Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ سورة آل عمران: الآية ١٠٣ مُتَدَاخل، فإنَّ اللّه تعالى يأمرُ بالأُلفة، وينهى عن الفُرْقة، فإنَّ الفُرقةَ هَلَكَةٌ، والجماعةَ نجاٌ. ورحم اللهُ ابنَ المبارك حيث قال: منه بعُرْوتَهِ الوُثْقَى لمَنْ دَاناً (١) إنَّ الجماعةَ حَبْلُ اللّهِ فَاعْتَصِمُوا الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ يعني في دينكم كما افترقتِ اليهودُ والنصارى في أديانهم. عن ابن مسعود وغيره. ويجوز أن يكون معناه: ولا تفرَّقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة، وكونوا في دين الله إخواناً، فيكون ذلك مَنْعاً لهم عن التقاطع والتدابر، ودلَّ عليه ما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَِّ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمُ بِنِعْمَتِهِ، إِخْوَانً﴾. وليس فيه دليلٌ على تحريم الاختلاف في الفروع، فإنَّ ذلك ليس اختلافاً، إذٍ الاختلافُ ما يتعذّر معه الائتلافُ والجمعُ، وأمّا حكم مسائل الاجتهاد، فإنَّ الاختلافَ فيها سببٌ لاستخراج (٢) الفرائض ودقائق معاني الشرع، وما زالت الصحابةُ يختلفون في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون. وقال رسول اللّه ﴾: ((اختلافُ أُمَّتي رحمة))(٣) وإنما منع اللّهُ اختلافاً هو سببُ الفساد(٤). رَوَى الترمذيُّ عن أبي هريرة أنَّ رسول اللّهِ﴾ قال: ((تَفَرَّقَتِ اليهودُ على إحدَى وسَبعينَ فِرْقَةً، أو اثنتين وسبعين فِرْقةً، والنصارى مثلَ ذلك، وتفترقُ أمتي على (١) أورده ابن عبد البر في التمهيد ٢٧٥/٢١ ضمن ثلاثة أبيات. (٢) في (م): بسبب استخراج. (٣) لم نقف عليه مسنداً بهذا اللفظ، وقال السيوطي في الجامع الصغير (٢٨٨): ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا. وأورده ملّ علي القاري في الأسرار المرفوعة (١٧) وقال: زعم كثير من الأئمة أنه لا أصل له، لكن ذكره الخطابي في غريب الحديث مستطرداً، وأشعر بأن له أصلاً عنده. وأورده السخاوي في المقاصد الحسنة (٣٩) وقال: رواه البيهقي في: المدخل [١٥٢] من حديث سليمان بن أبي كريمة، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -: « ... واختلاف أصحابي لكم رحمة)). ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني والديلمي في مسنده، وجويبر ضعيف جداً، والضحاك عن ابن عباس منقطع وانظر كشف الخفاء ٦٦/١. (٤) انظر المحرر الوجيز ١ / ٤٨٤ . ٢٤٢ سورة آل عمران: الآية ١٠٣ ثلاثٍ وسبعينَ فِرْقةً)). قال الترمذيُّ: هذا حديث صحيح(١). وأخرجه أيضاً عن ابن عمرو (٢) قال: قال رسول اللّه ﴾: «لَيَأْتِينَّ على أُمَّتي ما أَتَّى على بني إسرائيلَ، حَذْوَ الثَّعْلِ بالنَّعْلِ، حتى إنْ(٣) كانَ منهم مَنْ يأتي أُمَّهُ عَلانيةً، لكان من أُمَّتِي مَنْ يصنعُ ذلك، وإنَّ بني إسرائيلَ تَفَرَّقتْ ثِنتينِ (٤) وسَبعينَ مِلَّةٌ، وتَفْتَرِقُ أُمَّتي على ثلاثٍ وسبعينَ مِلَّةً، كلُّهم في النَّار إلَّا مِلَّةً واحدة)). قالوا: مَنْ هيَ يا رسولَ الله؟ قال: ((مَا أنا عليهِ وأصحابي)). أخرجه من حديث عبد الرحمن(٥) بن زياد الإفريقيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ، عن ابن عمرو، وقال: هذا حديثٌ مُفَسَّرٌ(٦) غريبٌ، لا نعرفه إلَّا مِن هذا الوجه(٧). قال أبو عمر: وعبد الرحمن(٨) الإفريقي ثِقةٌ، وَثَّقه قومُه وأثنَوا عليه، وضعَّفه آخرون(٩). وأخرجه أبو داود في سننه من حديث معاوية بن أبي سفيانَ، عن النبيِّ ﴿ قال: ((ألا إنَّ مَنْ قبلَكم مِنْ أهلِ الكتابِ افترقُوا على ثنتينٍ(١٠) وسبعينَ مِلَّةٌ، وإنَّ هذه المِلَّةِ(١١) ستفترقُ على ثلاثٍ وسبعينَ؛ ثنتان وسبعونَ في النار، وواحدةٌ في الجنة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج مِنْ أُمَّتي أقوامٌ تَجارَى بهم (١٢) تلك الأهْواءُ كما يتجَارَى (١) سنن الترمذي (٢٦٤٠). وأخرجه أيضاً أحمد (٨٣٩٦)، وأبو داود (٤٥٩٦)، وابن ماجه (٣٩٩١). (٢) في النسخ: عمر، وهو خطأ. والمثبت من سنن الترمذي (٢٦٤١). وانظر تحفة الأشراف ٦/ ٣٥٤. (٣) في (م) ونسخة في (٥): لو. (٤) في (د) و (م): اثنتين. (٥) في (م) و (د): عبدالله، وهو خطأ. (٦) في (د) و (م): حسن، وفي (خ): حسن مفسر. (٧) سنن الترمذي (٢٦٤١). وأخرجه أيضاً اللالكاتي في شرح أصول الاعتقاد (١٤٧). (٨) في (د) و (م): عبدالله، وهو خطأ، وسقط من (ظ). (٩) قال الذهبي في الميزان ٢/ ٥٦٢: وكان البخاري يقوي أمره، وقال يحيى: ليس به بأس وقد ضعِّف، وقال أحمد: ليس بشيء نحن لا نروي عنه شيئاً، وقال النسائي: ضعيف، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال ابن حبان فأسرف: يروي الموضوعات عن الأثبات. (١٠) في (د): اثنين، وفي (م): اثنتين. (١١) ليست في (د)، وفي (ظ) و(خ): الأمة. (١٢) في النسخ الخطية: بينهم، والمثبت من (م) وهو الموافق لسنن أبي داود. ٢٤٣ سورة آل عمران: الآية ١٠٣ الكَلَبُ بصاحبه، لا يَبْقَى منه عِرْقٌ ولا مِفِصَلٌ إلا دخله))(١). وفي سنن ابنِ ماجه: عن أنسٍ بنِ مالك قال: قال رسول اللّه ◌ِ﴾: ((مَنْ فَارِقَ الدُّنيا على الإخلاصِ للهِ وحدَه، وعبادِه لا شريكَ له، وإقام الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، ماتَ واللّهُ عنه راضٍ)). قال أنس: وهو دِينُ اللّهِ الذي جاءتَ به الرسلُ، وبَلَّغوهُ عن ربهم قَبْلَ هرج الأحاديثِ، واختلافِ الأهْوَاء، وتصديقُ ذلك في كتاب اللّه في آخر ما نَزَل، يقولُ اللّهُ: ﴿فَإِن تَابُوا﴾ قال: خلعوا الأوثانَ وعبادتَها ﴿وَأَقَامُواْ الضَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [التوبة: ٥]، وقال في آيةٍ أُخرى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الضَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَنُّكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. أخرجه عن نَصْر بن عليٍّ الجَهْضَمِيِّ، عن أبي أحمد، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنس، عن أنس(٢). قال أبو الفرج الجَوْزيُّ(٣): فإن قيل: [هل] هذه الفِرَقُ معروفة؟ فالجواب: أنَّا نعرف الافتراقَ وأصولَ الفِرَق، وأنَّ كلَّ طائفة من الفِرَق انقسمت إلى فِرَق، وإنْ لم نُحِظ بأسماءِ تلك الفِرَق ومذاهبِها، فقد ظهر لنا من أصول الفِرَق: الحَرُوريَّة، والقَّدَرِيَّة، والجَهْمِيَّة، والمُرْجِئة، والرَّافِضَة، والجَبْرِيَّة. وقال بعضُ أهلِ العلم: أصلُ الفِرقِ الضَّالَّةِ هذه الفِرَقُ السِّتُّ، وقد انقسمتْ كلُّ فِرْقةٍ منها [على] اثنتي عَشْرَةَ فِرْقة، فصارتِ اثنتينٍ وسبعينَ فِرْقة. انقسمت الحَرُورِيَّةُ(٤) اثنتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةٌ : (١) سنن أبي داود (٤٥٩٦)، وهو في مسند أحمد (١٦٩٣٧) قوله: تَجارى بهم تلك الأهواء ... أي: يتواقعون في الأهواء الفاسدة، ويتداعون فيها، تشبيهاً بجري الفرس، والكلَب - بالتحريك - داء يعرض للكلب فمن عضّه قتله. النهاية (جرى) .. (٢) سنن ابن ماجه (٧٠). وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك ٣٣١/٢ - ٣٣٢ وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٨٥٦) قال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢٤): هذا إسناد ضعيف، الربيع بن أنس ضعيف هنا. (٣) في تلبيس إبليس ص ٢٠ وما بعدها، وما بين حاصرتين منه. (٤) الحرورية: هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين عليٍّ ﴾ حين جرى أمر المحكّمين، واجتمعوا بحروراء من ناحية الكوفة، ورأسهم عبدالله بن الكوَّاء، وعتّاب بن الأعور، وعبدالله بن وهب الراسبي، وعروة ابن جرير، ويزيد بن أبي عاصم المحاربي، وحُرْقُوص بن زهير البجلي المعروف بذي النُّدَيَّة. الملل والنحل ١١٥/١ . ٢٤٤ سورة آل عمران: الآية ١٠٣ فأوَّلهم الأزْرقِيَّةِ(١): قالوا: لا نعلمُ أحداً مؤمناً، وكفَّروا أهلَ القِبْلة إلَّا مَنْ دانَ بقولهم. والإباضيَّة(٢): قالوا: مَنْ أَخذَ بقولنا فهو مؤمن، ومَنْ أعرضَ عنه فهو منافق. والثعلبيَّةَ (٣): قالوا: إنَّ اللّه عزَّ وجلَّ لم يقضٍ ولم يُقَدِّر. والحازِمِيَّةَ(٤): قالوا: لا ندري ما الإيمانُ، والخلقُ كلُّهم معذورون. والخَلَفِية(٥): زعموا أنَّ مَنْ تركَ الجهادَ مِنْ ذَكَر أو أنثى كَفَّرَ. والمَكْرَميَّة(٦): قالوا: ليس لأحدٍ أنْ يَمسَّ أحداً لأنه لا يعرفُ الطاهر من النَّجِس، ولا أنْ يؤاكلَه حتى يتوبَ ويغتسلَ. والكَنْزِيَّة: قالوا: لا يَسَعُ أحداً (٧) أنْ يُعطيَ مالَه أحداً؛ لأنه ربَّما لم يكن مستحقّاً، بل يَكْنِزُه في الأرض حتى يظهرَ أهلُ الحقِّ. والشمراخِيَّة(٨): قالوا: لا بأسَ بمسِّ النساء الأجانب، لأنهنَّ رَياحين. (١) الأزرقيَّة: أصحاب أبي راشد نافع بن الأزرق، خرج في أواخر دولة يزيد بن معاوية، إلى أن كان قتلُه في جمادى الآخرة سنة (٦٥هـ)، له أسئلة عن ابن عباس مجموعة في جزء. لسان الميزان ٢٤٧/٨ ، والملل والنحل ١١٨/١. (٢) الإباضيَّة: أصحاب عبدالله بن إباض. قال الزركلي في الأعلام ٤/ ٦١: اضطرب المؤرخون في سيرته وتاريخ وفاته، وكان معاصراً لمعاوية، وعاش إلى أواخر أيام عبد الملك بن مروان. (٣) الثعلبيَّة: ويقال: الثعالبة، وهم أصحاب ثعلبة بن عامر، وقيل: ثعلبة بن مشكان. انظر الملل والنحل ١٣١/١، والفرق بين الفرق ص ٨٠ . (٤) الحازميَّة: أصحاب حازم بن علي. الملل ١٣١/١. وفي (د) و(ظ) و(م): الخازميَّة. وكذا في مقالات الإسلاميين ص١٧٩ ولم ينسبها. والمثبت من (خ) وتلبيس إبليس. (٥) الخّلَفيَّة: أصحاب خَلَف الخارجي، وهم من خوارج كرمان ومكران. الملل والنحل ١٣٠/١، والفرق بین الفرق ص٧٥ . (٦) في (خ) و (د) و(م): الكوزية. وفي (ظ): الكروية. والمثبت من تلبيس إبليس ص٢١. والمّكْرَميَّة: أصحاب مَكْرَم بن عبدالله العجلي. الملل والنحل ١٣٣/١. (٧) في تلبيس إبليس ص ٢٢: لا ينبغي لأحد. (٨) الشمراخيّة: نسبة إلى عبدالله بن شمراخ. مقالات الإسلاميين ص١٩٨. ٢٤٥ سورة آل عمران: الآية ١٠٣ والأخَسيَّةَ(١): قالوا: لا يلحقُ الميتَ بعد موته خيرٌ ولا شرٌ. والحكميَّة(٢): قالوا: مَنْ حَاكَمَ إلى مخلوقٍ فهو كافرٌ. والمعتزلة [من الحرورية]: قالوا: اشتبهَ علينا أمرُ عليٍّ ومعاوية، فنحن نتبرَّأُ من الفريقين. والميمونية(٣): قالوا: لا إمامَ إلا برضا أهلٍ محبَّتنا. وانقسمت القَدَرِيَّة اثنتَيْ عَشْرَةً فِرْقَةٌ : الأحمرية: وهي التي زعمت أنَّ في شرط العَدلِ منَ اللّه أنْ يُملّكَ عبادَه أمورَهم، ويحولَ بينهم وبين معاصيهم. والتَّنَويَّة: وهي التي زعمت أنَّ الخيرَ منَ اللّه، والشرَّ منَ الشيطان. والمعتزلة(٤): وهم الذين قالوا بخلقِ القرآن وجحدوا صفاتِ الرُّبوبيَّة. والكَيْسانية(٥): وهم الذين قالوا: لا ندري هذه الأفعال منَ اللّهِ أو منَ العباد، ولا نعلمُ أيثابُ الناسُ بعد [الموت] أو يعاقبون. والشيطانيَّة(٦): قالوا: إنَّ اللّه تعالى لم يخلقِ الشيطانَ. (١) الأخنسية: أصحاب أخنس بن قيس. الملل والنحل ١٣٢/١، ومقالات الإسلاميين ص٩٨، والفرق بين الفرق ص٨١. (٢) في تلبيس إبليس: المحكّمية. (٣) الميمونية: أصحاب ميمون بن خالد، وهو رجل من أهل بلخ. الملل والنحل ١٢٩/١، ومقالات الإسلامیین ص٩٥ . (٤) المعتزلة: ويقال لهم: الواصلية، والقدرية والعدلية. وهم أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزّال، مولده سنة ثمانين بالمدينة، وكان تلميذ الحسن البصري، وطرده عن مجلسه لما قال: الفاسق لا مؤمن ولا كافر، فانضم إليه عمرو بن عبيد، واعتزلا حلقة الحسن، فسموا المعتزلة. مات سنة إحدى وثلاثين ومئة. انظر سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٦٤، والملل والنحل ٤٣/١ و ٤٦ . (٥) هم أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي، الذي قام بثأر الحسين بن علي، وقتل أكثر الذين قتلوا حسيناً بكربلاء، وكان المختار يقال له كيسان، وقيل: إنه أخذ مقالته عن مولى لعلي # اسمه كيسان، قتل سنة (٦٧ هـ). الفرق بين الفرق ص٢٧. والملل والنحل ١٤٧/١، ومقالات الإسلاميين ص١٨، والأعلام ٧/ ١٩٢ . (٦) الشيطانية: ويقال لهم: النعمانية، وهم أتباع محمد بن النعمان الرافضي أبي جعفر الأحول الملقب بشيطان الطاق. والشيعة تقول: هو مؤمن الطاق. وهو تلميذ الباقر محمد بن علي بن الحسين. انظر الملل ١٨٦/١. ٢٤٦ سورة آل عمران: الآية ١٠٣ والشَّريكيَّة: قالوا: إنَّ السيئاتِ كلَّها مقدَّرَةٌ إلَّ الكفر. والوَهْمِيَّة: قالوا: ليس لأفعالِ الخلقِ وكلامهم ذاتٌ، ولا للحسنةِ والسيئةِ ذاتٌ. والرَّاوندية(١): قالوا: كلُّ كتابٍ نزلَ من عندِ اللّه فالعملُ به حقٌّ، ناسخاً كانَ أو منسوخاً. والبُتْرِيَّة(٢): زعموا أنَّ مَنْ عصى ثم تابَ، لم تقبلْ توبتُه. والناكِثِيَّة: زعموا أنَّ مَنْ نَكَثَ بيعةَ رسولِ اللّه ◌َ﴿ فلا إثمَ عليه. والقاسِطيّة: [فضّلوا طلب الدنيا على الزهد فيها. والنَّظّاميّة(٣)]: تبعوا إبراهيم بن النَّام في قوله: مَنْ زعمَ أنَّ اللّه شيءٌ فهو كافرٌ. وانقسمت الجَهْميَّةِ (٤) اثنتَي عَشْرَةً فرقةً: المعطّلة: زعموا أنَّ كلَّ ما يقع عليه وهمُ الإنسان فهو مخلوقٌ، وأنَّ من ادَّعى أنَّ الله یُری فهو كافرٌ. والمَرِيسيَّة(٥)، قالوا: أكثرُ صفاتِ اللّه تعالى مخلوقٌ. (١) في (د) و(م): الزبرية. وفي (ظ) و (خ): الزبوندية. والمثبت من تلبيس إبليس ص ٢٢ . والراوندية نسبة إلى أحمد بن يحيى أبي الحسين بن الراوندي، كان من متكلمي المعتزلة، ثم تزندق، واشتهر بالإلحاد. لسان الميزان ٣٢٣/١ - ٣٢٤، الأعلام ١/ ٢٦٧ . (٢) في (خ) و (ظ): المنبرية. وفي (م): المسعدية. والمثبت من تلبيس إبليس ص٢٢ . والبُتْرِية: أصحاب الحسن بن صالح بن حيّ، وأصحاب كثير النوَّاء الملقب بالأبتر. وهي فرقة من الزيدية. انظر مقالات الإسلاميين ١٤٤/١، والفرق بين الفرق ص٢٤ . (٣) ما بين حاصرتين من تلبيس إبليس ص٢٢ . والنَّظامية: أتباع أبي إسحاق إبراهيم بن سيَّار المعروف بالنّظَّام، والمعتزلة يوهمون أنه كان نظَّماً للكلام المنثور والشعر الموزون، وإنما كان ينظم الخرز في سوق البصرة، ولأجل ذلك قيل له: النَّظّام .. وأكثر المعتزلة متفقون على تكفير النَّظَّام، وإنما تبعه في ضلالته شرذمة من القدرية. له تصانيف جمّة، ورد أنه سقط من غرفة وهو سكران، فمات سنة بضع وعشرين ومئتين. الفرق بين الفرق ص١١٣، والسير ٥٤١/١٠ . (٤) الجَهْمية: أصحاب جَهْم بن صفوان، أبو محرز الراسبي مولاهم، السمر قندي، أسُّ الضلالة، كان صاحب ذكاء وجدال، قتل سنة (١٢٨ هـ). الملل والنحل ص٨٦، والسير ٢٦/٦ . (٥) المريسية: هم أتباع بشر بن غياث المريسي، أبو عبد الرحمن، كان من كبار الفقهاء، وجرّد القول بخلق القرآن ودعا إليه، مات آخر سنة (٢١٨ هـ). السير ١٩٩/١٠، والفرق بين الفرق ص١٩٢. ٢٤٧ سورة آل عمران: الآية ١٠٣ والملتزقة(١): جعلوا الباري سبحانه في كل مكان. والوَارِدِيَّة: قالوا: لا يدخلُ النارَ مَنْ عَرف ربَّه، ومَنْ دخلَها لم يخرج منها أبداً. والزنَادِقَةِ(٢): قالوا: ليس لأحدٍ أنْ يُثبتَ لنفسه ربّاً، لأنَّ الإثباتَ لا يكون إلا بعد إدراكِ الحواس، [ وما يُدرك فليس بإله](٣) وما لا يُدرَك لا يثبت. والحَرْقِيَّة: زعموا أنَ الكافرَ تَحرُه النارُ مرَّةً واحدةً، ثم يَبْقَى محترقاً أبداً لا يجدُ حرَّ النار. والمخْلُوقية: زعموا أنَّ القرآنَ مخلوقٌ. والفانيّة: زعموا أنَّ الجنَّةَ والنارَ يفنيان، ومنهم مَنْ قال: لم يُخلقا. والمغيريَّةِ(٤): جحدوا الرسلَ، وقالوا: إنما هم حكماء. والواقفيَّة، قالوا: لا نقول إنَّ القرآن مخلوقٌ ولا غيرَ مخلوق. والقَبْريَّة: يُنكرون عذاب القبرِ والشفاعةً. واللفظيَّة: قالوا: لَفْظُنا بالقرآن مخلوقٌ. وانقسمتِ المُرْجِئَةُ اثنتَيْ عَشْرَةَ فِرْقة: التَّارِكِيَّة: قالوا: ليس للهِ عزَّ وجلَّ على خلقه فريضةٌ سِوى الإيمان به، فمَنْ آَمنَ به فليفعل ما شاء. والسَّائِيَّة: قالوا: إنَّ اللّه تعالى سيَّبَ خلقَه ليفعلوا ما شاؤوا. والراجِيَّة: قالوا: لا يُسمَّى الطائعُ طائعاً ولا العاصي عاصياً، لأنّا لا ندري مآله عند الله تعالى. (١) في تلبيس إبليس: الملتزمة. (٢) في (ظ): الزبارقة . (٣) ما بين حاصرتين من تلبيس إبليس ص ٢٣ . (٤) في (د) و (م): العبدية. وفي (ظ): العمرية، وفي (خ): العيرية. والمثبت من تلبيس إبليس. والمغيرية: أصحاب المغيرة بن سعيد العجلي، أبو عبدالله الكوفي الكذاب، قال الجوزجاني: قُتل على ادعاء النبوة في حدود (١٢٠ هـ). لسان الميزان ١٢٩/٨، والملل والنحل ١٧٦/١. ٢٤٨ سورة آل عمران: الآية ١٠٣ والشَّاكِيّة(١): قالوا: الطاعةُ ليست منَ الإيمان. والبيْهسية(٢). قالوا: الإيمانُ عِلْمٌ، ومَنْ لا يعلمُ الحقَّ منَ الباطل، والحلالَ منَ الحرام، فهو كافرٌ. والعَمَلِيَّةِ: قالوا: الإيمان عَملٌ. والمَنْقُوصِيَّة: قالوا: الإيمانُ لا يزيدُ ولا ينقصُ. والمسْتَثْنِيّة: قالوا: الاستثناء منَ الإيمان. والمشبِّهة: قالوا: بَصَرٌ كبصرٍ، ويَدٌ كيدٍ(٣). والحَشَويّة: قالوا: حكم الأحاديث كلِّها واحدٌ، فعندهم أنَّ تاركَ النفل كتارك الفرض. والظاهِرِيّة: الذين نفوا القياس. والبِذْعيَّة: أوَّلُ منِ ابتدعَ الأحداثَ في هذه الأمّة. وانقسمت الرافضةُ اثنتي عشرة فرقة: العَلَويَّةِ: قالوا: إنَّ الرسالةَ كانت إلى عليٍّ، وإنَّ جبريلَ أخطأً. والأمْرِيَّة: قالوا: إنَّ عليّاً شريكُ محمدٍ في أمره. والشّيعة: قالوا: إنَّ عليّاً ﴾ه وصِيُّ رسولِ الله ﴾، ووَليُّه من بعده، وإنَّ الأُمَّةَ كفرتْ بمبايعةِ غيره. والإسحاقيَّة(٤) قالوا: إنَّ النبوّة متصلةٌ إلى يوم القيامة، وكلُّ مَنْ يعلمُ علمَ أهلٍ (١) في (د) و (م) : السالبية. والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لكتاب تلبيس إبليس، والكلام منه. (٢) في (د) و(م): البهيشية. وفي (ظ). السمتية. والمثبت موافق لكتاب تلبيس إبليس. والبيهسية: أصحاب أبي بَيْهس الهيصم بن جابر، أحد بني سعد بن ضبيعة، طلبه الحجاج أيام الوليد، فهرب إلى المدينة. الملل ١٢٥/١، والأعلام ١٠٥/٨ . (٣) في تلبيس إبليس ص٢٣: يقولون: لله بصرٌ كبصري، ويَدٌ گيدي. (٤) الإسحاقية: نسبة إلى إسحاق بن محمد النخعي الأحمر، كذاب مارق من الغلاة، وكان خبيث المذهب، يقول: إن علياً هو الله، مات سنة (٢٨٦هـ). تاريخ بغداد ٢٩٠/٣، وتلبيس إبليس ص٩٤، ولسان الميزان ٧١/٢ . ٢٤٩ سورة آل عمران: الآية ١٠٣ البيت فهو نبيٌّ. والناؤُوسّة (١): قالوا: عليٍّ أفضلُ الأُمة، فمَنْ فضَّلَ غيرَه عليه فقد كفرَ. والإماميَّة: قالوا: لا يمكنُ أنْ تكونَ الدنيا بغير إمام من وَلَدِ الحسين، وإنَّ الإمامَ يُعَلِّمُه جبريلُ عليه السلام، فإذا ماتَ بدّل غيره مكانه. والزيدِيّة(٢): قالوا: وَلَدُ الحسين كلُّهم أئمةٌ في الصلوات، فمتى وُجد منهم أحدٌ لم تَجُزِ الصلاةُ خلفَ غيرهم، بَرِّهم وفاجرِهم. والعبَّاسيَّة: زعموا أنَّ العبَّاسَ كان أولى بالخلافة من غيره. والتناسخية: قالوا: الأرواحُ تتناسخ، فمَنْ كان مُحسناً خرجتْ روحُه، فدخلت في خلق یسعد بعیشه. والرَّجعية: زعموا أنَّ عليّاً وأصحابَه يرجعون إلى الدنيا، وينتقمون من أعدائهم. واللاعِنَة: يلعنون عثمان وطلحة والزُّبير ومعاويةً وأبا موسى وعائشةً وغيرهم. والمتربِّصة: تشبَّهوا بزيّ النُّساك، ونصبوا في كل عَصْرِ رجلاً ينسُبون إليه الأمر، ويزعمون أنه مَهْدِيُّ هذه الأُمة، فإذا ماتَ نصبوا آخر. ثم انقسمت الجَبْريَّة اثنتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةٌ، فمنهم: المضطرية(٣): قالوا: لا فعلَ للآدميِّ، بل اللّهُ يفعل الكُلَّ. والأفعالية: قالوا: لنا أفعالٌ، ولكن لا استطاعة لنا فيها، وإنما نحن كالبهائم نُقاد بالحبل. والمفروغيَّة: قالوا: كلُّ الأشياء قد خُلقت، والآن لا يُخلقُ شيءٌ. (١) الناووسية: أتباع رجل يقال له: ناووس. وقيل: نسبوا إلى قرية ناووسا، وقيل: إلى رجل من أهل البصرة يقال له: عجلان بن ناوس. الملل والنحل ١٦٦/١، ومقالات الإسلاميين ص ٢٥ . (٢) الزيدية: أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين الهاشمي العلوي المدني، أخو أبي جعفر الباقر، كان ذا علم وجلالة وصلاح، استشهد سنة (١٢٢ هـ). السير ٣٨٩/٥، والملل والنحل ١٥٤/١ . (٣) في (د) وتلبيس إبليس ص٢٤: المضطربة. ٢٥٠ سورة آل عمران: الآية ١٠٣ والنجاريّة(١): زعمتْ أنَّ اللّه تعالى يُعذِّب الناسَ على فِعْلِه، لا على فِعْلِهم. والمنّانِيَّة: قالوا: عليك بما يخطر بقلبك، فافْعَلْ ما توسَّمتَ منه الخيرَ. والكَسْبية: قالوا: لا يكتسبُ العبدُ ثواباً ولا عقاباً. والسَّابقية: قالوا: مَنْ شاءَ فليعملْ، ومَنْ شاءَ لا(٢) يعمل، فإنَّ السعيدَ لا تضرُّه ذنوبُه، والشَّقيَّ لا ينفعُه بِرُّه. والحِبِّة: قالوا: مَنْ شربَ كأسَ محبَّةِ اللّه تعالى سقطتْ عنه عبادةُ الأركان. والخَوْفيّة: قالوا: مَنْ أحبَّ اللّه تعالى لم يسعْهُ أنْ يخافَه، لأنَّ الحبيبَ لا يَخافُ حبيبه. والفكريَّة(٣): قالوا: مَنِ ازدادَ عِلماً أُسقط عنه بقدر ذلك منَ العبادة. والخشبية(٤): قالوا: الدُّنيا بين العبادِ سواءٌ، لا تفاضُلَ بينهم فيما ورَّثَهم أبوهم آدمُ. والمنّة: قالوا: مِنَّا الفعل، ولنا الاستطاعةُ. وسيأتي بيانُ الفِرقة التي زادت في هذه الأمة في آخر سورة الأنعام(٥) إن شاء اللّهُ تعالی. وقال ابن عباس لِسِمَاك الحنفيّ(٦): يا حنفيّ، الجماعةَ الجماعةَ، فإنَّما هلكتِ الأممُ الخاليةُ لتفرُّقها؛ أما سمعتَ اللّه عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾. (١) النجارية: أصحاب الحسين بن محمد النجار، أحد كبار المتكلمين، له مناظرة مع النظام، وله مصنفات. السير ٥٥٤/١٠، والملل والنحل ٨٨/١ . (٢) في النسخ الخطية: لم. والمثبت من تلبيس إبليس ص٢٤ والكلام منه. (٣) في (د): الفركية. (٤) في تلبيس إبليس: الخسية. وقال ابن الأثير في النهاية (خشب): هم أصحاب المختار بن أبي عبيد، ويقال لضرب من الشيعة الخشبية، قيل: لأنهم حفظوا خشبة زيد بن علي حين صلب، والوجهُ الأول. (٥) في تفسير الآية (١٥٣) منها. (٦) هو سماك بن الوليد المحدّث أبو زُميل الحنفي اليمامي، نزيل الكوفة. سير أعلام النبلاء ٢٤٩/٥ . ٢٥١ سورة آل عمران: الآية ١٠٣ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّـه ﴿ .: ((إِنَّ اللّهَ يَرْضَى لكم ثلاثاً، ويَكْرَهُ لكم ثلاثاً: يَرْضَى لكم أنْ تَعبدُوه ولا تُشركوا به شيئاً، وأنْ تَعتصموا بحبلِ اللّهِ جميعاً ولا تفرقوا، ويَكْرَهُ لكم ثلاثاً: قيلَ وقالَ، وكثرةَ السؤال، وإضاعةً المال)»(١). فأوجبَ تعالى علينا التمسُّكَ بكتابه وسنةٍ نبيِّه، والرجوعَ إليهما عند الاختلاف، وأمرَنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسُّنة اعتقاداً وعملاً، وذلك سببُ اتفاقٍ الكلمة، وانتظام الشَّتاتِ الذي يتمُّ به مصالحُ الدنيا والدِّين، والسلامة من الاختلاف، وأمرَ بالاجتماع، ونَهَى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين. هذا معنى الآية على التمام، وفيها دليلٌ على صحَّةِ الإجماع حسبما هو مذكورٌ في موضعه من أصول الفقه، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ الَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ، إِخْوَنَا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنَذَّكُمْ مِنْهَا﴾. أمر تعالى بتذكُّر نِعَمِه، وأعظمُها الإسلامُ واتِّباعُ نبيِّهِ محمدٍ عليه الصلاة والسلام؛ فإنَّ به زالتِ العداوةُ والفُرْقةُ، وكانتِ المحبَّةُ والأُلفة. والمرادُ الأوْسُ والخزرج؛ والآيةُ تَعَمُّ. ومعنى ﴿فَأَصْبَحْتُ بِنِعِمَتِهِ: إِخْوَنًا﴾ أي: صِرْتُم بنعمة الإسلام إخواناً في الدِّين. وكلُّ ما في القرآن (أصبحتم)) معناه: صِرْتُم؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠] أي: صار غائراً (٢). والإخوان جمعُ أَخٍ، وسُمِّيَ أخاً لأنه يتوخَى مذهبَ أخيه، أي: يقصده. وشَفا كلِّ شيءٍ: حَرْفُهُ، وكذلك شغيرُه، ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾(٣) [التوبة: ١٠٩]. (١) صحيح مسلم (١٧١٥)، وهو في مسند أحمد (٨٣٣٤). (٢) تفسير أبي الليث ٢٨٨/١ . (٣) انظر الصحاح (شفا). ٢٥٢ سورة آل عمران: الآيتان ١٠٣ - ١٠٤ قال الراجز: نحنُ حَفَرْنا للحجيجِ سَجْلَهْ نابتةٌ فوق شِفاها بَقْلَهْ(١) وأشْفَى على الشيء: أشرفَ عليه، ومنه: أشفى المريضُ على الموت. وما بقي منه إلا شَفاً؛ أي: قليل. قال ابنُ السِّكِّيت(٢): يقال للرجلِ عند موته، وللقمرِ عند امِّحاقِه، وللشمسٍ عند غروبها: ما بقي منه إلا شَفاً، أي: قليل. قال العجَّاج(٣): ومَرْبَأٍ عالٍ لمن تَشَرَّفا أَشْرَفْتُه بلا شَفاً أو بِشَفَا قوله: ((بلا شَفاً)) أي: غابت الشمسُ. ((أو بشَفا)): أو: قد بقيتْ منها بقيَّةٌ (٤). وهو من ذوات الیاء، وفيه لغةً أنه من ذوات الواو. وقال النحاس(٥): الأصلُ في شَفا: شَفَوَ، ولهذا يُكتب بالألف، ولا يُمال. وقال الأخفش(٦): لمَّا لم تَجُزْ فيه الإمالةُ؛ عُرِف أنه من الواو؛ ولأن الإمالةً من(٧) الياء، وتثنيتُه شَفَوان. قال المَهْدَويُّ: وهذا تمثيلٌ يُراد به خروجُهم من الكفر إلى الإيمان. قوله تعالى: ﴿وَلَتَكُنْ مِّنكُمْ أُمَّةُ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ (١٠٤)) الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قد مضى القولُ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه السورة (٨). و((مِن)) (١) الرجز في تفسير الطبري ٥/ ٦٥٧ دون نسبة. وأخرج نحوه الفاكهي في أخبار مكة (٢٤٤٧) من قول خالدة بنت هاشم، وأورده ياقوت في معجم البلدان بلفظ : نحن وهبنا لعديٍّ سَجْلَةْ تروي الحجيج زُغْلَةً فِزُغْلَةْ وقال: السَّجل الدلو إذا كان فيه ماء، قلَّ أو كثر .. والسَّجْلَة: بئر حفرها هاشم بن عبد مناف، فوهبها أسد بن هاشم لعدي بن نوفل، ولم يكن لأسد بن هاشم عقب. وقيل: حفرها قصيّ. (٢) إصلاح المنطق ص ٤٥٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الصحاح (شفا). (٣) ديوانه ص٤٢٤ . (٤) الصحاح (شفا). وما قبله منه ووقع في (خ): أي: وقد، وفي (م): وقد. (٥) في إعراب القرآن ٣٩٨/١ . (٦) معاني القرآن ٤١٦/١. ونقله المصنف عنه بواسطة الصحاح (شفا). (٧) في (د) و (م): بين. (٨) ص٧٣ من هذا الجزء. ٢٥٣ سورة آل عمران: الآيتان ١٠٤ - ١٠٥ في قوله: ((مِنكم)) للتبعيض، ومعناه أن الآمِرِين يجب أن يكونوا علماء، وليس كلُّ الناسِ علماء. وقيل: لبيان الجنس، والمعنى: لتكونوا كلكم كذلك. قلت: القولُ الأوَّل أصحُّ؛ فإنه يدلُّ على أنَّ الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر فرضٌ على الكفاية، وقد عيَّنهم اللّهُ تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ إِن ◌َّكَّنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الضَلَوَةَ﴾ الآية [الحج: ٤١]. وليس كل الناس مُكِنُوا. وقرأ ابنُ الزبير: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكّرِ ويَستَعينونَ اللّه على ما أصابهم)» (١). قال أبو بكر الأنباريّ: وهذه الزيادة تفسيرٌ من ابنِ الزبير، وكلامٌ من كلامه، غَلِطَ فيه بعضُ الناقلين، فألحقَه بألفاظ القرآن؛ يدلّ على صحة ما أصِفُ الحديثُ الذي حدَّثنيه أبي، حدَّثنا حسنُ بنُ عَرَفة، حدَّثنا وكيع، عن أبي عاصم، عن أبي عَوْن، عن صَبيح قال: سمعت عثمانَ بنَ عفَّان يقرأ: ((ويأمرون بالمعروفِ وَيَنْهَوْنَ عن المنكرِ ويستعينون اللَّه على ما أصابهم))(٢) فما يشكُّ عاقلٌ في أنَّ عثمانَ لا يعتقد هذه الزيادةَ منَ القرآن؛ إذْ لم يكتبْها في مصحفه الذي هو إمامُ المسلمين، وإنما ذَكَرها واعظاً بها، ومؤكّداً ما تقدَّمها من كلام ربِّ العالمين جلَّ وعلا. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَتُّ وَأُوْلَكَ لَمُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠٥ يعني اليهود والنصارى في قول جمهور المفسرين. وقال بعضهم: هم المبتدِعةُ من هذه الأُمة. وقال أبو أمامة: هم الحَرُورِيَّة، وتلا الآية(٣). وقال جابرُ بنُ عبد اللّه: ﴿كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَغُواْ مِنْ بَعْدٍ مَا جَآءَهُمُ اَلْبِهِنَكُ ﴾ اليهود والنصارى. ((جاءهم)) مذكر على الجمع، وجاءتهم على الجماعة(٤). (١) أخرج هذه القراءة الشاذة سعيد بن منصور في تفسيره (٥٢١)، والطبري ٥/ ٦٦١، وابن أبي داود في المصاحف (٢٢٧)، وعبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف كما في الدر المنثور ٢/ ٦١ . (٢) هو عند أبي بكر الأنباري في المصاحف كما في الدر المنثور ٢/ ٦٣ . وأخرجه أيضاً الطبري ٥/ ٦٦١، وابن أبي داود في المصاحف (١٢٨). وأورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٤٤٩/٤ . (٣) سيرد في تفسير الآية التالية. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٩/١. ٢٥٤ سورة آل عمران: الآيتان ١٠٦ - ١٠٧ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوَةٌ فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦) وَأَمَّا الَّذِيْنَ أَبْيَضَتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوهٌ﴾ يعني يومَ القيامة حين يُبعثون من قبورهم، تكون وجوهُ المؤمنين مبيضَّةً، ووجُوه الكافرين مُسْوَدَّةً. ويقال: إنَّ ذلك عند قراءةِ الكتاب، إذا قرأ المؤمنُ كتابَه، فرأى في كتابه حسناتِهِ، استبشر وابيَضَّ وجهُه، وإذا قرأ الكافرُ والمنافقُ کتابَه، فرأى فيه سیئاتِه، اسودَّ وجهُه. ويقال: إنَّ ذلك عند الميزان، إذا رجحتْ حسناتُه ابيضَّ وجهُه، وإذا رجحتْ سیئاتُه اسودّ وجهُه. ويقال: ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَأَمْتَزُواْ أَلْيَّوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩]. ويقال: إذا كان يوم القيامة يُؤْمرُ كلُّ فريقٍ بأن يجتمعَ إلى معبودِه، فإذا انتهَوا إليه حزِنوا واسودَّتْ وجوههُم، فيبقَى المؤمنون وأهلُ الكتاب والمنافقون، فيقول اللّهُ تعالى للمؤمنين: ((مَنْ ربُّكم))؟ فيقولون: ربُّنا اللّهُ عزَّ وجلَّ. فيقول لهم: ((أتعرفونه إذا رأيتموه))؟. فيقولون: سبحانه، إذا عَرَّفَنا(١) عَرَفْناه. فيرونه كما شاء اللّهُ. فيَخِرُ المؤمنون سُجَّداً لله تعالى، فتصير وجوهُهم مثلَ الثلج بياضاً، ويبقَى المنافقون وأهلُ الكتابِ لا يقدرون على السجود، فيحزنوا(٢) وتسودُّ وجوهُهم، وذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ رُجُوٌ وَتَسْوَذُ وُجُوهُ﴾. ويجوز: ((تِبْيَضُ وتِسْوَدُّ) بكسر التائين، لأنك تقول: ابيضَّتْ، فتكسر التاءَ كما (١) في (ظ): عرَّفنا به. وفي (خ): عرَّفناه. وفي (م): اعترف. والمثبت من (د) وهو الموافق لتفسير أبي الليث ٢٩٠/١ (١/ لوحة ١٣٧) والأقوال منه. وأورده ابن الأثير في النهاية (عرف) بلفظ: (إذا اعترف لنا عرفناه) وقال: أي إذا وصف نفسه بصفة نحققه بها عَرَفْناه. (٢) كذا في النسخ، غير (خ)، ففيها: فحزنوا. ٢٥٥ سورة آل عمران: الآيتان ١٠٦ - ١٠٧ تكسر الألف(١)، وهي لغةُ تميم، وبها قرأ يحيى بنُ وثاب(٢). ، وقرأ الزهريُّ: ((يوم تَبياضُّ وتسوادُ))(٣). ويجوز كسرُ التاءِ أيضاً (٤)، ويجوز: (يوم يَنْيَضُّ وجوه)) بالياء على تذكير الجمع، ويجوز: ((أُجوه))، مثل: (أُقِّنت))(٥). وابْبِضَاضُ الوجوه: إشراقُها بالنَّعيم. واسْوِدادُها: هو ما يُرهِقُها منَ العذابِ الأليم. الثانية: واختلفوا في التعيين، فقال ابن عباس: تبيضُّ وجوهُ أهلِ السُّنَّة، وتسودُ وجوهُ أهلِ البِذْعة(٦). قلت: وقولُ ابنِ عباس هذا رواه مالك بنُ سليمان الهرويُّ أخو غسَّان، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه :﴿ في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوٌ وَتَسْوَذُ وُجُوَّةٌ﴾ قال: ((يعني تبيضُ وجوهُ أهلِ السُّنَّة، وتسودُّ وجوهُ أهلٍ البدعة)). ذكره أبو بكر أحمدُ بن عليٍّ بنِ ثابت الخطيب. وقال فيه: منكر من حديث مالك(٧). قال عطاء: تبيضُّ وجوهُ المهاجرين والأنصار، وتسودُّ وجوهُ بني قريظة والنضير(٨). (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٩/١. (٢) ذكر النحاس ٣٩٩/١، والزمخشري في الكشاف ٤٥٣/١ هذه القراءة دون نسبة. ونسبها ابن الجوزي في زاد المسير ٤٣٥/١ لأبي رزين العقيلي، وأبي عمران الجويني، وأبي نهيك. (٣) المحرر الوجيز ٤٨٧/١. وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٢ . (٤) قال أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢٢: ولم ينقل أنه قرئ بذلك. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٩/١. وما قبله منه. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣٩٥٠)، واللالكائي في الاعتقاد (٧٤)، والسهمي في تاريخ جرجان ص١٣٢، والخطيب في تاريخ بغداد ٣٧٩/٧ . (٧) الحديث من رواية أبي نصر أحمد بن عبدالله بن فلان الأنصاري، عن الفضل بن عبدالله، عن مالك بن سليمان الهروي، به. قال الدارقطني: هذا موضوع، والحمل فيه على أبي نصر الأنصاري، والفضل ضعيف. لسان الميزان ١/ ٢٠٢. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٦٣ ونسبه أيضاً للخطيب في تاريخه، ولم نقف عليه فيه. وأورده الديلمي في الفردوس (٨٩٨٦). (٨) ذكره الزمخشري في الكشاف ١/ ٤٥٣ . ٢٥٦ سورة آل عمران: الآيتان ١٠٦ - ١٠٧ وقال أبيُّ بن كعب: الذين اسودَّت وجوههم هم الكفارُ، وقيل لهم: أَكفرتم بعد إيمانكم لإقراركم حين أُخْرِجتم مِن ظهر آدَمَ كالذَّرِّ. هذا اختيار الطبري(١). الحسن: الآيةُ في المنافقين(٢). قتادة: هي في المرتدِّين(٣). ◌ِكرمة: هم قومٌ من أهل الكتاب كانوا مصدِّقين بأنبيائهم، مصدّقين بمحمدٍ ﴿ قبلَ أنْ يُبعثَ، فلمّا بُعثَ عليه الصلاة والسلامُ كفروا به، فذلك قوله: ﴿أَكَفَرْتُ بَعْدَ إِيمَنِكُمْ﴾ (٤). وهو اختيار (٥) الزجاج(٥). مالك بن أنس: هي في أهل الأهواء (٦). أبو أمامة الباهِليُّ عن النبيِّ صلى اللّه علي وسلم: هي في الحرورية، وفي خبرٍ آخرَ عن النبي عليه الصلاة والسلام(٧): هي في القدرية(٨). رَوَى الترمذيُّ عن أبي غالبٍ قال: رأَى أبو أمامةَ رؤوساً منصوبةً على دَرَجِ (٩). دمشقَ، فقال أبو أُمَامةَ: كلابُ النَّار، شرٌّ قَتْلَى تحتَ أديم السماء، خيرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوه. ثم قَرأَ: ﴿يَوْمَ تَبَتُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوَةٌ﴾ إلى آخر الآية. قلتُ لأبي أُمامةَ: أنتَ (١) تفسير الطبري ٥/ ٦٦٥ و٦٦٦. وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم (٣٩٥٦). (٢) أخرجه الطبري ٦٦٦/٥، وابن أبي حاتم (٣٩٥٣). (٣) في المحرر الوجيز ١ / ٤٨٧ . (٤) أخرجه الفريابي وابن المنذر، كما في الدر المنثور ٦٣/٢ . وأورده ابن حجر في العجاب ٧٣٢/٢ . (٥) معاني القرآن وإعرابه له ٤٥٥/١. (٦) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٨٧/١ . (٧) في (د) و(م): أنه عليه السلام، وزاد بعدها في (م) لفظة ((قال))، وهو خطأ، والمثبت من (خ)، وسقط من (ظ) قوله: هي في الحرورية ... إلى هذا الموضع. وانظر ما بعده. (٨) قوله: هي في الحرورية .. وهي في القدرية. ليس مرفوعاً بهذا اللفظ، وقد اختصر المصنف كلام ابن عطية في المحرر الوجيز ١ /٤٨٨، ولفظه فيه: رُوي حديث أن الآية في القدرية، وقال أبو أمامة سمعنا من رسول الله # أنها في الحرورية، وقد تقدم أنها في الخوارج، وهو قول واحد . اهـ. وحديث أبي أمامة المشار إليه أورده المصنف بإثر هذا الكلام، وسلف ص١٦ من هذا الجزء. (٩) في (د) و (ف) و (خ): على برج. وفي (ظ): بسور. وفي (م): على باب. والمثبت من سنن الترمذي (٣٠٠٠)، وتحفة الأشراف ١٨٣/٤، والدر المنثور ٦٣/٢، وسلف على الصواب ص١٦ من هذا الجزء. قال المباركفوري في تحفة الأحوذي ٣٥١/٨: أي: على درج مسجد دمشق، الدّرّج: الطريق؛ وجمعه: الأَدْراج، والدَّرَجة: المِزْقاة، وجمعه: الدَّرَج، وهو المراد هنا. ٢٥٧ سورة آل عمران: الآيتان ١٠٦ - ١٠٧ سمعتَه مِن رسولِ اللّه ◌ِ﴾؟ قال: لَوْ لَمْ أسمعْهُ مِن رسولِ الله ◌ِ﴾ إلَّ مرَّةً، أو مرَّتين، أو ثلاثاً - حتی عَدَّ سبعاً - ما حدَّثتُكُموه. قال: هذا حديث حسن. وفي صحيح البخاريِّ عن سَهْل بنِ سعد قال: قال رسول اللّه ◌َ﴾: ((إنِّي فَرَطُكم على الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَليَّ شَرِبَ، ومَنْ شَرِبَ لم يَظْمَأُ أبداً، لَيَرِدَنَّ عَليَّ أقوامٌ أَعْرِفُهم ويَعْرِفُوني، ثم يُحالُ بيني وبينهم)). قال أبو حازم: فسمعني النُّعمانُ بنُ أبي عيَّاش فقال: هكذا سمعتَ من سهلِ بنِ سعد؟ فقلتُ: نعم. فقال: أَشهدُ على أبي سعيدٍ الخدرِيِّ لَسَمِعْتُهُ وهو يزيدُ فيها: ((فأَقُولُ: إنَّهم مِنِّي، فيقال: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فأقولُ: سُحْقاً سُحْقَاً لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي))(١). وعن أبي هريرةً أنه كان يُحَدِّثُ أنَّ رسولَ اللّهِ﴾ قال: ((يَرِدُ عَلَيَّ الحَوْضَ يومَ القيامةِ رَهْطٌ مِنْ أصحابي، فيُجْلَونَ عنِ الحَوْض، فأقول: يا ربِّ أصحابي، فيقول: إنّك لا عِلْمَ لكَ بما أحدثوا بعدَكَ، إنَّهم ارْتَدُوا على أدبارهم القَّهْقَرَى))(٢). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فمَنْ بَدَّل أو غَيَّرَ أو ابتدَعَ في دين الله ما لا يرضاهُ اللّهُ، ولم يأذَنْ به اللّهُ، فهو مِنَ المظْرُودينَ عنِ الحوضِ، المُبعَدِينَ(٣) منه، المُسْوَدِّي(٤) الوُجُوهِ، وأشدُّهم طرداً وإبعاداً مَنْ خالفَ جماعةَ المسلمين، وفارقَ سبيلَهم، كالخوارج على اختلافِ فِرَقها، والروافِضِ على تَباينٍ ضَلالِها، والمعتزلةِ على أصنافِ أهوائها، فهؤلاء كلهم مُبَدِّلون ومُبتدِعون، وكذلك الَّلَمةُ المسرفون في الجَوْرِ والظلم وطَمْسِ الحقِّ، وقتلِ أهلِه وإذلالِهم، والمعلنون بالكبائر، المستَخِقُون بالمعاصي، وجماعةُ أهلِ الزَّيْغِ والأهواء والبِدَع؛ كلٌّ يُخافَ عليهم أن يكونوا عُنُوا بالآية والخَبَرِ كما بيَّنَّا، ولا يَخْلُد في النَّار إلا كافرٌ جاحِدٌ؛ ليس في قلبه مثقالُ حبَّةِ خَرْدلٍ من إيمان. (١) صحيح البخاري (٦٥٨٣ - ٦٥٨٤)، وهو في صحيح مسلم أيضاً (٢٢٩٠ - ٢٢٩١)، ومسند أحمد (٢٢٨٢٢). وأبو حازم هو سلمة بن دينار. وقوله: ((فرطكم)) أي: مُتَقَّدِّمُكم إليه. النهاية (فرط). (٢) صحيح البخاري (٦٥٨٥). وأخرجه بنحوه مطوّلاً مسلم (٢٤٩)، وأحمد (٩٢٩٢). (٣) في (م): المبتعدين. (٤) في النسخ الخطية: المسودين. والمثبت من (م). ٢٥٨ سورة آل عمران: الآيات ١٠٦ - ١٠٩ وقد قال ابن القاسم: وقد يكون مِنْ غيرِ أهلِ الأهْواء مَنْ هو شَرِّ مِنْ أهلِ الأهواء. وكان يقال(١): تمامُ الإخلاصِ تَجنُّبُ المعاصي. الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ في الكلام حذفٌ، أي: فيقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَنِكُمْ﴾ يعني يومَ الميثاق حين قالوا: بلى. ويقال: هذا لليهود، وكانوا مؤمنين بمحمدٍ ﴿ قبل أن يُبعث، فلما بُعث كفروا به. وقال أبو العالية: هذا للمنافقين، يقال: أكفرتم في السِّرِّ بعد إقراركم في العلانية(٢). وأجمعَ أهلُ العربية على أنه لابُدَّ منَ الفاء في جواب ((أمَّا))، لأنَّ المعنى في قولك: أمَّا زيدٌ فمنطلقٌ: مهما يكن من شيء فزيدٌ منطلقٌ. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذينَ أَنْيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ هؤلاء أهلُ طاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، والوفاءِ بعهده(٣). ﴿فَفِى رَحْمَةِ اَللَّهِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ أي: في جنَّتِهِ ودارٍ كرامتِه خالدون باقون. جَعَلنَا اللّهُ منهم، وجنَّبَنَا طرقَ البِدَع والضَّلالات، ووَفَّقَنا لطريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات. آمين. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اَللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ ١٠٩ وَإِلَّهِ مَا فِى السَمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ١٠٨٦ قوله تعالى: ﴿تِلْكَ ءَايَكُ اللَّهِ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ، يعني القرآن. ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ يعني نُنزل عليك جبريلَ، فيقرؤها عليك. ﴿بِالْحَقُّ﴾ أي: بالصِّدق(٤). وقال الزجَّاج: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اَللَّهِ﴾ المذكورة حُجَجُ اللّه ودلائلُه(٥). وقيل: ((تلك)) بمعنى هذه، ولكنها لمَّا انقضتْ، صارت كأنها بَعُدَتْ، فقيل: ((تلك))(٦). (١) في (د) و(م): يقول. والمثبت موافق للتمهيد ٢٦٢/٢٠ - ٢٦٣، وما قبله منه. (٢) انظر تفسير أبي الليث ١/ ٢٩٠ . (٣) انظر تفسير الطبري ٦٦٦/٥ . (٤) تفسير أبي الليث ٢٩٠/١. (٥) معاني القرآن وإعرابه ١/ ٤٥٥ بنحوه. وذكره النحاس في إعراب القرآن ٣٩٩/١. (٦) انظر تفسير الرازي ١٨٥/٨ . ٢٥٩ سورة آل عمران: الآيات ١٠٨ - ١١٠ ويجوز أن تكون ((آيات الله)) بدلاً من ((تلك))، ولا تكون نعتاً، لأنْ المبْهَم لايُنعت بالمضاف(١). ﴿وَمَا اَللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ﴾ يعني أنه لا يعذِّبُهم بغير ذنب(٢). ﴿وَلِّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ﴾ قال المهدويُّ: وجهُ اتصالٍ هذا بما قبله أنَّه لمَّا ذَكَر أحوالَ المؤمنين والكافرين، وأنه لا يريدُ ظلماً للعالمين، وصلَه بذِكْرِ اتِّساعٍ قدرته، وغناه عن الظلم؛ لكون ما في السماوات وما في الأرض في قبضته. وقيل: هو ابتداءُ كلام؛ بَيَّن لعباده أنَّ جميعَ ما في السماوات وما في الأرض له، حتى يسألوه ويعبدوه، ولا يعبدوا غيره(٣). قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيّرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرَاً لَّهُمْ مِنْهُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْتَرُهُمُ الْفَسِقُونَ قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ فيه ثلاث مسائل : الأولى: رَوَى الترمذيُّ عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، أنه سمعَ رسولَ اللّه # يقول في قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: ((أنتم تُتِمُون سبعينَ أمَّةً، أنتم خيرُها وأكرمُها عند اللّه)). وقال: هذا حديثٌ حسنٌ (٤). وقال أبو هريرة: نحنُ خيرُ الناسِ للناس، نسوقُهم بالسلاسلِ إلى الإسلام(٥). وقال ابن عباس: همُ الذين هاجروا من مكةً إلى المدينة، وشهدوا بَذْراً والحُديِية (٦). وقال عمر بن الخطاب: مَنْ فَعَلَ فِعْلَهم كان مثلَهم (٧). (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٩/١. (٢) تفسير أبي الليث ١/ ٢٩١ . (٣) المرجع السابق نفسه . (٤) سنن الترمذي (٣٠٠١). وأخرجه أيضاً أحمد (٢٠٠١٥)، وابن ماجه (٤٢٨٨). وأخرجه مطولاً النسائي في السنن الكبرى (١١٣٦٧). وجدَّ بهز بن حكيم هو معاوية بن حيدة ﴾ (٥) أخرجه البخاري (٤٥٥٧). (٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١٣٠/١، وأحمد (٢٤٦٣)، والنسائي في السنن الكبرى (١١٠٠٦). (٧) أورده ابن عبد البرّ في التمهيد ٢٥١/٢٠ . ٢٦٠ سورة آل عمران: الآية ١١٠ وقيل: هم أمَّة محمدٍ ﴾، يعني الصالحين منهم وأهل الفضل، وهم الشهداء على الناس يوم القيامة، كما تقدَّم في البقرة(١). وقال مجاهد: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ على الشرائط المذكورة في الآية. وقيل: معناه: كنتم في اللوح المحفوظ(٢). وقيل: كنتم مُذْ آمنتُم خيرَ أُمَّةَ(٣). وقيل: جاء ذلك لتقدّم البِشارة بالنبيِّ ﴿ وأمَّتِه؛ فالمعنى: كنتم عند مَنْ تقدَّمكم مِنْ أهلِ الكتب خيرَ أمة. وقال الأخفشُ(٤): يُريد أهلَ أمَّةٍ، أي: خيرَ أهلِ دين، وأنشد: حَلَفْتُ فلم أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً وهلْ يأْثَمَنْ ذو أُمَّةٍ وهو طائعُ(٥) وقيل: هي ((كان)) التامَّة، والمعنى: خُلِقْتم ووُجِدتُم خيرَ أمَّة، فـ ((خيرَ أمّة)) حال. وقيل: ((كان)) زائدة، والمعنى: أنتم خيرُ أمَّة. وأنشدَ سيبويه: وجِيرانٍ لنا كانوا كرامِ(٦) ومثله قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]. وقوله: ﴿وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا نَكَتْرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]. وقال في موضع آخر: ﴿وَأَذْكُرُوْاْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦]. وروى سفيان عن مَيْسَرةً الأشجعيّ، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: تَجرُّون الناسَ بالسلاسل إلى الإسلام(٧). (١) ٢ / ٤٣٥ . (٢) ذكره النحاس في إعراب القرآن ١/ ٤٠٠ . (٣) ذكره الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٤٥٦/١ . (٤) معاني القرآن ٤١٩/١ . (٥) البيت للنابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٨١ . (٦) الكتاب ٢/ ١٥٣. ونقل المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٤٠٠/١، والبيت للفرزدق وهو في دیو انه ص٢٩٠ ، وصدره: فکیف إذا رأيت ديار قومٍ. (٧) أخرجه البخاري (٤٥٥٧). ونقله المصنف بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٤٠٠/١. وسلف ذكره أول المسألة.