
(٣) في النسخ الخطية: يشفع بعضهم لبعض، والمثبت من (م) وهامش (د).
(٤) في (م): لوجوب.
(٥) تفسير أبي الليث ٣٣٨/١، وقول الزجاج في معاني القرآن ٢٥/٢ ونسبه للحسن، وأورد أيضاً قول
سيبويه، وما بين حاصرتين منه.

١٢٦
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
الخطابُ للرجال. والولد هنا بنو الصُّلْب، وبنو بنيهم وإن سَفَلوا، ذُكرانَاً وإناثاً ،
واحداً فما زاد، بإجماع(١). وأجمع العلماء على أن للزَّوج النصفَ مع عَدَم الولد أو
وَلَد الولد، وله مع وجوده الربع. وترث المرأة من زوجها الربعَ مع فَقْدِ الولد، والُّمنَ
مع وجوده. وأجمعوا على أن حكم الواحدة من الأزواج والثنتين والثلاثِ والأربع في
الربع إن لم يكن له ولد، وفي الثمن إن كان له ولدٌ واحد، وأنهنَّ شركاء في ذلك(٢)؛
لأن(٣) الله عزَّ وجلَّ لم يفرّق بين حكم الواحدة منهنَّ وبين حُكم الجميع، كما فرّق
بين حكم الواحدة من البنات والواحدة من الأخوات وبين حكم الجميع منهنّ.
السابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةٍ أَوِ امْرَأَةٌ﴾
الكَلالة مصدر، مِن تكلَّله النسب، أي: أحاط به. وبه سُمِّي الإكليل، وهي منزلةٌ من
منازل القمر، لإحاطتها بالقمر إذا احتلّ(٤) بها. ومنه الإكليل أيضاً، وهو التاج
والعِصابة المحيطة بالرأس. فإذا مات الرجل وليس له ولدٌ ولا والد، فوَرَثُه كلالة(٥).
هذا قول أبي بكر الصدِّيقِ وعمر وعليٍّ وجمهورِ أهل العلم(٦).
وذكر يحيى بن آدم، عن شَرِيكٍ وزهير وأبي الأَخْوَص، عن أبي إسحاق، عن
سليمان بن عبْدٍ قال: ما رأيتُهم إلَّا وقد تواطؤوا وأجمعوا على أن الكَلالة مَن مات
ليس له ولد ولا والد(٧). وهكذا قال صاحب كتاب العين(٨) وأبو منصور اللُّغوِيٌّ(٩)
(١) المحرر الوجيز ١٨/١.
(٢) الإجماع ص٦٩، والإقناع ٢٨١/١، كلاهما لابن المنذر.
(٣) قبلها في (ز) و (د): أي لهن، وفي (خ) و (ظ) و (ف): أو لهن.
(٤) في (ظ): حل.
(٥) التمهيد ١٨٤/٥.
(٦) الاستذكار ٤٦٢/١٥، والمفهم ٣٧١/٢ .
(٧) التمهيد ١٩٧/٥ .
(٨) كذا قال المصنف هنا، وابن العربي في أحكام القرآن ٣٤٦/١، والذي في كتاب العين ٢٧٩/٥ :
الكُلُّ: الرجل الذي لا ولد له، والفعل: كلَّ يكِلَّ كلالة، وهو ما نقله ابن عبد البر في التمهيد ١٨٥/٥
عن الخليل .
(٩) هو الأزهري، وكلامه في تهذيب اللغة ٤٤٨/٩ .

١٢٧
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
وابنُ عرفةَ والقُتَبِيُّ (١) وأبو عبيد وابن الأنباري. فالأبُ والابن طرفان للرجل؛ فإذا
ذهبا تكلَّله النسب. ومنه قيل: روضة مكلَّلة: إذا حُفَّت بالنَّوْر(٢). وأنشدوا:
مسكنُهُ روضةٌ مُكَلَّلَةٌ عَمَّ بها الأَيْهُقان والذُّرَق(٣)
يعني نبتين. وقال امرؤ القيس :
كلمعِ اليَدينِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلٍ(٤)
أصاحِ ترى بَرْقاً أُرِيكَ ومِيضَه
فسَمَّوا القرابة كَلَالَةٌ؛ لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه، وليسوا منه ولا هو منهم،
وإحاطتُهم به أنهم ينتسبون معه. كما قال أعرابيٍّ: مالي كثير، ويرِثني كلالةٌ مُتَراخٍ
نسبُهم(٥). وقال الفرزدق:
عن ابني منافٍ عبدِ شمسٍ وهاشمٍ(٦)
ورِثتُم قناةَ المجد لا عن كلالةٍ
وقال آخر:
ومَوْلَى الكلالةِ لا يغضَبُ(٧)
وإنَّ أبا المَرْءِ أحْمَى له
وقيل: إن الكلالة مأخوذةٌ من الكَلَال، وهو الإعياء، فكأنه يصيرُ الميراثُ إلى
(١) تفسير غريب القرآن ص١٢١ .
(٢) التمهيد ١٨٤/٥.
(٣) لم نقف على قائله، وهو في العين ٢٨٠/٥، والتمهيد ١٨٥/٥.
(٤) ديوانه ص٢٤، والكتاب ٢/ ٢٥٢ وهو فيهما برواية: أَحَارٍ ...
قال ابن الأنباري في شرح المعلقات ص٩٩ : قوله: أصاح، معناه: يا صاحب، وقوله: أحارٍ، معناه:
يا حارث، مرخم. وقوله: وميضه، معناه: خَطَرانه وبريقه، وقوله: كلمع اليدين: كحركة اليدين، في
حبيٍّ: وهو ما حَبًا لك من السحاب أي: ارتفع وقال شارح الديوان: المكلل: الذي في جوانب السماء
کالا کلیل.
(٥) ينظر مجمل اللغة ٧٦٥/٣ .
(٦) ديوانه ٢/ ٨٥٢ برواية: ورثتم قناة الملك غيرَ كلالة ...
(٧) لم نقف على قائله، وهو في معاني القرآن للزجاج ٢٦/٢، وتهذيب اللغة ٤٤٩/٩، وأحكام القرآن
لابن العربي ٣٤٦/١، والمفهم ٢/ ١٧٢ .

١٢٨
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
الوارث عن بُعدٍ وإعياء(١). قال الأعشى:
ولا مِن وَجَّى حتى تُلاقي محمداً(٢)
فآلَيتُ لا أَرْثي لها مِن كَلالة
وذكر أبو حاتم والأثرم عن أبي عبيدةَ قال: الكلالة: كُلُّ مَن لم يرثه أبٌ أو ابن
أو أخ، فهو عند العرب گلالة.
قال أبو عمر (٣): ذِكْر أبي عبيدةَ الأَخَ هنا مع الأب والابن في شرط الكَلالة غلطٌ
لا وجهَ له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيرهُ.
ورُوي عن عمر بن الخطاب أن الكَلَالة مَن لا ولدَ له خاصَّة، ورُوي عن أبي
بكر، ثم رجعا عنه(٤). وقال ابن زيد: الكَلالةُ: الحيُّ والميت جميعاً(٥). وعن عطاء:
(١) المفهم ٢/ ١٧٢ .
(٢) ديوانه ١٨٥، والأغاني ٩/ ١٧٥، برواية : ... ولا مِن حَفَّى حتى تزور محمداً
والوجى: الحفى. اللسان (وجی).
(٣) التمهيد ١٨٥/٥، وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن ١١٨/١.
(٤) كذا نقل المصنف عن ابن عطية في المحرر الوجيز ١٩/١، ولم نقف لأبي بكر إلا على قول واحد،
وهو أن الكلالة مَن لا ولد له ولا والد، كما في مصنف عبد الرزاق ٣٠٤/١٠ ، ومصنف ابن أبي شيبة
٤١٥/١١، ومسند الدارمي (٣٠١٥)، وتفسير الطبري ٤٧٥/٦ - ٤٧٦، وسنن البيهقي ٢٢٣/٦،
والتمهيد ١٩٥/٥ - ١٩٧، والاستذكار ٤٦٢/١٥، وأحكام القرآن لابن العربي ٣٤٧/١، وللكيا
الطبري ٣٦٠/٢، والمفهم ١٧١/٢ .
أما عمر فعنه روايتان كما ذكر ابن العربي ٣٤٧/١، والكيا الطبري ٣٦٠/٢ . الأولى مثل قول أبي
بكر، وهي في المصادر السالفة، والثانية ما أخرجه عبد الرزاق (١٩١٩٣) وسعيد بن منصور (٥٩١)
(التفسير) والبيهقي ٢٢٤/٦ من طريق الشعبي قال: كان أبو بكر يقول: الكلالة من لا ولد له ولا والد،
قال: وكان عمر يقول: الكلالة من لا ولد له، فلما طعن عمر قال: إني لأستحيي أن أخالف أبا بكر،
أرى الكلالة ما عدا الولد والوالد.
وأخرج عبد الرزاق (١٩١٨٧)، وابن أبي شيبة ٤١٥/١١، وسعيد بن منصور (٥٨٩) (التفسير)،
والطبري ٦/ ٤٨٠، والحاكم ٣٠٣/٢ - ٣٠٤، والبيهقي ٢٢٥/٦ . عن ابن عباس قال: كنت آخر
الناس عهداً بعمر، فسمعته يقول: الكلالة مَن لا ولد له. وصححه الحاكم، وقال البيهقي: كذا في هذه
الرواية، والذي روينا عن عمر وابن عباس أشبه بدلائل الكتاب والسنة من هذه الرواية، وأولى أن يكون
صحيحاً؛ لانفراد هذه الرواية، وتظاهر الروايات عنهما بخلافها.
(٥) أخرجه الطبري ٦ / ٤٨١ .

١٢٩
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
الكلالة: المال(١). قال ابن العربيّ(٢): وهذا قول طريفٌ لا وجهَ له.
قلت: له وجْهٌ يتبيَّن بالإعراب آنفاً.
ورُوي عن ابن الأعرابيِّ أن الكَلالة بنو العَمِّ الأباعد. وعن السُّدِّيّ أنَّ الكَلالة
الميت(٣). وعنه مثل قول الجمهور.
وهذه الأقوال تتبيَّن وجوهُها بالإعراب، فقرأ بعض الكوفيين: ((يُورِّثُ كلالةً))،
بكسر الراء وتشديدها. وقرأ الحسن وأيوب: ((يُورِث))، بكسر الراء وتخفيفها، على
اختلافٍ عنهما. وعلى هاتين القراءتين لا تكون الكلالةُ إلّا الورثةَ أو المال. كذلك
حَكى أصحاب المعاني(٤)، فالأول مِن: ورَّث، والثاني من: أَوْرَث. و((كلالةٌ))
مفعولُه، و ((كان)» بمعنى: وقع.
ومَن قرأ: ((يُورَثُ)) بفتح الراء، احتَمَل أن تكون الكَلالةُ المالَ، والتقدير: يورَث
وِراثةً كَلالةً، فتكون نعتاً لمصدرٍ محذوف. ويجوز أن تكون الكَلالة اسماً للورثة،
وهي خبر ((كان))، فالتقدير: ذا كَلالة(٥). ويجوز أن تكون تامةً بمعنى: وقع،
و (يُورَث)) نعتٌ لرجل، و((رَجُلٌ)) رفع بكان، و((كلالةً)) نصب على التفسير أو الحال،
على أن الكلالة هو الميت، التقدير: وإن كان رجل يورَث متكلِّلَ النسب إلى الميت.
الثامنة والعشرون: ذكر الله عزَّ وجلَّ في كتابه الكَلالةَ في موضعين: آخِر السورة
وهنا، ولم يَذكر في الموضعين وارثاً غيرَ الإخوة. فأما هذه الآية فأجمع العلماء على
أن الإخوة فيها عُنيَ بها الإخوة للأمّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ
(١) أورده ابن عبد البر في التمهيد٥/ ٢٠١ .
(٢) في أحكام القرآن ١/ ٣٤٧ .
(٣) المفهم ٢/ ١٧١، وقول السدي أخرجه الطبري ٦ / ٤٨٠.
(٤) التمهيد ٢٠١/٥، وقراءة: ((يورِّث)) بالتشديد نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٥ للحسن،
ونسبها ابن جني في المحتسب ١/ ١٨٢ لعيسى بن عمر الثقفي، وقراءة: ((يورث)) بالتخفيف نسبها ابن
خالويه للأعمشِ، وابنُ جني للحسن.
(٥) في النسخ: ذا ورثة، غير (ظ)، ففيها: ذا وراثة، والمثبت من مشكل إعراب القرآن ١٩٢/١، والكلام منه.

١٣٠
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
شُرَكَاءُ فِ الثُّلُثِ﴾. وكان سعد بن أبي وقَّاص: يقرأ: ((وله أخٌ أو أختٌ مِن أمِّه))(١)،
ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم، أو للأب، ليس ميراثهم هكذا(٢)؛
فدلَّ إجماعُهم على أن الإخوة المذكورين في آخر السورة هم إخوة المتوفَّى لأبيه وأمه
أو لأبيه؛ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن كَانُوَاْ إِخْوَةً ◌ِّجَالًا وَنِسَآءُ فَلِلذَّكَرٍ مِثْلُ حَظِ الْأُنَيْنِ﴾
ولم يختلفوا أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا؛ فدلَّت الآيتان أن الإخوة كلَّهم جميعاً
كَلالة. وقال الشَّعبيُّ: الكلالة ما كان سوى الولدِ والوالدِ من الورثة، إخوةً أو غيرهم
من العصبة. كذلك قال عليٍّ وابن مسعود وزيد وابن عباس، وهو القول الأول الذي
بدأنا به(٣).
قال الطبريُّ: والصوابُ أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده؛
لصحة خبر جابر: فقلتُ: يا رسول الله، إنما يرثني كَلالة(٤)، أفأوصي بمالي كلِّه؟
قال: ((لا))(٥).
التاسعة والعشرون: قال أهل اللغة: يقال: رجلٌ كَلالةٌ وامرأة كَلالة. ولا يثنَّى
ولا يُجمع؛ لأنه مصدر، كالوكالة والدلالة والسماحة والشجاعة. وأعاد ضميرَ مفردٍ
في قوله: ((وله أخ))، ولم يقل: لهما. ومضى ذكر الرجل والمرأة على عادة العرب إذا
ذكرت اسمين، ثم أخبرت عنهما وكانا في الحكم سواءً، ربما أضافت إلى أحدهما،
وربما أضافت إليهما جميعاً؛ تقول: مَن كان عنده غلامٌ وجارية فليُحْسِنْ إليه، وإليها،
وإليهما، وإليهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ﴾ [البقرة: ٤٥].
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤١٦/١١، والطبري ٤٨٣/٦، وابن أبي حاتم (٤٩٣٦)، وابن عبد البر في
التمهيد ١٩٩/٥ .
(٢) في (خ) و (م): كهذا، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في التمهيد ١٩٩/٥.
(٣) التمهيد ٥/ ١٩٧، ١٩٩ - ٢٠٠، والاستذكار ١٥/ ٤٦٢، ٤٦٤ - ٤٦٥.
(٤) تفسير الطبري ٦/ ٤٨١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عبد البر في التمهيد ٢٠٢/٥ ، وحديث جابر
أخرجه أحمد (١٤١٨٦) والبخاري (١٩٤)، ومسلم (١٦١٦): (٨)، وقد تقدم بعض ألفاظه ص ٩٧ من
هذا الجزء.
(٥) كذا ذكر المصنف، وهذه الزيادة في الحديث لم يذكرها الطبري في قوله السالف ولا ابن عبد البر في
نقله عنه، وإنما روي هذا القول عن سعد ، كما في مسند أحمد (١٦٥٨٤) وتفسير الطبري ٦/ ٤٨٢.

١٣١
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
وقال تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا فَللَّهُ أَوَلَى بِهِمَّا﴾ [النساء: ١٣٥] ويجوز: أوْلَى
بهم؛ عن الفراء وغيره(١).
ويقال في امرأة: مرأة، وهو الأصل. وأخ أصله: أخَوٌّ، يدل عليه: أخوان؛
فُحذِف منه وغيِّر على غير قياس. قال الفراء: ضُمَّ أولُ أختٍ؛ لأن المحذوف منها
واو، وكُسر أول بنت؛ لأن المحذوف منها ياء(٢). وهذا الحذف والتعليل على غير
قياس أيضاً (٣).
الموفية ثلاثين: قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى
الثُّلُثِ﴾ هذا التشريكُ يقتضي التسويةَ بين الذكر والأنثى وإن كَثُروا. وإذا كانوا
يأخذون بالأمِّ فلا يفضَّلُ الذكر على الأنثى. وهذا إجماع من العلماء، وليس في
الفرائض موضعٌ يكون فيه الذكر والأنثى سواءً إلَّا في ميراث الإخوة للأم. فإذا ماتت
امرأةٌ وتركت زوجَها وأمَّها وأخاها لأمها، فللزوج النصفُ، وللأم الثلث، وللأخ من
الأم السدس. فإن تركت أخوين وأختين - والمسألة بحالها - فللزوج النصف، وللأم
السدس، وللأخوين والأختين الثلث، وقد تمت الفريضة. وعلى هذا عامةُ الصحابة؛
لأنهم حجبوا الأمَّ بالأخ والأخت من الثلث إلى السدس.
وأما ابن عباس فإنه لم ير العَوْلَ(٤)، ولو جُعل للأم الثلثُ لعالت المسألة، وهو
لا يرى ذلك. والعَوْلُ مذكور في غير هذا الموضع، ليس هذا موضعَه.
فإن تركت زوجها وإخوةً لأم، وأخاً لأبٍ وأم، فللزوج النصفُ، ولإخوتها لأمها
الثلث، وما بقي فلأخيها لأمها وأبيها. وهكذا مَن له فرضٌ مُسَمَّى أُعطيَه، والباقي
(١) معاني القرآن ٢٥٨/١، وتفسير البغوي ٤٠٤/١ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٤١/١ .
(٣) المحرر الوجيز ١٩/١.
(٤) العول: عول الفريضة، وهو أن تزيد سهامها فيدخل النقص على أهل الفرائض. غريب الحديث لأبي
عبيد ٣٨٤/٤ .

١٣٢
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
للعصبة إن فضل.
فإن تركت ستةً إخوةٍ مفترقين(١) فهذه الحِمَاريَّة، وتسمَّى أيضاً المُشْتَرَكة. قال
قوم: للإخوة للأم الثلثُ، وللزوج النصفُ، وللأم السدس، وسقط الأخ والأخت من
الأب والأم، والأخُ والأختُ من الأب. رُوي عن عليٍّ وابن مسعود وأبي موسى
والشَّعبيِّ وشَريكٍ ويحيى بن آدم، وبه قال أحمد بن حنبل، واختاره ابن المنذر(٢)؛
لأن الزوج والأمَّ والأخوين للأمِّ أصحابُ فرائضَ مسمَّاةٍ، ولم يبق للعَصَبة شيء.
وقال قوم: الأم واحدة، وهَبْ أن أباهم كان حماراً! وأشركوا بينهم في الثلث؛
ولهذا سُمِّيت: المُشْتَرَكة والحِمَارِيَّة. رُوي هذا عن عمر وعثمان وابن مسعود أيضاً،
وزيد بنٍ ثابت ومسروق وشُريح، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق. ولا تستقيم هذه
المسألة أنْ لو كان(٣) الميت رجلاً (٤).
فهذه جملةٌ من علم الفرائض تضمَّنتها الآية، والله الموافق للهداية.
وكانت الوراثة في الجاهلية بالرُّجولية والقوة، وكانوا يورِّثون الرجال دون
النساء؛ فأبطل الله عزَّ وجلَّ ذلك بقوله: ﴿لِلِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ ﴿وَلِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ كما تقدَّم.
وكانت الوراثة أيضاً في الجاهلية وبَدْءِ الإسلام بالمحالَفة، قال الله عزَّ وجلَّ:
((وَالَّذِينَ عاقدتَ أَيْمَانُكُمْ)) [النساء: ٣٣] على ما يأتي بيانه.
ثم صارت بعدُ المحالفةُ بالهجرة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ
مِّن وَلَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢] وسيأتي(٥). وهناك يأتي القولُ في ذوي
(١) في (د): متفرقين.
(٢) الإقناع ١/ ٢٨٤ .
(٣) في (د): إذ لو كان، وفي (خ): إن كان.
(٤) ينظر التهذيب في الفرائض للكلوذاني ص١٩٠ - ٢٠٣، والمغني ٢٤/٩، ومختصر اختلاف العلماء
للجصاص ٤٦٠/٤، والمحرر الوجيز ١٩/٢ - ٢٠.
(٥) تفسير البغوي ٣٩٩/١، وسيأتي في موضعه.

١٣٣
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
الأرحام وميراثِهم، إن شَاء الله تعالى. وسيأتي في سورة النور ميراثُ ابن الملاعَنة
وولد الزنا والمكاتب(١) بحول الله تعالی.
والجمهور من العلماء على أن الأسير المعلومَ حياتُه أن ميراثه ثابت؛ لأنه داخلٌ
في جملة المسلمين الذين أحكامُ الإسلام جاريةٌ عليهم. وقد رُوي عن سعيد بن
المُسَيِّب أنه قال في الأسير في يد العدوِّ: لا يرث(٢). وقد تقدَّم ميراث المرتدِّ في
سورة ((البقرة))(٣) والحمد لله.
الحادية والثلاثون: قوله تعالى: ﴿غَيّرَ مُضَآرٍ﴾ نصب على الحال، والعاملُ
(يوصَى)). أي: يوصي بها غير مضار(٤) ، أي: غيرَ مُدخلِ الضررَ على الورثة. أي: لا
ينبغي أن يوصيَ بدينٍ ليس عليه ليضرَّ بالورثة، ولا يُقِرَّ بدَين. فالإضرارُ راجعٌ إلى
الوصية والدَّين؛ أما رجوعهُ إلى الوصية فبأن يزيدَ على الثلث، أو يُوصِيَ لوارث، فإن
زاد فإنه يُردّ، إلَّا أنْ يُجيزه الورثةُ؛ لأن المنع لحقوقهم لا لحقِّ الله تعالى. وإن أَوْصَى
الوارثٍ فإنه يرجع ميراثاً (٥). وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز(٦). وقد
تقدَّم هذا في ((البقرة))(٧).
(١) ميراث ابن الملاعنة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [الآية: ٦]، في المسألة التاسعة
والعشرين، وميراث المكاتب عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾
[الآية: ٣٣]، في المسألة السادسة عشرة.
(٢) وهو أيضاً إحدى الروايتين عن النخعي كما ذكر الكلوذاني في التهذيب في الفرائض ص٣٣٣، وقد
ذكره المصنف ص٩٩- ١٠٠ من هذا الجزء عن النخعي ولم يذكر هناك سعيد بن المسيب، وأخرجه عن
سعيد والنخعي ابن أبي شيبة ٣٨١/١١. وينظر المغني ١٢٤/٩.
(٣) ٤٣١/٣ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٤١ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٣٥١/١.
(٦) الإجماع ص٧٤، قال ابن المنذر: وأجمعوا أن لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة ذلك.
(٧) ٩٩/٣ - ١٠٠.

١٣٤
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
وأما رجوعُه إلى الدَّين فبالإقرار في حالةٍ لا يجوز له فيها، كما لو أَقرَّ في مرضه
لوارثه أو لصديقٍ مُلاطِفٍ؛ فإنَّ ذلك لا يجوز عندنا(١).
ورُوي عن الحسن أنه قرأ: ((غير مضارٍّ وصِيةٍ مِنَ اللهِ)) على الإضافة. قال
النحاس(٢): وقد زعم بعض أهل اللغة أن هذا لَحْرٌ؛ لأن اسم الفاعل لا يُضافُ إلى
المصدر. والقراءة حسنةٌ على حذفٍ، والمعنى: غيرَ مُضَارِّ ذي وصية، أي: غير
مضارِّ بها وَرَثَتَه في ميراثهم.
وأجمع العلماء على أن إقراره بدين لغير وارث حال المرض جائز إذا لم يكن
عليه دَيْن في الصحة(٣).
الثانية والثلاثون: فإن كان عليه دَيْن في الصحة ببيِّنةٍ، وأقرَّ لأجنبيٍّ بدَين، فقالت
طائفة: يُبدأ بدَين الصحة. هذا قول النَّخَعِيِّ والكوفيين؛ قالوا: فإذا استوفاه صاحبُه
فأصحابُ الإقرار في المرض يتحاصُّون.
وقالت طائفة: هما سواءٌ إذا كان لغير وارث. هذا قول الشافعيِّ وأبي ثور وأبي
عبيد، وذكر أبو عبيد أنه قولُ أهل المدينة(٤)، ورواه عن الحسن.
الثالثة والثلاثون: قد مضى في ((البقرة)) الوعيدُ(٥) في الإضرار في الوصية
ووجوهها(٦). وقد روى أبو داود (٧) من حديث شَهْر بن حَوْشَب - وهو مطعونٌ فيه -
عن أبي هريرة حدَّثه أن رسول اللـه ﴾ قال: ((إن الرجل أو المرأةَ ليعملُ بطاعة الله
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٣٥١/١.
(٢) معاني القرآن ٣٧/٢ - ٣٨، وقراءة الحسن في القراءات الشاذة ص٢٥، والمحتسب ١٨٣/١.
وسيذكرها المصنف في المسألة الرابعة والثلاثين.
(٣) الإجماع ص٧٥ .
(٤) ينظر المغني ٣٣٢/٧.
(٥) في (خ): القول.
(٦) تقدم ١٢٠/٣.
(٧) سنن أبي داود ٢٨٦٧، وقد تقدم ١٢٠/٣.

١٣٥
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
ستِّين سنةً، ثم يَخْضُرُهُما الموتُ، فيُضَارَّان في الوصية، فتجِبُ لهما النارُ)). قال:
وقرأ عليَّ أبو هريرة من هاهنا: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍ﴾ حتى
بلغ ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وقال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر. ورواه عن النبي ﴾(١) إلَّا أن
مشهورَ مذهبٍ مالكٍ وابن القاسم: أن الموصِيَ لا يعدُّ فعلُه مُضَارَّة في ثُلُثه؛ لأن ذلك
حقُّه، فله التصرف فيه كيف شاء. وفي المذهب قولٌ: أن ذلك مُضارَّةٌ تُردّ(٢). وبالله
التوفيق.
الرابعة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةٌ﴾ ((وَصِيَّةً)) نصب على المصدر في
موضع الحال، والعاملُ ((يُوصيكم)). ويصحُّ أن يعمل فيها ((مُضَارِّ)) والمعنى أن يقع
الضررُ بها أو بسببها، فأُوقع عليها تَجوُّزاً، قاله ابن عطية (٣)؛ وذكر أن الحسن بن أبي
الحسن قرأ: ((غَيْرَ مُضَارِّ وَصِيّةٍ)) بالإضافة(٤)؛ كما تقول: شجاعُ حربٍ. وبَضَّةُ
المُتَجَرَّدِ؛ في قول طَرَفة بن العبد(٥). والمعنى على ما ذكرناه من التجوُّز في اللفظ
لصحة المعنى.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيهُ حَلِيٌ﴾ يعني عليم بأهل الميراث، حليمٌ على أهل الجهل
منكم. وقرأ بعض المتقدِّمين: ((والله عليم حكيم)) يعني حكيم بقسمة الميراث
والوصية(٦).
(١) تقدم ٣/ ١٢٠، ونَقلنا ثمة عن البيهقي أن الصحيح موقوف.
(٢) المحرر الوجيز ٢٠/٢، وينظر المدونة ٢٧٦/٥ .
(٣) في المحرر الوجيز ٢/ ٢٠ .
(٤) تقدمت هذه القراءة في المسألة الحادية والثلاثين.
(٥) ديوانه ص٣١، والبيت من معلقته، وتمامه:
رَحِيبٌ قِطَابُ الجيبِ منها رقيقةٌ
بجَسِّ النَّدامى بَضَّةُ المُتَجرَّدِ
قال ابن جني في المحتسب ١/ ١٨٣ : أي بضَّةٌ عند تجرُّدها.
(٦) تفسير أبي الليث ٣٣٨/١، ولم نقف على هذه القراءة الشاذة عند غيره.

١٣٦
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٥
الخامسة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ ((تِلْكَ)) بمعنى هذه، أي:
هذه أحكام الله قد بيَّنها لكم لتعرفوها وتعملوا بها ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في
قسمة المواريث، فيُقرُّ بها(١) ويعمل بها كما أمره الله تعالى ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ جملةٌ في موضع نصبٍ على النعت لجنات. وقوله:
﴿وَمَنْ يَعْصِ اُللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يريد في قسمة المواريث، فلم يقسِمها ولم يعمل بها
﴿وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ﴾ أي: يخالف أمره ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا﴾(٢). والعصيان إنْ
أُرِيدَ به الكفر، فالخلودُ على بابه، وإن أريد به الكبائر وتجاوُزُ أوامرِ الله تعالى،
فالخلودُ مستعارٌ لمدَّةٍ ما. كما تقول: خلَّد الله ملكه. وقال زهير:
ولا خالداً إلا الجبالَ الرواسيا(٣)
وقد تقدَّم هذا المعنى في غير موضع.
وقرأ نافع وابن عامر: ((نُدْخِلْهُ)) بالنون في الموضعين، على معنى الإضافة إلى
نفسه سبحانه. الباقون بالياء كلاهما (٤)؛ لأنه سَبَقَ ذِكْرُ اسم الله تعالى، أي: يدخله
الله.
قوله تعالى: ﴿وَأَلَِّ يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن ◌ِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةٌ
مِنكُمَّ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُهُنَ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ
١٥
سَبِيلًا
فيه ثمان مسائل :
الأولى: لمَّا ذكر الله تعالى في هذه السورة الإحسانَ إلى النساء، وإيصالَ
صَدُقاتهنَّ إليهنَّ، وانجرَّ الأمرُ إلى ذكر ميراثهنَّ مع مواريث الرجال، ذكر أيضاً
(١) في (ظ): فيفرقها.
(٢) تفسير أبي الليث ٣٣٩/١ .
(٣) ديوانه ص ١٧٠، وقد تقدم ٢٤١/١ وصدره: ألا لا أرى على الحوادث باقيا.
(٤) السبعة ص ٢٢٨، والتيسير ص ٩٤ .

١٣٧
سورة النساء: الآية ١٥
التغليظَ عليهنَّ فيما يأتين به من الفاحشة؛ لئلا تتوهّم المرأة أنه يَسُوغُ لها تركُ التعفُّف.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالَِّ﴾ ((اللَّتي)) جمع الَّتي، وهو اسمٌ مُبْهَمٌ للمؤنَّث،
وهي معرفةٌ، ولا يجوز نزعُ الألف واللام منه للتنكير، ولا يتمُّ إلا بصِلَته، وفيه ثلاثُ
لغات كما تقدَّم (١). ويجمع أيضاً: ((اللَّاتِ)) بحذف الياء وإبقاء الكسرة، و((اللائي))
بالهمز وإثباتِ الياء، و((اللاءٍ)) بكسر الهمزة وحذفِ الياء، و((واللّا)» بحذف الهمزة.
فإن جَمعتَ الجمعَ قلتَ في اللَّاتي: اللَّوَاتي، وفي اللَّاءِ: اللَّوائي. وقد رُوي عنهم
((اللواتِ)) بحذف الياءِ وإبقاءِ الكسرة، قاله ابن الشَّجَري(٢). قال الجوهريُّ(٣): أنشد
أبو عبيد :
من اللَّواتي والتي واللَّاتِ زَعمْنَ أنْ قد كَبِرتْ لِداتٍ(٤)
واللَّوَا بإسقاط التاء. وتصغير التي اللَّتَيًا بالفتح والتَّشديد، قال الراجز(٥):
بعد اللَّتَيَّا واللَّتيًّا والتي
وبعضُ الشعراء أدخل على ((التي)) حرفَ النداء، وحروفُ النداء لا تَدخلُ على ما
فيه الألفُ واللام إلَّا في قولنا: يا ألله، وحدَه، فكأنَّه شبَّهها به من حيث كانت الألفُ
واللامُ غيرَ مُفارٍقَتين لها. وقال:
مِنَ اجْلِكِ يا الَّتِي تَيَّمْتِ قَلبي
وأنتِ بَخِيلةٌ بالوُدِّ عنِّي(٦)
(١) ٣٥٣/١.
(٢) في الأمالي ٦٠/٣.
(٣) الصحاح (لتي)، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٤) تقدم ١/ ٣٥٣.
(٥) هو العجاج، وقد تقدم ١/ ٣٥٤ ، وبعده: إذا عَلَتْها أَنْفُسٌ تَرَدَّتِ
(٦) من شواهد الكتاب ١٩٧/٢، وهو في الصحاح (لتي)، وشرح المفصل ٨/٢، والخزانة ٢٩٣/٢
برواية : ... بالوصل عني، وفي الإنصاف ٣٣٦/١ برواية: فديتُكِ يا التي ...
قال البغدادي: وهذا من الأبيات الخمسين التي لم يُعرف لها قائل ولا ضَمِيمة.

١٣٨
سورة النساء: الآية ١٥
ويقال: وقع [فلان] في اللََّيًّا والَّتي، وهما اسمان من أسماء الداهية.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ﴾ الفاحشةُ في هذا الموضع: الزِّنا،
والفاحشةُ الفَعْلَةُ القبيحة، وهي مصدر، كالعاقبة والعافية. وقرأ ابنُ مسعود:
((بالفاحشة)) بباء الجر (١).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿مِن ◌ِسَابِكُمْ﴾ إضافةٌ في معنى الإسلام، وبيان حال
المؤمناتِ، كما قال: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لأن الكافرة قد
تكونُ من نساء المسلمين بنَسَبٍ، ولا يَلْحِقُها هذا الحكم(٢).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةُ مِّنكُمْ﴾ أي: من المسلمين،
فجعل الله الشهادةَ على الزِّنا خاصةً أربعةً؛ تغليظاً على المدَّعي؛ وسَتراً على
العباد(٣). وتعديلُ الشُّهود بالأربعة في الزِّنا حكم ثابتٌ في التوراة والإنجيل
والقرآن(٤)؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَّةَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ
جَْدَةً﴾ [النور: ٤]، وقال هنا: ﴿فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾.
وروى أبو داود(٥) عن جابر بن عبدالله قال: جاءت اليهودُ برجل وامرأةٍ منهم
زنّيًا، فقال(٦): ((ائتُوني بأَعْلَمِ رَجُلَیْن منكُم)). فأَتَوْه بابْنَيْ صُوريا، فنشدهما: ((كيف
تَجِدان أَمْرَ هذَيْنِ في التَّوراة))؟ قالا: نجدُ في التوراة إذا شهد أربعةٌ أنهم رأوا ذَكَره في
فَرْجها مثلَ المِيل في المُكْحُلَةِ، رُجِما. قال: ((فما يمنعُكما أنْ ترجُموهما))، قالا:
ذَهب سلطانُنا، فكرِهنا القتل، فدعا رسولُ الله ﴾ بالشهود، فجاؤوا، فشهدوا أنهم
(١) معاني القرآن للفراء ٢٥٨/١، وتفسير الطبري ٤٩٨/٦، والكشاف ٥١١/١، والمحرر الوجيز ٢١/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٢/ ٢١ .
(٣) المصدر السابق.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٣٥٦/١.
(٥) في سننه (٤٤٥٢).
(٦) يعني النبي#؛ قال ابن حجر في نخبة الفكر ص ١٠٥ - ١٠٦ : وقد يقتصرون على القول مع حذف
القائل ويريدون النبي #؛ كقول ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال : ... تقاتلون قوماً ... الحديث.

١٣٩
سورة النساء: الآية ١٥
رَأَوْا ذَكَرِه في فرجها مثلَ الميل في المُكْحُلَةِ، فأمرَ رسولُ اللـه لَ بَرَجْمِهما.
وقال قومٌ: إنما كان الشهودُ في الزِّنا أربعةً ليترتب شاهدان على كلِّ واحدٍ من
الزانيين كسائر الحقوق، إذْ هو حقٌّ يؤخذ من كلِّ واحدٍ منهما.
وهذا ضعيف(١)؛ فإن اليمينَ تدخلُ في الأموال، واللَّوْثَ في القَسَامة(٢)، ولا
مَدْخلَ لواحدٍ منهما هنا.
السادسة: ولا بدَّ أن يكون الشهود ذكوراً؛ لقوله: ((مِنْكُمْ))، ولا خِلافَ فيه بين
الأمَّة. وأن يكونوا عدولاً؛ لأن الله تعالى شَرَطَ العدالةَ في البيوع والرَّجعة، وهذا
أعظم، وهو بذلك أَوْلى. وهذا مِن حَمْلِ المطلَقِ على المقيَّد بالدَّليل، على ما هو
مذكورٌ في أصول الفقه. ولا يكونون أهل(٣) ذِمَّةً، وإنْ كانَ الحكم في ذِمَّة(٤)، وسيأتي
ذلك في ((المائدة))(٥) وتعلَّقَ أبو حنيفةَ بقوله: ((أَرْبَعَةً مِنْكُمْ)) في أنَّ الزوجَ إذا كان أحدَ
الشهود في القذف لم يلاعن. وسيأتي بيانُه في ((النور))(٦) إن شاء الله تعالى.
السابعة: قوله تعالى: ﴿فَإِن شَهِدُواْ فَمْسِكُهُنَ فِى الْبُيُوتِ﴾ هذه أولُ عقوباتٍ
الزُّناة، وكان هذا في ابتداءِ الإسلام، قاله عبادةُ بنُ الصامت والحسنُ ومجاهدٌ، حتى
نُسخَ بالأذى الذي بعده، ثم نُسخ ذلك بآية ((النور)) وبالرجم في الثَّيِّبِ(٧).
وقالت فرقةٌ: بل كان الإيذاءُ هو الأولَ، ثم نُسخ بالإمساك، ولكنَّ التّلاوة أُخّرت
وقُدِّمت؛ ذكره ابن فُؤْرَك(٨).
(١) المحرر الوجيز ٢١/٢.
(٢) سلف ذكر اللَّوث وتعريفه ٢٠٠/٢ .
(٣) كلمة: أهل، من (ظ).
(٤) في (م): على ذمية، وفي (ظ): دينه، والكلام من أحكام القرن لابن العربي ٣٥٦/١.
(٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَاخَرَانٍ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [١٠٦].
(٦) عند تفسير الآية السادسة، المسألة الخامسة عشرة.
(٧) المحرر الوجيز ٢١/٢، وقول الحسن ومجاهد أخرجه الطبري ٦/ ٥٠٤ - ٥٠٥، وحديث عبادة سيأتي
قريباً، وقد رد النحاس أن تكون الآية الثانية ناسخة للأولى، ينظر الناسخ والمنسوخ له ١٦٢/٢ .
(٨) المحرر الوجيز ٢١/٢.

١٤٠
سورة النساء: الآية ١٥
وهذا الإمساكُ والحبسُ في البيوت كان في صَدر الإسلام قبل أن يكثُر الجُناةُ،
فلما كَثُرُوا وخُشيَ فَوْتُهم (١) اتُّخذ لهم سجنٌّ؛ قاله ابن العربي(٢).
الثامنة: واختلفَ العلماءُ؛ هل كان هذا السجنُ حدّاً، أو توعُّداً بالحدّ؟ على
قولين: أحدهما: أنه توغُّدٌ بالحدّ. والثاني: أنه حدّ؛ قاله ابنُ عباس والحسن. زاد ابن
زيد: وأنهم مُنِعوا من النكاح حتى يموتوا، عقوبةً لهم حين طَلَبوا النكاح من غير
وَجْهِه. وهذا يدلُّ على أنه كان حدّاً بل أشدّ، غيرَ أنَّ ذلك الحكم كان ممدوداً(٣) إلى
غاية، وهو الأذى في الآية الأخرى، على اختلافِ التأويلين في أيهما قبلُ، وكلاهما
ممدود إلى غاية، وهي قوله عليه الصلاة والسَّلام في حديث عُبادةَ بنِ الصَّامت:
((خُذوا عنِّي، خُذوا عنِّي، قد جعلَ اللّهُ لهنَّ سبيلاً، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وتغریبُ
عامٍ، والثيِّبُ بالثّيِّب، جَلْدُ مِئةٍ والرَّجْم)). وهذا نحوُ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِقُواْ الْصِيَامَ إِلَى
الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإذا جاء الليلُ ارتفع حكمُ الصيام لانتهاء غايته لا لِنَسْخِه (٤).
هذا قولُ المحققينَ المتأخرينَ من الأصوليين، فإنَّ النسخَ إنما يكونُ في القولين
المتعارضين من كلِّ وجهٍ؛ اللَّذيْن لا يُمكنُ الجمعُ بينهما(٥)، والجمعُ ممكِنٌ بين
الحبس والتغيير(٦)، والجلدِ والرَّجْم.
وقد قال بعضُ العُلماءِ: إنَّ الأذى والتعييرَ باقٍ مع الجَلْدِ؛ لأنَّهما لا يَتعارضانِ،
بل يحملان على شَخص واحدٍ. وأمَّا الحبسُ فمنسوخ بإجماع (٧)، وإطلاق المتقدِّمين
النَّسْخَ على مثل هذا تجوُّزٌ. والله أعلم.
(١) في (م): قوتهم.
(٢) أحكام القرآن ١/ ٣٥٧ .
(٣) في النسخ الخطية: محدوداً، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي
٣٥٧/١ والكلام منه.
(٤) المفهم ٥/ ٨١، وحديث عبادة أخرجه أحمد (٢٢٦٦٦)، ومسلم (١٦٩٠).
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٣٥٤/١ .
(٦) في (د) و (ظ): التغرير.
(٧) المحرر الوجيز ٢٢/٢ .