Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١
سورة آل عمران: الآية ١٣٤
وروى أبو داودَ وأبو عيسى الترمذيُ(١) عن سهل بن معاذ بن أنسِ الجُهَنيِّ، عن
أبيه، عن النبي ◌ّ﴾ قال: ((من كَظَم غيظاً وهو يستطيع أن يُنْفِذَه؛ دعاه الله يومَ القيامة
على رؤوس الخلائق حتى يخيِّرِه في أيِّ الحورِ شاء)). قال: هذا حديثٌ حسنٌ غريب.
وروى أنسٌ عن النبيِّل:﴿ أنه قال: «إذا كان يومُ القيامة نادى منادٍ: مَن كان أجرُه
على الله فليدخلِ الجنّة، فيقال: مَن ذا الذي أَجْرُه على الله؟ فيقوم العافون عن الناس
يدخلون الجنةَ بغير حساب)). ذكره الماوردي(٢). وقال مبارك بن فضالة(٣): كنتُ عندَ
المنصور جالساً، فأمَرَ بقتل رجلٍ؛ فقلت: يا أميرَ المؤمنين، قال رسول الله :﴿: ((إذا
كان يومُ القيامة نادى منادٍ بينَ يدي الله عزَّ وجل: من كانت له يدٌ عند الله فليتقدَّمْ(٤)،
فلا يتقدَّمُ إلا من عفا عن ذنب))؛ فأمر بإطلاقه.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: يُثيبهم على إحسانهم. قال
سَرِيٌّ السَّقَطِي: الإحسان أن تُحسِن وقتَ الإمكانِ، فلیس کلَّ وقتٍ يمكنك
الإحسانُ، قال الشاعر :
بادِزْ بِخَيْرٍ إذا ما كنتَ مُقْتَدِرا
فليس في كلِّ وقتٍ أنتَ مُقتدِرُ(٥)
وقال أبو العباس الجُمَّانِيُّ فأحسن :
ليس في كلِّ ساعةٍ وأَوَانٍ
تتّهَيّا صنائعُ الإحسانِ
(١) سنن أبي داود (٤٧٧٧)، وسنن الترمذي (٢٠٢١) و (٢٤٩٣)، وهو عند أحمد (١٥٦٣٧).
(٢) بنحوه في أدب الدنيا والدين ص٢٣٦، وأخرجه العقيلي في الضعفاء ٣/ ٤٤٧، وأبو نعيم في الحلية
٦/ ١٨٧، والبيهقي في الشعب (٤٣١٣)، من طريق الفضل بن يسار، عن غالب القطان، عن الحسن،
عن أنس، به، قال أبو نعيم: غريب من حديث الحسن، تفرد به الفضل عن غالب. وقال العقيلي:
الفضل بن يسار عن غالب القطان، لا يتابع من وجه يثبت.
(٣) وقع في النسخ: ابن المبارك، والصواب ما أثبتناه، فقد أخرج الخطيب في تاريخ بغداد ٢١٢/١٣
القصة مطولة في ترجمة مبارك بن فضالة، فذكر فيها الحديث بنحوه من رواية مبارك بن فضالة، عن
الحسن، عن النبي #، وأخرجه أيضاً ٦/ ١٤٥ من طريق مبارك، عن الحسن، عن عمران بن الحصين
عن النبي #.
(٤) في (د): فليقم.
(٥) لم نقف عليه.
٣٢٢
سورة آل عمران: الآيتان ١٣٤ - ١٣٥
حذَراً من تَعَذُّرِ الإمكانِ(١)
وإذا أَمْكَنَتْ فبادِرْ إِليها.
وقد مضى في ((البقرة)) القولُ في المحسن والإحسان(٢)، فلا معنى للإعادة.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةٌ أَوْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ
لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
(١٣٥)
فیه سبعُ مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ذكر الله تعالى
في هذه الآية صِنْفاً؛ هم دون الصِّنْفِ الأول، فأَلحقَهم به برحمته ومَنِّه؛ فهؤلاء هم
التوَّابون(٣).
قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلَتْ هذه الآيةُ في نَبْهَانَ التَّمَّارِ - وكُنْيته أبو مُقْبِل -
أتَتْه امرأة حَسْناءُ باع منها تمراً، فضمَّها إلى نفسه وقبَّلها، ثم ندم(٤) على ذلك، فأتى
النبيَّ *، فذكر ذلك له؛ فنزلتْ هذه الآية.
وذكر أبو داودَ الطيالسِيُّ في مسنده عن عليّ بن أبي طالب ﴾ قال: حدَّثني أبو
بكر - وصَدَق أبو بكر - أن رسول اللـه﴿ قال: ((ما مِن عبدٍ يُذْنبُ ذنباً، ثم يتوضَّأُ
ويصلي رَكعتين، ثم يستغفرُ الله، إلا غَفَرَ له)). ثم تلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ
فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية، والآيةَ الأخرى: ﴿وَمَنْ
يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠]. وخرَّجه الترمذيُّ وقال: حديث حسن(٥).
(١) ذكرهما البيهقي في الشعب (٧٦٩٠) ونسبهما لعبدالله بن طاهر، وذكرهما أيضاً الذهبي في سير أعلام
النبلاء ٤١٩/١٨ وعزا إنشادها لمحمد بن طاهر الرقي، ووردت دون نسبة في المستطرف ١١٠/٢
برواية: ليس في كل وهلة وأوان ...
(٢) ٢ / ١٣١.
(٣) المحرر الوجيز ٥١٠/١ .
(٤) في (د) و(م): فندم، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق لما في أسباب النزول للواحدي
ص١١٨، وهذا الحديث أخرجه ابن بشكوال مطولاً في غوامض الأسماء المبهمة ٢٩٥/١ - ٢٩٦ من
طريق عبد الغني بن سعيد الثقفي، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، به. وذكره
الحافظ ابن حجر في الإصابة ١٠/ ١٤٠، وذكر له طريقاً آخر عن مقاتل بن سليمان، عن الضحاك، عن
ابن عباس، ثم قال: ومقاتل متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس، وعبد الغني وموسى هالكان.
(٥) مسند الطيالسي ص٢، وسنن الترمذي (٤٠٦) و (٣٠٠٦)، وهو عند أحمد (٢).
٣٢٣
سورة آل عمران: الآية ١٣٥
وهذا عامٌّ. وقد تنزل الآية بسبب خاصٌّ، ثم تتناول جميعَ مَن فَعَل ذلك أو أكثرَ
منه.
وقد قيل: إن سبب نزولها أن ثَقَفِيّاً خرجَ في غزاة، وخلَّفَ صاحباً له أنصارِيّاً
على أهله، فخَانَه فيها بأن اقتحم عليها، فدفعتْ عن نفسها، فقبَّل يدها، فندم(١) على
ذلك، فخرج يَسِيحُ في الأرض نادماً تائباً؛ فجاء الثقفيُّ، فأخبرتْه زوجتُه بفعل
صاحبه، فخرجَ في طلبه، فأتى به إلى أبي بكر وعمرَ رَجاءَ أن يجدَ عندهما فرجاً
فوَبَّخاه؛ فأتى النبيََّ﴾، فأخبره بفعله؛ فنزلت هذه الآية(٢). والعمومُ أولى للحديث.
ورُويَ عن ابن مسعود أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، كانت بنو إسرائيل أكرَمَ
على الله مِنَّا، حيثُ كان المذْنِبُ منهم تُصْبحُ عقوبتُه [مكتوبةً] على باب داره، وفي
رواية: كفارةُ ذْبِهِ مكتوبةً على عَتَبة داره: اجْدَعْ أنفَك، اقْطَع أُذُنَك، افعل كذا . فأنزل
الله تعالى هذه الآية تَوْسِعةٌ ورحمةٌ وعِوَضاً من ذلك الفعل ببني إسرائيل(٣).
ويُروى أنَّ إبليس بكى حين نزلت هذه الآية(٤).
والفاحشةُ تطلَقُ على كلِّ معصية، وقد كَثُر اختصاصُها بالزنا، حتى فسَّرَ جابرُ بنُ
عبدالله والسُّدِّي هذه الآيةَ بالزنا (٥).
و((أَوْ)) في قوله: ﴿أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ قِيل: هي بمعنى الواو؛ والمرادُ: ما دونَ
الكبائر.
﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ معناه: بالخوف من عقابه والحَيَاءِ منه(٦). الضحاك: ذكروا العَرْضَ
(١) في (خ) و(ظ): ثم ندم.
(٢) ذكره مطولاً الواحدي في أسباب النزول ص١١٨، والبغوي في التفسير ٣٥٢/١، وهو من رواية
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس كما ذكر الحافظ ابن حجر في العجاب ٧٥٧/٢ .
(٣) تفسير البغوي ١/ ٣٥٢، والمحرر الوجيز ٥١٠/١، وما بين حاصرتين منه، وأخرجه الطبري ٦/ ٦٢
عن عطاء مرسلاً، وأخرجه ٦٣/٦ من طريق علي بن زيد بن جدعان عن ابن مسعود بلفظ: كانت بنو
إسرائيل إذا أذنبوا، أصبح مكتوباً على بابه الذنب وكفارته، فأعطينا خيراً من ذلك هذه الآية. وعلي بن
زيد بن جدعان ضعيف، ولم يدرك ابن مسعود.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١٣٣/١، والطبري ٦/ ٦٣ عن ثابت البناني.
(٥) المحرر الوجيز ١/ ٥١٠، وأخرج الأثرين عن جابر والسدِّي الطبريُّ ٦/ ٦١ .
(٦) المحرر الوجيز ٥١٠/١ .
٣٢٤
سورة آل عمران: الآية ١٣٥
الأكبرَ على الله(١). وقيل: تفكّروا في أنفسهم أنَّ الله سائلُهم عنه؛ قاله الكلبيُّ
ومقاتل(٢). وعن مقاتل أيضاً: ذكروا الله باللسان عند الذنوب(٣).
﴿فَأَسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: طلبوا الغفرانَ لأجل ذنوبهم. وكلُّ دعاءٍ فيه هذا
المعنى، أو لفظُه، فهو استغفار. وقد تقدَّمَ في صدر هذه السورة سيدُ الاستغفار، وأن
وقتَه الأسحارُ(٤). فالاستغفارُ عظيمٌ، وثوابُه جسيمٌ، حتى لقد رَوى الترمذيُّ عن النبيِّ
* أنه قال: ((مَن قال: أستغفر الله العظيم(٥) الذي لا إله إلا هو الحيُّ القيومُ وأتوبُ
إليه، غُفرَ له وإن كان قد فرَّ من الزحف)».
وروى مَكْحُولٌ، عن أبي هريرةَ قال: ما رأيتُ أكثرَ استغفاراً من رسول الله ﴾ ..
وقال مكحول: ما رأيتُ أكثرَ استغفاراً من أبي هريرةً(٦). وكان مكحولٌ كثيرَ
الاستغفار.
قال علماؤنا: الاستغفارُ المطلوبُ هو الذي يَخُلُّ عَقْدَ الإصرارِ، ويَثْبُتُ معناه في
الجَنَان، لا التلفُّظُ باللسان. فأمَّا من قال بلسانه: أستغفر اللهَ، وقلبُه مُصِرٍّ على
معصيته، فاستغفارُه ذلك يحتاجُ إلى استغفار، وصغيرتُه لاحقةٌ بالكبائر(٧).
ورُويَ عن الحسنِ البصرِيِّ أنه قال: استغفارُنا يحتاجُ إلى استغفار(٨).
قلت: هذا يقوله في زمانه، فكيف في زماننا هذا الذي يُرى فيه الإنسانُ مُكِبّاً على
(١) الوسيط ٤٩٤/١ .
(٢) أورده الواحدي في الوسيط ٤٩٤/١، والرازي في التفسير ٩/ ١٠ عن مقاتل والواقدي.
(٣) تفسير البغوي ٣٥٣/١ .
(٤) ص ٥٩ - ٦٠ من هذا الجزء .
(٥) قوله: العظيم، من (خ) وليس في باقي النسخ، وهو الموافق لما في سنن الترمذي (٣٥٧٧)، وهو عند
أبي داود (١٥١٧)، وهو من حديث بلال بن يسار بن زيد، عن أبيه، عن جده سمع النبي 8# يقول، قال
الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قلنا: وله شاهد من حديث ابن مسعود
أخرجه الحاكم ١١٨/٢ وقال: صحيح على شرط مسلم.
(٦) الزهد لأحمد ص٥٠ ، وفيه بين مكحول وأبي هريرة رجل لم يُسمَّ، وهو الذي يروي الحديث عن أبي
هريرة. ومكحول لم يلق أبا هريرة كما في العلل لابن أبي حاتم ص ١٦٥ - ١٦٦ .
(٧) المفهم ٧/ ٨٥ - ٨٦ .
(٨) تفسير أبي الليث ٣٠٠/١ .
٣٢٥
سورة آل عمران: الآية ١٣٥
الظلم؟! حريصاً عليه لا يُقلِعِ، والسُّبْحَةُ في يده، زاعماً أنه يستغفرُ اللهَ من ذنبه!
وذلك استهزاءٌ منه واستخفاف. وفي التنزيل: ﴿وَلَا نَتَّخِذُوّأْ ءَايَتِ اَللَّهِ هُزُوًا﴾
[البقرة: ٢٣١]، وقد تقدَّم.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللّهُ﴾ أي: ليس أحدٌ يغفِرُ المعصيةَ
ولا يُزيلُ عقوبتَها إلا الله.
﴿وَلَمْ يُصِرُوا﴾ أي: ولم يَثبُتُوا ويعزِمُوا على ما فعلوا. وقال مجاهد: أي: ولم
يَمضُوا(١). وقال معبد بن صبيحة(٢): صليتُ خلفَ عثمانَ، وعليٍّ إلى جانبي، فأقبل
علينا فقال: صلَّيتُ بغير وضوء ﴿وَلَمْ يُصِرُوا عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ثم ذهب
فتوضأ وصلّى(٣).
والإصرار هو العزم بالقلب على الأمر، وتركُ الإقلاع عنه. ومنه صَرُّ الدنانيرِ،
أي: الرَّبِطُ عليها (٤)؛ قال الحطيئةُ يصِفُ الخيل:
عُلَالَتَها بالمُخْصَدَاتِ أصَرَّتِ(٥)
عوابسُ بالشُّعْثِ الكُماةِ إذا ابتغَوا
أي: ثَبَتَتْ على عَذْوِها.
وقال قتادة: الإصرارُ: الثبوتُ على المعاصي(٦)؛ قال الشاعر:
(١) تفسير مجاهد: ١٣٦، وأخرجه ابن أبي حاتم (٤١٨٥).
(٢) في (م): صبيح، قال ابن حبان في الثقات ٤٣٢/٥ - ٤٣٣: معبد بن صبيحة القرشي التيمي، من رهط
طلحة بن عبيد الله، ويقال: ابن صبيح، رأى عليّاً وعثمان، وليست له صحبة. وذكره البخاري في
التاريخ الكبير ٣٩٩/٧ ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢٧٩/٨ ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.
(٣) قوله: ثم ذهب فتوضأ وصلى، وقع في (م) قبل: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وسقط من
(خ) و (ظ)، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في معاني القرآن للنحاس ٤٧٩/١ والكلام منه. والأثر
أخرجه محمد بن الحسن الشيباني في الحجة ١/ ٧٠ عن رجل من الصحابة أنه صلى خلف عثمان،
فأحدث الرجل ...
(٤) المحرر الوجيز ٥١٠/١ .
(٥) ديوان الحطيئة ص٣٤١، وجاء في شرحه: العوابس: الخيل القاطبة الوجوه. والكُماة جمع كّمِيّ،
وإنما سمي كميّاً لأنه يَتكمَّى الأقران، أي: يتعمدهم ويقصد إليهم. والعُلّاله: الجري يُطلب منها بعد ما
يذهب جريها، ومحصدات: سياط شديدة الفتل. وذكر في الديوان رواية أخرى للبيت وهي: أَضَرَّتٍ،
قال الشارح ص ٣٤٥: ويقال: ناقة ذات ضرير: أي: ذات صبر على السير، أي: أجهدت نفسها.
(٦) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٤٦٣/١، وأخرجه الطبري بنحوه ٦/ ٦٦ .
٣٢٦
سورة آل عمران: الآية ١٣٥
يُصِرُّ بالليل ما تُخْفِي شَوَاكِلُه يا ويحَ كلِّ مُصِرِّ القلبِ خَتَّارِ(١)
قال سهل بن عبدالله: الجاهلُ مَيِّتٌ، والناسي نائمٌ، والعاصي سَكْران، والمُصِرُّ
هالكٌ، والإصرار هو التسويفُ، والتسويفُ أن يقولَ: أتوبُ غداً. وهذا دعوى
النفس، كيف يتوب غداً، وغداً لا يملكه !.
وقال غيرُ سهل: الإصرارُ هو أن ينويَ ألَّ يتوبَ، فإذا نوى التوبة النصوح خرج
عن الإصرار.
وقولُ سهلٍ أحسنُ. ورُويَ عن النبيِّ# أنه قال: ((لا توبة مع إصرار))(٢).
الثالثة: قال علماؤنا: الباعثُ على الثَّوبة وحلِّ الإصرار: إدامةُ الفِكْر في كتاب
الله العزيز الغقَّار، وما ذكره الله سبحانَه من تفاصيلِ الجنة، ووَعَدَ به المطيعين، وما
وصفَهُ من عذابِ النار، وتهدَّدَ به العاصِين، ودام على ذلك حتى قَوِيَ خوفُه ورجاؤُه،
فدعا الله رَغَبا ورَهَباً؛ والرّغْبَةُ والرّهبةُ ثمرةُ الخوفِ والرجاء، يخافُ من العِقاب،
ويرجو الثوابَ، والله الموفق للصواب.
وقد قيل: إن الباعثَ على ذلك تنبيهٌ إلهِيٍّ؛ ينَبِّه به من أراد سعادتَه؛ لِقُبْح الذنوبِ
وضررِها، إذ هي سُمومٌ مُهْلِكَة(٣).
قلت: وهذا خلافٌ في اللفظ لا في المعنى، فإن الإنسانَ لا یتفكّر في وعد الله
ووعيده إلا بتَنْبيهه؛ فإذا نظر العبدُ - بتوفيق الله تعالى - إلى نفسه، فوجدَها مشْحُونَةً
بذنوبِ اكتَسبَها، وسيِّئاتٍ اقترفها، وانبعثَ منه الندمُ على ما فرَّط، وتَركَ مثلَ ما
سبق، مخافةً عقوبةِ الله تعالى، صَدَق عليه أنه تائب، فإن لم يكن كذلك؛ كان مُصِرّاً
على المعصية، وملازِماً لأسباب الهَلَكة.
(١) في (ظ): جبار، والبيت أنشده ابن عباس عندما سأله نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾
[هود: ٥٩] ذكره السيوطي في الدر ٧٣/٤ وعزاه للطسْتي، ورواية البيت عنده: مصر على الحنث لا تخفى
شواكله ...
(٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج الطبري ٦/ ٦٥١ عن ابن عباس أنه قال: لا كبيرة مع استغفار، ولا
صغيرة مع إصرار. وفي إسناده أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي، قال عنه الحافظ في التقريب:
صدوق سییء الحفظ.
(٣) المفهم ٧/ ٧٠ .
٣٢٧
سورة آل عمران: الآية ١٣٥
قال سهل بن عبدالله: علامة التَّائب أنْ يَشغلَه الذَّنبُ عن(١) الطعام والشراب؛
كالثلاثة الذين خُلِّفوا(٢).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فيه أقوال؛ فقيل: أي: يذكرون ذنوبهم،
فیتوبون منها. قال النحاس(٣): وهذا قول حسن.
وقيل: ((وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) أني أعاقب على الإصرار.
وقال عبدالله بن عُبيد بن عُمير: ((وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) أنهم إن تابوا تاب الله عليهم(٤).
وقيل: (يَعْلَمُونَ)) أنهم إن استغفروا غفر لهم(٥).
وقيل: ((يَعْلَمُونَ)) بما حرَّمتُ عليهم؛ قاله ابن إسحاق(٦).
وقال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبي: ((وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) أن الإصرار ضارّ،
وأنَّ تركَه خيرٌ من التَّمادي.
وقال الحسين(٧) بن الفضل: ((وَهُمْ يَعْلُمُونَ)) أن لهم رباً يغفر الذَّنب(٨).
قلت: وهذا أخذه من حديث أبي هريرة ﴾، عن النبيِّ ﴿ فيما يَحكي عن ربِّه عزَّ
وجلَّ قال: ((أذنبَ عبدٌ ذنباً، فقال: اللّهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب
عبدي ذنباً، فعَلِمَ أن له ربّاً يَغْفِرُ الذَّنْب، ويأخذ بالذَّنْب، ثم عاد فأذنبَ، فقال: أيْ
ربِّ، اغفر لي ذنبي)). فذكر مثله مرتين، وفي آخره: ((اعمل ما شئتَ، فقد غفرتُ
لك)) أخرجه مسلم(٩).
(١) في (د) و (م): على .
(٢) وهم كعب بن مالك، ومُرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، انظر خبرهم في مسند أحمد (١٥٧٨٦)،
وصحيح البخاري (٤٤١٨)، وصحيح مسلم (٢٧٦٩).
(٣) في إعراب القرآن ١/ ٤٠٧ وما قبله منه.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤٨٠/١ .
(٥) تفسير البغوي ٣٥٣/١.
(٦) المحرر الوجيز ٥١١/١، وأخرجه الطبري ٦٩/٦ .
(٧) في (د) و (ظ) و(م): الحسن، وهو خطأ، وهو أبو علي البَجَلي، الكوفي، المفسِّر، اللغوي،
المحدِّث، توفي سنة (٢٨٢ هـ). السير ٤١٤/١٣ .
(٨) تفسير البغوي ١/ ٣٥٣، وما قبله منه.
(٩) برقم (٢٧٥٨): (٢٩)، وأخرجه أيضاً البخاري (٧٥٠٧)، وهو في مسند أحمد (١٠٣٧٩).
٣٢٨
سورة آل عمران: الآية ١٣٥
وفيه دليلٌ على صِحَّة التوبةِ بعد نَقْضِها بمُعاوَدة الذَّنْب؛ لأنَّ التوبةَ الأولى طاعةٌ،
وقد انقضت وصحَّتْ، وهو محتاجٌ بعد مواقعةِ الذَّنْبِ الثاني إلى توبةٍ أخرى مستأنَفّة.
والعَوْدُ إلى الذَّنْب؛ وإن كان أقبَحَ من ابتدائه؛ لأنه انْضافَ إلى الذَّنب نَقْضُ
التوبة، فالعودُ إلى التوبةِ أحسنُ من ابتدائها؛ لأنه انْضاف (١) إليها ملازمةُ الإِلْحَاحِ
بباب الكريم، وأنه لا غافرَ للذُّنوب سواه.
وقولُه في آخرِ الحديث: ((اعملْ ما شئت))؛ أمرٌ معناه الإكرامُ في أحد الأقوال؛
فيكون من باب قوله: ﴿أَدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ﴾ [الحجر: ٤٦]. وآخرُ الكلام خَبرٌ عن حال
المخاطَبِ بأنه مغفورٌ له ما سلَفَ من ذنبه، ومحفوظً إن شاء الله تعالى فيما يستقبل
من شأنه(٢).
ودلّتِ الآيةُ والحديثُ على عظيم فائدةِ الاعترافِ بالذنب، والاستغفار منه، قال *:
((إنَّ العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى الله، تاب الله عليه)). أخرجاه في الصحيحين (٣).
وقال:
بما جّنَى من الذنوب واقترف (٤)
يستوجبُ العفوَ الفتى إذا اعتَرفْ
وقال آخر :
إن الجُحُودَ جُحُودَ الذَّنْب ذنبان(٥)
أقرِرْ بذنبك ثم اطلُبْ تَجاوُزَه
وفي صحيح مسلم(٦) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((والذي نفسي
بيده، لو لم تُذْنِبوا، لذهب الله بكم، ولَجَاء بقوم يُذنبون، فيستغفرون، فيغفر لهم)).
(١) في (د) و(م): أضاف، في الموضعين.
(٢) المفهم ٨٦/٧ .
(٣) صحيح البخاري (٢٦٦١)، وصحيح مسلم (٢٧٧٠) (٥٦) من حديث عائشة رضي الله عنها في قصة
الإفك، وهو في مسند أحمد (٢٥٦٢٣).
(٤) نسبه المصنف في تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنفال لأبي سعيد أحمد بن محمد الزبيري، وهو دون
نسبة في قرى الضيف ٣٦٨/١ وروايته فيه: وتاب مما قد جناه واقترف.
(٥) البيت في الأغاني ١٣/ ١١٥ دون نسبة.
(٦) برقم (٢٧٤٩): (١١)، وهو في مسند أحمد (٨٠٨٢).
٣٢٩
سورة آل عمران: الآية ١٣٥
وهذه فائدة اسم الله تعالى الغفَّار والتوَّاب، على ما بيّناه في ((الكتاب الأسنى في
شرح أسماء الله الحسنى))(١).
الخامسة: الذنوب التي يُتابُ منها إمَّا كُفرٌ أو غيرُه، فتوبةُ الكافر إيمانُه مع ندمِه
على ما سلفَ من كفره، وليس مجردُ الإيمانِ نفْسَ توبةٍ. وغيرُ الكفْر إمَّا حقٌّ لله
تعالى، وإمَّا حقٌّ لغيره، فحقُّ الله تعالى يكفي في التوبة منه الثَّركُ؛ غيرَ أن منها ما لم
يَكْتفِ الشرعُ فيها بمجرَّد الترك، بل أضافَ إلى ذلك في بعضها قضاءً، كالصلاة
والصوم، ومنها ما أضاف إليها كفارةً؛ كالحِنْث في الأَيْمان والظّهار وغيرِ ذلك، وأمَّا
حقوقُ الآدميّيْنَ فلابدَّ من إيصالها إلى مستحقيها(٢)، فإن لم يوجّدوا تُصُدِّقَ عنهم،
ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإِعسارٍ؛ فعفو الله مأمولٌ، وفضلُه مبذولٌ، فكم
ضَمِنَ من الشَّبِعاتِ، وبدَّل من السيِّئات بالحسنات(٣). وستأتي زيادةُ بيانٍ لهذا
المعنى (٤).
السادسة: ليسَ على الإنسان إذا لم يذكُرْ ذَنْبه ويعلَمْه أن يتوب منه بعينه، ولکن
يعتقد(٥) إذا ذكر ذنباً تاب منه(٦).
وقد تأوَّل كثيرٌ من الناس - فيما ذكر شيخُنا أبو محمد عبدُ المعطي
الإسكندرانيُّ(٧) ﴾ - أن الإمام المحاسبيَّ رحمه الله يرى أن التوبةَ من أجناس
المعاصي لا تصحُّ، وأن الندمَ على جملتها لا يكفي، بل لا بدَّ أن يتوبَ من كل فعلٍ
(١) لم نقف عليه في المطبوع منه.
(٢) في النسخ: مستحقها، والمثبت من (م).
(٣) المفهم ٧/ ٧١ .
(٤) في الآية (٧٠) من سورة الفرقان.
(٥) في (م): يلزم.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٧/١ وفيه: ولكن يعتقد أنه كلما ذكر ...
(٧) ابن أبي الثناء محمود بن عبد المعطي، اللخمي، المالكي، الضرير، كان مشهوراً بالزهد والصلاح،
وله معرفة بأصول الدين ومذهب مالك، صنّف شرح الرعاية للمحاسبي، وشرح الرسالة القشيرية،
توفي بمكة سنة (٦٣٨ هـ). التكملة لوفيات النقلة للمنذري ٥٦٦/٣، والعقد الثمين في تاريخ البلد
الأمين للفاسي ٥/ ٤٩٧ .
٣٣٠
سورة آل عمران: الآية ١٣٥
بجارحته، وكلِّ عَقْدٍ بقلبه على التعيين. ظنُّوا ذلك من قوله، وليس هذا مرادَه،
ولا يقتضيه كلامُه، بل حُكْمُ المكلَّفِ إذا عرَف حُكْم أفعالِهِ، وعرَفَ المعصيةَ من
غيرها، صحَّتْ منه التوبةٌ من جملةِ ما عرف؛ فإنه إن لم يعرفْ كونَ فعلِه الماضي
معصيةً؛ لا يمكنه أن يتوبَ منه، لا على الجملة ولا على التفصيل.
ومثالُه رجلٌ كان يتعاطى باباً(١) من أبواب الرّبا، ولا يعرفُ أنه رِباً، فإذا سمع
كلام الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِبَوْاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ -٢٧٩]، عَظُمَ عليه هذا التهديدُ،
وظنَّ أنه سالمٌ من الرِّبا، فإذا عَلِمَ حقيقةَ الرِّبا الآن، ثم تفكّر فيما مضى من أيامه،
وعلم أنه لابَسَ منه شيئاً كثيراً في أوقات متقدِّمة، صحَّ أن يندَمَ عليه الآن جُملةً، ولا
يلزمُه تعيينُ أوقاته.
وهكذا كلُّ ما واقعَ من الذنوب والسيئات، كالغيبة والنَّميمة، وغيرِ ذلك من
المحرَّماتِ التي لم يعرِفْ كونَها مُحرَّمةً، فإذا فَقُّهَ العبدُ وتفقَّد ما مضى من كلامه،
تاب من ذلك جملةً، ونَدِم على ما فرَّط فيه من حق الله تعالى، وإذا استحلَّ مَن كان
ظلَمَه، فحالَلَهُ على الجملة، وطابتْ نفسُه بترك حقِّه، جاز؛ لأنه من باب هبةٍ
المجهول(٢)، هذا مع شُحِّ العبد، وحرصِه على طلب حقِّه، فكيف بأكرم الأكرَمِين،
المتفضِّلِ بالطاعات وأسبابِها، والعفوِ عن المعاصي صغارِها وكبارِها.
قال شيخنا رحمه الله تعالى: هذا مرادُ الإمام، والذي يدلُّ عليه كلامُه لمن
تفقَّده، وما ظنَّهُ به الظانُّ من أنه لا يصحُّ الندمُ إلا على فِعلٍ فِعلٍ، وحركةٍ حرکةٍ،
وسكْنَةٍ سكَنَةٍ على التعيين، هو من باب تكْلِيف ما لا يُطاق، الذي لم يقع شرعاً وإن
جاز عقلاً، ويلزم عنه أن يعرِفَ كم جرعةً جرعها في شربِ الخمر، وكم حركةً
تحرَّكَها في الزنا، وكم خَطْوةً مَشاها إلى مُحرَّم، وهذا ما لا يطيقُه أحدٌ، ولا تتأتَّى منه
توبةٌ على التفصيل.
وسيأتي لهذا الباب مزيدُ بيان من أحكام التوبة وشروطها في ((النساء)) وغيرها إن
(١) في النسخ: أبواباً، والمثبت من (م).
(٢) في (د): لأنه باب من جهة المجهول.
٣٣١
سورة آل عمران: الآية ١٣٥
شاء الله تعالى(١).
السابعة: في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُوا﴾ حُجَّةٌ واضحةٌ، ودلالةٌ قاطعةٌ لِمَا قاله
سيفُ السنة، ولسانُ الأمة القاضي أبو بكر بن الطيب: إن الإنسان يؤاخَذُ بما وظَّنَ
عليه بضميره، وعزَمَ عليه بقلبه من المعصية(٢).
قلت: وفي التنزيل: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ تُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]،
وقال: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِ﴾ [القلم: ٢٠]. فعوقبُوا قبلَ فِعْلهم بعزمهم. وسيأتي بيانُه.
وفي البخاري (٣): ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما(٤)، فالقاتلُ والمقتول في النار))،
قالوا: يا رسولَ الله، هذا القاتلُ، فما بال المقتولِ؟ قال: ((إنه كان حريصاً على قتل
صاحبِه)). فعلَّق الوعيدَ على الحرص، وهو العزمُ، وألغى إظهارَ السِّلاح.
وأنَصُّ من هذا ما خرَّجه الترمذيُّ(٥) من حديث أبي كبشةَ الأنماري، وصححه
مرفوعاً: ((إنما الدنيا لأربعةِ نفرٍ: رجل أعطاه الله مالاً وعِلْماً، فهو يتَّقي فيه ربَّه،
ويصِلُ فيه رَحِمَه، ويعلم لله فيه حقّاً، فهذا بأفضل المنازل. ورجل آتاه الله علماً ولم
يؤتِه مالاً، فهو [صادقُ النّيّة] يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملتُ فيه بعمل فلان، فهو نيَّتُه،
فأجرهما سواءٌ. ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو [يخبِطُ في ماله بغير علم]،
لا يتَّقي فيه ربَّه، ولا يصِلُ به رَحِمَه ولا يعلمُ لله فيه حقّاً، فهذا بأخبثٍ المنازل.
ورجل لم يؤتِه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعمِلْتُ فيه بعمل فلانٍ،
فهو نيتُه، فوزرُهما سواء)».
وهذا الذي صارَ إليه القاضي هو الذي عليه عامَّةُ السَّلَفِ، وأهلُ العلم من الفقهاء
والمحدِّثين والمتكلِّمين، ولا يُلتَفتُ إلى خلافِ مَنْ زعَمَ أنَّ ما يَهُمُّ الإنسانُ به وإن
وَطَّن [نفسَه] عليه لا يؤاخذُ به (٦).
(١) في تفسير الآيتين (١٧-١٨) من سورة النساء، وتفسير الآية (٨٢) من سورة طه.
(٢) انظر المفهم ٣٤٠/١.
(٣) برقم (٣١) من حديث أبي بكرة ﴾. وأخرجه أيضاً مسلم (٢٨٨٨)، وهو في مسند أحمد (٢٠٤٣٩).
(٤) في (خ) و (م): بسيفهما.
(٥) في سننه برقم (٢٣٢٥) وما سيرد بين حاصرتين منه، وهو في مسند أحمد (١٨٠٣١).
(٦) المفهم ٣٤١/١ وما بين حاصرتين منه.
٣٣٢
سورة آل عمران: الآيتان ١٣٦ - ١٣٧
ولا حجَّةَ له في قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ هَمَّ بسيِّئةٍ فلم يعملها، لم
تُكتَبْ عليه، فإنْ عَمِلَها، كُتبتْ سيِّئَةً واحدة))(١)؛ لأن معنى ((فلم يعملها)»: فلم يعزِمْ
على عملها بدليلٍ ما ذكرنا، ومعنى ((فإن عمِلَها))؛ أي: أظهرَها، أو عزم عليها، بدليل
ما وصفنا. وبالله توفيقُنا.
قوله تعالى: ﴿أُوْلََّبِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ
رَتَّبَ تعالى بفضله وكرمه غُفْرانَ الذُّنوب لمن أخلَصَ في توبيِه، ولم يُصِرَّ على
ذنبه. ويمكنُ أن يَتَّصلَ هذا بقصَّة أُحُد، أي: من فرَّ ثم تاب ولم يُصِرَّ، فله مغفرة الله.
قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَّنٌ فَسِيرُواْ فِىِ اَلْأَرْضِ فَأَنْظُواْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ اُلْمُكَذِّبِينَ
هذا تسليةٌ من الله تعالى للمؤمنين، والسُّنَنُ جمع سُنَّة، وهي الطريقُ المستقيم،
وفلانٌ على السنَّة؛ أي: على طريق الاسْتِوَاء، لا يَميل إلى شيء من الأهواء(٢)، قال
الهُذَلِيُّ(٣) :
فأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسيرُها
فلا تَجْزَعَنْ من سُنَّةٍ أنت سِرْتَها
والسنَّة: الإمامُ المتَّبَعُ المؤتَمُّ به، يقال: سَنَّ فلانٌ سنَّةً حسنةً وسيئةً: إذا عَمِلَ
عملاً اقتدي به فيه من خير أو شر(٤)، قال لَبيد :
ولكلِّ قومٍ سُنَّةٍ وإمامُها (٥)
من مَعشرٍ سَنَّتْ لهم آباؤهم
والسنَّةُ: الأمَّةُ، والسُّنَنُ: الأُمَمُ؛ عن المفضل. وأنشد:
(١) أخرجه أحمد (٧١٩٦)، ومسلم (١٢٨) و (١٣٠) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٠٧ .
(٣) هو خالد بن زهير الهذلي، والبيت في شرح أشعار الهذليين ص٢١٣، والأغاني ٦/ ٢٧٧ ، ومجمع
الأمثال ٢٤٨/٢، والمحرر الوجيز ٥١١/١ .
(٤) تفسير الطبري ٦/ ٧٣، وتفسير البغوي ٣٥٤/١ .
(٥) ديوان لبيد ص ٣٢٠، وتفسير الطبري ٧٣/٦، والمحرر الوجيز ٥١١/١، والنكت والعيون ٤٢٥/١ .
٣٣٣
سورة آل عمران: الآيتان ١٣٧ - ١٣٩
ما عايَنَ الناسُ من فَضْلٍ كفضلِهِمُ ولا رَأوا مِثلَهم في سالِفِ السُّننِ(١)
وقال الزجاج(٢): والمعنى: أهل سنن، فحذف المضافَ.
وقال ابن زيد(٣): أمثال. عطاء: شرائع. مجاهد: المعنى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ
سُنَنٌ﴾ يعني بالهلاك فيمن كذَّب قبلَكم، كعادٍ وثمودَ.
والعاقبةُ: آخرُ الأمر، وهذا في يوم أُحُد. يقول: فأنا أُمهِلُهم، وأُمْلي لهم،
وأستَدْرجُهم حتى يبلُغَ الكتابُ أجلَه، يعني بنصرةِ النبيِّ :﴿ والمؤمنين، وهلاكٍ
أعدائهم الكافرين (٤).
قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدِّى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
يعني القرآنَ، عن الحسن وغيره. وقيل: هذا إشارةٌ إلى قوله: ﴿قَدّ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ
سُنَّنٌ﴾ (٥).
والموعظةُ: الوَعْظُ. وقد تقدَّم (٦).
٣٩
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُتُم مُؤْمِنِينَ
عزَّاهم وسَلَّاهم بما نالَهم يوم أُحُد من القتل والجراح، وحثَّهم على قتال
عدوّهم، ونهاهم عن العجز والفشل، فقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعُفُوا، ولا
تجبُنوا يا أصحابَ محمدٍ عن جهادٍ أعدائِكم لِمَا أصابكم. ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على
ظُهورهم، ولا على ما أَصابكم من الهَزيمةِ والمُصيبة، فَأَنْتُم الْأَعْلَوْنَ، أي: لكم
تكون العاقبةُ بالنَّصر والّفَرِ ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: بصِدْق وَعْدِي. وقيل: ((إِنْ))
بمعنى ((إِذ))(٧).
(١) تفسير البغوي ١/ ٣٥٤، وما قبله منه دون نسبة إلى المفضل.
(٢) في معاني القرآن له ١/ ٤٧٠.
(٣) في النسخ: أبو زيد، والمثبت من تفسير الطبري ٦/ ٧٣ .
(٤) تفسير البغوي ١/ ٣٥٤، وعنه نقل المصنف كلام عطاء ومجاهد .
(٥) النكت والعيون ٤٢٦/١، والمحرر الوجيز ٥١٢/١، وأخرج القولين الطبري ٦/ ٧٤ - ٧٥.
(٦) ٤ / ٣٩٧ .
(٧) انظر تفسير الطبري ٧٦/١ - ٧٧، وتفسير البغوي ٣٥٥/١.
,٠
٣٣٤
سورة آل عمران: الآيتان ١٣٩ - ١٤٠
قال ابن عباس: انهزمَ أصحابُ رسول اللـه﴾ يومَ أحُد، فَبَيْنا هم كذلك إِذ أقبلَ
خالد بن الوليد بخيلٍ من المشركين يريدُ أن يَعلُوَ عليهم الجبلَ، فقال النبيُّ ﴾:
((اللهمَّ لا يَعْلُنَّ علينا، اللهمَّ لا قوةَ لنا إِلا بك، اللهمَّ ليس يعبدُك بهذه البلدة غيرُ
هؤلاء النَّفَر)). فأنزل اللهُ هذه الآياتِ، وثابَ نَفَرٌ من المسلمين رُماةٌ، فصَعِدُوا
الجبلَ، ورَمَوْا خيلَ المشركين حتى هزمُوهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾(١)
يعني: الغالبين على الأعداء بعد أُحد. فلم يُخرِجوا بعد ذلك عسكراً إلّا ظَفِروا في
كلِّ عسكر كان في عهدٍ رسول اللـه ﴾، وفي كلِّ عسكر كان بعدَ رسول الله ﴾، وكان
فيه واحدٌ من الصحابة، كان الّفَرُ لهم، وهذه البلدانُ كلُّها إنما افْتُتِحَتْ على عهد
أصحاب رسول اللـه ﴿، ثم بعد انقراضِهم ما افتُتِحتْ بلدةٌ على الوجه كما كانوا
يفتتحون في ذلك الوقت.
وفي هذه الآيةِ بيانُ فضلٍ هذه الأمة؛ لأنه خاطبهم بما خاطَبَ به أنبياءه؛ لأنه
قال لموسى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ آلْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨]، وقال لهذه الأمة: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. وهذه
اللَّفظةُ مشتقةٌ من اسمه الأعلى، فهو سبحانه العَليّ، وقال للمؤمنين: ﴿وَأَنْتُمُ
الْأَعْلَوْنَ﴾(٢).
قوله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرٌْ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْعٌ مِّثْلُهٍُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ
نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
الظَّالِمِينَ
١٤٠
قوله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرٌَّ﴾ القَرْحِ: الجُرح. والضمُّ والفتح فيه لغتان عن
الكسائيّ والأخفش(٣)، مثل فَقْر وفُقْر(٤). الفرَّاء: هو بالفتح: الجُرْح، وبالضم:
(١) أسباب النزول للواحدي ص ١٢٠، وأخرجه الطبري ٧٩/٦ مختصراً، وأخرجه بتمامه ٧٨/٦ لكن من
قول ابن جريج.
(٢) تفسير أبي الليث ١/ ٣٠١ .
(٣) وقد قرأ بضم القاف أبو بكر وحمزة والكسائي، كما في السبعة ص٢١٦ ، والتيسير ص ٩٠ .
(٤) في (خ) و (د): قفر وقفر، وفي (ظ): نقر وفقر، وفي (م): غَقْر وعُقْر: والمثبت من إعراب القرآن
للنحاس ٤٠٨/١. قال في مختار الصحاح: الفقر بالضم لغة في الفقر، كالضُّعف والضَّعف.
٣٣٥
سورة آل عمران: الآية ١٤٠
(١)
والمعنى: إن يَمسَسْكُم يومَ أُحُد قَرْحٌ فقد مَسَّ القومَ يومَ بدر قَرْحٌ مثلُه.
وقرأ محمد بنُ السَّمَيْفَع: ((قَرَح)) بفتح القاف والراء على المصدر(٢).
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ قيل: هذا في الحرب، تكون مرةً للمؤمنين
لِينصُرَ الله عزَّ وجلَّ دينَه، ومرةً للكافرين إذا عصَى المؤمنون، لِيبتليَهم ويُمَخِّصَ
ذنوبَهم، فأما إذا لم يَعْصُوا؛ فإنّ حزبَ الله هم الغالبون. وقيل: (نُدَاوِلُها بين النّاس))
من فَرَح وَغَمِّ، وصحّةٍ وسُقْم، وغِنَى وفَقْر(٣). والدَّولَةُ: الكَرَّة، قال الشاعر:
ويومٌ نُسَاءُ ويومٌ نُسَرّ(٤)
فيومٌ علينا ويومٌ لنا
قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ معناه: وإِنما كانت هذه المُداولةُ لِیری
المؤمنَ مِنَ المنافق، فَيمِيزَ بعضَهم من بعض(٥)، كما قال: ﴿وَمَآ أَصَبَّكُمْ يَوْمَ اُلْتَّقَى
الْجَمْعَانِ فَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ اُلْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ [آل عمران: ١٦٦ -١٦٧]. وقيل: لِيعلمَ
صبر المؤمنين، العلمَ الذي يقع عليه الجَزاءُ كما عَلِمَه غَيْباً قبل أن كَلَّفَهم (٦). وقد
تقدم(٧) في ((البقرة)) هذا المعنى.
قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءُ﴾
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءً﴾ أي: يُكرِمَكم بالشهادة؛ أي: لِيُقتلَ
(١) انظر معاني القرآن للفراء ٢٣٤/١، ومعاني القرآن للأخفش ٤٢١/١، والمحرر الوجيز ٥١١/١ .
(٢) المحرر الوجيز ٥١٣/١ ٥١٤، وقراءة ابن السَّميفع ذكرها ابن جني في المحتسب ١٦٦/١، ونسبها
ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٢ لأبي السمّال.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٨/١، ومعاني القرآن له ٤٨١/١ .
(٤) وقع في النسخ: فيوم لنا ويوم علينا، وهو خطأ رواية ووزناً، والبيت للنَّمِر بن تَوْلب، وهو في (شعراء
إسلاميون) ص٣٤٧ ، وأورده سيبويه في الكتاب ٨٦/١ .
(٥) انظر تفسير البغوي ٣٥٦/١ .
(٦) انظر معاني القرآن للنحاس ١ / ٤٨١ .
(٧) ٤٣٧/٢ - ٤٣٨ .
٣٣٦
سورة آل عمران: الآية ١٤٠
قومٌ فيكونوا (١) شهداء على الناس بأعمالهم. وقيل: لهذا قيل: شهيد: وقيل: سُمِّي
شهيداً لأنه مشهودٌ له بالجنة(٢). وقيل: سُمِّي شهيداً لأن أرواحَهم احتضرتْ(٣) دارَ
السلام؛ لأنهم أحياءٌ عند ربِّهم، وأرواحُ غيرهم لا تصل إلى الجنة (٤)، فالشهيد
بمعنى الشاهد، أي: الحاضر للجنة، وهذا هو الصحيح على ما يأتي، والشهادةُ
فَضْلُها عظيم، ويَكفيك في فَضْلها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِينَ
أَنفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الآية، وقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى نِجَزَقْ تُجِيكُ مِنْ عَذَابٍ
أَلِمِ نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَُهِدُونَ فِ سَبِيلِ الَِّ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ إِلى قوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
[الصف: ١٠- ١٢].
وفي ((صحيح)) البُسْتِيّ(٥): عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((ما يَجِد
الشهيدُ مَسَّ(٦) القتل إِلا كما يَجِدُ أحدُكم مسَّ القَرْصة)»(٧).
وروى النسائي عن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب النبيِّ# أن رجلاً
قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يُفتنون في قبورهم إِلا الشهيدَ؟ قال: ((كفى ببارقة
السيوف على رأسه فتنةً)»(٨).
وفي البخاري: مَنْ قُتلَ من المسلمين يومَ أُحد؛ منهم حمزةُ، واليمان،
والنَّضْر(٩) بن أنس، ومصعب بن عمير. حدثني عمرو بن علي حدثنا (١٠) معاذ بن
(١) في النسخ: فيكونون، والمثبت من (م).
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٨/١ .
(٣) في (خ) و (ظ): أحضرت.
(٤) ذكره الرازي في تفسيره ٩/ ١٧ بنحوه، ونسبه للنّضر بن شُميل.
(٥) هو ابن حبان، والحديث في صحيحه برقم (٤٦٥٥)، ومسند أحمد (٧٩٥٣).
(٦) في (د) و (م) في الموضعين: ((من))، والمثبت من (ظ) (خ) وهو موافق لما في صحيح ابن حبان.
(٧) في (د) و(م): ((القرحة))، والمثبت من (ظ) (خ)، وهو موافق لما في صحيح ابن حبان.
(٨) السنن الكبرى (٢١٩١).
(٩) كذا في النسخ غير (ظ): النضر بن أنس، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٧/ ٣٧٥: كذا وقع لأبي ذر
(أحد رواة صحيح البخاري) عن شيوخه، وكذا وقع عند النسفي، وهو خطأ، والصواب: أنس بن
النضر .. فأما النضر بن أنس فهو ولده، وكان إذ ذاك صغيراً، وعاش بعد ذلك زماناً. اهـ ووقع في (ظ):
النضر بن شميل، وهو تحريف. وسيذكر المصنف قصة استشهاد أنس بن النضر في تفسير الآية (١٤٣)
من هذه السورة.
(١٠) في (د) و (م): أن، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق لما في صحيح البخاري.
٣٣٧
سورة آل عمران: الآية ١٤٠
هشام قال: حدثني أبي عن قتادة قال: ما نَعلَمُ حيّاً من أحياء العرب أكثَرَ شهيداً
أعزّ (١) يوم القيامة من الأنصار. قال قتادة: وحدثنا أنس بنُ مالك أنه قُتل منهم يوم
أُحد سبعون، ويوم بِثْر مَعُونَةَ سبعون، ويوم اليَمامَةِ سبعون. قال: وكان بئر معونةً على
عهد النبي ﴿، ويومُ اليَمامةِ على عهد أبي بكر يومَ مُسَيْلِمة الكذَّاب(٢).
وقال أنس: أُتِيَ النبيُّل:﴿ بعليّ بن أبي طالب، وبه نَّيِّفٌ وسِتون جِراحةً من طَعْنَةٍ
وضَرْبَةٍ وَرَمْيَة، فجعلَ النبيُّ * يمسحُها وهي تَلْتَئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن(٣).
الثانية: في قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءٌ﴾ دليلٌ على أن الإرادةَ غيرُ الأمر
كما يقوله أهلُ السنة، فإنّ الله تعالى نهى الكفارَ عن قتل المؤمنين؛ حمزةً وأصحابِهِ،
وأراد قَتْلَهم، ونهى آدَمَ عن أكل الشجرة وأراده، فَواقَعَه آدمُ. وعكسُه أنه أمرَ إبليسَ
بالسجود ولم يُرِدْه(٤)، فامتنع منه، وعنه وقعت الإشارةُ بقوله الحقّ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ
اللّهُ أَنْيِعَائَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]. وإِنْ كان قد أمرَ جميعَهم بالجهاد، ولكنه خلَق
الكَسَل والأسبابَ القاطعةَ عن المسِير، فقعدوا.
الثالثة: رُوِيَ عن عليّ بن أبي طالب ه قال: جاء جبريلُ إلى النبيِ {# يومَ بدر
فقال له: ((خَيِّرْ أصحابَك في الأُسارى؛ إنْ شاؤوا القتلَ، وإِن شاؤوا الفِداءَ، على أن
يُقتَل منهم العام(٥) المُقبِل مِثْلُهم، فقالوا: الفِداء، ويُقتَل منّا)). أخرجه الترمذي(٦)،
وقال: حديث حسن. فأنجزَ الله وَعْدَه بشهادة أوليائه بعد أن خَيَّرَهم، فاختاروا القتلَ.
﴿وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ﴾ أي: المشركين، أي: وإِن أنالَ الكفارَ من المؤمنين، فهو
لا يُحِبُّهم، وإن أحلَّ أَلَماً بالمؤمنين؛ فإنه يُحِبُّ المؤمنين.
(١) في مطبوع البخاري: أغر، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٧٥/٧: كذا للكشميهني، بغين معجمة
وراء، ولغيره بالمهملة و الزاي.
(٢) صحيح البخاري (٤٠٧٨).
(٣) أورد نحوه الطبرسي في مجمع البيان ٢/ ٢٢٠ عن أبي جعفر الباقر ﴾.
(٤) في النسخ: ولم يرد، والمثبت من (م).
(٥) في (خ) و (د) و (م): عام.
(٦) في السنن (١٥٦٧).
٣٣٨
سورة آل عمران: الآيتان ١٤١ - ١٤٢
قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ
فيه ثلاثةُ أقوال:
يُمَخِّص : يختبر.
الثاني: يُطَهِّر، أي: من ذنوبهم، فهو على حذف مضاف. المعنى: ولِيُمَخِّصَ الله
ذنوبَ الذين آمنوا، قاله الفرّاء (١).
الثالث: يُمَخِّص: يُخَلِّص، فهذا أغْرَبُها(٢).
قال الخليل: يقال: مَحِصَ الحبلُ يَمْحَص مَخصاً: إذا انقطع وَبَرُه، ومنه: اللّهم
مَحِّصْ عنَّا ذنوبَنا، أي : خَلِّصْنا من عقوبتها.
وقال أبو إسحاق الزَّجَّاج(٣): قرأتُ على محمد بن يزيد، عن الخليل:
التمحيص (٤): التخليص. يقال: مَحَصَه يَمْحَصُه مَخْصاً: إِذا خلَّصه، فالمعنى عليه:
ليبتليَ المؤمنين، لِيُثِبَهم ويُخَلِّصَهم من ذنوبهم. ﴿وَيَمْحَقَ الْكَفِينَ﴾ أي: يستأصلَهم
بالهلاك.
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ
﴾
١٤٢
وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ
((أم)) بمعنى بل. وقيل: الميم زائدة، والمعنى: أَحَسِيتُم يا مَنْ انهزمَ يومَ أُحد أن
تدخلوا الجنةَ كما دخل الذين قُتلوا وصبروا على أَلَم الجراح والقتل من غير أن
تَسْلُكُوا طريقَهم وتصبِروا صبرَهم؟ لا، حتى ﴿يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ﴾ أي: عِلْمَ
شهادة حتى يقعَ عليه الجزاء.
والمعنى: ولم تُجاهدوا فيعلمَ ذلك منكم؛ فـ ((لما)) بمعنى ((لم)).
(١) انظر معاني القرآن له ٢٣٥/١.
(٢) في إعراب القرآن للنحاس ٤٠٨/١ -٤٠٩ (والكلام منه): وهذا أعرفها.
(٣) في معاني القرآن ١/ ٤٧٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معانى القرآن ٤٨٣/١ - ٤٨٤.
(٤) في معاني القرآن للزجاج: المَخْص .
٣٣٩
سورة آل عمران: الآيتان ١٤٢ - ١٤٣
وفرَّق سيبويه بين (لم)) و((لما))(١)، فزعمَ أن ((لم يفعلْ)) نَفْي فَعَل، وأن ((لَمّا يفعلْ))
نَفْي قد فَعَل ..
﴿وَيَعْلَمَ الضَّبِينَ﴾ منصوب بإضمار أنْ، عن الخليل. وقرأ الحسن ويحيى بن
يَعْمَر: ((يَعْلَمِ الصَّابرين)) بالجزم على النَّسق(٢). وقُرئ بالرفع على القطع، أي: وهو
يعلم. ورَوَى هذه القراءةَ عبدُ الوارث عن أبي عمرو (٣). وقال الزَّجَّاج(٤): الواو هنا
بمعنى ((حتى))، أي: ولمَّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم حتى يعلمَ صبرَهم، كما تقدَّم
آنفاً.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوَّنَ اُلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَّدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ
تَنْظُرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اُلْمَوْتَ﴾ أي: الشهادةَ من قبل أن تَلْقَوه. وقرأ
الأعمش: ((مِنْ قبلٍ أَنْ تُلاقُوهُ))(٥) أي: من قبل القتل. وقيل: من قبل أن تَلْقَوا أسبابَ
الموت؛ وذلك أن كثيراً ممن لم يحضر(٦) بدراً كانوا يَتَمنَّون يوماً يكون فيه قِتال، فلما
كان يومُ أُحُد انهزموا، وكان منهم مَن تجلَّد حتى قُتل(٧)، ومنهم أنس بن النَّصْر عمّ
أنس بن مالك، فإنه قال لما انكشفَ المسلمون: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به
هؤلاء، وباشرَ القتال وقال: إيهاً، إنها ريح الجنة! إني لأَجدُها. ومضى حتى
استُشهد. قال أنس: فما عَرَفناه إلا بِنَانه، ووجدنا فيه بضعاً وثمانين جراحة. وفيه وفي
(١) انظر الكتاب ٢٢٠/٤ و٢٢٣.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٩/١. ونقل المصنف عنه قول سيبويه السالف. وقراءة الحسن أوردها ابن
خالويه في القراءات الشاذة ص٢٢ .
(٣) القراءات الشاذة ص٢٢ .
(٤) ينظر معاني القرآن له ١/ ٤٧٢ .
(٥) لم نقف على من نسب هذه القراءة للأعمش غير المصنف، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص٢٢ ليحيى وإبراهيم والزهري، ونسبها ابن جني في المحتسب ١٦٧/١ لإبراهيم وحده .
(٦) في (م): يحضروا.
(٧) انظر تفسير الطبري ٦/ ٩٣.
٣٤٠
سورة آل عمران: الآيتان ١٤٣ - ١٤٤
أمثاله نزل: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ﴾ (١) [الأحزاب: ٢٣].
فالآية ◌ِتَابٌ في حقٍّ من انهزمَ، لاسيّما وكان منهم حَمْلٌ للنبيِّ لَ﴾ على الخروج
من المدينة، وسيأتي.
وتَمنِّي الموتِ يرجِعُ من المسلمين إلى تَمنِّي الشهادة المبنيَّة على الثَّبات والصَّبر
على الجهاد، لا إلى قتل الكفار لهم(٢)؛ لأنه معصيةٌ وكفرٌ، ولا يجوزُ إرادةٌ
المعصية، وعلى هذا يُحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقَهم الشهادةَ، فيسألون
الصبر على الجهاد، وإن أدَّى إلى القتل.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾ قال الأخفش(٣): هو تكريرٌ بمعنى التأكيد لقوله:
((فقد رَأَيْتُمُوهُ))، مثل: ﴿وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِحَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقيل: معناه: وأنتم
بُصَرَاءُ ليس في أعينكم عِلَلٌ، كما تقول: قد رأيتَ كذا وكذا، وليس في عينيك
عِلّة(٤)، أي: فقد رأيته رؤية حقيقة، وهذا راجعٌ إلى معنى التوكيد. وقال بعضهم:
((وأنتم تنظرون)) إلى محمد ﴿. وفي الآية إضمارٌ، أي: فقد رأيتموه وأنتم تنظرون،
فلِمَ انهزمتم (٥)؟.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتْلَ
أَنْقَلَبْتُمْ عَّ أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللَّهُ
الشَّكِرِينَ
١٤٤
فيه خمس مسائل :
الأولى: رُوِيّ أنه نزلت بسبب انهزام المسلمين يومَ أَحُد حين صاح الشيطان: قد
(١) أخرجه أحمد (١٣٠١٥)، والبخاري (٢٨٠٥)، ومسلم (١٩٠٣) بنحوه. وقوله: إيهاً، لم يرد في (د)
و(ظ)، وعند أحمد والبخاري ومسلم: واهاً، وهي كلمة تحثُّن وتَلَّهُّف ينظر شرح النووي على مسلم
٤٨/١٣ .
(٢) لفظة: لهم، ليست في (ظ).
(٣) انظر معاني القرآن له ٤٢١/١-٤٢٢.
(٤) في (ظ): وجع .
(٥) انظر معاني القرآن للزجاج ١/ ٤٧٣، وزاد المسير ٤٦٨/١ - ٤٦٩.