Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ سورة النساء: الآية ٧ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الشُّفْعة في كلِّ ما لم(١) يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود؛ فلا شفعة))(٢). فجعل عليه الصلاة والسلام الشُّفعة في كلِّ ما يُتأتَّى فيه إيقاعُ الحدود، وعلَّق الشُّفْعة فيما لم يُقسم مما يمكن إيقاع الحدود فيه. هذا دليل الحديث. قلت: ومن الحجة لهذا القول ما خرَّجه الدارقطنيُّ من حديث ابن جُریج، أخبرني صديق بن موسى، عن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن النبيِّ ﴾ أنه قال: ((لا تَعْضِيَةَ على أهل الميراثِ إلَّا ما حَمَلَ القَسْم))(٣). قال أبو عبيد (٤): هو أنْ يموت الرجلُ ويدعَ شيئاً إِنْ قُسِم بين وَرَثته كان في ذلك ضررٌ على جميعهم أو على بعضهم. يقول: فلا يُقْسَم؛ وذلك مثل الجَوْهَرة والحمَّام والطَّيْلَسان، وما أشبه ذلك. والتعضِيَةُ التفريق؛ يقال: عضَّيْتُ الشيءَ إذا فرَّقتَه. ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]. وقال تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَآرٍ﴾ [النساء: ١٢] فنفَى المضَارَّة. وكذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((لا ضَرَرَ ولا ضِرار))(٥). (١) في (م): ما لا. (٢) أخرجه ابن حبان (٥١٨٥) من حديث أبي هريرة . وأخرج أحمد (١٤١٥٧) والبخاري (٢٢١٤) عن جابر رضي الله عنه قال: قضى النبي # بالشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصُرفت الطرق فلا شفعة. وتنظر بقية شواهده في حاشية المسند. (٣) سنن الدارقطني (٤٥١٦)، وأخرجه أيضاً العسكري في تصحيفات المحدثين ٣٣٤/١ وقال: لا تعضية، بالضاد المعجمة والتاءُ مفتوحة، والهاءُ التي في آخرها فهي تاء التأنيث، مثل قولك: تسوية وتبرية ... قال أبو حاتم كما في العلل لابن أبي حاتم ٣٩٢/١: هذا محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، وليس لأبيه صحبة، قال ابن أبي حاتم: قد غلط جماعة صنفوا مسند أبي بكر، فظنوا أن هذا محمد بن أبي بكر الصديق فأدخلوه فيه. وينظر علل الدَّارَ قُطْنِيَّ ١/ ٢٩٠. (٤) غريب الحديث ٢/ ٧ . (٥) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٧٤٥ عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه مرسلاً، وأخرجه أيضاً أبو داود في المراسيل (٤٠٧) عن واسع بن حبان، وروي مرفوعاً فيما أخرجه أحمد (٢٨٦٥) وابن ماجه (٢٣٤١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وأحمد أيضاً (٢٢٧٧٨)، وابن ماجه (٢٣٤١) أيضاً من حديث عبادة بن الصامت ، والدارقطني (٣٠٧٩) و (٤٥٤١)، والحاكم ٢/ ٥٧ من حديث أبي سعيد الخدري ﴾. والدارقطني أيضاً (٤٥٤٢) من حديث أبي هريرة بلفظ: لا ضرر ولا ضرورة، و (٤٥٣٩) من حديث عائشة رضي الله عنها، والطبراني في الكبير (١٣٨٧) من حديث ثعلبة بن أبي مالك . قال ابن المنذر في الإشراف ٤٢٢/٢ : وليس الحديث بصحيح، بل هو مرسل. وقال ابن عبد البر = ٨٢ سورة النساء: الآيتان ٧ - ٨ وأيضاً؛ فإنَّ الآيةَ ليس فيها تعرُّضٌ للقسمة، وإنما اقتضت الآية وجوب الحَظّ والنصيبِ [في التركة] للصغير والكبير؛ قليلاً كان أو كثيراً، ردّاً على الجاهلية، فقال: ﴿لِلِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ ﴿وَلِّسَآءِ نَصِيبٌ﴾ وهذا ظاهر جِدّاً. فأمَّا إبرازُ ذلك النصيب؛ فإنما يؤخذ من دليلٍ آخر؛ وذلك بأنْ يقول الوارث: قد وجب لي نصيبٌ بقول الله عزَّ وجلَّ، فمكُنوني منه، فيقول له شريكه: أمَّا تمكنيك على الاختصاص فلا يمكن؛ لأنه يؤدِّي إلى ضررٍ بيني وبينك من إفساد المال، وتغييرٍ الهيئة، وتنقيصٍ القيمة؛ فيقع الترجيح. والأظهر سقوطُ القسمة فيما يُبطل المنفعةً ويُنقصُ المال(١) مع ما ذكرناه من الدليل. والله الموفق. قال الفرَّاء: ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ هو كقولك: قَسْماً واجباً، وحقّاً لازماً؛ فهو اسمٌ في معنى المصدر، فلهذا انتصب(٢). الزجَّاج: انتصب على الحال. أي: لهؤلاء أنصباءُ في حال الفرض(٣). الأخفش: أي: جَعَل الله ذلك لهم نصيباً (٤). والمفروض: المقدَّرُ الواجب. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ اُلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ وَالْيَ وَالْمَسَكِينُ فَرْزُقُوهُم مِنْهُ وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا فيه أربع مسائل : = كما في جامع العلوم والحكم ٢٠٨/٢: لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث، ولا يسند من وجه صحيح. قلنا: قد حسنه النووي في الأربعين النووية، وقال: وله طرق يقوي بعضها بعضاً. وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم ٢١٠/٢: وهو كما قال ... وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث ... وقال أبو عمرو بن الصلاح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه ومجموعها يقوي الحدیث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به، وقول أبي داود: إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها؛ يشعر بكونه غير ضعيف. (١) أحكام القرآن لابن العربي ٣٢٨/١، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) بنحوه في معاني القرآن للفراء ٢٥٧/١ . (٣) معاني القرآن للزجاج ١٥/٢، قال ابن الأنباري في البيان ٢٤٤/١: وهو أقوى ما قيل فيه. (٤) الوسيط ٢/ ١٥، وينظر معاني القرآن للأخفش ٤٢٢/١، ٤٣٤ . ٨٣ سورة النساء: الآية ٨ الأولى: بَيَّن الله تعالى أن مَن لم يستحقَّ شيئاً إرثاً، وحضر القسمة، وكان من الأقارب، أو اليتامى والفقراءِ الذين لا يرثون، أن يُكْرَموا ولا يُحرَموا، إن كان المال كثيراً؛ والاعتذار إليهم إن كان عقاراً أو قليلاً لا يقبل الرَّضْخَ . وإن كان عطاءً من القليل؛ ففيه أجرٌ عظيم؛ درهمٌ سبقَ (١) مئةَ ألف. فالآية على هذا القول مُحْكَمَةٌ؛ قاله ابن عباس. وامتثل ذلك جماعةٌ من التابعين: عروة بن الزبير وغيره، وأمر به أبو موسى الأشعري(٢). وروي عن ابن عباس أنها منسوخةٌ؛ نسخها قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِىّ أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ (٣) [النساء: ١١]. وقال سعيد بن المسيب: نسخها آية الميراث والوصية(٤). وممن قال إنها منسوخة أبو مالكٍ وعكرمةُ والضحاك(٥). والأوّل أصح؛ فإنها مبيّنةٌ استحقاقَ الورثة لنصيبهم، واستحبابَ المشاركة لمن لا نصيبَ له ممن حَضَرهم(٦). قال ابن جبير: ضيَّع الناس هذه الآية. قال الحسن: ولكن الناس شَخُوا(٧). وفي البخاريِّ(٨) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ (١) في (م): يسبق. (٢) المحرر الوجيز ١٢/٢، وأخرجه عن عروة عبد الرزاق في التفسير ١٤٩/١، وابن أبي شيبة ١٩٥/١١، والطبري ٦/ ٤٤٠، وعن أبي موسى أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٣٣)، وابن أبي شيبة ١٩٤/١١ - ١٩٥، والطبري ٤٤٠/٦. وسيرد قول ابن عباس. (٣) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ١٥٦/٢، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي، قال عنه الحافظ في التقريب ص٤٩ : ضعيف الحديث. (٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١٤٩/١، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٣٧)، والطبري ٦/ ٤٣٥، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ١٥٧/٢. (٥) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٥٨/٢، وأخرجه عن أبي مالك والضحاك: الطبريُّ ٦/ ٤٣٥ - ٤٣٦، وعن عكرمة: أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٣٦). (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٣٢٩/١ . (٧) المحرر الوجيز ١٢/٢، وأخرجه عن ابن جبير والحسن: الطبريُّ ٦/ ٤٣٣. (٨) رقم (٤٥٧٦). ٨٤ سورة النساء: الآية ٨ وَالْيَى وَالْمَسَكِيُ﴾ قال: هي محكمةٌ وليست بمنسوخة. وفي روايةٍ (١) قال: إن ناساً يزعمون أن هذه الآية نُسخت، لا والله ما نُسخت! ولكنها مما تهاون بها(٢)؛ هما والِيان: والٍ يرثُ وذلك الذي يَرزق، ووالٍ لا يرث وذلك الذي يقول بالمعروفِ، يقول: لا أملكُ لك أن أُعطيَك. قال ابن عباس: أَمر الله المؤمنين عند قِسْمةٍ مواريثهم أن يَصِلوا أرحامَهم ويتاماهُم ومساكينَهم من الوصية، فإن لم تكن وصيةٌ؛ وُصل لهم من الميراث. قال النحاس(٣): فهذا أحسنُ ما قيل في الآية، أن يكون على الندب والترغيبِ في فعل الخير، والشكرِ لله عزَّ وجلَّ. وقالت طائفة: هذا الرَّضْخُ واجبٌ على جهة الفرض، يُعطِي الورثةُ لهذه الأصناف ما طابت به نفوسُهم، كالماعُون والثوب الخَلَق وما خفَّ. حَكَى هذا القولَ ابنُ عطية(٤) والقُشَيْريّ. والصحيحُ أن هذا على الندب؛ لأنه لو كان فرضاً لكان استحقاقاً في التركة، ومشاركةً في الميراث، لأحد الجهتين معلومٌ، وللآخرَ مجهول. وذلك مناقِضٌ للحكمة، وسببٌ للتنازع والتقاطع(٥). وذهبت فرقة إلى أن المخاطَبَ والمرادَ في الآية: المحتَضَرُون الذين يقسمون أموالهم بالوصية، لا الورثَةُ. رُوي(٦) عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وابن زيد(٧). فإذا أراد المريض أن يفرِّق ماله بالوصايا وحضره مَن لا يرثُ ينبغي له ألَّا يحرمه. وهذا - والله أعلم - يتنزّلُ حيث كانت الوصية واجبة ولم تنزل آيةُ الميراث. والصحيحُ (١) صحيح البخاري (٢٧٥٩). (٢) في صحيح البخاري: مما تهاون الناس. (٣) الناسخ والمنسوخ ١٥٩/٢ . (٤) المحرر الوجيز ٢/ ١٢ . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٣٢٩/١ . (٦) في (د) و (ز) و (م): وروي، والمثبت من (خ) و (ظ). (٧) المحرر الوجيز ١٣/٢، وأخرج هذه الآثار الطبري ٤٣٦/٦ - ٤٣٧. ٨٥ سورة النساء: الآية ٨ الأولُ، وعليه المعَوَّل. الثانية: فإذا كان الوارث صغيراً لا يتصرَّف في ماله؛ فقالت طائفة: يعطِي وليُّ الوارثِ الصغيرِ من مال محجُوره بقَدْرٍ ما يرى. وقيل: لا يعطي، بل يقول لمن حضر القسمة: ليس لي شيءٌ من هذا المال، إنما هو لليتيم، فإذا بلغ عرَّفْتُه حقَّكم. فهذا هو القولُ المعروف. وهذا إذا لم يُوص الميت له بشيء؛ فإن أوصى يُصرف له ما أوصَى. ورأى عَبِيدةُ ومحمد بن سِيرين أن الرزق في هذه الآية أن يُصنع لهم طعامٌ(١) يأكلونه. وفعَلَا ذلك، ذبحا شاةً من التركة، وقال عَبيدة: لولا هذه الآيةُ لكان هذا من مالي. وروى قتادةُ عن يحيى بن يَعْمُر قال: ثلاثٌ مُحْكَمات تركهنَّ الناس: هذه الآية، وآية الاستئذان ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ [النور: ٥٨]، وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْتَى﴾ (٢) [الحجرات: ١٣]. الثالثة: قوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾ الضمير عائدٌ على معنى القسمة؛ إذْ هي بمعنى المال والميراث؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أُسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَآءٍ أَخِيَةٍ﴾ [يوسف: ٧٦] أي: السقاية؛ لأن الصُّوَاعِ مذكَّر. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((واتَّقِ دعوةَ المظلوم فإنَّه ليس بينه (٣) وبينَ الله حجاب))(٤). فأعاد مذكّراً على معنى الدعاء. وكذلك قوله لسُويد بن طارق الجُعْفِيِّ حين سأله عن الخمر: ((إنَّه ليس بدواءٍ، ولكنَّه داء))(٥)، فأعاد الضميرَ (١) في (م): طعاماً. (٢) ينظر تفسير الطبري ٦/ ٤٤١ - ٤٤٦، والمحرر الوجيز ١٣/٢. (٣) في (د): بينها. (٤) قطعة من حديث ابن عباس أخرجه بهذا اللفظ البخاري (١٤٩٦) و (٤٣٤٧)، وأخرجه أحمد (٢٠٧١) والبخاري (٢٤٤٨) برواية: ((فإنها ليس بينها ... )) وأخرجه مسلم (١٩) برواية: ((فإنه ليس بينها ... )) قال أبو العباس في المفهم ١٨٤/١: الرواية الصحيحة في ((فإنه)) بضمير المذكر، على أن يكون ضميرَ الأمر والشأن، ويحتمل أن يعود على مذكر الدعوة، فإن الدعوة دعاء، ووقع في بعض النسخ: ((فإنها)» بهاء التأنيث. (٥) تقدم ٢/ ٢٣١ . ٨٦ سورة النساء: الآيتان ٨-٩ على معنى الشراب. ومثلُه كثير. يقال: قاسمه المالَ وتقاسماه واقتسماه، والاسم: القِسمةُ، مؤنثة؛ والقَسْم مصدر؛ قسمتُ الشيءَ فانقسم، والموضعُ: مَقْسِم، مثل مَجلِس، وتَقَسَّمهم الدهر فتقسَّموا، أي: فرَّقهم فتفرَّقوا. والتقسيم: التفريق(١). والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لَكْ قَوْلًا مَثُونًا﴾ قال سعيد بن جبير: يقال لهم: خذوا بورِكَ لكم (٢). وقيل: قولوا مع الرزق: ودِدتُ أن لو كان أكثرَ من هذا، وقيل: لا حاجةَ مع الرزق إلى عُذْر، نعم؛ إن لم يُصرف إليهم شيءٌ، فلا أقلَّ من قولٍ جميلٍ ونوعِ اعتذار. قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ حُذفت الألف من ((ليخش)) للجزم بالأمر، ولا يجوز عند سيبويه إضمارُ لام الأمر قياساً على حروف الجرِّ إلَّا في ضرورة الشعر(٣). وأجاز الكوفيون حذفَ اللام مع الجزم(٤)، وأنشد الجميع: إذا ما خِفْتَ مِنْ شيءٍ تَبَالا(٥) محمدُ تَفْدِ نفسَكَ كلُّ نفسٍ أراد: لتقْدٍ، ومفعولُ ((يَخْشَ)) محذوفٌ لدلالة الكلام عليه. (١) الصحاح (قسم). (٢) ذكره النحاس في معاني القرآن ٢٥/٢ . (٣) الكتاب ٨/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٣/٢. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٨/١ . (٥) نُسب للأعشى، وأبي طالب، وحسان، كما ذكر البغدادي في الخزانة ٩/ ١٣،١١، وورد دون نسبة في الكتاب ٨/٣، والمقتضب ١٣٢/٢، وإعراب القرآن النحاس ٤٣٨/١، والإنصاف ٢/ ٥٣٠، وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٥٠. قال الشنتمري في شرح الشواهد ص٣٨٨: التَّال: سوءُ العاقبة، وهو بمعنى الوَبال، فكأنَّ التاء بدلٌ من الواو. ٨٧ سورة النساء: الآية ٩ و﴿خَافُواْ﴾ جواب (لو)). التقدير: لو تركوا لخافوا. ويجوز حذفُ اللام في جواب ((لو))(١). وهذه الآية قد اختلف العلماء في تأويلها ؛ فقالت طائفة: هذا وعظٌ للأوصياء، أي: افعلوا باليتامى ما تحبُّون أن يُفعل بأولادكم مِن بعدكم؛ قاله ابن عباس(٢). ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَى خُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]. وقالت طائفة: المرادُ جميع الناس، أمرهم باتِّقاء الله في الأيتام وأولاد الناس، وإن لم يكونوا في حُجورهم، وأن يُسدِّدوا لهم القولَ كما يريد كلُّ واحدٍ(٣) أن يُفَعل بولده بعده. ومِن هذا ما حكاه السَّيْبانيُّ(٤) قال: كنا على قُسْطَنْطِينيَّة في عَسْكَر مَسْلَمَةَ ابن عبد الملك(٥)، فجلسنا يوماً في جماعة من أهل العلم، فيهم ابنُ الدَّيْلَمِيِّ(٦)، فتذاكروا ما يكون من أهوال آخِر الزمان، فقلت له: يا أبا بِشر (٧)، وُدِّي أَلَّ يكون لي ولد. فقال لي: ما عليك! ما من نَسَمة قضى الله بخروجها من رجل إلَّا خرجت، أحَبَّ أو كَرِهِ، ولكن إذا أردتَ أن تأمن عليهم فاتَّق الله في غيرهم؛ ثم تلا الآية. وفي رواية: ألَا أدلُّك على أمرٍ إن أنت أدركْتَه نجَّاك الله منه، وإن تركت ولداً من بعدك حفظهم الله فيك؟ فقلت: بلى! فتلا هذه الآية: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُوا﴾ إلى (١) المحرر الوجيز ١٣/٢ . (٢) أخرجه الطبري ٦ / ٤٥١ . (٣) بعدها في (د) و(م): منهم، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٢/ ١٤، والكلام منه. (٤) وقع في النسخ ومطبوع المحرر الوجيز: الشيباني، والصواب ما أثبتناه. قال السمعاني في الكنى: هذه النسبة إلى سَيْبَان، وهو بطن من حِمير. والسيباني هو يحيى بن أبي عمرو، أبو زرعة الحمصي، ابن عم الأوزاعي، توفي سنة (١٤٨ هـ). التهذيب ٣٧٩/٤ . (٥) ابن مروان بن الحكم، قائد الجيوش، أبو سعيد وأبو الأصبغ الأموي الدمشقي، ويلقب: بالجرادة الصفراء، ولي العراق لأخيه يزيد، ثم أرمينية. توفي سنة (١٢٠هـ). السير ٢٤١/٥ . (٦) عبدالله بن فيروز الديلمي، أبو بشر، ويقال: أبو بُسْر، كان يسكن بيت المقدس، ذكره ابن قانع في معجم الصحابة، وأبو زرعة الدمشقي في تابعي أهل الشام. التهذيب ٤٠٣/٢ . (٧) في (خ) و (ظ): يا أبا بسر. ٨٨ سورة النساء: الآية ٩ آخرها(١). قلت: ومن هذا المعنى ما روى محمد بن كعب القُرَظيُّ عن أبي هريرة، عن النبيِّ﴾ قال: ((مَن أَحْسَنَ الصدقةَ؛ جاز على الصراط، ومن قضى حاجةَ أرْمَلةٍ؛ أَخْلَفَ الله في ترِكَته))(٢). وقول ثالثٌ؛ قاله جمعٌ من المفسرين: هذا في الرجل يحضُره الموت، فيقول له مَن بحضرته عند وصيته: إن الله سيرزقُ ولدك، فانظر لنفسك، وأوصٍٍ بمالك في سبيل الله، وتصدَّقْ وأَعْتِقْ. حتى يأتيَ على عامَّة ماله أو يستغرقه، فيضُّ ذلك بورثته، فنُهوا عن ذلك. فكأن الآية تقول لهم: كما تخشَوْن على ورثتكم وذرِّيَّتكم بعدكم، فكذلك فاخْشَوا على ورثة غيركم، ولا تَحْمِلوه على تبذير ماله. قاله ابن عباس وقتادةٌ والسدِّيُّ وابن جبير والضحاك ومجاهد(٣). روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: إذا حضر الرجلُ الوصيةَ فلا ينبغي أن يقول: أَوْصِ بمالك، فإن الله تعالى رازقٌ ولدَك، ولكن يقول: قدِّم لنفسك واترك لولدك، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ﴾(٤). وقال مِقْسَم(٥) وحضرهِيّ(٦): نزلت في عكس هذا، وهو أن يقول للمحتَضَر مَن (١) أخرجه الطبري ٦/ ٤٥٢ . (٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٢٠ من طريق سليمان بن ربيعة، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب به. وقال: غريب من حديث محمد، تفرد به سليمان عن موسى. اهـ. وموسى بن عبيدة، قال الحافظ في التقريب: ضعيف. (٣) المحرر الوجيز ١٣/٢، والأخبار المذكورة أخرجها الطبري ٦/ ٤٤٧ - ٤٤٩. (٤) تفسير أبي الليث ١/ ٣٣٥، وأخرجه الطبري كما ذكر الحافظ في الفتح ٣٠٠/١١. (٥) هو مِقْسَم بن بُجْرَة، ويقال: نَجْدة، أبو القاسم، مولى عبدالله بن الحارث، ويقال له: مولى ابن عباس للزومه له، صدوق وكان يرسل، توفي سنة (١٠١هـ). تقريب التهذيب. وأخرج خبره عبد الرزاق في التفسير ١/ ١٥٠، والطبري ٦/ ٤٥٠ . (٦) اليمامي، قال ابن المديني: حضرمي شيخ بالبصرة، روى عنه التيمي، مجهول، وكان قاصّاً، وليس هو بالحضرمي بن لاحق وقال أحمد: لا أعلم يروي عنه غير سليمان التيمي. التهذيب ٤٤٨/١ . وأخرج خبره الطبري ٦/ ٤٥١ . ٨٩ سورة النساء: الآية ٩ يحضُره: أَمْسِكْ على وَرَثتك، وأَبْقِ لولدك، فليس أحد أحقَّ بمالِكَ من أولادك. وينهاه عن الوصية، فيتضرَّر بذلك ذوو القربى، وكلُّ مَن يستحقُّ أن يوصيَ له. فقيل لهم: كما تخشَوْن على ذرِّيتكم، وتُسَرُّون بأن يُحْسَن إليهم، فكذلك سدِّدوا القولَ في جهة المساكينِ واليتامى، واتقوا الله في ضررهم(١). وهذان القولان مَبْنِيَّان على وقتٍ وجوب الوصية قبل نزول آية المواريث؛ روي عن سعيد بن جبير وابن المسيب(٢). قال ابن عطية(٣): وهذان القولان لا يظَّردُ واحد منهما في كلِّ الناس، بل الناسُ صِنفان، يصلح لأحدهما القول الواحد، وللآخر (٤) القول الثاني. وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياءَ، حسُن أن يُندب إلى الوصية، ويُحمَلَ على أن يقدِّم لنفسه. وإذا ترك ورثةً ضعفاءَ مُهْمَلين مُقِلِّين(٥) حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط، فإنَّ أَجْرَه في قَصْدِ ذلك كأجره في المساكين، فالمراعاةُ إنما هو الضعف، فیجب أن يُمال معه. قلت: وهذا التفصيل صحيح؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لسعد: ((إنك أن تَذَرَ وَرَثَتَك أغنياءَ، خيرٌ من أن تَذَرَهم عالةً يتكفَّفون الناس))(٦). فإن لم يكن للإنسان ولد، أو كان، وهو غنيٌّ مستقِلٌّ بنفسه وماله عن أبيه، فقد أمِن عليه، فالأَوْلى بالإنسان حينئذٍ تقديمُ مالهِ بين يديه، حتى لا ينفقَه مَن بعده فيما لا يصلح، فيكون ◌ِزْرُه عليه. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ السديد: العدلُ، والصوابُ من القول، أي: مُرُوا المريض بأن يُخرج من ماله ما عليه من الحقوق الواجبة، ثم يوصي (١) المحرر الوجيز ١٣/٢ . (٢) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢/ ١٧. (٣) المحرر الوجيز ١٣/٢. (٤) في (د) و (ز): والآخر، وفي (خ) و (ظ) و(م): ولآخر، والمثبت من المحرر. (٥) في (ظ): مفلسين. (٦) أخرجه أحمد (١٥٢٤)، والبخاري (٣٩٣٦)، ومسلم (١٦٢٨) وقد تقدم ٩٦/٣ . ٩٠ سورة النساء: الآيتان ٩ - ١٠ لقرابته بقَدْرٍ لا يضرُّ (١) بورثته الصغار. وقيل: المعنى: قولوا للميت قولاً عدلاً، وهو أن يلقّنه بـ ((لا إله إلا الله)). ولا يأمرُه بذلك، ولكن يقول ذلك في نفسه حتى يسمع منه ويتلقَّن؛ هكذا قال النبيُّ ﴾: (لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله)) ولم يقل: مُروهم؛ لأنه لو أُمر بذلك لعله يغضب ويجحد(٢). وقيل: المراد اليتيم، أن لا تنهروه ولا تستخفُّوا به (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى خُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَضْلَوْنَ سَعِيرًا فیه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَمَى كُلِلْمًا﴾ رُويَ أنها نزلت في رجل من غَطَفان يقال له: مَرْتَد بن زيد، وَلِيَ مال ابنِ أخيه وهو يتيمٌ صغير، فأكله، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية. قاله مقاتل بن حيَّان (٤). ولهذا قال الجمهور: إن المراد الأوصياءُ الذين يأكلون ما لم يُبَخ لهم من مال اليتيم. وقال ابن زيد: نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورِّثون النساء ولا الصغار (٥). وسمّي أخذ المال على كلِّ وجوهه أكلاً، لمَّا كان المقصود هو الأكل، وبه أكثرُ إتلافِ الأشياء. وخَصَّ البطون بالذكر لتبيين(٦) نَقْصِهم، والتشنيع عليهم بضدٌّ مكارم الأخلاق. وسمَّى المأكولَ ناراً بما يؤولُ إليه(٧)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّّ أَرَنِىّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (١) في (خ): بقدر ولا يضر، وفي (م): بقدر ما لا يضر، والمثبت من باقي النسخ. (٢) تفسير أبي الليث ٣٣٥/١، والحديث سلف ٤٤٩/٥ . (٣) في (م): أن لا ينهروه ولا يستخفوا به. (٤) أسباب النزول للواحدي ص١٣٨ . (٥) أخرجه الطبري ٤٥٤/٦ - ٤٥٥ . (٦) في (ظ): ليتبين. (٧) المحرر الوجيز ١٤/٢ . ٩١ سورة النساء: الآية ١٠ [يوسف: ٣٦] أي: عِنباً. وقيل: ناراً، أي: حراماً؛ لأن الحرام يوجبُ النار، فسمَّاه الله تعالى باسمه(١). وروى أبو سعيد الخُدْريُّ قال: حدَّثنا النبيُّ ﴾ عن ليلةٍ أُسرِيَ به قال: ((رأيتُ قوماً لهم مَشَافِرُ كمشافر الإبل، وقد وُكِّلَ بهم مَن يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار يخرج (٢) من أسافلهم، فقلت: يا جبريل، مَن هؤلاء؟! قال: هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً))(٣). فدلَّ الكتاب والسنة على أن أكل مال اليتيم من الكبائر. وقال :﴿: ((اجْتَنِبوا السَّبْعَ الموبقات)). وذكر فيها: ((وأكل مالٍ اليتيم)) (٤). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَسَبَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ قرأ ابن عامرٍ وعاصمٌ في رواية ابن عَيَّاش بضمِّ الياء (٥) على اسم ما لم يُسمَّ فاعله؛ من: أَضْلاهُ الله حرَّ النار إصْلَاءً. قال الله تعالى: ﴿سَأُعْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦]. وقرأ أبو حَيْوَة بضمِّ الياء وفتح الصاد وتشديد اللام، من التَّصْلية، لكثرة الفعل مرةً بعد أخرى(٦). دليله قوله تعالى: ﴿اثُرَّ الْبَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١]. ومنه قولُهم: صلَّيْتُه مرةً بعد أخرى. وتصلَّيتُ: استدفَأْتُ بالنار. قال: وقد تصَلَّيْتَ حَرَّ حَرْبِهم كما تَصَلَّى المقْرُورُ مِن قَرَسٍ(٧) (١) تفسير أبي الليث ٣٣٥/١ . (٢) في (ظ): تخرج. (٣) أخرجه الطبري ٤٥٤/٦، وابن أبي حاتم بنحوه (٤٨٨٤)، من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد به. وأبو هارون عمارة بن جُوَيْن، قال الحافظ في التقريب: متروك، ومنهم من كذبه. (٤) أخرجه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩) من حديث أبي هريرة ﴾. (٥) السبعة ص٢٢٧، والتيسير ص٩٤. ووقع في (د) و (ز) و (ظ) و(م): ابن عباس، وهو تصحيف، والمثبت من (خ)، وهو شعبة أبو بكر بن عَيَّاش. (٦) القراءات الشاذة ص٢٤، وإعراب القرآن للنحاس ٤٣٩/١. (٧) قائله أبو زُبَيْد الطائي حَرْمَلَة بن المنذر، وهو في طبقات فحول الشعراء ٦١١/٢، والأغاني ١٣٦/١٢، برواية: نارهم، بدل: حربهم. قوله: المقرور، أي: الذي أصابه البرد، من: قُرَّ الرجل (بالضم): أصابه القَرُّ، والقَرس: البرد الشديد. القاموس (قر) (قرس). ٩٢ سورة النساء: الآية ١٠ وقرأ الباقون بفتح الياء، من: صَلِيَ النارَ يصلاها صَلَّى وصِلَاءً. قال الله تعالى: ﴿لَا يَصْلَنَّهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]، والصِّلاء هو التسخُّنُ بقرب النار أو مباشَرَتِها(١)؛ ومنه قول الحارث بن عُبَاد: لم أكنْ مِن جُناتِها عَلِمَ اللّ هُ وإِنِّي لِحرِّها اليومَ صِالٍ(٢) والسعير: الجمر المشتعل. الثالثة: وهذه آيةٌ من آيات الوعيد، ولا حجةً فيها لمن يكفِّر بالذنوب. والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذٌ على بعض العصاة، فيَصْلَى، ثم يحترقُ ويموت، بخلاف أهل النار لا يموتون ولا يَحْيَوْن، فكأن هذا جمعٌ بين الكتاب والسنة؛ لئلا يقع الخبر فيهما على خلاف مَخْبَرِه، ساقطٌ بالمشيئة عن بعضهم (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اَللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦]. وهكذا القولُ في كلِّ ما يَرِدُ عليك من هذا المعنى . روى مسلم في صحيحه(٤)، عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ قال: قال رسول الله ﴾: ((أمَّا أهلُ النار الذين هم أهلُها(٥)، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيَوْن، ولكنْ ناسٌ أصابتهم النارُ بذنوبهم - أو قال: بخطاياهم - فأماتهم الله إماتةً، حتى إذا كانوا فَحْماً أُذِنَ بالشفاعة، فجيء بهم ضَبَائَر ضَبَائِر، فبُثُّوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهلَ الجنة أفيضوا عليهم، فينبُتُون كما تنْبُت الحِبَّة تكون (٦) في حَمِيل السَّيلِ)). فقال رجلٌ من القوم: كأنَّ رسول الله :﴿ قد كان يرعى بالبادية. (١) السبعة ص٢٢٧، والمحرر الوجيز ١٤/٢ - ١٥، وتفسير الرازي ٩/ ٢٠٢ . (٢) الأصمعيات ص٧١، والكامل ٧٧٦/٢، والحيوان ٢٢/١، والمحرر الوجيز ١٥/٢ وهو عندهم برواية: وإني بحرها ... (٣) ينظر المحرر الوجيز ١٥/٢. (٤) برقم (١٨٥)، وهو عند أحمد (١١٠٧٧). (٥) بعدها في (خ) و (ز) و (ظ) و(م): فيها، والمثبت من (د) وهو الموافق لما في صحيح مسلم. (٦) قوله: تكون، من (ظ) وليس في باقي النسخ، وهو الموافق لما في صحيح مسلم. وقوله: ضبائر، قال الهروي: جمع ضِبارة بكسر الضاد، وهي الجماعة من الناس، يقال: رأيتهم ضبائر، أي: جماعات في تفرقة. والحبَّة بالكسر: نَوْر العشب. المفهم ٤٢٢/١ - ٤٥٢ . ٩٣ سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤ قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اَللَّهُ فِيَ أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْشَيَيْنِّ فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنٍ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ وَإِن كَانَتْ وَحِدَةٌ فَلَهَا النّصْفُّ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الشُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدْ فَإِنِ لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدُ وَوَرِثَهُ: أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثَّ فَإِنِ كَانَ لَهُؤْ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُنَّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍّ ءَآبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعَأَ فَرِيضَةٌ مِّنَ اَللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ إِن ◌َّوْ يَكُنْ لَّهُنَ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الزُّبُعُ مِمَا تَرَكْنَّ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ، وَلَهُنَّ الْرُّبُعُ مِمَا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الِثُّمُنُ مِمَا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةٌ أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَهُ، أَخُ أَوْ أُخْتُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُّ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى الثُّلُثِّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةٌ مِّنَ اَللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيُ ◌َ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, يُدْخِلْهُ جَنَاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِيرٌ فيه خمس وثلاثون مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿يُصِيكُمُ اللَّهُ فِيِّ أَوْلَدِكُمْ﴾ بيَّن تعالى في هذه الآية ما أَجْمَلَه في قوله: ﴿لِلِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ و﴿وَلِّسَاءِ نَصِيدٌ﴾ [النساء: ٧] فدلَّ هذا على جواز تأخير البيان عن وقت السؤال. وهذه الآية ركنٌ من أركان الدين، وعُمْدةٌ من عُمَدِ الأحكام، وأمٌّ من أمَّهات الآيات؛ فإن الفرائض عظيمةُ القَدْر حتى إنها ثلُث العلم (١)، وروي: نصفُ العلم. وهو أولُ علم يُنزع من الناس ويُنسى؛ رواه الدارَقُظْنِي عن أبي هريرة ◌َ﴾، أن النبيَّ ◌ِ* (١) أحكام القرآن لابن العربي ٣٣٠/١ . ٩٤ سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤ قال: ((تعلّموا الفرائضَ وعلِّموهُ الناسَ، فإنه نصفُ العلم، وهو يُنسَى(١)، وهو أولُ شيءٍ يُنزَع من أمتي))(٢). وروى أيضاً عن عبدالله بن مسعود قال: قال لي رسول الله ﴾: ((تعلَّموا القرآن وعلِّموه الناسَ، وتعلَّموا الفرائضَ وعلِّموها الناس، وتعلموا العلم وعلِّموه الناس، فإني امرؤٌ مقبوض، وإن العلم سيُقْبَضُ وتَظْهَرُ الفِتَنُ، حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا (٣) يَجِدان مَن يَفْصِلُ بينهما))(٤). وإذا ثبت هذا فاعلم أن الفرائض كان جُلَّ علم الصحابة، وعظيمَ مُناظرتهم، ولكنَّ الخَلْقَ ضيَّعوه. وقد روى مُطَرِّفٌ عن مالك، قال عبدالله بن مسعود: مَن لم يتعلَّم الفرائضَ والطلاقَ والحجَّ، فبِمَ يفضلُ أهلَ البادية؟ وقال ابن وهب عن مالك: كنتُ أسمع ربيعةً يقول: مَن تعلَّم الفرائض من غير علم بها من القرآن، ما أسرعَ ما ينساها. قال مالك: وصدق(٥). الثانية: روى أبو دواد والدارقطنِيُّ عن عبدالله بن عمرو بن العاص، أن رسول اللـه﴿ قال: ((العلم ثلاثةٌ، وما سِوى ذلك فهو فَضْل: آيةٌ مُحكَمةٌ، أو سنَّةٌ قائمة، أو فريضةٌ عادلة))(٦). قال الخطّابيُّ أبو سليمان(٧): الآيةُ المحكمة هي (١) في (م): وهو أول شيء ينسى، وهو لفظ الدَّارَقُطْنِي، واللفظ أعلاه (كما هو في النسخ الخطية) لابن ماجه. (٢) سنن الدَّارَ قُطْنِي (٤٠٥٩)، وهو عند ابن ماجه (٢٧١٩). قال الحافظ في التلخيص الحبير ٧٩/٣: مداره على حفص بن عمر، وهو متروك. (٣) في (د) و (ز): فلا، وفي (ظ): ولا. (٤) سنن الدَّارَقُطْنِي (٤١٠٣)، وأخرجه الترمذي (٢٠٩١) ولم يسق لفظه، وأخرجه أيضاً (٢٠٩١) من حديث أبي هريرة وفي إسنادهما عوف الأعرابي، قال الحافظ في الفتح ٥/١٢: ورواته موثقون، إلا أنه اختلف فيه على عوف الأعرابي اختلافاً كثيراً، فقال الترمذي: إنه مضطرب. والاختلاف عليه أنه جاء عنه من طريق ابن مسعود، وجاء عنه من طريق أبي هريرة، وفي أسانيدها عنه أيضاً اختلاف. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٣٣٠/١ - ٣٣١ . وأثر ابن مسعود أخرجه بنحوه الدارمي (٢٨٥٦). (٦) سنن أبي داود (٢٨٨٥)، وسنن الدَّارَ قُطْنِي ٦٧/٤، قال المنذري في مختصر سنن أبي داود ١٦٠/٤: وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم الإفريقي، وقد تكلم فيه غير واحد، وفيه أيضاً عبد الرحمن بن رافع التنوخي، وقد غمزه البخاري وابن أبي حاتم. (٧) معالم السنن ٨٩/٤، وما سيرد بين حاصرتين منه. ٩٥ سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤ كتابُ الله تعالى، واشترط فيها الإحكام؛ لأن من الآي ما هو منسوخٌ لا يُعمل به، وإنما يُعمل بناسخه. والسنةُ القائمة هي الثابتةُ مما(١) جاء عنه% من السنن الثابتة(٢). وقوله: ((أو فريضة عادلة)) يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما: أن يكون من العدل في القسمة، فتكون معدّلةً على الأنصباء والسهام المذكورة في الكتاب والسنة. والوجه الآخر: أن تكون مُستَنْبَطَّة من الكتاب والسنة ومن معناهما، فتكون هذه الفريضة تعدِل ما أُخذ من(٣) الكتاب والسنة؛ إذْ كانت في معنى ما أُخذ عنهما نَصًّا؛ روى عِكرِمةُ قال: أرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت، فسأله (٤) عن امرأة تركت زوجها وأبويها. قال: للزوج النصفُ، وللأمِّ ثلثُ ما بقي. فقال: تَجِدُه في كتاب الله، أو تقوله برأي؟ قال: أقوله برأي، لا أفضِّل أُمّاً على أبٍ(٥). قال أبو سليمان: فهذا من باب تعديل الفريضة إذا لم يكن فيها نَصِّ، وذلك أنه اعتبرها بالمنصوص عليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ، أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. فلما وَجَد نصيب الأم الثلث، وكان باقي المال - وهو (٦) الثلثان - للأب، قاس النصفَ الفاضِلَ من المال بعد نصيب الزوج على كلِّ المال إذ لم يكن مع الوالدين ابنٌ أو ذو سهم، فقسَمه بينهما على ثلاثة [أسهم]: للأمِّ سهمٌ، وللأب سهمان، وهو الباقي. وكان هذا أعدلَ في القسمة من أن يُعطيَ الأمَّ من النصف الباقي ثلثَ جميع المال، وللأب ما بقي، وهو السدس، فيفضِّلها(٧) عليه، فيكون لها - وهي مَفْضولةٌ في أصل الموروث - (١) في (د): فيما، وفي معالم السنن: بما. (٢) في معالم السنن: المروية. (٣) في معالم السنن بما أخذ عن. (٤) في (خ) و (م): يسأله. (٥) أخرجه عبد الرزاق (١٩٠٢٠)، وابن أبي شيبة ٢٤١/١١، والدارمي (٢٨٧٥)، والبيهقي ٢٢٨/٦ . (٦) في (خ) و(د) و(ظ) و(م): هو، والمثبت من (ز)، وهو الموافق لما في معالم السنن. (٧) في النسخ: ففضلها، والمثبت من معالم السنن. ٩٦ سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤ أكثرُ مما للأب، وهو المقدَّم والمفضَّلُ في الأصل. وذلك أعدلُ مما ذهب إليه ابن عباس من تَوْفير الثلُث على الأم، وبَخْسِ الأبِ حقَّه بردِّه إلى السدس؛ فتُرِك قوله [علیه]، وصار عامَّةُ الفقهاء إلى قول(١) زيد. قال أبو عمر (٢): وقال عبدالله بن عباس ﴾ في زوجٍ وأبوين: للزوج النصفُ، وللأمِّ ثلثُ جميعِ المال، وللأب ما بقي (٣). وقال في امرأة وأبوين: للمرأة الربعُ، وللأمِّ ثلثُ جميعِ المال، والباقي للأب(٤). وبهذا قال شُرَيحٌ القاضي ومحمد بن سِيرين وداود بن عليٍّ، وفرقةٌ: منهم أبو الحسن محمد بن عبدالله الفرضيُّ البَصْريُّ، المعروفُ بابن اللََّّان(٥) في المسألتين جميعاً، وزعم أنه قياسُ قولِ عليٍّ في المشتركة. وقال في موضع آخر: إنه قد رُوي ذلك عن عليٍّ أيضاً (٦). قال أبو عمر: المعروف المشهور عن عليٍّ وزيدٍ وعبدالله وسائرِ الصحابة وعامةٍ العلماء ما رسمه مالك(٧). ومن الحجّة لهم على ابن عباس: أن الأبوَيْن إذا اشتركا في الوراثة، ليس معهما غيرُهما، كان للأم الثلثُ وللأب الثلثان. فكذلك(٨) إذا اشتركا (١) قوله: قول، من (ظ) وليس في باقي النسخ، وهو الموافق لما في معالم السنن. (٢) الاستذكار ١٥/ ٤١١ . (٣) أخرجه الدارمي (٢٨٧٦). (٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٢٤٠، والدارمي (٢٨٧٨). (٥) إمام الفَرَضِيِّين، وثَّقْه الخطيب وقال: انتهى إليه علم الفرائض، وصنف فيه كتباً اشتهرت، توفي سنة (٤٠٢ هـ) ووقع في النسخ والاستذكار: المصري، وهو خطأ. انظر تاريخ بغداد ٤٧٢/٥ ، والسير ٢١٧/١٧، والوافي بالوفيات ٣١٩/٣ . (٦) أخرجه البيهقي ٢٢٨/٦، والدارمي (٢٨٧٧) من طريق إبراهيم عن علي ﴾، قال البيهقي: منقطع، وأخرجه البيهقي ٢٢٨/٦ من طريق آخر، وفي إسناده الحسن بن عمارة، قال البيهقي: متروك. (٧) قول مالك فيما نقله عنه ابن عبد البر هو ما تقدم من قول زيد في هذه المسألة، وينظر مصنف عبد الرزاق (١٩٠١٤-١٩٠٢١)، ومصنف ابن أبي شيبة ٢٣٨/١١-٢٤٢، وسنن الدارمي (٢٨٦٥-٢٨٧٤)، والمحلى ٩/ ٢٦٠، وسنن البيهقي ٢٢٨/٦ . (٨) في النسخ: وكذلك، والمثبت من الاستذكار. ٩٧ سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤ في النصف الذي يفضُل عن الزوج، كانا فيه كذلك على ثلثٍ وثلثين. وهذا صحيح في النظر والقياس. الثالثة: واختلفت الروايات في سبب نزول آية المواريث؛ فروى الترمذيُّ وأبو دواد وابن ماجه والدار قطنِيُّ عن جابر بن عبدالله(١)، أن امرأة سَعْد بن الربيع قالت: يا رسول الله، إن سعداً هلك وترك بنتين وأخاه، فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنما تُنكَح النساء على أموالهن. فلم يُجبها في مجلسها ذلك. ثم جاءته فقالت: يا رسول الله، ابنتا سعد؟ فقال رسول الله ﴾: ((ادعُ لي أخاه)). فجاء، فقال له: ((ادفع إلى ابنتيْه الثلثين، وإلى امرأته الثُّمن، ولك ما بقي)). لفظُ أبي داود(٢). في رواية الترمذيِّ وغيره: فنزلت آية المواريث. قال: هذا حديث صحيح. وروى جابر أيضاً قال: عادني رسول الله ﴾ وأبو بكر في بني سَلِمة يمشيان، فَوَجَداني لا أعقِلُ، فدعا بماء فتوضَّأ، ثم رشَّ عليَّ منه، فَأَفَقْتُ، فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾. أخرجاه في الصحيحين(٣). وأخرجه الترمذيُّ وفيه: فقلتُ يا نبيَّ الله، كيف أَقْسِمُ مالي بين ولدي؟ فلم يَرِدَّ عليَّ شيئاً، فنزلت: ﴿يُوصِيكُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِّ﴾ الآية. قال: حديثٌ حسن صحيح (٤). (١) سنن أبي داود (٢٨٩٢)، وسنن الترمذي (٢٠٩٢)، وسنن ابن ماجه (٢٧٢٠)، وسنن الدَّارَ قُطْنِي (٤٠٩٦)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٧٩٨)، والواحدي في أسباب النزول ص١٣٩. (٢) كذا قال، واللفظ أعلاه هو للدار قطني، وليس لأبي داود. (٣) صحيح البخاري (٤٥٧٧)، وصحيح مسلم (١٦١٦): (٦)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٢٩٨)، والواحدي في أسباب النزول ص١٣٨. قوله: بني سَلِمَة: بفتح المهملة وكسر اللام: هم قوم جابر. الفتح ٢٤٣/٨ . (٤) سنن الترمذي (٢٠٩٦). ورأى ابن كثير رحمه الله في التفسير أن الآية التي نزلت في حديث جابر هذا إنما هي الآيةُ الأخيرة من هذه السورة؛ لأنه إنما كان له إذ ذاك أخوات، ولم يكن له بنات، فكان يورث كلالة. وأن حديث جابر الأول أشبه بنزول هذه الآية. وقال الحافظ في الفتح ٢٤٤/٨: ليس ذلك بلازم؛ لأن الكلالة مختلف في تفسيرها، وانظر تفصيل الكلام فيه ثمة. ٩٨ سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤ وفي البخاريِّ عن ابن عباس(١): أن نزول ذلك كان من أجل أنَّ المال كان للولد، والوصية للوالدين؛ فنسخ ذلك بهذه الآيات. وقال مقاتل والكلبيُّ: نزلت في أمّ كُجَّةَ، وقد ذكرناها(٢). السُّدِّيّ: نزلت بسبب بناتِ عبد الرحمن بن ثابت أخي حَسَّان بن ثابت. وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا لا يورِّثون إلَّا مَن لاقَى الحروبَ وقاتلَ العدوّ؛ فنزلت الآية تبييناً(٣) أن لكلِّ صغير وكبير حَظّه(٤). ولا يَبعُد أن يكون جواباً للجميع ؛ ولذلك تأخّر نزولها. والله أعلم. قال الكيا الطبريُّ(٥): وقد ورد في بعض الآثار أنَّ ما كانت الجاهلية تفعله من ترك توريث الصغير، كان في صدر الإسلام، إلى أن نسخته هذه الآية، ولم يثبت عندنا اشتمالُ الشريعة على ذلك، بل ثبت خلافُه؛ فإن هذه الآية نزلت في وَرَثةِ سعد ابن الربيع. وقيل: نزلت في ورثة ثابت بن قيس بن شَمَّاس. والأوَّل أصحّ عند أهل النقل(٦). فاسترجَعَ رسول الله﴾ الميراثَ من العم، ولو كان ذلك ثابتاً من قبلُ في شرعنا ما استرجعه. ولم يثبت قطّ في شرعنا أن الصبيَّ ما كان يعطَى الميراثَ حتى يقاتل على الفرس، ويذبَّ عن الحرِیم. قلت: وكذلك قال القاضي أبو بكر بن العربيّ؛ قال(٧): ودلَّ نزول هذه الآية (١) صحيح البخاري (٤٥٧٨). (٢) ص٧٨ من هذا الجزء . (٣) في (خ): تنبيهاً. (٤) أخرجه الطبري ٦/ ٤٥٧ - ٤٥٨ . (٥) في أحكام القرآن ٢/ ٣٣٧ . (٦) أخرج أبو داود (٢٨٩١) قصة امرأة ثابت بن قيس من طريق بشر بن المفضل، عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن جابر. وقال: أخطأ بشر فيه، إنما هما ابنتا سعد بن الربيع، وثابت بن قيس قتل يوم اليمامة. ثم أخرج قصة امرأة سعد بن الربيع (٢٨٩٢) من طريق داود بن قيس وغيره من أهل العلم، عن عبدالله ابن محمد بن عقيل، عن جابر. وقال: وهذا هو أصح. (٧) أحكام القرآن له ٣٣٣/١ ، وما سیرد بين حاصرتين منه. ٩٩ سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤ على نكتةٍ بديعة، وهو أنَّ ما كانت(١) الجاهليةُ تفعله من أخذ المال، لم يكن في صدر الإسلام شرعاً مَسْكُوتاً [عنه] مُقَرّاً عليه؛ لأنه لو كان شرعاً مقرّاً عليه؛ لَمَا حكَم النبيُّ ﴿ على عمِّ الصبيَّتين بردِّ ما أَخَذ من مالهما؛ لأن الأحكام إذا مضت وجاء النَّسْخُ بعدها، إنما يؤثِّر في المستقبل، ولا(٢) يُنقض به ما تقدَّم، وإنما كانت ظُلامة رُفعت. قاله ابن العربي. الرابعة: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمْ﴾ قالت الشافعية: قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ فِىّ أَوْلَدِكُمْ﴾ حقيقةٌ في أولاد الصُّلْبِ، فأما ولدُ الابن؛ فإنما يدخل فيه بطريق المجاز، فإذا حلف أنْ لا ولدَ له، وله ولدُ ابن، لم يحنث؛ وإذا أوصى لولدٍ فلانٍ؛ لم يدخل فيه ولدُ ولدِه. وأبو حنيفة يقول: إنه يدخلُ فيه إن لم يكن له ولدُ صُلْبٍ. ومعلوم أن [حقائق] الألفاظ لا تتغيَّر بما قالوه(٣). الخامسة: قال ابنُ المنذر: لمَّا قال تعالى: ﴿يُصِيكُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمْ﴾ فكان الذي يجب على ظاهر الآية أن يكون الميراثُ لجميع الأولاد، المؤمنِ منهم والكافرِ؛ فلما ثبت عن رسول اللـه ﴿ أنه قال: ((لا يرثُ المسلمُ الكافرَ)) (٤) عُلِم أن الله أراد بعضَ الأولاد دون بعض، فلا يرثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ علی ظاهر الحديث(٥). قلت: ولمَّا قال تعالى: ﴿فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ دخل فيهم (٦) الأسير في أيدي الكفّار؛ فإنه يرث ما دام تُعلَمُ حياتُه على الإسلام. وبه قال كافَّة أهل العلم، إلَّ النخَعيَّ؛ فإنه (١) بعدها في النسخ: عليه، والمثبت من أحكام القرآن. (٢) في (ظ) و (م): فلا، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في أحكام القرآن. (٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢/ ٣٤٠، وما سلف بين حاصرتين منه. (٤) تقدم ٣٤٦/٢ . (٥) ينظر الإشراف ٢٤٩/٢، والإقناع ٢٨٧/١ - ٢٨٨ . (٦) في (د) و (ز) و (ظ): فيه. ١٠٠ سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤ قال: لا يَرِثُ الأسير. فأمَّا إذا لم تُعلم حياته فحكمه حكم المفقود(١). ولم يدخل في عموم الآية ميراثُ النبيِّ ◌َ﴿ لقوله: ((لا نُورَثُ، ما تركنا صدقةٌ))(٢). وسيأتي بيانه في ((مريم)) إن شاء الله تعالى(٣). وكذلك لم يدخل القاتل عمداً لأبيه أو جدِّه أو أخيه أو عمِّه بالسُّنَّة وإجماعِ الأمة، وأنه لا يرِث مِن مال مَن قتله، ولا مِن ديته شيئاً، على ما تقدَّم بيانه في البقرة (٤). فإنْ قَتَلَه خطأً؛ فلا ميراثَ له من الديّة، ويرثُ من المال في قول مالك، ولا يرث في قول الشافعيِّ وأحمدَ وسفيان وأصحابِ الرأي من المال ولا من الدِّيّة شيئاً، حسبما تقدَّم بيانه في البقرة(٤). وقول مالك أصحُّ، وبه قال إسحاقُ وأبو ثَوْر. وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومجاهدٍ والزُّهريِّ والأوزاعيِّ وابنِ المنذر؛ لأن ميراث مَن ورَّثه الله تعالى في كتابه ثابتٌ؛ لا يُستثنَى منه إلَّا بسنةٍ أو إجماع. وكلُّ مختلَفٍ فيه فمردودٌ إلى ظاهر الآيات التي فيها المواريث(٥). السادسة: اعلم أن الميراث كان يُستحَقُّ في أول الإسلام بأسباب: منها الحِلْفُ والهجرة والمعاقدة، ثم نُسخ(٦) على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ [النساء: ٣٣] إن شاء الله تعالى. (١) التهذيب في الفرائض للكُلْوَذَاني ص٣٣٣، وهو إحدى الروايتين عن النخعي، وقال به أيضاً سعيد بن المسيب وسيذكره المصنف عنه ص١٣٣ من هذا الجزء دون ذكر النخعي، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣٨١/١١ عن النخعي وسعيد بن المسيب، وينظر المغني ٩/ ١٢٤. (٢) أخرجه أحمد (٢٥١٢٥)، والبخاري (٤٠٣٤)، ومسلم (١٧٥٨) من حديث عائشة رضي الله عنها. (٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَرِثُبِى وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِ﴾ [الآية: ٦]. (٤) ٢ / ١٩٤ . (٥) الإقناع ٢٨٨/١، والاستذكار ٢٠٧/٢٥ - ٢٠٩، والتهذيب في الفرائض ص٣٣٤. والمغني ٩/ ١٥١ - ٠١٥٢ (٦) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣٣٨/٢ .