Indexed OCR Text

Pages 1-20

الخَامِعُ أَحْكَامِ القُرآنِ
٧
وَالمُبَيِّنُ لِمَا تَضَّنَهُ مِنَ الشُّنَّةِ وَآَيِ القُرْقَانِ
تَأليفُ
أَبِيِ عَبْدِ اللَّهِ مُحَقَدِيْنِ أَحْمَد بْن أَبِي بَكِلُقُرُطِّ
( ت ٦٧١ هـ )
تَحْقِيْق
الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركيّ
شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَا الْجُزْء
محمد رضوان عرفيوسي ما هِرْجُوَشْ
المُجُزْءُ السّادس
مؤسسة الرسالة

13
0
.

أَشْكَامِ القُرآنِ
الخَامِ
وَالمُبَيِّنُ لَمْ تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآي آلْفُرْقَانِ

جَميعُ الحقوق محفوظة لِلنّاشِرْ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م
مؤسسه!
رسالة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا- بناية المسكن، بيروت -لبنان
للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩ -٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠
Al-Resalafı
BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax:818615-P.O.Box: 117460
Email: Resalah@Cyberia.net.Ib
PUBLISHERS

بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ
سورة النساء
وهي مدَنِيَّة إلَّا آيَةً واحدةً نزلت بمكةَ عامَ الفتح في عثمان بنِ طلحةَ الحَجَبِيّ(١)؛
وهي قوله: ﴿إِنَّ اللََّ يَأْمُرُّكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] على ما يأتي بيانُه.
قال النّقَّاش: وقيل: نزلت عند هجرة النبيِّ :﴿ من مكة إلى المدينة.
وقد قال بعضُ الناس: إنَّ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ حيث وقع إنما هو مكّيّ؛
وقاله علقمةُ وغيرُهُ(٢). فيُشْبِه أن يكون صدرُ السورة مكيّاً، وما نزل بعد الهجرة فإنما
هو مدني. وقال النحاس: هذه السورةُ مكية(٣).
قلت: والصحيحُ الأول، فإن في صحيح البخاريِّ عن عائشةَ أنها قالت: ما نزلت
سورةُ النساء إلّا وأنا عند رسول الله ﴾. تعني قد بنَى بها (٤). ولا خلاف بين العلماء
أن النبيَّ ﴾ إنما بنَى بعائشةَ بالمدينة. ومَن تَبَيَّن أحكامَها عَلِمَ أنها مدنية لا شكَّ فيها.
وأما مَن قال: إن قوله: ﴿يَأَيُهَا النَّاسُ﴾ مكيٍّ حيث وقع، فليس بصحيح؛ فإن
البقرة مدنيةٌ، وفيها قولُه: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ في موضعين [الآية: ٢١ و١٦٨]، وقد تقدَّم(٥).
والله أعلم.
(١) هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري حاجب البيت، أسلم في هدنة الحديبية، وهاجر مع خالد بن
الوليد، وشهد الفتح مع النبي # فأعطاه مفتاح الكعبة، توفي بالمدينة سنة (٤٢هـ). الإصابة ٦/ ٣٨٧.
(٢) أخرج قول علقمة أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٢٢، وقد تقدم ٣٣٩/١.
(٣) المحرر الوجيز ٣/٢، وكلام النحاس في معاني القرآن ٢/ ٧.
(٤) المحرر الوجيز ٣/٢. وحديث عائشة في صحيح البخاري (٤٩٩٣).
(٥) ٣٣٩/١.

٦
سورة النساء: الآية ١
قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَّكُمْ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيراً وَنِسَاءٍ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ اَلَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ
رَقِيبًا (Q).
فیه ستُّ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُ﴾ قد مضى في ((البقرة))
اشتقاقُ ((الناس)) ومعنى التقوى والربِّ والخلقِ والزوج والبثِّ، فلا معنى للإعادة(١).
وفي الآية تنبيةٌ على الصانع.
وقال: ﴿وَجِدَةٍ﴾ على تأنيثِ لفظِ النفس. ولفظُ النفس يؤنَّث وإن مُنِي به مذكَّر.
ويجوز في الكلام: من نَفْسٍ واحدٍ. وهذا على مراعاة المعنى؛ إذ المرادُ بالنفس آدمُ
عليه السلام؛ قاله مجاهد وقتادة. وهي(٢) قراءةُ ابنٍ أبي عبلةَ: ((واحدٍ)) بغير هاء(٣).
﴿وَبَثَ﴾ معناه: فَرَّق ونَشَر في الأرض، ومنه: ﴿وَزَرَبِىُ مَبْنُونَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦] وقد
تقدَّم في ((البقرة))(٤).
﴿مِنْهُمَا﴾ يعني آدم وحوَّاء؛ قال مجاهد: خُلقت حواءُ من قُصَيْرَى آدم(٥). وفي
الحديث: ((خُلقتِ المرأةُ من ضِلَعِ عَوْجاء)»، وقد مضى في البقرة(٦).
(١) تقدم اشتقاق ((الناس)) ٢٩٣/١، ومعنى التقوى ٢٤٨/١، ومعنى الرب ٢١١/١، ومعنى الخلق
٣٤١/١، ومعنى الزوج ٣٦٢/١، ومعنى البث ٤٩٧/٢ .
(٢) في (ظ): وعلى.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٠/١، والمحرر الوجيز ٣/٢، وأثر مجاهد في تفسيره: ١٤٣، وأثرا مجاهد
وقتادة أخرجهما الطبري ٦/ ٣٤٠ .
(٤) ٢ / ٤٩٧ .
(٥) تفسير مجاهد: ١٤٣، وأخرجه الطبري ٣٤١/٦، قوله: قُصَيْرى، قال في الصحاح (قصر) القُصْرَى
والقُصَيْرى: الضلع التي تلي الشَّاكِلَة، وهي الواهنة في أسفل الأضلاع.
(٦) لم نقف على من ذكر الحديث بهذا اللفظ: ((ضلع عوجاء))، وروى الطبراني في الكبير (٧٠٥١) عن
سمرة بن جندب مرفوعاً: ((إنما المرأة كالضلع، إذا أردت أن تقيمها حتى تكسرها، أو تتركها وهي
عوجاء)). وسلف حديث أبي هريرة ١ /٤٠٥ وهو في الصحيحين.

٧
سورة النساء: الآية ١
﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنسَءٍ﴾ حَصَر ذرِّيَّتهما إلى (١) نوعين، فاقتضى أن الخُنْثَى ليس بنوع،
لكنْ له حقيقةٌ تردُّه إلى هذين النوعين، وهي الآدميةُ، فيلحقُ بأحدهما(٢)، على ما
تقدَّم ذِكْرُهُ في ((البقرة)) من اعتبارِ نَقْصِ الأعضاء وزيادتها(٣).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامّ﴾ كرَّر الاتِّقاءَ تأكيداً وتنبيهاً
النفوس المأمورين، و((الذي)) في موضع نصبٍ على النعت. ((وَالْأَرْحَامَ)) معطوف؛
أي: اتقوا الله أن تعصوه، واتقوا الأرحامَ أن تقطّعوها(٤).
وقرأ أهل المدينة: ((تَسَّاءَلُونَ)) بإدغام التاء في السين، وأهلُ الكوفةِ بحذف
التاء(٥) - لاجتماع تاءَين - وتخفيفِ السين؛ لأن المعنى يُعرف(٦)، وهو كقوله: ﴿وَلَا
نَعَاوَنُواْ عَلَى اَلْإِثْمِ﴾ [المائدة: ٢] و﴿ثَنَزَّلُ﴾ [القدر: ٤] وشِبْهه.
وقرأ إبراهيمُ النَّخَعيُّ وقتادةُ والأعْمَشُ وحَمْزةُ: ((والأرْحَام)) بالخفض(٧). وقد
تكلّم النخويون في ذلك؛ فأما البَصْريون فقال رؤساؤهم: هو لَحْنٌ لا تحِلُّ القراءةُ به.
وأما الكوفيون فقالوا: هو قبيح. ولم يزيدوا على هذا، ولم يذكروا عِلَّة تُبْحِه؛
قال النحاس(٨): فيما علمتُ.
وقال سيبويه(٩): لم يعطف على المضمَر المخفوض؛ لأنه بمنزلة التنوين،
(١) في (م): في.
(٢) المحرر الوجيز ٤/٢ .
(٣) ١ / ٤٥٠ .
(٤) ينظر تفسير الطبري ٣٤٦/٦ - ٣٤٩.
(٥) قرأ أهل المدينة (نافع وأبو جعفر)، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بالتشديد، وعاصم وحمزة
والكسائي بالتخفيف، ينظر السبعة ص٢٢٦، والتيسير ص٩٣، والنشر ٢٤٧/٢ .
(٦) إعراب القرآن ٤٣٠/١.
(٧) السبعة ص٢٢١ ، والتيسير ص٩٣ عن حمزة، وذكرها عن إبراهيم وقتادة النحاسُ في إعراب القرآن
٤٣٠/١، وأخرجها الفراء في معاني القرآن ٢٥٢/١ من طريق الأعمش عن إبراهيم.
(٨) إعراب القرآن ٤٣١/١.
(٩) الكتاب ٢/ ٣٨١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٣١/١.

٨
سورة النساء: الآية ١
والتنوينُ لا يُعطَفُ علیه.
وقال جماعة: هو معطوف على المكْنِيِّ؛ فإنهم كانوا يتساءلون بها، يقول
الرجل: أسألك بالله والرَّحِم(١)؛ هكذا فسَّره الحسن والنَّخَعيُّ ومجاهد(٢)، وهو
الصحيح في المسألة، على ما يأتي.
وضعَّفه أقوامٌ منهم الزجَّاجُ، وقالوا: يَقْبُح عطفُ الاسم الظاهر على المضمَر في
الخفض إلَّا بإظهار الخافض، كقوله: ﴿لَسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]
ويقبح: مررتُ به وزيدٍ؛ قال الزجَّاج عن المازِنيّ: لأن المعطوف والمعطوفَ عليه
شريكان، يَحِلُّ كلُّ واحدٍ منهما مَحَلَّ صاحبه، فكما لا يجوز: مررتُ بزيدٍ و((ك))،
كذلك لا يجوز: مررتُ بك وزيدٍ (٣).
وأما سيبويه فهي عنده قبيحةٌ لا تجوز إلَّا في الشعر (٤)، كما قال:
فاليومَ قرَّبْتَ تهجُونا وتشتِمُنا فاذهبْ فما بكَ والأيامِ من عَجَبٍ(٥)
عطَفَ ((الأيامَ)) على الكاف في ((بك)) بغير الباء للضرورة. وكذلك قول الآخر:
تُعَلَّقُ(٦) في مِثل السَّوَارِي سيوفُنا وما بينها والكَعْبِ مَهْوىّ نَفَانِفُ(٧)
(١) في (د) و(م): سألتك بالله والرحم، وفي تفسير الطبري ٦/ ٣٤٤ - ٣٤٥، والمحرر الوجيز ٤/٢:
أسألك بالله وبالرَّحم، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ).
(٢) المحرر الوجيز ٤/٢، وأخرجها عن الحسن والنخعي ومجاهد الطبريُّ ٦/ ٣٤٤ - ٣٤٥.
(٣) معاني القرآن للزجاج ٦/٢ - ٧، وإعراب القرآن للنحاس ٤٣١/١، والمحرر الوجيز ٤/٢، قال أبو
حيان في البحر ١٥٨/٣: وتعليل المازني معترض بأنه يجوز أن تقول: رأيتك وزيداً، ولا يجوز أن
تقول: رأيت زيداً و((ك))، فكان القياس: رأيتك وزيداً، ألَّ يجوز.
(٤) الكتاب ٢/ ٣٨١.
(٥) لم نقف على قائله، وهو من شواهد الكتاب ٣٨٣/٢، والكامل ٩٣١/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٢/ ٧،
وإعراب القرآن للنحاس ٤٣١/١، وشرح المفصل ٧٩/٣، والإنصاف ٤٦٤/٢، والخزانة ١٢٣/٥.
(٦) في (م) وبعض المصادر: نُعلِّق.
(٧) البيت في معاني القرآن للفراء ١/ ٢٥٣، وتفسير الطبري ٣٤٦/٦، وإعراب القرآن للنحاس ٤٣١/١،
والمحرر الوجيز ٤/٢، وشرح المفصل ٧٩/٣، والإنصاف ٤٦٥/٢، والخزانة ١٢٥/٥، غير
منسوب، وهو عندهم براوية: غَوْطِ نفانف، وسيعيده المصنف ١٢/٦ بهذه الرواية. ونسبه الجاحظ =

٩
سورة النساء: الآية ١
عَطَفَ ((الكعبَ)) على الضمير في ((بينها)) ضرورةً. وقال أبو عليٍّ: ذلك ضعيفٌ في
القياس(١).
وفي كتاب ((التذكرة المهديَّة)) عن الفارسيِّ أن أبا العباس المبرِّدَ قال: لو صلَّيتُ
خلْفَ إمام يقرأ: ((ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيٌّ))(٢) [إبراهيم: ٢٢] و ((اتَّقُوا الله الذي تَسَاءَلُون به
والأرحام)) لأخَذْتُ نعلي ومَضَيْت.
قال الزجَّاج (٣): قراءة حَمْزَةَ مع ضعفِها وقبحها في العربية خطأٌ عظيمٌ في أصول
أمرِ الدِّين؛ لأن النبيَّ # قال: ((لا تَحلفوا بآبائكم)) (٤) فإذا لم يَجُز الحلف بغير الله؛
فكيف يجوز بالرَّحِم؟! ورأيتُ(٥) إسماعيلَ بن إسحاقَ يذهبُ إلى أنَّ الحلف بغير الله
أمرٌ عظيمٌ، وأنه خاصٌّ(٦) لله تعالى.
قال النحاس (٧): وقولُ بعضِهم: ((وَالْأَرْحَام)) قَسَمٌّ، خطأً من المعنى والإعراب؛
لأن الحديث عن النبيِّ :﴿ يدلُّ على النصب. ورَوى شعبةُ، عن عون بنِ أبي جحيفةً،
عن المنذر بن جَرير، عن أبيه قال: كنت(٨) عند النبيِّ ◌َ﴾، حتى جاء قومٌ من مُضَرَ
= في الحيوان ٦/ ٤٩٤ لمسكين الدارمي برواية: منا تنائف.
قال أبو البركات الأنباري في الإنصاف: يعني أن قومه طوال، وأن السيف على الرجل منهم كأنه على
سارية من طوله، وبين السيف وكعب الرجل منهم غائط - وهو المكان المطمئن من الأرض - ونفانف:
واسعة، أي: بين السيف والكعب مسافة.
والمهوى والمهواة: ما بين الجبلين. والتنائف جمع تنوفة: وهي القفر من الأرض. اللسان (هوا) (تنف).
(١) الحجة ١٢١/٣، والمحرر ٥/٢.
(٢) يعني بكسر الياء، وهي قراءة حمزة، ينظر السبعة ص٣٦٢، والتيسير ص١٣٤، قال الداني: وهي لغة
حكاها الفراء وقطرب، وأجازها أبو عمرو.
(٣) معاني القرآن ٦/٢.
(٤) أخرجه أحمد (١١٦) من حديث عمر ﴾.
وأخرجه أحمد (١١٢) والبخاري (٦٦٤٧) ومسلم (١٦٤٦) بلفظ: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا
بآبائکم ... ».
(٥) في (ظ): فرأيت، والكلام للزجاج.
(٦) في (ظ): عاصٍ.
(٧) إعراب القرآن ٤٣١/١ - ٤٣٢ .
(٨) في (م): كنا.

١٠
سورة النساء: الآية ١
حُفاةً عراةً، فرأيتُ وجهَ رسول اللـه ﴾ يتغيرُ لِمَا رأى من فاقَتهم، ثم صلَّى الظهرَ
وخطب الناسَ فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ إلى ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾؛ ثم قال: «تصدَّقَ رجلٌ
بديناره، تصدَّقَ رجلٌ بدرهمه، تصدَّقَ رجلٌ بصاعٍ تمرهٍ)) وذكر الحديث(١). فمعنى هذا
على النصب؛ لأنه حضَّهم على صلة أرحامهم. وأيضاً فقد صحَّ عن النبيِّ ◌َ﴾: (( مَنْ
كان حالِفاً فَلْيَحْلِفْ بالله أو لِيصمتْ))(٢). فهذا يردُّ قولَ مَن قال: المعنى: أسألكَ بالله
وبالرَّحِم. وقد قال أبو إسحاقَ (٣): معنى: ((تَسَاءَلُونَ بِهِ)»: يعني تطلبون حقوقَكُم به.
ولا معنى للخفض أيضاً مع هذا.
قلت: هذا ما وقفتُ عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة: (وَالْأَرْحَامِ))
بالخفض، واختاره ابنُ عطيةً(٤).
وردَّه الإمام أبو نصرٍ عبدُ الرحيم بن عبد الكريم القُشَيْريُّ، واختار العطفَ فقال:
ومثلُ هذا الكلام مردودٌ عند أئمة الدِّين؛ لأن القراءاتِ التي قَرأ بها أئمةُ القرَّاءِ ثبتتْ
عن النبيِّ# تواتراً يعرفه أهلُ الصنعة، وإذا ثبَتَ شيءٌ عن النبيِّ ﴾؛ فَمَن ردَّ ذلك،
فقد رَدَّ على النبيِّ :﴿، واستَقْبَح ما قرأ به، وهذا مقامٌ محذور، ولا يُقَلَّدُ فيه أئمةُ اللغةِ
والنحو؛ فإن العربية تُتلقَّى من النبيِّ ◌َ﴾، ولا يشكُّ أحدٌ في فصاحته(٥).
(١) أخرجه مسلم (١٠١٧) باختلاف يسير.
(٢) أخرجه أحمد (٤٥٢٣)، والبخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦): (٣) من حديث ابن عمر رضي الله
عنهما.
(٣) هو الزجاج وكلامه في معاني القرآن ٦/٢ .
(٤) المحرر ٥/٢، قال أبو حيان في البحر ١٥٩/٣: وأما قول ابن عطية ... فجسارة قبيحة منه لا تليق
بحاله ولا بطهارة لسانه؛ إذ عمد إلى قراءة متواترة عن رسول الله # قرأ بها سلف الأمة، واتصلت
بأكابر قراء الصحابة ... عمد إلى ردها بشيء خطر له في ذهنه، وجسارتُه هذه لا تليق إلا بالمعتزلة
كالزمخشري؛ فإنه كثيراً ما يطعن في نقل القراء وقراءتهم ... وإنما ذكرت هذا وأطلت فيه لئلا يطلع غمر
على كلام الزمخشري وابن عطية في هذه القراءة، فيسيءَ ظنّاً بها وبقارئها ... ولسنا متعبَّدين بقول نحاة
البصرة ولا غيرهم ممن خالفهم ...
(٥) ينظر البرهان في علوم القرآن للزركشي ١٢١/٢.

١١
سورة النساء: الآية ١
وأمَّا ما ذُكِرَ من الحديثِ ففيه نظرٌ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي العُشَرَاء:
((أبِيكَ، لو طعنتَ في خاصرته))(١). ثم النَّهْيُ إنَّما جاء في الحلف بغير الله، وهذا
توسُّلٌ إلى الغير بحقِّ الرَّحِمِ، فلا نهيَ فيه.
قال القشيرِيُّ: وقد قيلَ: هذا إقسامٌ بالرَّحِم، أي: اتقوا الله وحقِّ الرحم(٢)،
كما تقول: افعل كذا وحقٌّ أبيك. وقد جاء في التنزيل: ((والنَّجْمِ، والُورِ، والِّينِ،
لَعَمْرُك)) وهذا تكلُّفٌ (٣).
قلت: لا تكلُّفَ فيه، فإنه لا يَبعُدُ أن يكون ((وَالْأَرْحَام)) من هذا القبيل، فيكون
أَقْسَم بها كما أقسمَ بمخلوقاته الدالَّةِ على وحدانيتِه وقدرتِه تأكيداً لها حتى قَرَنَها
بنفسه. والله أعلم.
وللهِ أن يُقْسِم بما شاء، ويمنعَ ما شاء، ويبيحَ ما شاء، فلا يَبْعُدُ أن يكون قَسَماً.
والعربُ تُقْسِمُ بالرَّحِم.
ويَصِحُّ أن تكون الباء مُرادةً، فحذفها كما حذفها في قوله:
(١) أبو العشراء هو الدارمي، مختلف في اسمه وفي اسم أبيه، قال ابن الأثير في أسد الغابة ٦/ ٢١٤ :
ذكره بعضهم في الصحابة، ولا يصح، والحديث لأبيه ... والصحبة لأبيه.
والحديث في ذكاة المتردية والمتوحشة، وقد أورده بهذا اللفظ الجويني، وأنكره عليه ابن الصلاح - فيما
ذكره النووي في المجموع ١٢٩/٩ - من وجوه: منها أنه جعل أبا العشراء هو الذي خاطبه النبي ﴾، وإنما
هو أبوه، وأبو العشراء تابعي مشهور، ومنها أنه قال فيه: ((في خاصرتها) وأن رواية الحديث: ((في
فخذها»، كما رواه أحمد (١٨٩٤٧)، وأبو داود (٢٨٢٥) والترمذي (١٤٨١)، والنسائي ٢٢٨/٧ ، وابن
ماجه (٣١٨٤) دون القَسَم، ووقع القسم في رواية أحمد (١٨٩٤٨). ثم قال النووي: وهذا الحديث
ضعيف، فقد اتفقوا على أن مداره على أبي العشراء، قالوا: وهو مجهول لا يعرف إلا في هذا الحديث،
ولم يرو عنه غير حماد بن أبي سلمة ... قال الترمذي: هو حديث غريب لا يعرف إلا من حديث حماد،
قال: ولا يعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث، وقال البخاري في تاريخه (٢٢/٢) في حديث
أبي العشراء وسماعه من أبيه: فيه نظر. وسيذكر المصنف الحديث على الجادة في تفسير الآية الثالثة من
سورة المائدة.
(٢) قال ابن الأنباري في الإنصاف ٢/ ٤٦٧: وجواب القسم: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِبًا﴾.
(٣) وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/٢: وهذا كلام يأباه نظم الكلام وسرده، وإن كان المعنى يخرجه.

١٢
سورة النساء: الآية ١
مَشائيمُ ليسوا مُصلِحِينَ عَشِيرةٌ ولا ناعِبٍ إِلَّا بِبَيْنٍ غُرابُها (١)
فجرَّ وإن لم يتقدَّم باءٌ.
قال ابن الدَّهَّان أبو محمد سعيد بنُ مبارك: والكوفيُّ يُجيزُ عطفَ الظاهرِ على
المجرورِ، ولا یمنعُ منه. ومنه قوله:
من حُمُر الجِلَّةِ جَأْبٍ حَشْوَرِ (٢)
آبَكَ أَيِّهْ بِيَ أو مُصَدَّرٍ
ومنه :
فاذْهَبْ فما بِكَ والأيَّامِ مِن عَجَبٍ(٣)
وقول الآخر:
وما بَيْنها والكَعْبِ غَوْطٌ نَفانِفُ (٤)
ومنه :
فحسبُك والضَّحَّاكِ سَيْفٌ مُهَنَّدُ(٥)
(١) نسبه سيبويه في الكتاب ٢٩/٣ للفرزدق، وهو في شرح ديوانه ص١٢٣. ونسبه أيضاً ٣٠٦/١ للأَخْوَص
الرِّيَاحِيِّ، وهو زيد بن عمرو اليربوعي، ونُسب للأخوص أيضاً في البيان والتبيين ٢/ ٢٦١ ، والإنصاف
١/ ١٩٣، وشرح المفصل ٥٢/٢، والخزانة ١٥٩/٤ - ١٦٠. قال البغدادي: عطف ((ناعب)) بالجر
على (مصلحين)) المنصوب على كونه خبرَ ليس؛ لتوقُّم الباء، فإنها تجوز زيادتُها في خبر ليس.
وأنشده سيبويه ١/ ١٦٥، براوية: ولا ناعباً - بالنصب - عطفاً على ((مصلحين)).
(٢) لم نقف على قائل هذا الرجز، وهما من شواهد الكتاب ٣٨٢/٢، والمعاني الكبير لابن قتيبة ٨٣٢/٢،
واللسان (أوب). قال الشنتمري في شرح الشواهد ص٣٨٢: الشاهد في عطف ((مصَدَّر) على المضمر
المجرور دون إعادة الجار، وهو من أقبح الضرورة. والمصدَّر: الشديد الصدر. والجأب: الغليظ.
والحَشْوَر: الخفيف. والجِلَّة: المَسَانُّ من الإبل، ومعنى آبك: ويحك، والتأبيه: الدعاء، يقال: أَيُّهْتُ
بالإ بل: إذا صحت بها.
(٣) تقدم في الصفحة ٨ .
(٤) تقدم في الصفحة ٨ .
(٥) نسبه القالي في ذيل الأمالي ص ١٤٠ لجرير، ولم نقف عليه في ديوانه، وصدره: إذا كانت الهيجاء
وانشقّت العصا. والشاهد فيه هنا جرّ ((الضحّاك)) عطفاً على الكاف. وقد أورده المصنف ١٣٨/٢ بنصب
((الضحاك))، أي: يكفيك ويكفي الضحاك.

١٣
سورة النساء: الآية ١
وقول الآخر:
وقد رَامَ آفاقَ السماءِ فلم يَجِدْ له مَصعَداً فيها ولا الأرْضِ مَفْعَدَا (١)
وقول الآخر:
ما إنْ بها والأمُورِ مِنْ تَلَفٍ ماحُمَّ مِن أمرٍ غَيْبِهِ وَقَعَا (٢)
وقول الآخر:
أحَتْفِيَ كان فيها أمْ سِواها(٣)
أمُرُّ على الكَتِيبَة لَسْتُ أدري
فـ (( سواها)) مجرورُ الموضع بفي.
وعلى هذا حَملَ بعضُهم قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِهَا مَعَِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُمُ بِزَرِقِينَ﴾
[الحجر: ٢٠] بعطف ((ومَن)) على الكاف والميم (٤).
وقرأ عبد الله بن يزيد(٥): ((وَالْأَرْحَامُ)) بالرفع على الابتداء، والخبرُ مقدَّرٌ،
تقديره: والأرحامُ أهلٌ أن تُوصَلَ(٦). ويحتملُ أن يكون إغراءً؛ لأن من العرب من
يرفَعِ المُغْرَى، وأنشد الفرَّاء:
هُ عُمَيْرٍ ومنهم السفّاحُ
إن قوماً منهم عُمَيْرٌ وأشْبًا
ل أخو النَّجدةِ السلاحُ السلاحُ(٧)
لَجَديرون باللِّقاء إذا قا
-
(١) لم نقف على قائله، وينظر فتح القدير ٤١٨/١ .
(٢) لم نقف على قائله، وينظر فتح القدير ٤١٨/١ .
(٣) نسبه أبو حيان في البحر ١٤٨/٢ للعباس بن مرداس، وقد ورد دون نسبة في الإنصاف ٢٩٦/١ ،
والخزانة ١٢٥/٥ وهو عندهم برواية:
أفيها كان حتفي أم سواه
أكر على الكتيبة لا أبالي
(٤) في (خ) و (د) و (ز) و(م): فعطف على الكاف والميم، والمثبت من (ظ)، وينظر إعراب القرآن
للنحاس ٣٧٨/٢ .
(٥) هو أبو عبد الرحمن القرشيّ القصير، البصريّ، ثم المكّيّ، إمام كبير في الحديث، ومشهور في
القراءات، روى الحروف عن نافع، وعن البصريين، وله اختيار في القراءة. مات سنة (٢١٣هـ). غاية
النهاية ١/ ٤٦٣ - ٤٦٤ .
(٦) المحتسب ١٧٩/١، والمحرر الوجيز ٤/٢، وهي قراءة شاذة.
(٧) لم نقف على قائلهما، وهما في معاني القرآن للفراء ١٨٨/١، وتفسير الطبري ١٥٢/٥، والخصائص
١٠٢/٣، وشرح الشواهد للعيني ٤ /٣٠٦ .

١٤
سورة النساء: الآية ١
وقد قيل: إنَّ ((وَالْأَرْحَامَ)) بالنصب عطفٌ على موضع ((به))؛ لأن موضعَه نصبٌ،
ومنه قولُه :
فلسنا بالجبالِ ولا الحديدا(١)
وكانوا يقولون: أَنْشُدُكَ بالله والرَّحِمَ.
والأظهر أنه نصبٌ بإضمار فعلٍ كما ذكرنا.
الثالثة: اتفقت المِلَّةُ على أنَّ صلةَ الرحِم واجبةٌ، وأنَّ قَطِيعتَها محرَّمة. وقد صحَّ
أن النبيَّ ﴾ قال لأسماءَ - وقد سألته: أَأَصِلُ أُمِّي؟ - : ((نعم، صِلي أمَّكِ))(٢). فَأَمرَها
بصِلَتها وهي كافرةٌ. فلتأكيدها دخَل الفضلُ في صلةِ الكافر، حتى انتهى الحالُ بأبي
حنيفةً وأصحابِهِ فقالوا بتوارث ذوي الأرحام إن لم يكن عَصّبةٌ ولا فرضٌ مُسَمَّى،
ويَعْتِقون على مَن اشتراهم من ذوِي رَحِمهم لحُرمة الرَّحِم، وعَضَدُوا ذلك بما رواه أبو
داودَ(٣) أن النبيَّ:﴿ قال: ((مَن مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فهو حرِّ)(٤). وهو قولُ أكثرِ أهلٍ
العلم. رُويَ ذلك عن عمرَ بنِ الخطاب ﴾ وعبدِ الله بن مسعود، ولا يُعرَفُ لهما
مخالفٌ من الصحابة. وهو قول الحسن البصري وجابر بنِ زيد وعطاءٍ والشعبيِّ
والزُّهريِّ، وإليه ذهب الثوريُّ وأحمدُ وإسحاق(٥).
(١) هو عجز بيت لعُقَيْبَةً بن هبيرة الأسدي كما في الكتاب ٦٧/١ و٢٩٢/٢، ٣٤٤، ٤٤٨، وسمط
اللآلي ١٤٨/١، والإنصاف ٣٣٢/١، وصدره:
مُعاويَ إننا بشرٌ فأَسْجِخْ ...
وهو في الشعر والشعراء ٩٩/١، وأمالي القالي ٣٦/١، وشرح المفصل ١٠٩/٢ و٩/٤، والخزانة
٢٦٠/٢ براوية: ولا الحديد، بجر القافية.
وقد رد ابن قتيبة في الشعر والشعراء، والمبرد والعسكري كما في الخزانة ٢/ ٢٦٠ على سيبويه روايته
لهذا البيت بالنصب، وقال العسكري: وقد غلط على الشاعر؛ لأن هذه القصيدة مشهورة، وهي
مخفوضة كلها، وهذا البيت أولها .
وقيل: إن هذا البيت روي مع أبيات منصوبة، ومع أبيات مجرورة. ينظر الخزانة ٢٦٢/٢ .
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٩١٥)، والبخاري (٢٦٢٠)، ومسلم (١٠٠٣) من حديث أسماء رضي الله عنها.
(٣) في سننه (٣٩٤٩) من حديث سمرة بن جندب ، وهو عند أحمد (٢٠١٦٧).
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٣٠٧ .
(٥) معالم السنن ٧٢/٤، وأخرجه عن عمر والحسن وجابر بن زيد أبو داود (٣٩٥٠ - ٣٩٥٢) والنسائي
في الكبرى (٤٨٨٣ - ٤٨٩١). وعن ابن مسعود أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٣/ ٤٤٧ .

١٥
سورة النساء: الآية ١
ولعلمائنا في ذلك ثلاثةُ أقوال: الأول: أنه مخصوصٌ بالآباء والأجداد. الثاني:
الجناحان، يعني الإخوة. الثالث: كقول أبي حنيفة(١). وقال الشافعيُّ: لا يَعْتِق عليه
إلَّا أولادُه وآباؤه وأمهاتُه، ولا يعتِق عليه إخوتُه ولا أحدٌ من ذوي قَرابته ولُحْمته(٢).
والصحيحُ الأولُ؛ للحديث الذي ذكرناه وأخرجه الترمِذيُّ والنَّسائي(٣).
وأحسنُ طُرقه روايةُ النَّسائي له؛ رواه من حديث ضَمْرةَ، عن سفيانَ، عن عبدالله
ابنِ دينار، عن ابن عمرَ قال: قال رسول اللـه﴾: «مَن ملَكَ ذا رَحمِ مَحْرَمٍ فقد
عَتَق)) (٤). وهو حديثٌ ثابتٌ بنقل العدل عن العدل، لم يقدح فيه أحدٌ من الأئمة بِعلَّةٍ
تُوجبُ تركَه؛ غير أن النَّسائيَّ قال في آخره: هذا حديث مُنكَر. وقال غيرُه: تفرَّدَ به
ضَمرةُ. وهذا هو معنى المنكَر والشاذِّ في اصطلاح المحدِّثين. وضمرةُ عدلٌ ثِقةٌ،
وانفِرادُ الثقةِ بالحديث لا يضرُّهُ(٥). والله أعلم.
(١) لم يذكر المصنف الأبناء في القول الأول، مع أنَّ كلامه في المسألة التالية قد تضمَّن ذكرهم؛ عندما
حكى وجه كلٍّ قول، ولم يذكر كذلك في القول الثاني عمودي النسب. وجملة الأقوال عند المالكية
كما ذكر القاضي عياض في إكمال المعلم ٥/ ١٢٤، وأبو العباس في المفهم ٤/ ٣٤٤ (على اختلاف في
ترتيبها) أن الأول يختص بعمودي النسب، وهم الآباء والأجداد والأمهات والجدات وإن علوا، والولد
وولد الولد وإن سفلوا، والثاني: عمودا النسب والجناحان، وهو المشهور عن مالك، والثالث: ذوو
الأرحام المحرمة. وينظر الكافي ٢/ ١٩٧، والمعونة ١٤٤٨/٣.
(٢) معالم السنن ٤/ ٧٢ .
(٣) سنن الترمذي (١٣٦٥)، والسنن الكبرى للنسائي (٤٨٧٨ - ٤٨٨٢) من طريق حماد بن سلمة، عن
قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﴾. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مسنداً إلا
من حديث حماد بن سلمة. وأخرجه أبو داود (٣٩٥٠) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن
عمر قوله، و(٣٩٥١) من طريق سعيد، عن قتادة، عن الحسن قوله، و(٣٩٥٢) من طريق سعيد، عن
قتادة، عن الحسن وجابر بن زيد. قال أبو داود: سعيد أحفظ من حماد. وقال الحافظ في التلخيص
الحبير ٢١٢/٤: قال علي بن المديني: هو حديث منكر، وقال البخاري: لا يصح. ا. هـ. وقال عبد
الحق في الأحكام الوسطى ١٥/٤ : لا يصح هذا؛ لأن سماع الحسن من سمرة لا يصح إلا في حديث
العقيقة. اهـ. وصحح عبد الحق الحديث من طريق ابن عمر كما سيأتي.
(٤) السنن الكبرى (٤٨٧٧).
(٥) المفهم ٣٤٥/٤، وقال الترمذي إثر الحديث (١٣٦٥): ولم يتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو
حديث خطأ عند أهل الحديث. وقال البيهقي ٢٨٩/١٠: وهم فيه راويه. قال الحافظ في التلخيص
الحبير ٢١٢/٤: وصححه ابن حزم وعبد الحق وابن القطان. ينظر المحلى ٩/ ٢٠٢، والأحكام
الوسطى ١٥/٤، وبيان الوهم والإيهام ٥/ ٤٣٧ - ٤٣٨ .

١٦
سورة النساء: الآية ١
الرابعة: واختلفوا من هذا الباب في ذوي المحارِم مِن الرَّضاعة، فقال أكثرُ أهلِ
العلم: لا يدخلون في مقتضَى الحديث. وكان شَرِيكٌ القاضي يُعْتِقُهم (١).
وذهبَ أهلُ الظاهر وبعضُ المتكلِّمين إلى أنَّ الأبَ لا يَعْتِقُ على الابن إذا ملکه؛
واحتجُّوا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يَجْزِي ولدٌ والداً إلّا أن يَجِده مملوكاً،
فيشترِيَه فيُعتِقَه))(٢) قالوا: فإذا صحَّ الشراءُ فقد ثَبَتَ المِلْك، ولصاحب المِلْك
التصرُّفُ.
وهذا جهل منهم بمقاصد الشرع؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
[الإسراء: ٢٣]، فقد قَرَن بين عبادته وبين الإحسان للوالدين في الوجوب، وليس من
الإحسان أن يُبْقيَ والده في ملكه وتحت سلطانه؛ فإذاً يجب عليه عِتَقُّه؛ إما لأجْل
المِلْكِ عملاً بالحديث: ((فيشتريَه فيعتقَه)»، أو لأجْل الإحسان عملاً بالآية. ومعنى
الحديثِ عند الجمهور أنَّ الولد لمَّا تسبَّب إلى عِتق أبيه باشترائه، نَسبَ الشرعُ العتقَ
إليه نسبةَ الإيقاعِ منه.
وأما اختلافُ العلماء فيمن يعتِقِ بالمِلك، فوجْهُ القولِ الأوَّلِ ما ذكرناه من معنى
الكتاب والسُّنة، ووجه الثاني إلحاقُ القَرابة القريبةِ المحرمة بالأب المذكور في
الحديث، ولا أقربَ للرجل من ابنه(٣)، فيحمل على الأب، والأخُ يقاربُه في ذلك
لأنه يُذْلي بالأبوَّة؛ فإنه يقول: أنا ابن أبيه. وأمَّا القولُ الثالثُ؛ فمتعلَّقُه حديثُ
ضَمْرةَ، وقد ذكرناه(٤). والله أعلم.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ الرَّحِمُ اسمٌ لكافَّةِ الأقاربِ من غير فرقٍ بين
(١) في (خ) و (د) و(م): وقال شريك القاضي بعتقهم، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لما في
معالم السنن ٧٣/٤ ، والكلام منه.
(٢) أخرجه أحمد (٧١٤٣)، ومسلم (١٥١٠) من حديث أبي هريرة .
(٣) في (د) ومطبوع المفهم: أبيه، وهو خطأ.
(٤) المفهم ٤ / ٣٤٤ - ٣٤٥ .

١٧
سورة النساء: الآيتان ١ - ٢
الْمَخْرمِ وغيرِهِ. وأبو حنيفة يعتبر الرحِمَ المحرَمَ في منع الرجوع في الهبة، ويجوِّز
الرجوع في حقِّ بني الأعمام. مع أنَّ القطيعة موجودةٌ والقرابةَ حاصلةٌ؛ ولذلك تعلَّق
بها الإرثُ والولاية وغيرُهما من الأحكام، فاعتبارُ(١) المحرم زيادةٌ على نصِّ الكتاب
من غير مُستَند، وهم يَرَوْنَ ذلك نسْخاً، سِيَّما وفيه إشارةٌ إلى التعليل بالقطيعة، وقد
جوَّزوها في حقِّ بني الأعمام، وبني الأخوال والخالات(٢). والله أعلم.
السادسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أي: حفيظاً؛ عن ابن عباس
ومجاهد. ابن زيد: عليماً(٣). وقيل: ((رقيباً)): حافظاً؛ فعيل(٤) بمعنى فاعل. فالرَّقيب
من صفات الله تعالى، والرقيبُ: الحافظُ والمنتظِر؛ تقول: رَقَبْتُ أرْقُبُ رِقْبَةً
ورِقْباناً: إذا انتظرتَ.
والمَرْقَبُ: المكان العالي المُشرِف، يقف عليه الرقيبُ. والرَّقيبُ: السهمُ الثالث
من السبعة التي لها أَنْصِباءُ. ويقال: إن الرَّقيبَ ضَرْبٌ من الحَيَّات(٥)، فهو لفظٌ
مُشتركٌ. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اُلْيَمَّ أَمْوَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخِيِثَ بِالَّيِّبِّ وَلَا تَأْكُوَاْ أَمْوَهُمْ إِلَى
﴾
أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا
فيه خمسُ مسائلَ :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اُلْيَ أَهُمْ﴾ وأراد باليتامى: الذين كانوا أيتاماً،
كقوله: ﴿فَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٤٦] ولا سِحرَ مع السجود، فكذلك لا يُتْمَ مع
(١) في (خ): باعتبار.
(٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣٠٨/٢ .
(٣) أخرج الطبري ٦/ ٣٥٠ خبري مجاهد وابن زيد، وأورد النحاس أثر ابن عباس في إعراب القرآن ٤٣٢/١.
(٤) في (د) و(م): قيل، وهو تحريف.
(٥) مجمل اللغة ٣٩٣/٢ .

١٨
سورة النساء: الآية ٢
البلوغ (١). وكان يقال للنبيِّ﴾: يَتِيمُ أبي طالب(٢)، استِصحاباً لِمَا كان.
((وآتُوا)) أي: أَغْطُوا. والإيتاءُ: الإعطاء. ولفلانٍ أَتْوٌ، أي: عَطَاء. أبو زيد: أَتَوْتُ
الرجل آتُوه إِتَّاوَةً، وهي الرِّشوة (٣). واليتيم: مَن لم يبلغ الحُلُم، وقد تقدَّم في ((البقرة))
مستوفئ (٤).
وهذه الآية خطابٌ للأولياءِ والأوصياء؛ نزلَتْ - في قول مقاتِلٍ والكلبيِّ - في
رجلٍ منَ غَطَفانَ؛ كان معه مالٌ كثيرٌ لابن أخٍ له يتيمِ، فلمَّا بلغ اليتيم؛ طلبَ المالَ
فمنعَه عمُّه [فترافعا إلى النبي ﴾] فنزلتْ [هذه الآية]، فقال العُمُّ: نعوذ بالله من
الحُوبِ الكبير! وردَّ المالَ. فقال النبيُّ ﴾: ((مَن يُؤْقَ شُحَّ نفسِه وَرَجَع به هكذا، فإنه
يَخُلُّ دارَه)) يعني جَنَّتَه. فلما قَبِضَ الفتى المالَ أنفقه في سبيل الله، فقال عليه الصلاة
والسلام: (ثَبَتِ الأجْرُ، وبقيَ الوِزرُ)). فقيل: كيف يا رسول الله؟ فقال: ((ثَبَت الأجرُ
للغلام، وبقِي الوِزرُ على والده)»(٥) لأنه كان مشركاً.
الثانية: وإيتاءُ اليتامى أموالَهم يكونُ بوجهين:
أحدهما: إجراءُ الطعام والكُسْوة ما دامتِ الولايةُ؛ إذْ لا يمكِنُ إلَّا ذلك لمن لا
(١) يشير إلى ما رُوي عن رسول اللـه﴾: ((لا يُتْمَ بعد احتلام)) أخرجه عبد الرزاق (١١٤٥٠)، وأبو داود
(٢٨٧٣)، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٥٧ من حديث علي ﴾، ورواه عبد الرزاق أيضاً (١١٤٥١)
عن علي موقوفاً. قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٠١/٣ : أعلَّه العقيلي وعبد الحق وابن القطان
والمنذري وغيرهم، وحسنه النووي متمسكاً بسكوت أبي داود عليه.
ورُوي من حديث جابر فيما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣١٩/٧ - ٣٢٠ ، ومن حديث أنس فيما
أخرجه ابن عدي في الكامل ٢٧١٦/٧ . قال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير ١٥٣/٢: ليس فيهما
شيء يثبت .
(٢) أخرجه أحمد (٢٨٤٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. في خبر زواجه # من خديجة رضي الله
عنها، وفيه قول أبيها: أنا أُزْوِّج يتيم أبي طالب؟ وإسناده ضعيف.
(٣) مجمل اللغة ٨٦/١ .
(٤) ٢٢٩/٢ .
(٥) أسباب النزول للواحدي ص١٠٦، وتفسير البغوي ١/ ٣٩٠، وما سلف بين حاصرتين منهما، ومقاتل
والكلبي؛ ضعيفان جداً.

١٩
سورة النساء: الآية ٢
يستحقُّ الأخذَ الكُلِّيَّ والاستبدادَ، كالصغير والسفيه الكبير.
الثاني: الإيتاءُ بالتمكُّنِ وإسلام المال إليه، وذلك عند الابتلاء والإرشاد (١)،
وتكون تسميتُه مَجازاً؛ المعنى: الذي كان يتيماً، وهو استصحابُ الاسم، كقوله
تعالى: ﴿فَأُلْفِىَ السَّحَرَةُ سَحِدِينَ﴾ [الشعراء: ٤٦] أي: الذين كانوا سحرةً. وكان يقال
للنبي ﴾ٌ: يتيمُ أبي طالب(٢). فإذا تحقَّق الوَلِيُّ رُشْدَه حَرُمَ عليه إمساكُ ماله عنه، وكان
عاصِياً.
وقال أبو حنيفةَ: إذا بلغ خمساً وعشرين سنةً أُعطِيَ مالَه كلَّه على كلِّ حال؛ لأنه
يصير جَدّاً(٣).
قلت: لمَّا لم يذكرِ الله تعالى في هذه الآية إيناسَ الرشد، وذَكَره في قوله تعالى:
﴿وَبْلُواْ الْيَى حََّ إِذَا بَلَغُواْ النَّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَلَمّ﴾ [النساء: ٦]،
قال أبو بكر الرازيُّ الحنفيُّ في أحكام القرآن(٤): لمَّا لم يقَّد الرشدُ في موضع، وقُيِّد
في موضع، وجب استعمالُهما؛ فأقول: إذا بلغ خمساً وعشرين سنةً وهو سَفِيةٌ لم
يُؤنَسْ منه الرشدُ، وجَبَ دفعُ المال إليه، وإن كان دون ذلك لم يجب(٥)، عملاً
بالآيتين؛ وقال أبو حنيفة: قد بلغ أشدَّه(٦)، وصار (٧) يصلُحُ أن يكونَ جدّاً. [قال
الكيا الطبري:] فإذا صار يصلُح أن يكون جَدّاً، فكيف يَصِحُّ إعطاؤه المالَ بعلَّةِ الْيُثْم
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٣٠٨/١.
(٢) سلف هذا الكلام في المسألة الأولى.
(٣) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٤٨/٢ - ٤٩، وللكيا الطبري ١/ ٣١٠، وتفسير الرازي ١٦٨/٩.
(٤) ٤٩/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة أحكام القرآن للكيا الطبري ٣٠٩/١، وما سيرد بين حاصرتين
زيادة لبيان انتهاء كلام الرازي (وهو الجصّاص).
(٥) بعدها في أحكام القرآن للجصاص: إلا مع إيناس الرشد.
(٦) في النسخ: لما بلغ، والمثبت من أحكام القرآن للكيا الطبري، ووقع أيضاً في (ظ) و(م): رشده،
والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لأحكام القرآن.
(٧) في (م): صار.

٢٠
سورة النساء: الآية ٢
وباسم اليتم(١)؟! وهل ذلك إلّا في غاية البُعْد(٢)؟).
قال ابن العربيّ(٣): وهذا باطلٌ لا وجهَ له، لا سيَّما على أصله الذي يَرى
المقدَّراتِ لا تَثْبُتُ قياساً، وإنما تؤخَذُ من جهة النص، وليس في هذه المسألة [نص).
وسيأتي ما للعلماء في الحَجْر إن شاء الله تعالى(٤).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَدَّلُواْ الْخِيثَ بِالَّيِِّ﴾ أي: لا تتبدَّلُوا الشاةَ السمينةَ من
مال اليتيم بالهزيلة، ولا الدرهمَ الطيِّبَ بالزيِّف. وكانوا في الجاهليةِ لعدم الدِّين لا
يتحرَّجون عن أموال اليتامى، فكانوا يأخذونَ الطَّيِّب والجيِّدَ من أموال اليتامى،
ويبدِّلونه بالرديء من أموالهم، ويقولون: اسمٌ باسم، ورأسٌ برأس. فنهاهم اللهُ عن
ذلك. هذا قول سعيد بنِ المسيب والزُّهريِّ والسُّدِّيِّ والضحَّاكِ، وهو ظاهرُ الآية(٥).
وقيل: المعنى: لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرَّمةٌ خبيئةٌ، وتَدَعوا الطَّيبَ وهو
مالُكم(٦).
وقال مجاهد وأبو صالح باذانٌ(٧): لا تتعجَّلوا أكلَ الخبيثِ من أموالهم وتَدَعوا
انتظارَ الرزقِ الحلالِ من عند الله(٨).
وقال ابنُ زيد: كان أهلُ الجاهلية لا يورِّثون النساء والصبيان، ويأخذ الأكبرُ
(١) في (م): اليتيم.
(٢) وقع الكلام في أحكام القرآن للكيا الطبري بتفصيل أكثر، وقد اختصره المصنف هنا.
(٣) في أحكام القرآن ٣٠٩/١ له ، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٤) ص٥٢ من هذا الجزء ، وما بعدها.
(٥) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٣٠٨/١، والمحرر الوجيز ٥/٢، وأخرج الطبري ٣٥٢/٦ قول
الأئمة المذكورين.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٣/١.
(٧) في النسخ: وباذان، بزيادة واو، وهو خطأ، فأبو صالح هذا هو باذان، وباذام أيضاً، مولى أم هانئ،
وهو ضعيف .
(٨) المحرر الوجيز ٥/٢، وأخرجه عن مجاهد وأبي صالح الطبريُّ ٣٥٣/٦.