Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ سورة النساء: الآية ٦ أن يدفع إليه شيئاً من ماله يُبيح له التصرُّفَ فيه، فإنْ نمَّاه وحسَّن النظر(١) فيه، فقد وقع الاختبار، ووجب على الوصيِّ تسليمُ جميع ماله إليه. وإن أساء النظر فيه، وجب عليه إمساكُ ماله عنده(٢). وليس في العلماء مَن يقول: إنه إذا اختبر الصبيَّ، فوجده رشيداً، ترتفعُ الولايةُ عنه، وأنه يجب دفعُ ماله إليه وإطلاقُ يده في التصرف(٣)؛ لقوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾. وقال جماعة من الفقهاء: الصغير لا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون غلاماً أو جاريةٌ، فإن كان غلاماً؛ رَدَّ النظر إليه في نفقة الدار شهراً، أو أعطاه شيئاً نَزْراً يتصرَّف فيه؛ ليعرفَ كيف تدبيرُه وتصرُّفُه، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يُتلفه؛ فإنْ أتلفه؛ فلا ضمانَ على الوصيّ. فإذا رآه متوَخِّياً، سلَّم إليه مالَه وأَشهد عليه. وإن كانت جاريةً، رَدَّ إليها ما يُردُّ إلى رَبَّة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه، في الاستغزال، والاستقصاءِ على الغزَّالات في دفع القطن وأجرته، واستيفاء الغزْل وجودته. فإن رآها رشيدةً؛ سَلَّم أيضاً إليها مالَها وأَشهد عليها. وإلَّ بقيا تحت الحَجْر حتى يُؤنَسَ رُشدُهما (٤). وقال الحسن ومجاهد وغيرهما: اختبروهم في عقولهم وأديانِهم وتَنْميةِ أموالهم(٥). الثالثة: قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا بَلَغُواْ النَّكَاحَ﴾ أي: الحُلُم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ اَلْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْخُلُ﴾ [النور: ٥٧] أي: البلوغُ، وحالَ النكاح. والبلوغ يكون بخمسة أشياء: ثلاثةٌ يشترك فيها الرجال والنساء: [الاحتلام، (١) في (ظ): التصرف، في الموضعين. (٢) في أحكام القرآن: عنه. (٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢/ ٣٢٧ . (٤) ينظر تفسير البغوي ٣٩٤/١ . (٥) تفسير الطبري ٦/ ٤٠٣، والوسيط ٢/ ١٢. ٦٢ سورة النساء: الآية ٦ والسن المخصوص، والإنبات] واثنان يختصَّان بالنساء وهما: الحيضُ والحَبَل(١). فأمَّا الحيضُ والحَبَل؛ فلم يختلف العلماء في أنه بلوغ، وأنَّ الفرائض والأحكام تجب بهما. واختلفوا في الثلاث؛ فأمَّا الإنباتُ والسِّنُّ، فقال الأوزاعِيُّ والشافعيُّ وابنُ حنبل : خمسَ عشرةَ سنةً بلوعٌ لمن لم يحتلم. وهو قول ابن وهب وأَصْبَغَ وعبد الملك ابن الماجشون وعمرَ بنِ عبد العزيز وجماعةٍ من أهل المدينة (٢)، واختاره ابن العربيّ(٣). وتجب الحدود والفرائض عندهم على مَن بلغ هذا السنَّ؛ قال أَصْبَغ بن الفرج: والذي نقول به: إنَّ حدَّ البلوغ الذي تلزم به الفرائضُ والحدودُ خمسَ عشرةَ سنةً؛ وذلك أَحَبُّ ما فيه إليَّ وأحسنُه عندي؛ لأنه الحدُّ الذي يُسهم فيه في الجهاد لمن(٤) حضر القتال. واحتجَّ بحديث ابن عمر إذْ عُرِض يومَ الخَنْدق وهو ابنُ خمسَ عشرةَ سنةً فأُجيز، ولم يُجَز يوم أُحُد؛ لأنه كان ابنَ أربعَ عَشْرَةَ سنةً. أخرجه مسلم(٥). قال أبو عمر بن عبد البَرّ (٦): هذا فيمن عُرف مولدُه، وأمَّا مَن جُهل مولدُه وعُدِمَ منه (٧) [الاحتلام] أو جحدَه، فالعملُ فيه بما روى نافعٌ، عن أَسْلَمَ، عن عمر بن الخطاب : أنه كتب إلى أمراء الأجْنَاد ألَّ يَضرِبوا الجزية إلَّ على مَن جرت عليه المَواسي(٨). وقال عثمان في غلام سَرق: انظروا، فإن كان قد اخضرَّ مئزَرُه (١) تفسير الرازي ١٨٨/٩، وما سيرد بين حاصرتين منه، وزاد المسير ١٥/٢. (٢) ينظر الكافي ٣٣٣/١، والمفهم ٦٩٧/٣ . (٣) أحكام القرآن ٣٢٠/١. (٤) في النسخ: ولمن، والمثبت من الكافي ٣٣٢/١، والكلام منه. (٥) في صحيحه (١٨٦٨)، وهو عند أحمد (٤٦٦١)، والبخاري (٢٦٦٤). (٦) الكافي ٣٣٢/١ ، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٧) في (خ) و (م): وعدة سنّه، وفي (د) و (ز) و(ف): وعدم سنه، وسقط من (ظ)، والمثبت من الكافي. (٨) أخرجه عبد الرزاق (١٠٠٩٠)، وابن أبي شيبة ٢٣٩/١٢ . ٦٣ سورة النساء: الآية ٦ فاقطعوه (١). وقال عطيّة القُرَظيُّ: عَرض رسولُ الله ﴿ بني قريظة، فكلُّ مَن أَنبت منهم قتلَه بحكم سعد بن معاذ، ومَن لم يُنبِتْ منهم اسْتَحْيَاه، فكنت فيمن لم يُنبِت فترگني(٢). وقال مالكٌ وأبو حنيفةً وغيرهما: لا يُحكم لمن لم يحتلم [بحكم البلوغ] حتى يبلغَ ما لم يبلغه أحدٌ إلَّا احتلم، وذلك سبعَ عشرةَ سنةً(٣)؛ فيكون عليه حينئذِ الحدُّ إذا أتى ما يجب عليه الحدُّ. وقال مالك مرَّةً: بلوغُه بأنْ يَغلُظَ صوتُه وتنشقَّ أَرْنَبتُه. وعن أبي حنيفةَ روايةٌ أخرى: تسعَ عَشْرةَ سنةً؛ وهي الأشهر. وقال في الجارية: بلوغُها لسبعَ عشرةَ سنةً وعليها النظر. وروى اللُّؤْلُؤيُّ عنه ثمانٍ عشرةَ سنةً(٤). وقال داود: لا يبلغُ بالسنِّ ما لم يحتلم، ولو بلغ أربعين سنةً. فأما الإنباتُ فمنهم مَن قال: يُستدَل به على البلوغ؛ روي عن القاسم(٥) وسالم، وقاله مالك مرةً، والشافعيُّ في أحد قوليه(٦)، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور. وقيل: هو بلوٌ؛ إلَّا أنه يُحكم به في الكفار، فيقتل مَن أنبت، ويُجعل مَن لم ينبِت في الذراري؛ قاله الشافعيُّ في القول الآخر؛ لحديث عطيَّةَ القُرَظيِّ(٧). ولا اعتبارَ بالخُضرة والزَّغَب، وإنما يترتب الحكم على الشعر. وقال ابن (١) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢١٧/٣ . (٢) أخرجه أحمد (١٨٣٧٦)، والترمذي (١٥٨٤) وقال: حسن صحيح. (٣) ذكره أبو العباس في المفهم ٣/ ٦٩٧ عن مالك وما بين حاصرتين منه. (٤) مختصر اختلاف العلماء ٥/٢، واللؤلؤي هو الحسن بن زياد، أبو علي الأنصاري مولاهم، الكوفي، صاحب أبي حنيفة، توفي سنة (٢٠٤هـ). السير ٩/ ٥٤٣ . (٥) في (د) و (ز) و(م): روي عن ابن القاسم، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في المفهم ٦٩٧/٣ وإكمال المعلم ٦/ ٢٨١ . (٦) ينظر المفهم ٦٩٧/٣، ومختصر اختلاف العلماء ٦/٢ . (٧) المفهم ٢٩٧/٣ - ٢٩٨ . ٦٤ سورة النساء: الآية ٦ القاسم: سمعت مالكاً يقول: العمل عندي على حديث عمر بن الخطاب: لو جرت عليه المَواسِي لحدَدْتُه. قال أصْبَغ: قال لي ابن القاسم: وأَحَبُّ إليَّ ألَّا يُقامَ عليه الحدُّ إلا باجتماع الإنبات والبلوغ(١). وقال أبو حنيفة: لا يثبت(٢) بالإنبات حكمٌ، وليس هو ببلوغٍ، ولا دِلالةً على البلوغ. وقال الزُّهريُّ وعطاء: لا حدَّ على مَن لم يحتلم؛ وهو قول الشافعيِّ، ومال إليه مالكٌ مرةً، وقال به بعض أصحابه. وظاهِرُهُ عَدَمُ اعتبارِ الإنبات(٣) والسنِّ. قال ابن العربي(٤): إذا لم يكن حديث ابنِ عمر دليلاً في السنِّ، فكلُّ عددٍ يذكرونه من السنين فإنه دعوى، والسنُّ التي أَجازها رسول اللـه ﴿ أَوْلَى مِن سنٍّ لم يَعْتَبِرْها، ولا قام في الشَّرع دليلٌ عليها، وكذلك اعتبر النبيُّ ﴿ الإنباتَ في بني قريظة، فمن عَذِيرِي ممّن تركَ أمرين اعتبرهما النبي :8#، فيتأوَّله ويعتبر ما لم يعتبره النبيُّ﴾ لفظاً، ولا جَعَلَ الله له في الشريعة نظراً؟! قلت: هذا قوله هنا، وقال في سورة الأنفال عكسَه! إذ لم يُعرِّج على حديث ابن عمر هناك، وتأوَّله كما تأوَّله علماؤنا(٥)، وأنَّ موجبه الفرقُ بين مَن يُطيق القتال ويُسهَم له، وهو ابن خمسَ عشرةَ سنةً، ومَن لا يُطيقُه فلا يُسهَم له، فيُجعَلُ في العيال. وهو الذي فهمه عمر بن عبد العزيز من الحديث(٦). والله أعلم. (١) الكافي ٣٣٢/١. (٢) في (خ) و(ظ): لا يتعلق. (٣) المفهم ٦٩٧/٣ . (٤) أحكام القرآن ٣٢٠/١ . (٥) أحكام القرآن ٨٥٣/٢ . (٦) قول عمر بن عبد العزيز ورد عند البخاري ومسلم إثر حديث ابن عمر المذكور، حيث يقول نافع - وهو راوي حديث ابن عمر - فقَدِمْتُ على عمر بن عبد العزيز وهو يومئذ خليفةٌ، فحدَّثته الحديث، فقال: إن هذا الحدُّ بين الصغير والكبير، فكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن كان ابن خمس عشرة سنة، ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال وقد استدل الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢١٨/٣ ، وابن عبد البر في الكافي ٣٣٣/١، وابن العربي في أحكام القرآن ١/ ٣٢٠ بهذا الحديث على أن الاعتبار عند عمر بن عبد العزيز في سن البلوغ هو خمس عشرة سنة. ٦٥ سورة النساء: الآية ٦ الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ﴾ أي: أبصرتُم ورأيتُم، ومنه قوله تعالى: ﴿َسَ مِن جَانِ الُْورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩] أي: أبصر ورأى. قال الأزهريُّ(١): تقول العرب: اذهب فاستأنس؛ هل ترى أحداً؟ معناه: تَبَصَّرْ. قال النابغة : ... على مستأنِسٍ وَحِدٍ (٢) أراد ثوراً وحشيّاً يتبصَّر هل يرى قانصاً فيحذَرَه. وقيل: آنستُ وأحسستُ ووجدتُ، بمعنَّى واحدٍ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُمُ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ أي: علمتم. والأصلُ فيه: أبصرتم. وقراءة العامَّة: ﴿رُشْدًا﴾ بضم الراء وسكون الشين. وقرأ السُّلَمِيُّ وعيسى الثَّقفِيُّ(٣) وابنُ مسعود ﴾: ((رَشَداً)) بفتح الراء والشين(٤)، وهما لغتان. وقيل: رُشْداً مصدر رَشَد. ورَشَداً مصدر رَشِد، وكذلك الرَّشاد(٥). والله أعلم. الخامسة: واختلف العلماء في تأويل (رُشْداً))، فقال الحسن وقتادة وغيرهما: صلاحاً في العقل والدِّين. وقال ابن عباس والسُّدِّيُّ والثَّورِيُّ: صلاحاً في العقل وحفظ المال(٦). قال سعيد بن جُبير والشَّعبيُّ: إن الرجل لَيَأخذُ بلحيته وما بلغ رُشْدَه؛ فلا يُدفع إلى اليتيم مالُه وإن كان شيخاً حتى يؤنَس منه رشدُه(٧). وهكذا قال (١) تهذيب اللغة ١٣ / ٨٧ . (٢) ديوان النابغة الذبياني، ص٣١، وتمامه: كأن رحلي وقد زال النهار بنا يوم الجليل على مستأنس وَحِدٍ وهو في التهذيب برواية: بذي الجليل، بدل: يوم الجليل. وذو الجليل: واد قرب مكة. معجم البلدان ١٥٨/٢. (٣) في (م): والثقفي، وهو خطأ. (٤) القراءات الشاذة ص ٢٤، والمحرر الوجيز ٢/ ١٠. (٥) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٣٧ . (٦) ينظر تفسير الطبري ٤٠٥/٦ - ٤٠٦، والوسيط ١٣/٢، والمحرر الوجيز ١١/٢. (٧) أخرجه الطبري ٤٠٦/٦ - ٤٠٧ عن مجاهد والشعبي، وأورده البغوي ١/ ٣٩٤ عن مجاهد والشعبي وسعيد بن جبير. ٦٦ سورة النساء: الآية ٦ الضحاك: لا يُعطَى اليتيم وإن بلغ مئةً سنةٍ، حتى يُعلم منه إصلاحُ ماله. وقال مجاهد: (رُشْدا)) يعني: في العقل خاصَّةٌ(١). وأكثر العلماء على أن الرُّشد لا يكون إلَّا بعد البلوغ، وعلى أنه إنْ لم يَرْشُد بعد بلوغ الحلم - وإن شاخ - لا يزولُ الحَجرُ عنه؛ وهو مذهب مالكٍ وغیرِه. وقال أبو حنيفة: لا يُحجر على الحرِّ البالغ إذا بلغ مبلغ الرجال، ولو كان أفسقَ الناس وأشدَّهم تبذيراً إذا كان عاقلاً. وبه قال زُفَر بن الهُذيل؛ وهو مذهب النَّخَعيِّ(٢). واحتجُّوا في ذلك بما رواه قتادةُ عن أنس، أن حَبَّان بن مُنقِذ كان يبتاع وفي عُقدته ضعف، فقيل: يا رسول الله، احجُر عليه؛ فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف. فاستدعاه النبيُّ ﴾، فقال: ((لا تَبَعْ)). فقال: لا أصبر. فقال له: «فإذا بايعتَ فقُلْ: لا خِلابةَ. ولكَ الخِيارُ ثلاثاً))(٣). قالوا: فلمَّا سأله القومُ الحَجْرَ عليه لِمَا كان في تصرُّفه من الغَيْن، ولم يفعل عليه الصلاة والسلام، ثبت أن الحَجر لا يجوز (٤). وهذا لا حُجةَ لهم فيه؛ لأنه مخصوصٌ بذلك على ما بيَّنَّه في البقرة(٥)، فغيرهُ بخلافه. وقال الشافعيُّ: إن كان مفسداً لماله ودینه، أو كان مفسداً لماله دون دينه، حُجر عليه، وإن كان مفسداً لدينه مصلحاً لماله، فعلى وجهين: أحدهما: يحجر عليه؛ وهو اختيار أبي العباس بن سُرَيج(٦). والثاني: لا حجرَ عليه؛ وهو اختيارُ أبي إسحاق المَرْوَزيّ(٧)، والأَظْهَرُ من مذهب الشافعيِّ. (١) أخرجه الطبري ٦/ ٤٠٦ . (٢) ينظر الإشراف ١٢٨/١ - ١٢٩، ومختصر اختلاف العلماء ٢١٥/٥، ٢٢١. (٣) تقدم ٤/ ٤٣٥ . (٤) مختصر اختلاف العلماء ٥/ ٢٢٠ . (٥) ٤٣٦/٤ - ٤٣٧ . (٦) في (خ) و(د) و(م): شريح، وهو خطأ، وهو أحمد بن عمر بن سُريج البغدادي القاضي الشافعي. (٧) إبراهيم بن أحمد شيخ الشافعية، وفقيه بغداد، صاحب أبي العباس بن سريج وأكبر تلامذته، توفي سنة (٣٤٠هـ). السير ٤٢٩/١٥ . ٦٧ سورة النساء: الآية ٦ قال الثعلبي: وهذا الذي ذكرناه من الحَجْر على السفيه قولُ عثمان وعليٍّ، والزبير وعائشة، وابن عباس وعبدالله بن جعفر، رضوان الله عليهم، ومن التابعين شريح، وبه قال الفقهاء: مالك وأهل المدينة، والأوزاعيُّ وأهلُ الشام، وأبو يوسف ومحمد وأحمد، وإسحاق وأبو ثور(١). قال الثعلبي: وادَّعى أصحابنا الإجماعَ في هذه المسألة. السادسة: إذا ثبت هذا فاعلم أنَّ دفع المال يكون بشرطين: إيناس الرُّشد، والبلوغ، فإن وُجد أحدُهما دون الآخر؛ لم يَجز تسليمُ المال، كذلك نصُّ الآية. وهو رواية ابن القاسم وأشهبَ وابنٍ وهب عن مالك في الآية (٢). وهو قول جماعة الفقهاء إلا أبا حنيفة وزُفَر والنَّخَعي؛ فإنهم أسقطوا إيناسَ الرُّشد ببلوغ خمسٍ وعشرين سنة. قال أبو حنيفة: لكونه جَدّاً، وهذا يدلُّ على ضعف قوله، وضعفِ ما احتجَّ به أبو بكر الرازيُّ في أحكام القرآن له من استعمال الآيتين حسبَ ما تقدَّم(٣)؛ فإنَّ هذا من باب المطلَق والمقيَّد، والمطلق يُرَدُّ إلى المقيَّد باتفاق أهل الأصول. وماذا يُغني(٤) كونُه جَدّاً إذا كان غيرَ [ذي] جَدِّ، أي: بَخْت(٥). إلا أن علماءنا شرطوا في الجارية دخولَ الزوج بها مع البلوغ، وحينئذ يقع الابتلاء في الرُّشد. ولم يره أبو حنيفة والشافعيُّ، ورأوا الاختبارَ في الذكر والأنثى واحداً(٦) على ما تقدَّم. وفرَّق علماؤنا بينهما بأن قالوا: الأنثى مخالفةٌ للغلام لكونها محجوبةً لا تعاني الأمور، ولا تبرز لأجل [حياء] البكارة؛ فلذلك وُقف فيها على وجود النكاح؛ فَبِهِ (١) ينظر الإشراف ١٢٨/١ - ١٢٩، والسنن الكبرى للبيهقي ٦/ ٦١. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣٢٢/١. (٣) ص١٩ من هذا الجزء . (٤) في النسخ الخطية: يعني، والمثبت من (م). (٥) أي: حظّ، وما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق، انظر أحكام القرآن لابن العربي ٣٢٢/١. (٦) قوله: واحداً، ليس في (م). ٦٨ سورة النساء: الآية ٦ تَفهمُ المقاصدَ كلَّها. والذكر بخلافها؛ فإنه بِتَصرُّفه وملاقاته للناس مِن أول نَشْئِه إلى بلوغه يحصل له الاختبار، ويكمل عقلُه بالبلوغ، فيحصُل له الغَرَض(١). وما قاله الشافعيُّ أَصْوَبُ؛ فإنَّ نفْسَ الوطء بإدخال الحشَفة لا يزيدها في رُشْدِها إذا كانت عارفةً بجميع أمورها ومقاصدها، غيرَ مبذِّرةٍ لمالها. ثم زاد علماؤنا فقالوا: لا بدَّ بعد دخولِ زوجها من مضيٍّ مدَّةٍ من الزمان تمارِس فيها الأحوال؛ قال ابن العربيّ(٢): وذكر علماؤنا في تحديدها أقوالاً عديدة؛ منها الخمسةُ الأعوام، والستةُ والسبعةُ في ذات الأب. وجعلوه(٣) في اليتيمة التي لا أبَ لها ولا وصيَّ عليها عاماً واحداً بعد الدخول، وجعلوه في المؤَلَّى عليها مؤبَّداً حتى يُثُبُتَ رشدُها. وليس في هذا كلِّه دليل، وتحديدُ الأعوام في ذات الأب عسير؛ وأعسرُ منه تحديدُ العام في اليتيمة. وأمَّا تمادي الحَجْر في المولَّى عليها حتى يتبيَّن رُشدُها، فيُخرجها الوصيُّ عنه(٤)، أو يخرجها الحَكَم منه، فهو ظاهِرُ القرآن. والمقصودُ من هذا كلِّه داخلٌ تحت قوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ فتعيَّنَ اعتبارُ الرشد، ولكنْ يختلف إيناسُه بحسَب اختلاف حال الراشد. فاعرفه ورگِّب عليه، واجتنب التحكّم الذي لا دليلَ عليه. السابعة: واختلفوا فيما فعَلَتْه ذاتُ الأب في تلك المدة؛ فقيل: هو محمولٌ على الردِّ لبقاء الحَجْر، وما عملَته بعده فهو محمولٌ على الجواز. وقال بعضهم: ما عملَته في تلك المدَّة محمولٌ على الردِّ إلَّا أن يتبيَّنَ فيه السَّدَادُ، وما عملَته بعد ذلك محمولٌ على الإمضاء حتى يتبيَّن فيه السَّفَه(٥). (١) أحكام القرآن لابن العربي ٣٢١/١، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) أحكام القرآن ١/ ٣٢١ . (٣) في النسخ: وجعلوا، في الموضعين، والمثبت من أحكام القرآن. (٤) في أحكام القرآن: منه. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٣٢٤/١ . ٦٩ سورة النساء: الآية ٦ الثامنة: واختلفوا في دفع المال إلى المحجور عليه؛ هل يحتاج إلى السلطان أم لا؟ فقالت فرقة: لا بدَّ من رَفْعِه إلى السلطان، ويَثْبُتَ عنده رُشْدُه، ثم يَدفعُ إليه مالَه. وقالت فرقة: ذلكَ مَوكولٌ إلى اجتهادِ الوصيِّ دون أنْ يُحتاجَ إلى رفعه إلى السلطان. قال ابن عطية(١): والصوابُ في أوصياء زماننا ألَّا يُستغنَى عن رفعه إلى السلطان وثبوتِ الرُّشد عنده، لِمَا حُفِظ من تواطؤ الأوصياء على أن يرشد الصبيُّ(٢)، ويبرأَ المحجور عليه لسفهه وقلة تحصيله في ذلك الوقت. التاسعة: فإذا سُلِّم المال إليه بوجود الرُّشْد، ثم عاد إلى السَّفَه بظهور تبذيرٍ وقلَّةِ تدبير؛ عاد إليه الحَجر عندنا، وعند الشافعي في أحد قوليه. وقال أبو حنيفة: لا يعود؛ لأنه بالغ عاقل؛ بدليل جواز إقراره في الحدود والقصاص. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ الشُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ الَّتِى جَعَلَ اَللَّهُ لَكُنْ قِيَمًا﴾ [النساء: ٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهَا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولم يفرِّق بين أن يكون محجوراً سفيهاً، أو يطرأ ذلك عليه بعد الإطلاق(٣). العاشرة: ويجوز للوصيّ أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أنْ يصنعه؛ من تجارةٍ وإيضاعٍ، وشراءٍ وبيع. وعليه أنْ يؤدِّيَ الزكاة من سائر أمواله: عينٍ وحرث وماشية وفِطرة. ويؤدِّيَ عنه أُرُوشَ الجنايات، وقِيَمَ المتلَفات، ونفقة الوالدين، وسائرَ الحقوق اللازمة. ويجوز أنْ يزوِّجه، ويؤدِّيَ عنه الصَّدَاق، ويشتريَ له جارية يَتَسرَّرُها (٤)، ويصالح له وعليه على وجه النظر له. وإذا قضى الوصيُّ بعضَ الغرماء، وبقي من المال بقيةٌ تفي ما عليه من الدَّين، (١) المحرر الوجيز ١١/٢ . وما قبله منه. (٢) في (ظ) و(خ) والمحرر الوجيز: الوصيّ. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣٢٣/١ . (٤) في (د) و (ظ): يتسرى بها. ٧٠ سورة النساء: الآية ٦ كان فِعْلُ الوصيِّ جائزاً. فإنْ تلف باقي المال؛ فلا شيءَ لباقي الغرماء على الوصيِّ، ولا على الذين اقتضَوْا. وإن قضى (١) الغرماءَ جميعَ المال، ثم أتى غرماءُ آخرون، فإن كان عالماً بالدّين الباقي، أو كان الميت موصوفاً(٢) بالدّين الباقي، ضمنَ الوصيُّ لهؤلاء الغرماء ما كان يُصيبهم في المحاصَّة، ورَجَعَ على الذين اقتضَوْا دَينهم بذلك، وإن لم يكن عالماً بذلك، ولا كان الميت معروفاً بالدَّين، فلا شيء على الوصي. وإذا دفع الوصيُّ دَينَ الميت بغير إشهاد ضَمِن(٣). وأما إن أشهد وطال الزمان حتى مات الشهود فلا شيء عليه. وقد مضى في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] من أحكام الوصيِّ في الإنفاق وغيره ما فيه كفاية، والحمد لله. الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَانًا وَيِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ليس يريد أنَّ أكلَ مالِهم من غير إسرافٍ جائزٌ فيكونَ له دليل خطاب(٤)، بل المراد: ولا تأكلوا أموالهم فإنه إسراف. فنهى الله سبحانه وتعالى الأوصياءَ عن أكل أموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم(٥)، على ما يأتي بيانه(٦). والإسراف في اللغة: الإفراطُ ومجاوزة الحدِّ. وقد تقدَّم في آل عمران(٧). والسَّرَف: الخطأ في [مواضع] الإنفاق(٨). ومنه قول الشاعر: (١) في (م): اقتضى. (٢) في (م): معروفاً، والمثبت من النسخ الخطية موافق لما في المدونة ٢٠٧/٥ . (٣) المدونة ٢٢٠/٥. (٤) دليل الخطاب: قَصْرُ حكمِ المنطوقِ به على ما تناولَه، والحكمُ للمسكوت عنه بما خالفه، وهو المسمَّى بمفهوم المخالفة. ينظر الحدود للباجي ص ٥٠ ، وشرح تنقيح الفصول للقَرافي ص٥٣ . (٥) المحرر الوجيز ٢/ ١١ . (٦) في المسألة الرابعة عشرة. (٧) ٣٥٤/٥ . (٨)المحرر الوجيز ١١/٢، وما بين حاصرتين منه. ٧١ سورة النساء: الآية ٦ أعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوها ثمانِيةٌ ما في عطائهمُ مَنٌّ ولا سَرَفُ(١) أي: ليس يخطئون مواضعَ العطاء. وقال آخر: وقال قائلُهم والخُيلُ تخبِظُهِمْ أَسْرَفْتُمُ فأجبنا إِنَّنا سَرَفُ(٢) قال النضْر بن شُمَيْل: السَّرَف التبذير، والسَّرَفُ الغفلة. وسيأتي لمعنى الإسرافِ زيادةُ بيانٍ في ((الأنعام))(٣) إن شاء الله تعالى. ﴿وَبِدَارًا﴾ معناه: ومبادرةَ كِبَرهم، وهو حالُ البلوغ. والبِدَار والمُبادَرة كالقِتال والمُقاتلة، وهو معطوفٌ على ((إِسْرَافاً)). و﴿أَنْ يَكْبُوا﴾ في موضع نصبٍ بـ((بِداراً)). أي: لا تَسْتغنم مالَ مَحْجُورك فتأكلَه وتقول: أُبادِرُ كِبرَه لئلا يَرْشُدَ ويأخذَ ماله. عن ابن عباس وغيره(٤). الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ الآية. بَيَّن الله تعالى ما يَحِلُّ لهم من أموالهم، فأمر الغنيَّ بالإمساك، وأباح للوصيِّ الفقير أن يأكل من مال وَلِيِّه بالمعروف. يقال: عَفَّ الرجل عن الشيء واستعفَّ: إذا أمسك(٥). والاستعفاف عن الشيء تركُه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَامًا﴾ [النور: ٣٣]. والعِفَّة: الامتناع عما لا يحلُّ ولا يجب فعلُه. روى أبو داود من حديث حسين المعلِّم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنَّ رجلاً أتى النبيَّ﴾ فقال: إنِّي فقير ليس لي شيء، ولي يتيم. قال: فقال: ((كُلْ من مال يتيمِك غيرَ مُسْرِفٍ ولا مُباذِرٍ ولا مُتَأْثِّل))(٦). (١) البيت لجرير، وهو في ديوانه ص ٣٠٧، قوله: هنيدةً، قال الأصمعي كما في تهذيب اللغة ٦/ ٢٠٤: مئة من الإبل، مَعْرِفة لا تنصرف، ولا يدخلها الألف واللام، ولا تجمع، ولا واحد لها من جنسها. (٢) لم نقف عليه. (٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُرِفُواْ﴾ [الآية: ١٤١]. (٤) المحرر الوجيز ١١/٢، وأخرجه عن ابن عباس وغيره الطبري ٤٠٩/٦ - ٤١٠. (٥) المحرر الوجيز ٢/ ١١. (٦) سنن أبي داود (٢٨٧٢) ووقع في مطبوعه: ((ولا مبادر)) بالدال، وقد اختلفت فيه نسخ السنن، كما في طبعة الشيخ محمد عوامة برقم (٢٨٦٤). وأخرجه أحمد (٧٠٢٢) وفيه: ((ولا مبذر)). قوله: غير متأثل، أي: غير جامع. النهاية ١/ ٢٣ . ٧٢ سورة النساء: الآية ٦ الثالثة عشرة: واختلف العلماء مَن المُخاطَبُ والمرادُ بهذه الآية؟ ففي صحيح مسلمٍ (١) عن عائشة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قالت: أُنزِلَت في والي (٢) اليتيم الذي يقوم عليه ويُصلحه، إذا كان محتاجاً أنْ(٣) يأكل منه. وفي رواية(٤): بقَدْر مالِهِ بالمعروف. وقال بعضهم: المراد اليتيم؛ إنْ كان غنيّاً وَسَّع عليه وأعَفَّ عن مالِه، وإنْ كان فقيراً أنفق عليه بقدره؛ قاله ربيعةُ ويحيى بن سعيد. والأولُ قولُ الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن اليتيم لا يخاطَب بالتصرُّف في مالِهِ لصِغَرَه ولِسَفَهه(٥). والله أعلم. الرابعة عشرة: واختلف الجمهور في الأكل بالمعروف ما هو؟ فقال قوم: هو القرضُ إذا احتاج، ويقضي إذا أَيْسَر؛ قاله عمر بن الخطاب وابن عباس وعَبِيدةُ وابن جُبَيْرٍ والشعبيُّ ومجاهد وأبو العالية (٦)، وهو قول الأوزاعي. ولا يستسلف أكثر من حاجته؛ قال عمر: ألا إنِّي أنزلتُ نفسي من مال الله منزلةَ الوليِّ من مال اليتيم، إنِ استغنيتُ استعففتُ، وإن افتقرتُ أكلتُ بالمعروف؛ فإذا أَيْسَرتُ قضيت(٧). روى عبدالله بن المبارك، عن عاصم، عن أبي العالية: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُ بِلْمَعْرُفِ﴾ قال: قرضاً، ثُمَّ تلا: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَّهِمْ أَمْوَمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾(٨). (١) رقم (٣٠١٩): (١٠)، وهو عند البخاري (٢٢١٢). (٢) في (ظ) و(م): نزلت في ولي، والمثبت من بقية النسخ وهو الموافق لما في صحيح مسلم. (٣) قبلها في (د) و (ز) و (م): جاز. (٤) صحيح مسلم (٣٠١٩): (١١)، وصحيح البخاري (٢٧٦٥). (٥) المفهم ٣٣١/٧، وقول يحيى بن سعيد وربيعة أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٣٥). (٦) أخرج قولهم الطبري ٦/ ٤١٢ - ٤١٧ . (٧) أخرجه ابن سعد ٢٧٦/٣، وابن أبي شيبة ٣٢٤/١٢، وسعيد بن منصور (٧٨٨ - تفسير)، والطبري ٦/ ٤١٢، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ١٤٧/٢ - ١٤٨ . (٨) أخرجه النحاس في معاني القرآن ٢٢/٢ . ٧٣ سورة النساء: الآية ٦ وقول ثانٍ: روي عن إبراهيمَ(١) وعطاءٍ والحسنِ البصريِّ والنَّخَعيِّ وقتادةَ: لا قضاءَ على الوصيِّ الفقير فيما يأكل بالمعروف؛ لأنَّ ذلك حقُّ النظر، وعليه الفقهاء. قال الحسن: هو طعمةٌ مِنَ الله له، وذلك أنَّه يأكل ما يسدُّ جَوعتَه، ويكتسي ما يستر عورتَه، ولا يلبس الرفيع مِنَ الكَثَّان ولا الحُلل(٢). والدليل على صحة هذا القول إجماعُ الأمة على أنَّ الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غُرْمُ ما أكل بالمعروف؛ لأنَّ الله تعالى قد فرض سَهْمَه في مال الله. فلا حجةً لهم في قول عمر: فإذا أیسرتُ قضیت، لو صح(٣). وقد رُوي عن ابن عباس وأبي العالية والشعبيّ: أنَّ الأكل بالمعروف هو كالانتفاع بألبان المواشي، واستخدام العبيد، وركوب الدوابِّ، إذا لم يَضُرَّ بأصل المال، كما يَهْنَأُ الجَرْبَاءِ، ويَنْشُد الضالّة، ويَلُوطُ الحوض، ويَجُدُّ التمر (٤). فأمَّا أعيان الأموال وأصولُها فليس للوصيّ أخذُها. وهذا كلُّه يخرج مع قول الفقهاء: إنَّه يأخذ بقَدْرِ أجر عمله؛ وقالت به طائفة، وأنَّ ذلك هو المعروف، ولا قضاءَ عليه، والزيادةُ على ذلك محرَّمة. وفرَّق الحسن بن صالح بن حيّ - ويقال ابن حيان - بين وصيِّ الأب والحاكم؛ فلوصيّ الأب أنْ يأكل بالمعروف، وأما وصيُّ الحاكم فلا سبيلَ له إلى المال (١) هو النخعي، كما في تفسير الطبري ٤١٩/٦، والناسخ والمنسوخ للنحاس ١٥٠/٢، والمحرر الوجيز ١١/٢، وقد ذكره المصنف مرتين، والله أعلم. (٢) هذا الأثر هو مجموع أثرين، كما في المحرر الوجيز ١١/٢؛ الأول عن الحسن، والثاني عن إبراهيم النخعي ومكحول، وأخرج الطبري ٤١٩/٦ أثر إبراهيم ومكحول، و٤٢٥/٦ أثر الحسن. وينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢/ ١٥٠ . (٣) في (خ) و(ظ) و(م): أن لو صح، والمثبت من (د) و(ز). وقد صحح ابن كثير إسناد بعض روايات أثر عمر في تفسيره لهذه الآية، وينظر الفتح ١٣/ ١٥١ . (٤) أخرجه بنحوه عن ابن عباس مالك في الموطأ ٢/ ٩٣٤، وعبد الرزاق في التفسير ١/ ١٤٧، وأخرج قول المذكورين الطبري ٦/ ٤٢٠ - ٤٢٢. قوله: يهنأ الجرباء، يعني يطلي جَرْباها بالقطران. وقوله: يلوط الحوض، أي: يصلح الحوض ويسد المواضع التي يخرج منها الماء. الاستذكار ٣٤١/٢٦ - ٣٤٢. وقوله: يجدّ التمر، الجَداد: صرام النخل، وهو قطع ثمرها. اللسان (جدد). ٧٤ سورة النساء: الآية ٦ بوجه(١)؛ وهو القول الثالث. وقول رابع روي عن مجاهد قال: ليس له أن يأخذ قرضاً ولا غيره [وقال بهذا القول من الفقهاء أبو يوسف] وذهب إلى أنَّ الآية منسوخةٌ، نسخها قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَضِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وهذا ليس بتجارة(٢). وقال زيد بن أسلم: إنَّ الرخصةَ في هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَى كُلْمًا﴾ الآية(٣). وحكى بِشْر بن الوليد عن أبي يوسف قال: لا أدري، لعل هذه الآية منسوخةٌ بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَضِ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩](٤). وقول خامس: وهو الفرق بين الحضر والسفر؛ فيُمنع إذا كان مقيماً معه في المصر، فإذا احتاج أنْ يسافر من أجله فله أن يأخذ ما يحتاج إليه، ولا يقتني شيئاً؛ قاله أبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف ومحمد(٥). وقول سادس: قال أبو قلابة: فليأكل بالمعروف مما يَجني من الغَلَّة؛ فأما المالُ النَّاضُّ؛ فليس له أن يأخذ منه شيئاً قرضاً ولا غيره(٦). وقول سابع: روى عِكرمةُ عن ابن عباس ﴿وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: إذا احتاج واضطُرَّ. وقال الشعبيُّ كذلك: إذا كان منه بمنزلة الدم ولحم الخنزير أَخذ منه، فإن وَجَدَ أوفى؛ قال النحاس(٧): وهذا لا معنى له؛ لأنَّه إذا اضطر هذا (١) المحرر الوجيز ٢/ ١١ . (٢) معاني القرآن للنحاس ٢٢/٢ - ٢٣، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) أورده ابن العربي في أحكام القرآن ٣٢٤/١ وردًّه. (٤) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٤٦/٢. (٥) المصدر السابق. (٦) الناسخ والمنسوخ ٢/ ١٥٠، وقوله: المال الناضُّ أي: الدراهم والدنانير، وسمي بذلك لأنه تحول عيناً بعد أن كان متاعاً. الصحاح (نضض). (٧) الناسخ والمنسوخ ١٥٢/٢. ٧٥ سورة النساء: الآية ٦ الاضطرار كان له أخذُ ما يُقِيمه من مال يتيمه أو غيره من قريب أو بعيد. وقال ابن عباس أيضاً والنَّخَعيُّ: المراد أنْ يأكل الوصيُّ بالمعروف من مال نفسه حتى لا يحتاجَ إلى مال اليتيم؛ فيستعففُ الغنيُّ بغناه، والفقيرُ يقتِّر على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال يتيمه؛ قال النحاس: وهذا مِن أحسن ما رُوي في تفسير الآية؛ لأنَّ أموالَ الناس محظورةٌ لا يُظْلَق شيءٌ منها إلَّا بحجةٍ قاطعة(١). قلت: وقد اختار هذا القول الكيا الطبري في أحكام القرآن له (٢)؛ فقال: توقَّم متوهِّمون من السلف بحكم الآية أنَّ للوصيِّ أنْ يأكل من مال الصبي قَدْراً لا ينتهي إلى حدِّ السَّرَف، وذلك خلافُ ما أَمر الله تعالى به في قوله: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُم بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ولا يتحقَّق ذلك في [مال] اليتيم. فقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ يرجع إلى [أكل] مالٍ نفسه دون مال اليتيم، فمعناه: ولا تأكلوا أموال اليتيم مع أموالكم، بل اقتصِروا على أكل أموالكم، وقد دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَقْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]. وبان بقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوِّ﴾ الاقتصارُ على البُلْغة، حتى لا يحتاج إلى أكل مال اليتيم؛ فهذا تمامُ معنى الآية. فقد وجدنا آياتٍ مُحْكَماتٍ تمنع أكل مال الغير دون رضاه، سِيما في حقِّ اليتيم. ووجدنا(٣) هذه الآيةَ محتمِلةً للمعاني، فَحمْلُها على موجب الآيات المحكمات مُتَعيِّن. فإنْ قال مَن ينصرُ مذهب السلف: إنَّ القضاة يأخذون أرزاقهم لأجل عملهم للمسلمين، فهلَّا كان الوصيُّ كذلك؛ إذا عمل لليتيم، ولِمَ لا يأخذ الأجرة بقَدْر عمله؟ (١) الناسخ والمنسوخ ١٥٣/٢، وينظر المحرر الوجيز ١١/٢ وقول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٢٨). قال النحاس: واختلف عن ابن عباس في تفسير الآية اختلافاً كثيراً، على أن الأسانيد عنه صحاح مع اختلاف المتون. (٢) ٣٢٩/١، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٣) في (د) و (ز) و (م): وقد وجدنا، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن للكيا. ٧٦ سورة النساء: الآية ٦ قيل له: اعلم أنَّ أحداً من السلف لم يجوِّز للوصيِّ أنْ يأخذَ من مال الصبيِّ مع غنى الوصيٍّ، بخلاف القاضي، فذلك فارق بين المسألتين. وأيضاً؛ فالذي يأخذه الفقهاء والقضاة والخلفاء القائمون بأمور الإسلام لا يتعيَّن له مالك(١). وقد جعل الله ذلك المالَ الضائعَ [حقّاً] لأصنافٍ بأوصاف، والقضاةُ من جملتهم، والوصيُّ إنما يأخذ بعمله مالَ شخصٍ معيَّنٍ من غير رضاه، وعملُه مجهولٌ، وأجرتُه مجهولة، وذلك بعيدٌ عن الاستحقاق. قلت: وكان شيخنا الإمام أبو العباس يقول(٢): إن كان مال اليتيم كثيراً، يحتاج إلى كبيرٍ قيامٍ عليه، بحيث يَشْغَلُ الوليَّ عن حاجاته ومهماته، فرض له فيه أجر عمله، وإن کان تافهاً لا یشغله عن حاجاته، فلا يأكل منه شيئاً، غير أنه يُستحَبُّ له شربُ قليلِ اللبن، وأكلُ القليل من الطعام والتمر(٣)، غيرَ مُضِرِّ به، ولا مستكثرٍ له، بل على ما جرت العادة بالمسامحة فيه. قال شيخنا: وما ذكرتُه من الأجرة، ونَيْلِ اليسير من التمر واللبن، كلُّ واحدٍ منهما معروف؛ فصَلحَ حملُ الآية على ذلك. والله أعلم. قلت: والاحترازُ عنه أفضلُ إن شاء الله. وأما ما يأخذه قاضي القسمةِ ويسمِّيه رسماً، ونهْبُ أتباعه، فلا أدري له وجهاً ولا حِلًّا، وهم داخلون في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَشَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾. الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَتْهِمْ أَمْوَمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾ أمر الله تعالى بالإشهاد تنبيهاً على التحصين، وزوالاً للتُّهَم. وهذا الإشهادُ مستَحَبٌّ عند طائفة من العلماء؛ فإنَّ القول قولُ الوصيّ؛ لأنه أمين. وقالت طائفة: هو فرض. وهو ظاهِرُ الآية، وليس بأمين فيُقبل قوله، كالوكيل إذا زعم أنه قد ردَّ ما دُفع إليه، أو المودَعِ. وإنما هو أمينٌ للأب، ومتى ائتمنه الأب (١) في النسخ الخطية: ملك، والمثبت من (م). (٢) في المفهم ٧/ ٣٣٢ . (٣) في النسخ: والسمن، والمثبت من المفهم. ٧٧ سورة النساء: الآية ٦ لا يُقبل قوله على غيره. ألا ترى أنَّ الوكيل لو ادَّعى أنَّه قد دفع لزيد ما أمره به بعدالته، لم يُقبل قوله إلا بيِّنة، فكذلك الوصيُّ. ورأى عمر بن الخطاب ه وابنُ جبير أنَّ هذا الإشهاد إنما هو على دفع الوصيِّ في يُسْره ما استقرضه من مال يتيمه حالةَ فقره(١). قال عَبِيدةُ: هذه الآية دليلٌ على وجوب القضاء على مَن أكل(٢). المعنى: فإذا اقترضتُم أو أكلتُم فَأَشْهِدوا إذا غرمتم. والصحيح أنَّ اللفظَ يعمُّ هذا وسواه. والظاهر أنَّ المراد: إذا أنفقتم شيئاً على المُولَّى عليه، فأشهدوا، حتى لو وقع خلافٌ أمكن إقامة البينة؛ فإنَّ كلَّ مالٍ قُبض على وجه الأمانة بإشهادٍ لا يبرأ منه إلا بالإشهاد على دفعه، لقوله تعالى: ﴿فَأَشِّدُواْ﴾(٣). فإذا (٤) دفع لمن دفع إليه بغير إشهادٍ، فلا يحتاج في دفعها لإشهاد إن كان قَبضها بغير إشهاد. والله أعلم. السادسة عشرة: كما على الوصيِّ والكفيل حفظُ مال يتيمه والتثميرُ له، كذلك عليه حفظ الصبيِّ في بدنه. فالمالُ يحفظه بضبطه، والبدن يحفظه بأدبه(٥). وقد مضى هذا المعنى في ((البقرة))(٦). ورُوي أن رجلاً قال للنبيِّ ﴾: إنَّ في حِجْري يتيماً، أآكُلُ من مالِه(٧)؟ قال: ((نعم، غير مُتأتِلٍ مالاً، ولا واقٍ مالك بماله)). قال: يا رسول الله، أفأَضْرِبُه؟ قال: ((ما كنتَ ضارباً منه ولدَك))(٨). قال ابن العربيّ(٩): وإنْ لم يثبت مسنداً، فليس يجد (١) المحرر الوجيز ٢/ ١١. (٢) أخرجه بنحوه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٨٠، وسعيد بن منصور (٥٧٤ - تفسير)، والطبري ٦/ ٤١٣ . (٣) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٣٢٧ . (٤) في (م): فإذ. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٣٢٦/١ . (٦) ٣ / ٤٤٩ . (٧) في النسخ الخطية: آكل ماله، والمثبت من (م). (٨) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١٤٨/١، وابن أبي شيبة ٣٧٩/٦، والطبري ٤٢٥/٦، والبيهقي ٢٨٥/٦ من حديث الحسن العُرَني، قال البيهقي: هذا مرسل، وقد روي من وجه آخر موصولاً وهو ضعيف. (٩) أحكام القرآن ١/ ٣٢٧ . ٧٨ سورة النساء: الآيتان ٦ - ٧ أحدٌ عنه مُلْتَحَداً. السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِلَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: كفى اللهُ حاسباً لأعمالكم ومجازياً بها. ففي هذا وعيدٌ لكلِّ جاحدٍ حق(١). والباء زائدة، وهو في موضع رفع. قوله تعالى: ﴿لِلِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ اَلْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ اُلْوَلِدَانِ وَالْأَقْبُنٌ مِنَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرِّ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا فيه خمس مسائل : الأولى: لمَّا ذكر الله تعالى أَمْرَ اليتامى، وَصَلَه بذكر المواريث. ونزلت الآية في أوس بن ثابت الأنصاري، تُوفِّي وترك امرأةً يقال لها: أمُّ كُجَّة، وثلاثَ بناتٍ له منها، فقام رجلان - هما ابنا عمِّ الميت ووصياه - يقال لهما: سُوَيْدٍ وعَرْفَجَة؛ فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأتَه وبناتِه شيئاً، وكانوا في الجاهلية لا يورِّثون النساء، ولا الصغيرَ وإنْ كان ذكراً، ويقولون: لا يُعطى إلَّا منْ قاتلَ على ظهور الخيل، وطاعنَ بالرمح، وضاربَ بالسيف، وحازَ الغنيمة. فذكرت أمُّ كُجَّة ذلك لرسول الله ﴾، فدعاهما، فقالا: يا رسول الله، ولدُها لا يركب فرساً، ولا يحمل كَلَّ، ولا يَنْكَأُ عدوّاً. فقال عليه الصلاة والسلام: ((انصرفا حتى أنظرَ ما يُحْدِثُ اللهُ لي فيهنّ)). فأنزل الله هذه الآية ردّاً عليهم(٢)، وإبطالاً لقولهم، وتَصرُّفِهم بجهلهم؛ فإنَّ الورثةَ الصغارَ كان ينبغي أنْ يكونوا أحقَّ بالمالِ منَ الكبار، لعدم تصرفهم، والنظرِ في مصالحهم، فعكسوا الحكم، وأَبطلوا الحِكمة، فضلُّوا بأهوائهم، وأَخطؤوا في آرائهم وتصرُّفاتهم(٣). الثانية: قال علماؤنا: في هذه الآيةِ فوائدُ ثلاثٌ: إحداها: بيانُ علَّةِ الميراث، (١) المحرر الوجيز ٢/ ١١. (٢) أسباب النزول للواحدي ص١٣٧ - ١٣٨، وهو من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ينظر الإصابة ١٢٨/١ و٢٧١/١٣. وأخرجه بنحوه الطبري ٤٣٠/٦ عن عكرمة. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣٢٨/١. ٧٩ سورة النساء: الآية ٧ وهي القرابة. الثانية: عمومُ القرابة كيفما تصرَّفت مِنْ قريبٍ أو بعيد. الثالثة: إجمالُ النصيبِ المفروض، وذلك مبيّن في آيةِ المواريث. فكان في هذه الآية توطئةٌ للحكم، وإيطالٌ لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيانُ الشافي(١). الثالثة: ثبت أنَّ أبا طلحةَ لما تصدَّق بمالهِ بَيْرَحاء(٢) وذكر ذلك للنبيِّ ﴾ قال له: ((اجْعَلْها في فقراءٍ أَقَارِبِك)). فجعلها لحسَّان وأُبَيّ. قال أنس: وكانا أقربَ إليه منِّي. قال أبو داود(٣): بلغني عن محمد بن عبد الله الأنصاري أنه قال: أبو طلحة الأنصاريُّ زيد بنُ سهل بنِ الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو ابن مالك بن النجار. وحسَّان بنُ ثابت بنِ المنذر بن حَرَام، يجتمعان في الأب الثالث وهو حرام. وأُبَيّ بن كعب بن قيس بن عتيك(٤) بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك ابن النجار. قال الأنصاري: بين أبي طلحة وأُبَيِّ ستةُ آباء. قال: وعمرو بن مالك يجمع حسان وأُبيّ بنَ كعب وأبا طلحة. قال أبو عمر(٥): في هذا ما يقضي على القَرابة أنها ما كانت في هذا القُعْدَدِ (٦) ونحوه، وما كان دونه فهو أحْرَى أنْ يلحقه اسم القَرابة. الرابعة: قوله تعالى: ﴿مِمَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرٌ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أثبت الله تعالى للبنات نصيباً في الميراث، ولم يُبيِّن كم هو، فأرسل النبيُّ ﴾ إلى سُوَيدٍ وعَرْفَجَةَ ألَّا تُفرِّقا من مال أَوْسٍ شيئاً - فإنَّ الله جعل لبناته نصيباً، ولم يُبيِّن كم هو - حتى أَنْظُرَ ما يُنْزِلُ ربّنا)). فنزلت: ﴿يُوصِيكُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ (١) المصدر السابق. (٢) في (م): بئر ماء، وهو خطأ، وسلف الكلام عليها وخبرُ أبي طلحة ١٩٩/٥ . (٣) في سننه إثر الحديث (١٦٨٩)، والكلام في صحيح البخاري قبل الحديث (٢٧٥٣)، والتمهيد ٢١٧/١. (٤) في (م) وصحيح البخاري: عبيد. (٥) التمهيد ٢١٧/١ . (٦) بفتح الدال وضمها، أي: قريب الآباء من الجدّ الأكبر. القاموس (قعد). ٨٠ سورة النساء: الآية ٧ [النساء: ١١-١٣]. فأرسل إليهما: ((أنْ أعطِيا أمَّ كُجَّة الثُّمن مما تركَ أَوْسٌ، ولبناته الثلثين، ولكما بقيةُ المال))(١). الخامسة: استدلَّ علماؤنا بهذه الآيةِ في قسمة المتروك على الفرائض إذا كان فيه تغييرٌ عن حاله، كالحمّام، والبيتِ، وبَيْدرٍ (٢) الزيتون، والدارِ التي تبطل منافعُها بإقرارٍ أهل السهام فيها(٣). فقال مالك: يُقسَم ذلك وإنْ لم يكن في نصيب أحدهم ما يُنْتَفَع به؛ لقوله تعالى: ﴿مِنَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرّ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾. وهو قول ابن كنانة، وبه قال الشافعيّ، ونحوُه قولُ أبي حنيفة؛ قال أبو حنيفة في الدار الصغيرة بين اثنين، فطلب أحدُهما القسمة وأَبى صاحبه: قُسمتْ له. وقال ابن أبي ليلى: إنْ كان فيهم مَنْ لا يَنتفعُ بما يُقسمُ له فلا يقسم. وكلُّ قَسْمِ يدخل فيه الضرر على أحدهم(٤) دون الآخر فإنه لا يُقسم، وهو قولُ أبي ثَوْر؛ قال ابن المنذر(٥): وهو أصح القولين. ورواه ابن القاسم عن مالك فيما ذكر ابن العربيّ(٦)؛ قال ابن القاسم: وأنا أرى أنَّ كلَّ ما لا يُقسم (٧) من الدور والمنازل والحمَّامات، وفي قسمته الضررُ، ولا يُنتفع به إذا قُسِم، أنْ يباعَ(٨) ولا شفعةً فيه؛ (١) أورده البغوي ١/ ٣٩٧، ونقله الحافظ في العجاب ٨٣٤/٢ عن الثعلبي، وينظر الإصابة ٢٧١/١٣. (٢) في (خ) و (ز) و(ظ): وبد، وفي (د): وبذا، وفي المطبوع من أحكام القرآن لابن العربي (والكلام منه) ٣٢٨/١: وبدء، وفي نسخة منه: وبد، والمثبت من (م). (٣) في أحكام القرآن: والدار التي تبطل منافعها بإبراز أقل السهام منها. (٤) في (د) و (ز) و(م): أحدهما، والمثبت من (خ) و (ظ) وهو الموافق لما في الإشراف ٢/ ٤٣١؛ والكلام منه. (٥) الإشراف ٢/ ٤٣٢ . (٦) أحكام القرآن ٣٢٨/١. لكن ابن القاسم روى عن مالك في المدونة ٥٢٢/٥ وقد سئل: أرأيت البيت إذا كان نصيب أحدهم إذا قسم لم ينتفع به، أيقسم في قول مالك؟ قال: قال مالك: يقسم؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿مِنَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرٌّ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾. (٧) في (ز) و(خ) و(م): ينقسم. (٨) مختصر اختلاف العلماء ٣٢٣/٤، وينظر المدونة ٥٢٣/٥.