Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ سورة آل عمران: الآية ٩٢ يقولُ لي: يا فلانةُ، أعطي السَّائلَ سُكّراً، فإنَّ الربيع يحبُّ السُّكّر؛ قال سفيان: يتأوَّل قولَه جلَّ وعزّ: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾(١). ورُوِيّ عن عمر بنِ عبد العزيزِ أنه كان يشتري أعدالاً من سُكَّر ويتصدَّقُ بها. فقيل له: هلَّا تصدَّقتَ بقيمتها؟ فقال: لأنَّ السكرَ أحبُّ إليَّ، فأردتُ أنْ أنفقَ مما أحبُّ(٢). وقال الحسن: إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تُدركون(٣) ما تأمُلُون إلا بالصَّبر على ما تكرهون(٤). الثانية: واختلفوا في تأويل ((البِرّ)) فقيل: الجنة؛ عن ابن مسعود وابن عباس وعطاء ومجاهد وعمرو بن ميمون والسُّدِّيّ. والتقدير: لن تنالوا ثوابَ البِرِّ حتى تنفقوا مما تحبون(٥). والنَّوَال: العطاءُ، من قولك: نوَّلتُه تنويلاً: أعطيتُه(٦). ونالني من فلان معروفٌ ينالُني، أي: وصل إليَّ. فالمعنى: لن تصلوا إلى الجنة وتُعْطَوْها حتى تنفقوا مما تُحِبُّون. وقيل: البِرُّ: العملُ الصالح(٧). وفي الحديث الصحيح: ((عليكم بالصدق، فإنه يهدي (٨) إلى البِرّ، وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنة)). وقد مضى في البقرة(٩). قال عطية العوفي: يعني الطاعة. عطاء: لن تنالوا شرفَ الدِّين والتقوى حتى تتصدَّقوا وأنتم أصحَّاءُ أشخَّاءُ؛ تأملُون العيشَ، وتخشَوْن الفقر. وعن الحسن: ((حتى تُنفِقوا)): هي الزكاةُ المفروضة. مجاهد والكلبيّ: هي (١) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٠٤/١ . (٢) تفسير أبي الليث ٢٨٤/١ . (٣) في (خ) و (م): تدركوا. (٤) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ١/ ٢٠٥ . (٥) تفسير الطبري ٥٧٣/٥، وتفسير البغوي ٣٢٥/١. (٦) مجمل اللغة ٨٤٨/٣ . (٧) معاني القرآن للنحاس ٣٤٨/١ . (٨) في النسخ: يدعو (في الموضعين)، والمثبت من (م)، ومصادر الحديث. (٩) قطعة من حديث ابن مسعود ﴾ أخرجه أحمد (٣٦٣٨)، والبخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧). وقد سلف ٣/ ٦٣ . ٢٠٢ سورة آل عمران: الآيات ٩٢ - ٩٤ منسوخةٌ، نسخَتْها آيةُ الزَّكاة(١). وقيل: المعنى حتى تنفقوا مما تحبون في سبيل الخيرِ من صدقةٍ أو غيرِها من الطاعات، وهذا جامع. وروى النسائيُّ عن صعصعةَ بنِ معاويةً قال: لَقِيتُ أبا ذرِّ قال: قلت: حدِّثْنِي، قال: نعم، قال رسول اللّه ﴾: ((ما من عبدٍ مسلم يُنفقُ من كلِّ ماله زوجين في سبيل اللّه، إلا استقبلته حَجَبَةُ الجنة، كلُّهم يَدعوه إلى ما عندَه)). قلت: وكيف ذلك؟ قال: إنْ كانت إيلاً فبعيرين، وإن كانت بقراً فبقرتين(٢). وقال أبو بكر الورَّاق: دلَّهم بهذه الآيةِ على الفُتُوَّة(٣)، أي: لن تنالوا بِرِّي بكم إلا بِيِرّكم بإخوانكم، والإنفاقِ علیھم من أموالکم وجاهِکم، فإذا فعلتُم ذلك نالكم بِرِّي وعطفي (٤). قال مجاهد: وهو مثلُ قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى خُيِّهِ مِسْكِينًا﴾ [الإنسان:٨]. تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِ عَلِيمٌ﴾، أي: وإذا علِم جازَى عليه(٥). ـا قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِي إِسْرَِّيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَوِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَن تُنَّلَ التَّوْرَةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَئِ فَتْلُوهَا إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ٩٣ فَمَنِ اُفْتَرَىُ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٩٤٦ فيه أربعُ مسائل: الأولى: قولُه تعالى: ﴿ِلَّ﴾، أي: حَلالاً، ثم استثنى، فقال: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَوِ يلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ وهو يعقوبُ عليه السلام(٦). (١) تفسير البغوي ٣٢٥/١، وزاد المسير ٤٢١/١. (٢) سنن النسائي ٤٨/٦ - ٤٩، وهو عند أحمد (٢١٣٤١)، وله شاهد من حديث أبي هريرة؛ أخرجه أحمد (٧٦٣٣). (٣) قوله: الفتوّة، أي: الكرم. القاموس (فتى). (٤) مجمع البيان ٤ / ١٤١ . (٥) معاني القرآن للنحاس ٤٣٩/١ - ٤٤٠. وقول مجاهد في تفسيره ص١١٣ . (٦) المحرر الوجيز ٤٧٢/١ . ٢٠٣ سورة آل عمران: الآيتان ٩٣ - ٩٤ في الترمذيِّ عن ابن عباس أنَّ اليهودَ قالوا للنبيِّ ﴾: أخبرنا ما حرَّم إسرائيلُ على نفسه؟ قال: ((كان يسكُن البَدْوَ، فاشتكى عِرْقَ النَّسَا، فلم يجد شيئاً يُلائمه إلا لحوم الإبلِ وألبانَها، فلذلك حرَّمها)). قالوا: صدقت(١). وذكر الحديث. ويقال: إنه نَذَرَ إنْ برأ منه ليتركنَّ أحبَّ الطعام والشَّرابِ إليه، وكان أحبَّ الطعامِ والشَّرابِ إليه لحومُ الإبل وألبانُها(٢). وقال ابن عباس ومجاهد وقتادةُ والسُّدّيُّ: أقبلَ يعقوبُ عليه السلام من حرَّان يريد بيت المقدسِ حين هَرَبَ من أخيه عِيصو، وكان رجلاً بطشاً قوياً، فلقِيَه ملَكٌ، فظنّ يعقوبُ أنه لصٍّ، فعالجه أنْ يصرعَه، فغمز المَلَكُ فخِذَ يعقوبَ عليه السلام، ثم صَعِدَ الملَكُ إلى السماء ويعقوبُ ينظر إليه، فهاج به(٣) عِرْقُ النَّسَا، ولقِيَ من ذلك بلاءً شديداً، فكان لا ينامُ الليلَ من الوَجَع، ويبيتُ وله زُقاء، أي: صياح، فحلفَ يعقوب عليه السلام إنْ شفاه اللّه جلَّ وعزَّ ألَّا يأكلَ عِرْقاً، ولا يأكلَ طعاماً فيه عِرْقٌ، فحرَّمَها على نفسه، فجعلَ بنوه يتبعون بعد ذلك العروقَ، فيخرجونها من اللحم(٤). وكان سببُ غمزِ المَلَك ليعقوب أنه كان نذرَ إنْ وهبَ اللّه له اثني عشر ولداً وأَتى بيت المقدسِ صحيحاً أن يذبح آخرَهم، فكان ذلك للمخرج من نذره؛ عن الضحاك(٥). الثانية: واختُلف: هل كان التحريمُ من يعقوبَ باجتهادٍ منه، أو بإذنٍ من الله تعالى؟ والصحيحُ الأوّل؛ لأنَّ اللّه تعالى أضافَ التحريمَ إليه بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَزَّمَ﴾، وأنَّ النبيَّ إذا أدَّاه اجتهادُه إلى شيءٍ كان دِيناً يلزمنا اتباعُه؛ لتقرير الله سبحانه إياه على ذلك. وكما يُوحَى إليه ويلزمُ اتّباعُه، كذلك يؤذّنُ له ويجتهد، ویتعیَّن موجبُ اجتهاده إذا قدر عليه، ولولا تقدُّمُ الإذن له في تحريم ذلك ما تسوَّر(٦) على التحليل (١) سنن الترمذي (٣١١٧) دون قوله: كان يسكن البدو، فهو عند النسائي في الكبرى (٩٠٢٤) وعند أحمد (٢٤٨٣) ضمن حديث مطول، وسلفت قطعة أخرى منه ٢٦١/٢ . وقوله: النَّسا: عِرْق يخرج من الورك، فيستبطن الفخذ، والأفصحُ أن يقال له: النَّسا، لا عِرق النّساء النهاية (نسا). (٢) تفسير الطبري ٥٧٨/٥، والوسيط ٤٦٤/١. (٣) في (د) و(م): عليه، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق لتفسير البغوي ٣٢٧/١ . (٤) تفسير البغوي ١/ ٣٢٧، وانظر تفسير أبي الليث ٢٨٤/١ - ٢٨٥. (٥) أورده البغوي ٣٢٦/١، والخبر من رواية جويبر عن الضحاك، وجويبر ضعيف جداً. (٦) قوله: توَّر: هجمَ. اللسان (سور). ٢٠٤ سورة آل عمران: الآيتان ٩٣ - ٩٤ والتحريم. وقد حرَّم نبيِّنَا ﴿ العسلَ على الرواية الصَّحيحة (١)، أو خادمَه ماريةً(٢)، فلم يقرَّ اللّه تحريمَه، ونزل: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكِّ﴾(٣) على ما يأتي بيانه في ((التحريم)). قال الكيا الطبري(٤): فيمكن أنْ يقال: مطلقُ قولِه تعالى: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ الَهُ﴾ يقتضي ألَّ يختَصَّ بمارية، وقد رأى الشافعيُّ أنَّ وجوبَ الكفارةِ في ذلك غيرُ معقولٍ المعنى، فجعلها مخصوصاً بموضع النص، وأبو حنيفة رأى ذلك أصلاً في تحريم كلِّ مباح، وأجراه مُجری اليمين. الثالثة: قولُه تعالى: ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنْتُمْ صَدِّقِينَ﴾ قال ابن عباس: لما أصاب يعقوب عليه السلام عِرْقُ النَّسا، وصفَ الأطباءُ له أنْ يجتنبَ لحومَ الإبلِ، فحرَّمها على نفسه، فقالت اليهود: إنما حرَّمنا(٥) على أنفسنا لحومَ الإبل؛ لأنَّ يعقوبَ حرَّمها، وأنزل اللّه تحريمَها في التوراة، فأنزلَ الله هذه الآية. قال الضَّحَّاك: فكذَّبهم اللّه، وردّ عليهم فقال: يا محمد ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنَّةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾، فلم يأتوا، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾(٦). قال الزجَّاج(٧): في هذه الآية أعظمُ دلالةٍ لنبوّة محمدٍ نبيِّنا ﴿، أخبرَهم أنه ليس (١) أخرجه أحمد (٢٥٨٥٢)، والبخاري (٥٢٦٧)، ومسلم (١٤٧٤) من حديث عائشة رضي الله عنها. (٢) أخرجه أبو داود في المراسيل (٢٣٩) عن الحسن، وأخرجه النسائي ٧١/٧ من حديث أنس ، ولم يذكر أنها مارية. وأخرجه الشاشي في مسنده - كما ذكر ابن كثير، وصحح إسناده - ومن طريقه الضياء في المختارة (١٨٩)، عند تفسير الآية (١) من سورة التحريم. وأخرجه البزار (كشف الأستار (٢٢٧٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٢٦/٧ : رجال البزار رجال الصحيح غير بشر بن آدم، وهو ثقة. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢٨٢/١ . (٤) في أحكام القرآن له ٢/ ٢٩٠ . (٥) في (د) و(م): نحرم، والمثبت من (خ) و (ظ). (٦) تفسير أبي الليث ٢٨٥/١، ومعاني القرآن للنحاس ٤٤١/١، وتفسير البغوي ٣٢٧/١. : (٧) في معاني القرآن له ١/ ٤٤٤، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي الليث ٢٨٥/١ . ٢٠٥ سورة آل عمران: الآيتان ٩٣ - ٩٤ في كتابهم، وأمرَهم أن يأتوا بالتوراة، فأبوا؛ يعني عرفوا أنه قال ذلك بالوحي. وقال عطيةُ العوفيّ: إنما كان ذلك حراماً عليهم بتحريم يعقوبَ ذلك عليهم. وذلك أنَّ إسرائيلَ قال حين أصابَه عِرقُ النَّسا: والله لئن عافاني اللّه منه لا يأكلُه لي ولدٌ، ولم يكن ذلك محرَّماً عليهم في التوراة(١). وقال الكلبيُّ: لم يُحرِّمْه الله عزَّ وجلَّ في التوراة عليهم، وإنما حرَّمه عليهم (٢) بعد التوراة بظلمهم وكفرِهم، وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنباً عظيماً حرَّم الله تعالى عليهم طعاماً طيِّباً، أو صبَّ عليهم رِجْزاً، وهو الموت، فذلك قوله تعالى: ﴿فَيُظْلِ يِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَهِمْ طَيْبَتٍ أُحِلَّتْ لَمْ﴾ الآية [النساء: ١٦٠]، وقولُه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى تُفِّرٍ﴾ الآية. إلى قوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيَْهُم بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾(٣) [الأنعام: ١٤٦]. الرابعة: ترجم ابن ماجه في سننه: ((دواء عِرْق النَّسا)): حدثنا هشام بنُ عمَّار وراشدُ بن سعيد الرملي قالا(٤): حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثنا هشام بنُ حسَّان، حذَّثنا أنس بنُ سيرين أنه سمع أنس بن مالك يقول: سمعتُ رسولَ اللّه 8# يقول: ((شفاءُ عِرْقِ النَّسا أليةُ شاةٍ أعرابيةٍ تُذابُ، ثم تُجَزَّأ ثلاثةَ أجزاء، ثم يُشربُ على الرِّيق في كلِّ يوم جزءٌ))(٥). وأخرجه الثعلبيُّ في تفسيره أيضاً من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ◌ِ﴾ في عِرق النسا: ((تؤخذ أليةُ كبشٍ عربيٍّ، لا صغير ولا كبيرٍ، فتقطع صغاراً، فتخرج إهالتُه، فتقسم ثلاثةَ أقسام، في كل يوم على ريقِ النفس ثلثاً)). قال أنس: فوصفتُه لأكثرَ (١) قوله: في التوراة، من (خ) و (ظ). (٢) قوله: عليهم من (خ) و (ظ). (٣) أورد القولين البغويُّ في تفسيره ١/ ٣٢٧ . (٤) في النسخ: قال، والمثبت من (م)، وسنن ابن ماجه. (٥) سنن ابن ماجه (٣٤٦٣)، وهو عند أحمد (١٣٢٩٥) بنحوه. ٢٠٦ سورة آل عمران: الآيات ٩٣ - ٩٧ من مئة، فبرأ بإذن اللّهِ تعالى(١). شعبة: حدّثني شيخٌ في زمن الحجّاجِ بنِ يوسفَ في عِرْقِ النَّسا: أُقسم لك باللّه الأعلى، لئن لم تنته لأكوينَّك بنارٍ، أو لأحلقنَّك بموسى. قال شعبة: قد جرَّبتُه، تقولُه، وتمسحُ(٢) على ذلك الموضع. قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فَأَتَّبِعُواْ مِلَةَ إَِهِيَمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٩٥ أي: قل يا محمد: صدق اللّه، إنَّ ذلك لم يكن(٣) في التوراة محرَّماً. ﴿فَتَِّعُواْ ◌ِلَّةَ إَِّهِيَمَ حَنِيفًا﴾ أمرٌ باتّباع دينه. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ردٌّ عليهم في دعواهم الباطل كما تقدَّم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَّكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَلَمِينَ ٩٦ فِيهِ ءَايَتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ إِزَهِيمٌ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَاْ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ ٩٧ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ فیه خمسُ مسائل: الأولى: ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذرّ قال: سألتُ رسولَ اللّه ﴾ عن أوَّلٍ مسجدٍ وُضع في الأرض، قال: ((المسجدُ الحرام)». قلتُ: ثم أيّ؟ قال: ((المسجد الأقصى)). قلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعونَ عاماً، ثم الأرضُ لك مسجدٌ، فحيثما أدركَتْكَ الصلاةُ فصَلِّ»(٤). قال مجاهد وقتادة: لم يوضع قبله بيت. قال عليٍّ ﴾: كان قبلَ البيت بيوتٌ كثيرة، والمعنى أنه أوَّلُ بيتٍ وضع للعبادة. (١) وأخرجه أيضاً الحاكم ٢٩٢/٢، وصححه، ووافقه الذهبي، وقوله: قال أنس هو ابن سيرين راوي الحديث عن أنس بن مالك كما هو مبيَّن في رواية الحاكم، وقوله: إحالته، أي: شحمُه أو ما أذيب منه. انظر القاموس (أهل). (٢) في (د): بقوله ويمسح. (٣) في (د) و (م): إنه لم يكن ذلك، والمثبت من (خ) و (ظ). (٤) صحيح مسلم (٥٢٠)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢١٣٣٣)، والبخاري (٣٣٦٦). ٢٠٧ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ وعن مجاهد قال: تفاخر المسلمون واليهودُ، فقالت اليهود: بيتُ المقدِسِ أفضلُ وأعظمُ من الكعبة؛ لأنه مهاجَرُ الأنبياء، وفي الأرض المقدسة. وقال المسلمون: بل الكعبةُ أفضل، فأنزل اللّه هذه الآية. وقد مضى في البقرة بنيانُ البيتِ وأوَّلُ مَنْ بناه(١). قال مجاهد: خلق اللّه موضعَ هذا البيتِ قبلَ أن يَخلقَ شيئاً من الأرض بألفي سنة، وإنَّ قواعدَه لفي الأرض السابعةِ السُّفلى(٢). وأما المسجدُ الأقصى، فبناه سليمانُ عليه السلام، كما خرَّجه النسائي بإسناد صحيحٍ من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ ﴾: ((أنَّ سليمان بنَ داود عليه السلام لما بنى بيت المقدسِ سأل اللّهَ خِلالاً ثلاثةً: [سأل اللّهَ عزَّ وجلَّ] حُكْماً يصادفُ حُكمَه، فأُوتِيَه، وسأل اللّهَ عزَّ وجلَّ مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأوتيَه، وسأل اللّهَ عزَّ وجلَّ حين فرغَ من بناء المسجدِ ألَّا يأتيَه أحدٌ لا يَنْهِزُه إلا الصلاةُ فيه أنْ يُخرجَه من خطيئته كيوم ولدته أمُّه، فأوتيَه))(٣). فجاء إشكالٌ بين الحديثين(٤)؛ لأنَّ بين إبراهيمَ وسليمانَ آماداً طويلة؛ قال أهلُ التواريخ: أكثرُ من ألف سنة. فقيل: إنَّ إبراهيم وسليمان عليهما السلام إنَّما جدَّدا ما كان أسَّسَه غيرُهما. وقد رُوِيَ أنَّ أوَّلَ مَنْ بنى البيتَ آدمُ عليه السلام كما تقدَّم(٥). فيجوزُ أنْ يكونَ غيرُه من ولده وضعَ بيتَ المقدِسِ بعدَه(٦) بأربعين عاماً، ويجوزُ أنْ تكون الملائكةُ أيضاً بنته بعد بنائها البيتَ بإذن اللّه، وكلٌّ محتمل. والله أعلم. وقال علي بن أبي طالب : أمر اللّه تعالى الملائكةَ ببناء بيتٍ في الأرض، وأنْ (١) ٣٨٦/٢ - ٣٨٩. (٢) وردت الأقوال السالفة في تفسير الطبري ٥٩٠/٥ - ٥٩١، وتفسير البغوي ٣٢٨/١، والنكت والعيون ١/ ٤١٠، والوسيط ٤٦٦/١، وأسباب النزول للواحدي ص ٨٤، وزاد المسير ٤٢٤/١. (٣) سنن النسائي ٣٤/٢، وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٦٦٤٤) مطول، قوله: لا ينهزُه، أي: لا يدفعه. النهاية (نهز)، وقوله: حكماً يصادف حكمه؛ قال السندي في حاشيته على النسائي: أي: يوافق حكم الله تعالى، والمراد التوفيق للصواب في الاجتهاد، وفصل الخصومات بين الناس. (٤) يعني حديث أبي ذر وحديث عبدالله بن عمرو السَّالفين. (٥) ٣٨٧/٢. (٦) في (م): من بعده. ٢٠٨ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ يطوفوا به، وكان هذا قبلَ خلقِ آدم، ثم إنَّ آدم بَنى منه ما بَنى، وطاف به، ثم الأنبياءُ بعدَه، ثم استتمَّ بناءَه إبراهيمُ عليه السَّلام. الثانية: قوله تعالى: ﴿لَلَّذِى بِبَّكَّةَ﴾ خبر ((إنَّ)، واللام توكيد. و((بكة)) موضعُ البيت، ومكةُ سائرُ البلد، عن مالك بن أنس(١). وقال محمد(٢) بن شهاب: بَكَّةُ المسجد، ومكة الحرم كلُّه، تدخلُ فيه البيوت. قال مجاهد: بكة هي مكة. فالميم على هذا مُبْدَلَةٌ من الباء؛ كما قالوا: طينٌ لازِبٌ ولازم. وقاله الضحاك والمؤرّج (٣). ثم قيل: بكة مشتقةٌ من البَكِّ، وهو الازدحام، تَباكَّ القوم: ازدحموا. وسُمِّيت بَّةَ لازدحام الناسِ في موضع طوافِهم. والبَكُّ: دَقُّ العُنق. وقيل: سُمِّيت بذلك؛ لأنها كانت تَدُقُّ رقابَ الجبابرةِ إذا ألْحَدُوا فيها بظلم (٤). قال عبد الله بن الزبير: لم يَقْصِدْها جبارٌ قَظُ بسوء إلا وَقَصَه(٥) اللّه عزَّ وجلَّ. وأما مكةُ؛ فقيل: إنها سُمِّيت بذلك لقلة مائها، وقيل: سُمِّيت بذلك؛ لأنها تَمُثُّ المخَّ من العظم مما ينالُ قاصدَها من المشقة؛ من قولهم: مَكَكْتُ العظم: إذا أخرجتَ ما فيه. ومَكَّ الفَصِيلُ ضَرْعَ أمِّه، وامْتَكَّه: إذا امْتَصَّ كلَّ ما فيه من اللبن وشَرِبَه(٦)، قال الشاعر: مَكَّتْ فلم تُبْقِ في أجْوافها دِرَرا(٧) (١) النوادر والزيادات ٢/ ٥٠٠، والبيان والتحصيل ٤٦٣/٣. (٢) لفظة: محمد، من (م) . (٣) تفسير الطبري ٥٩٧/٥، وتفسير البغوي ٣٢٨/١، والوسيط ٤٦٦/١، وزاد المسير ٤٢٥/١. (٤) معاني القرآن للزجاج ٤٤٥/١، وتفسير أبي الليث ٢٦٨/١، والنكت والعيون ٢١٠/١، وتهذيب اللغة ٩/ ٣٦٣ . (٥) في (د): أو قصه، وفي (ظ): وقصمه. (٦) تفسير البغوي ٣٢٨/١ . (٧) لم نقف عليه. ٢٠٩ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ وقِيل: سُمِّيت بذلك؛ لأنها تَمُكُّ مَنْ ظَلَمَ فيها(١)، أي: تُهلكه وتنقصه(٢). وقيل: سُمِّيت بذلك لأنَّ الناس كانوا يَمُكُون ويضحكون فيها، من قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءُ وَتَصْدِيَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٥] أي: تَصْفِيقاً وتَصْفِيراً. وهذا لا يوجبه التَّصريف؛ لأنَّ ((مكة)) ثنائيٌّ مضاعف، و((مُكَاءً)) ثلاثيٌّ معتلّ. الثالثة: قولُه تعالى: ﴿مُبَارَكًا﴾ جعلَه مباركاً لتضاعف العملِ فيه، فالبركة كثرةُ الخير، ونُصب على الحال من المضمر في ((وُضِعَ))، أو بالظرف من (بَّةَ))، المعنى: الذي استقرَّ ((ببَكّة مُبَارَكاً))، ويجوزُ في غير القرآنِ: ((مبارك)»، على أنْ يكونَ خبراً ثانياً، أو على البدل من ((الذي))، أو على إضمار مبتدأ. ﴿وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ﴾ عطفٌ عليه، ويكون بمعنى: وهو هدّى للعالَمين. ويجوزُ في غير القرآن: ((مبارك)»، بالخفض، يكون نعتاً للبيت(٣). الرابعة: قوله تعالى: ﴿فِيهِ ءَايَتُ بَيِّنَكٌ﴾ رفعٌ بالابتداء أو بالصفة. وقرأ أهل مكةَ وابنُ عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: ((آيَةٌ بينة))، على التوحيد (٤)، يعني مقامَ إبراهيم وحدَه؛ قالوا: أثرُ قدميه في المقام آيةٌ بيِّنة. وفسَّر مجاهد مقامَ إبراهيمَ بالحرم كلِّه(٥)؛ فذهبَ إلى أنَّ من آياته الصفا والمروةَ والركنَ والمقام. والباقون بالجمع؛ أرادوا مقامَ إبراهيم، والحجرَ الأسود، والحطيم، وزمزمَ، والمشاعرَ كلَّها. قال أبو جعفر النحاس(٦): من قرأ: ((آياتٍ بَيِّنات)) فقراءتُه أبين؛ لأنَّ الصفا والمروةَ من الآيات، ومنها أنَّ الطائر لا يعلو البيتَ صحيحاً، ومنها أنَّ الجارح يطلب الصيدَ، فإذا دخل الحرمَ تركَه، ومنها أنَّ الغيثَ إذا كان ناحيةَ الركنِ اليمانيّ كان (١) انظر الزاهر لابن الأنباري ١٠٦/٢ . (٢) في (د): وتنفضه. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٥/١ . (٤) نسبها ابنٍ خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٢ لمجاهد وأبيّ، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٤٧٥ لأَبيّ بن كعب وعمر وابن عباس. وقراءة الجمهور بالجمع. (٥) أخرجه الطبري ٢/ ٥٢٦ . (٦) في معاني القرآن ١/ ٤٤٤ - ٤٤٥، وما قبله منه، وانظر تفسير الطبري ٥٢٧/٢ . ٢١٠ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ الخِصْبُ باليمن، وإذا كان بناحية الشامي كان الخِصبُ بالشَّام، وإذا (١) عمَّ البيتَ كان الخِصبُ في جميع البلدان، ومنها أنَّ الجِمار على ما يُزادُ عليها تُرى على قدر واحد. والمَقام من قولهم: قمت مَقاماً، وهو الموضعُ الذي يُقام فيه، والمُقام من قولك: أقمت مُقاماً. وقد مضى هذا في البقرة، ومضى الخلاف أيضاً في المقام والصحيح منه (٢). وارتفع المقام على الابتداء، والخبرُ محذوف، والتقدير: منها مقامُ إبراهيم، قاله الأخفش(٣). وحُكي عن محمد بنٍ يزيدَ أنه قال: ((مقام)) بدلٌ من: ((آيات)). وفيه قولٌ ثالث بمعنى: هي مقامُ إبراهيم. وقولُ الأخفش معروفٌ في كلام العرب. كما قال زهير: لها متاعٌ وأعوانٌ غَدَوْنَ به قِتْبٌ وغَرْبٌ إذا ما أُفْرِغَ انْسَحَقًا (٤) أي: مضى وبَعُدَ سيلانه. وقولُ أبي العباس: إنَّ مقاماً بمعنى مقامات؛ لأنه مصدر، قال اللّه تعالى: ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]. وقال الشاعر: إنَّ العُيونَ التي في طَرْفِها مَرَضٌ (٥) أي: في أطرافها. ويقوِّي هذا الحديثُ المرويّ: الحج كلُّه مقامُ إبراهيم(٦). (١) في (م) : وإِذْ. (٢) ٢/ ٣٧٤ - ٣٧٦ . (٣) في معاني القرآن ٤١٥/١، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٣٩٥/١. (٤) ديوان زهير ص٦٧، برواية الشنتمري، ورواية ثعلب ص٣٩: لها أداة وأعوانٌ غدون لها. وقال الشنتمري في شرحه: قوله: لها متاع، أي: لهذه الناقة التي يُستقى عليها، وقوله: قِتْب وغَرْبٌ تبیین للمتاع، والقِتْب أداة السَّانية، والغَرْب: الدلو العظيمة، وقوله: غَدَوْن به، أراد جماعات الأعوان. (٥) قائله جرير، وهو في ديوانه ١٦٣/١، وتمامه: قَتَلْتَنا ثم لم يحيين قتلانا، وذكر محققه أن ثمة رواية: في طرفها حَوّر. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٥/١ - ٣٩٦، والخبر أخرجه ابن أبي حاتم ٧١١/٣ عن ابن عباس قال: مقامُ إبراهيم الحَرَمُ كلَّه. وذكره ابن كثير عند الآية (٩٧) من آل عمران بلفظ: الحِجْر، بدل: الحجّ . = ٢١١ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ مَامِنًا﴾ قال قتادة: ذلك أيضاً من آيات الحرم. قال النحاس(١): وهو قولٌ حسن؛ لأن الناسَ كانوا يُتَخَطّفُون من حواليه، ولا يصل إليه جبَّار، وقد وُصِل إلى بيت المقدسِ وخُرِّب، ولم يوصّلْ إلى الحرم. قال اللّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ اَلْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]. وقال بعضُ أهلِ المعاني: صورةُ الآية خبرٌ، ومعناها أمر، تقديرها: ومن دخله فأمِّنُوه، كقوله: ﴿فَلَا رَفَّثَ وَلَا فُوقَ وَلَاَ جِدَالَ فِ الْحَيْ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي : لا ترفثوا ولا تفسُقوا ولا تجادلوا(٢). ولهذا المعنى قال الإمام السَّابق النعمانُ بن ثابت: من اقترف ذنباً واستوجبَ به حدّاً، ثم لجأ إلى الحرم، عَصَمَه؛ لقوله تعالى(٣): ﴿وَمَن دََلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾، فأوجب الله سبحانه الأمْنَ لمن دخلَه. ورُوِيَ ذلك عن جماعة من السَّلَف، منهم ابنُ عباس(٤) وغيرُه من الناس. قال ابن العربيّ(٥): وكلُّ من قال هذا فقد وهم من جهتين: إحداهما أنه لم يفهم من الآية أنها خبرٌ عما مضى، ولم يُقْصَدْ بها إثباتُ حكم مستقبل. الثاني: أنه لم يعلمْ أنَّ ذلك الأمنَ قد ذهب، وأنَّ القتلَ والقتالَ قد وقع بعد ذلك فيها، وخبرُ اللّه لا يقع بخلاف مخبره، فدلَّ ذلك على أنه كان في الماضي هذا. وقد ناقضَ أبو حنيفة، فقال: إذا لجأ إلى الحَرَم فإنَّه (٦) لا يُطعَم ولا يُسْقَى ولا يُعامَل ولا يُكلّم حتى يخرج، = وأخرج ابن أبي حاتم ٢/ ٧١١ عن سعيد بن جبير قال: الحجّ مقام إبراهيم. قال ابن كثير: هكذا رأيت في النسخة، ولعله: الحِجْر كلُّه مقام إبراهيم، وقد صرَّح بذلك مجاهد. (١) في معاني القرآن ١/ ٤٩٥ - ٤٩٦ . (٢) تفسير البغوي ٣٢٩/١، وانظر أحكام القرآن للجصاص ٢١/٢. (٣) قوله: لقوله تعالى، من (م)، وأحكام القرآن لابن العربي ٢٨٤/١. (٤) أخرجه الطبري ٥/ ٦٠٣. (٥) أحكام القرآن ٢٨٤/١ - ٢٨٥، وما قبله منه. (٦) لفظة: فإنه، ليست في (م). ٢١٢ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ فاضطراره(١) إلى الخروج ليس(٢) يصحُّ معه أمْنٌ. ورُوي عنه أنه قال: يقعُ القِصاص في الأطراف في الحرم، ولا أمنَ أيضاً مع هذا. والجمهورُ من العلماء على أنَّ الحدودَ تُقام في الحرم(٣)، وقد أمر النبيُّ # بقتل ابن خَطَلٍ وهو متعلّقٌ بأستار الكعبة (٤). قلت: ورَوَى الثوريُّ عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس: مَنْ أصابَ حدّاً في الحَرَمِ، أُقيمَ عليه فيه، وإنْ أصابَه في الحِلِّ ولجأ إلى الحرم، لم يُكلَّمْ ولم يُبابَعْ حتى يخرجَ من الحرم، فيقامَ عليه الحدّ(٥)؛ وهو قولُ الشَّعبي(٦). فهذه حجةٌ الكوفيين، وقد فهم ابن عباس ذلك من معنى الآية، وهو حَبْرُ الأمّةِ وعالِمُها. والصحيح أنه قصد بذلك تعديدَ النِّعم على كلٍّ من كان بها جاهلاً ولها منكراً من العرب، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَّا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، فكانوا في الجاهلية من دخله، لجأ إليه وأمِن من الغارة والقتل، على ما يأتي بيانه في ((المائدة)) إن شاء اللّه تعالى(٧). قال قتادة: ومن دخله في الجاهلية كان آمناً. وهذا حسن(٨). ورُوي أنَّ بعض المُلْحدة قال لبعض العلماء: أليس في القرآن: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا﴾؟ فقد دخلناه وفعلنا كذا وكذا، فلم يأمن من كان فيه! قال له: ألستَ من العرب؟! ما الذي يريد القائلُ: مَنْ دخلَ داري كان آمناً؟ أليس إنَّما يقول(٩) لمن (١) في (خ) و (ظ): فاضطره، وفي (د): فاضطروه، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٢٨٥/١ . (٢) في النسخ: وليس، والمثبت من (م)، وأحكام القرآن لابن العربي. (٣) الإشراف لابن المنذر ٢٩/٢ . (٤) سلف ٣/ ٢٤٤ . (٥) معاني القرآن للنحاس ٤٤٦/١. (٦) تفسير الطبري ٦٠٥/٥ . (٧) عند تفسير الآية (٩٧) منها. (٨) أخرجه الطبري ٥/ ٦٠١ . (٩) في (د) و(م): أن يقولُ. ٢١٣ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ أطاعه: كُفَّ عنه فقد أَمَّنتُه وكفَفتُ عنه؟! قال: بلى، قال: فكذلك قوله: ﴿وَمَن دَخَلَهُ. كَانَ مَامِنَا﴾. وقال يحيى بنُ جَعْدة: معنى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ يعني من النار(١). قلت: وهذا ليس على عمومه؛ لأنَّ في صحيح مسلم عن أبي سعيدِ الخُدرِيِّ حديثَ الشفاعةِ الطويل: ((فوالذي نفسي بيده، ما منكم من أحدٍ بأشَدَّ مناشدةً لله في استقصاء الحقِّ من المؤمنين لله يومَ القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون: ربَّنا، كانوا يصومون معنا، ويُصلُّون ويحُجّون، فيقال لهم: أخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُم ... )) (٢) الحديث. وإنما يكون آمِناً من النار من دخلَه لقضاء النُّسُكِ معظّماً له، عارفاً بحقّه، متقرّباً إلى الله تعالى. قال جعفر الصادق: من دخله على الصَّفاء كما دخله الأنبياءُ والأولياء، كان آمناً من عذابه. وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، خرجَ من ذنوبه كيومَ ولدَتْه أمُّه)) و ((الحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلَّا الجنة))(٣). قال الحسن: الحج المبرورُ هو أنْ يرجعَ زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة (٤). وأنشد(٥): دعوة مستشعرٍ ومحتاجٍ يا كعبةَ اللّهِ دعوة اللّاجِي فجاء ما بينَ خائفٍ راجي ودَّعَ أحبابَه ومسكّنه نجا، وإلا فليس بالنَّاجي إنْ يقبلِ اللّه سعيَه كرماً فاعطفْ على وافِد بنِ حَجَّاجِ(٦) وأنت ممَّن تُرجى شفاعتُه (١) أخرجه الطبري ٦٠٦/٥. (٢) صحيح مسلم (١٨٣)، وأخرجه أيضاً أحمد (١١١٢٧)، والبخاري (٧٤٣٩). وسيذكر المصنف قطعة منه عند تفسير قوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ من الآية (١٧٣) من هذه السورة. (٣) سلف ذكرهما ٣٢٤/٣. (٤) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٢٣٨/٣، وسلف ٣٢٤/٣ . (٥) في (د) و (ظ): وأنشدوا. (٦) لم نقف عليها. ٢١٤ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ وقيل: المعنى: ومن دخله عامَ عمرةٍ القضاءِ مع محمدٍ﴾ كان آمناً. دليلُه قولُه تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اَللَّهُ مَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. وقد قيل: إنَّ ((مَنْ)) هاهنا لمن لا يعقل، والآية في أمان الصيد، وهو شاذٌّ، وفي التنزيل: ﴿فَيِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ﴾ الآية [النور: ٤٥]. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ فيه تسع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ﴾ اللام في قوله: ((ولله» لامُ الإيجابِ والإلزام، ثم أكَّده بقوله تعالى: ﴿عَلَ﴾ التي هي من أوكد ألفاظِ الوجوبِ عند العرب، فإذا قال العربي: لفلان عليّ كذا، فقد وكّده وأوجبه. فذكر اللّه تعالى الحجَّ بأبلغ(١) ألفاظِ الوجوب تأكيداً لحقٌّه وتعظيماً لحُرْمته(٢). ولا خلافَ في فريضته(٣)، وهو أحدُ قواعدِ الإسلام، وليس يجب إلا مرةً في العمر. وقال بعضُ الناس: يجب في كلِّ خمسة أعوامٍ مرَّةٌ، ورَوَوْا في ذلك حديثاً أسندوه إلى النَّبِّ﴾، والحديثُ باطلٌ لا يصحُّ، والإجماع صادٌّ في وجوههم(٤). قلت: ذكر عبد الرزاق قال: حدَّثنا سفيان الثوريُّ، عن العلاء بن المسيِّب، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ أنَّ النبي :﴿ قال: ((يقول الربُّ جلَّ وعزَّ: إن عبداً أوسعتُ عليه في الرزق، فلم يَفِدْ(٥) إليَّ في كلِّ أربعة أعوامٍ لمحرومٌ)) (٦) مشهورٌ من حديث العلاء بنِ المسيِّب بن رافع الكاهليِّ الكوفيّ من أولاد المحدِّثين، روَى عنه (١) في (د) بأو كد. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢٨٥/١ . (٣) في (خ): فرضيّته. (٤) القبس ٥٣٩/٢ - ٥٤٠، والحديث الذي أشار إليه سيذكره المصنف لاحقاً. (٥) في النسخ الخطية: يَعُد، والمثبت من مصادر الحديث. (٦) هو في مصنف عبد الرزاق (٨٨٢٦). وأخرجه من طريقه الطبراني في ((الأوسط)) (٤٩٠)، وإسناده منقطع، لأن المسيِّب بن رافع - والد العلاء - لم يسمع من أبي سعيد الخدري، فقد قال ابن معين كما في تهذيب التهذيب: لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من البراء وأبي إياس عامر بن عقدة. ٢١٥ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ غيرُ واحد، منهم من قال: في خمسة(١) أعوامٍ (٢). ومنهم من قال: عن العلاء، عن يونس بن خَبَّاب(٣)، عن أبي سعيد، في غير ذلك من الاختلاف. وأنكرت الملحِدة الحَجَّ، فقالت: إنَّ فيه تجريدَ الثِّياب، وذلك يخالف الحياء، والسَّعَيَ؛ وهو يناقض الوَقَار، ورَمْيَ الجمارِ لغير مَرْمِيّ، وذلك يضادُّ العقل، فصاروا إلى أنَّ هذه الأفعال كلَّها باطلةٌ؛ إذ لم يعرفوا لها حِكمةً ولا عِلَّة، وجهلُوا أنه ليس من شرط المولى مع العبد أنْ يفهم المقصودَ بجميع ما يأمرُه به، ولا أنْ يطَّلعَ على فائدة تكليفِه، وإنما يتعينُ عليه الامتثال، ويلزمُه الانقياد من غير طلب فائدةٍ ولا سؤالٍ عن مقصود. ولهذا المعنى كان عليه الصلاة والسلام يقول في تلبيته: (لَبَّيْك حقّاً حقّاً، تعبُّداً ورِقّاً))، (لَيْك إلهَ الحقِّ))(٤). وروى الأئمة عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول اللّه﴾ فقال: ((أيها الناسُ، قد فَرَضَ اللّه عليكم الحجَّ فَحُجُوا)). فقال رجل: كلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول اللّه ﴾: ((لو قلت: نعم، لوجبتْ ولما استطعتُم)). ثم قال: ((ذرُوني ما تركتُكم، فإنما هلكَ مَنْ كان قَبلكم بكثرة مسائلهم(٥) ، واختلافِهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيءٍ فَأُتُوا منه ما استطعتُم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فدَعُوه)) لفظ (١) في (م): في كلِّ خمسة. (٢) أخرجه أبو يعلى (١٠٣١)، وابن حبان (٣٧٠٣). وأخرجه البيهقي في السنن ٢٦٢/٥ من حديث أبي هريرة، وضعف إسناده. وانظر الكامل لابن عدي ١٣٩٥/٤ - ١٣٩٦. (٣) في (خ): حباب، وفي (د): حبان، والمثبت من (ظ)، وذكر روايته البيهقي في السنن ٢٦٢/٥ . ويونس ابن خبَّاب قال فيه يحيى القطان: كان كذاباً، وقال ابن معين: رجل سوء ضعيف، وقال ابن حبان: لا تحلّ الرواية عنه، وقال البخاري: منكر الحديث. ميزان الاعتدال ٤٧٩/٤ . (٤) القبس ٥٧٦/٢. وقوله: ((لبيك حقّاً تعبدأ ورٍقًّا)) أخرجه البزار (كشف الأستار) (١٠٩٠)، والخطيب في تاريخ بغداد ٢١٥/١٤ من حديث أنس مرفوعاً، وأخرجه أيضاً البزار (١٠٩١) عن أنس موقوفاً، ونقل ابن الملقن في خلاصة البدر المنير ٣٦١/١ عن الدارقطني أن الموقوف الصحيح. وقوله: ((لبيَّك إله الحقِّ)) أخرجه أحمد (٨٤٩٧)، والنسائي ١٦١/٥، وابن ماجه (٢٩٢٠) من حديث أبي هريرة ﴾، وصححه الحاكم ٤٥٠/١، ووافقه الذهبي. (٥) في (م): سؤالهم. ٢١٦ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ مسلم (١). فبيَّنَ هذا الحديثُ أنَّ الخطابَ إذا توجَّهَ على المكلَّفين بفرضٍ أنه يكفي منه فعلُ مرَّة، ولا يقتضي التَّكرار، خلافاً للأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وغيره (٢). وثبت أنَّ النبيَّ :﴿ قال له أصحابه: يا رسول اللّه، أحجُّنا لعامِنا هذا أم للأبد؟ فقال: ((لا، بل للأبد))(٣) وهذا نصٍّ في الردِّ على مَنْ قال: يجب في كلِّ خمس سنين مرَّة. وقد كان الحجُّ معلوماً عند العرب مشهوراً (٤) لديهم، وكان مما يُرغبُ فيه لأسواقها وتَبَرُّرِها(٥) وتحتُّفِها؛ فلما جاء الإسلام خُوطبوا بما علموا، وأُلزموا بما عرفوا. وقد حجَّ النبيُّ# قبل حجِّ الفرض(٦)، وقد وقف بعرفة، ولم يغيِّر من شرع إبراهيمَ ما غيَّروا؛ حين كانت قريش تقف بالمَشْعَر الحرام ويقولون: نحن أهلُ الحرم، فلا نخرجُ منه، ونحن الْحُمْسُ (٧). حسب ما تقدَّم بيانه في ((البقرة))(٨). قلت: من أغرب ما رأيته أنَّ النبيَّ ◌َ# حجَّ قبلَ الهجرةِ مرتين(٩)، وأنَّ الفرضَ سقطَ عنه بذلك؛ لأنه قد أجاب نداءَ إبراهيمَ حينَ قيل له: ﴿وَأَذِّن فِىِ النَّاسِ بِالْحَجّ﴾ [الحج: ٢٧]. قال الكيا الطبري(١٠): وهذا بعيدٌ؛ فإنه إذا ورد في شرعه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ فلا بدَّ من وجوبه عليه بحكم الخطابِ في شرعه. ولئن قيل: إنما (١) برقم (١٣٣٧)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٠٦٠٧)، والنسائي ١١٠/٥ - ١١١. (٢) البرهان في أصول الفقه لأبي المعالي ١/ ١٦٤ . (٣) أخرجه أحمد (١٧٥٨٩)، والنسائي ١٧٨/٥ - ١٧٩ من حديث سراقة بن جُعْشُم ﴾، وأخرجه أيضاً أحمد (١٤١١٦) من حديث جابر ﴾ مطولاً، ووقع في (خ) و(ظ): أحجنا هذا لعامنا أم لأبد؟ فقال: لا، بل لأبد أبد. (٤) في أحكام القرآن لابن العربي ٢٨٦/١ : مشروعاً. (٥) قوله: تبرّرها، من التبرُّر، وهو الطاعة، القاموس (برر). ووقع في (ظ): وتبروها. (٦) أخرج الترمذي (٨١٥)، وابن ماجه (٣٠٧٦) عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن النبي # حجّ ثلاث حجج، حجتين قبل أن يُهاجر، وحجة بعد ما هاجر .. (٧) أحكام القرآن لابن العربي ٢٨٦/١ . (٨) ٢٣٤/٣ و٣٥٠. (٩) سلف قريباً. (١٠) في أحكام القرآن له ٣/ ٢٨٠، وما قبله منه. ٢١٧ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ خاطب من لم يحجَّ، كان تَحكُّماً وتخصيصاً لا دليل عليه، ويلزمُ عليه ألا يجبَ بهذا الخطابِ على من حجَّ على دِين إبراهيم. وهذا في غاية البعد. الثانية: ودلَّ الكتابُ والسنة على أنَّ الحجَّ على التراخِي، لا على الفور، وهو تحصيلُ مذهبٍ مالكٍ فيما ذكر ابن خُوَيز مَنْداد، وهو قولُ الشَّافعيِّ ومحمد بنِ الحسن وأبي يوسف في رواية عنه. وذهب بعضُ البغداديّين من المتأخرين من المالكيّين إلى أنه على الفور، ولا يجوز تأخيرُه مع القدرة عليه؛ وهو قولُ داود(١). والصحیحُ الأوَّل؛ لأنَّ اللّه تعالى قال في سورة الحج: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجِ يَأْتُكَ رِجَالًا﴾ [الآية: ٢٧]، وسورةُ الحجِّ مكية (٢). وقال تعالى: ﴿وَلِلَّرِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ الآية، وهذه السورةُ نزلت عام أُحُدٍ بالمدينة؛ سنةَ ثلاثٍ من الهجرة، ولم يحجَّ رسولُ اللّه ◌ِ﴾ إلى سنةٍ عشر. وأما السُّنَّة؛ فحديثُ ضِمام بنِ ثعلبة السَّعديِّ من بني سعد بن بكر، قدمَ على النبيِّ *، فسألَه عن الإسلام، فذكر الشهادةَ والصلاةَ والزكاةَ والصِّيامَ والحجَّ. رواه ابن عباس وأبو هريرة وأنس(٣)، وفيها كلِّها ذِكرُ الحج، وأنه كان مفروضاً، وحديثُ أنسٍ أحسنُها سياقاً وأتَمُّها. واختلف في وقت قدومه، فقيل: سنةَ خمس. وقيل: سنةَ سبع. وقيل: سنةً تسع، ذكره ابن هشام(٤) عن أبي عُبيدةً. الواقدي: عامَ الخَنْدَقِ بعد انصرافِ الأخْزَاب(٥). قال ابن عبد البر(٦): ومن الدليل على أنَّ الحجَّ على التراخي إجماعُ العلماء على (١) انظر التمهيد ١٦٣/١٦. (٢) ذكر المصنف أول سورة الحج؛ هل هي مكية أو مدنية، وصحح القول بأن منها المكيَّ ومنها المدنيَّ، وعزاه للجمهور. (٣) حديث ابن عباس أخرجه أحمد (٢٣٨٠)، وأبو داود (٤٨٧)، وحديث أبي هريرة أخرجه النسائي في المجتبى ١٢٤/٤، والكبرى (٢٤١٥)، وحديث أنس أخرجه أحمد (١٢٧٩١)، والبخاري (٦٣)، ومسلم (١٢). (٤) في السيرة ٢/ ٥٧٣ . (٥) التمهيد ١٦٧/١٦. (٦) في التمهيد ١٦/ ١٧٢ - ١٧٣. ٢١٨ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ ترك تفسِيقِ القادرِ على الحجِّ إذا أخَّرِه العامَ والعامين ونحوَهما، وأنه إذا حجَّ من بعد أعوامٍ من حين استطاعتِهِ، فقد أدَّى الحجَّ الواجبَ عليه في وقته، وليس هو عند الجميع كمن فاتته الصلاةُ حتى خرج وقتُها، فقضاها بعد خروج وقتِها، ولا كمن فاته صيامُ رمضانَ لمرض أو سفرٍ فقضاه، ولا كمن أفسدَ حجَّه فقضاه، فلما أجمعوا على أنه لا يقالُ لمن حجَّ بعد أعوام من وقت استطاعتِهِ: أنت قاضٍ لِما وجب عليك، علِمنا أنَّ وقتَ الحجِّ مُوسَّعٌ فيه، وأنه على التراخي، لا على الفور. قال أبو عمر(١): كلُّ من قال بالتراخي لا يَحُدُّ في ذلك حدّاً؛ إلا ما رُوِيَ عن سحنون وقد سُئل عن الرجل يجدُ ما يحجُّ به، فيؤخِّرُ ذلك إلى سنين كثيرةٍ مع قدرته على ذلك: هل يُفَسَّقُ بتأخيره الحجّ، وتُردُّ شهادته؟ قال: لا، وإنْ مضى من عمره ستون سنة، فإذا زاد على الستين فُسِّق، ورُدَّت شهادته. وهذا توقيفٌ وحَدٌّ، والحدودُ في الشرع لا تؤخذُ إلا عمَّن له أنْ يُشَرِّع. قلت: وحكاه ابن خُويز منداد عن ابن القاسم. قال ابنُ القاسم وغيره: إنْ أخّره ستين سنة لم يُحَرَّجْ، وإن أخَّره بعد الستين حُرِّج؛ لأنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((أعمارُ أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقَلَّ من يتجاوزها))(٢)، فكأنه في هذا العشرِ قد يتضايق(٣) عليه الخطاب. قال أبو عمر(٤): وقد احتج بعضُ الناس لسحنون(٥) بقوله ﴾: «مُعتَرَكُ أمّتي من (٦) الستين إلى السبعين، وقَلَّ من يجاوزُ ذلك))(٧). ولا حجةً فيه؛ لأنه كلامٌ خرج (١) التمهيد ١٦٤/١٦. (٢) أخرجه الترمذي (٢٣٣١) و (٣٥٥٠)، وحسَّنه، وابن ماجه (٤٢٣٦) من حديث أبي هريرة ﴾، وحسنه الحافظ في الفتح ١١/ ٢٤٠، وصححه ابن حبان (٢٩٨٠)، وأخرجه أبو يعلى (٢٩٠٢) بإسناد ضعيف عن أنس ﴾. وقد غمز ابن عبد البر في الحديث، كما سيرد. (٣) في (خ) و(ظ): تضايق. (٤) في التمهيد ١٦٦/١٦. (٥) في (م): كسحنون، وليست في (د)، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق للتمهيد. (٦) في (م): بين. (٧) هو حديث أبي هريرة السالف، وقد أخرجه بهذا اللفظ الرامهر مزي في أمثال الحديث ص٢٦، وأبو يعلى = ٢١٩ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ على الأغلب من أعمار أمّتِه لو صحَّ الحديث. وفيه دليلٌ على التوسعة إلى السبعين؛ لأنه من الأغلب أيضاً، ولا ينبغي أنْ يُقطعَ بتفسيقِ مَنْ صحّت عدالتُه وأمانتُه بمثل هذا من التأويل الضعيف. وبالله التوفيق. الثالثة: أجمع العلماء على أنَّ الخطابَ بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ عامٌّ في جميعهم مسترسلٌ على جملتهم. قال ابن العربيّ(١): وإن كان الناس قد اختلفوا في مطلق العموماتِ؛ بَيْدَ أنهم اتفقوا على حمل هذه الآيةِ على جميع الناسِ؛ ذَكَرِهم وأنثاهم، خلا الصغير، فإنه خارجٌ بالإجماع عن أصول التكليفِ، وكذلك العبدُ لم يدخلْ فيه؛ لأنه أخرجه عن مطلق العموم قولُه تعالى في التمام(٢): ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. والعبد غيرُ مستطيع؛ لأن السيِّدَ يمنعُه لحقوقه(٣) عن هذه العبادة. وقد قدَّم اللّه سبحانه حقَّ السَّيد على حقِّه رِفقاً بالعباد، ومصلحةً لهم. ولا خلافَ فيه بين الأمةِ ولا بين الأئمة، فلا نَهْرِف (٤) بما لا نعرِف، ولا دليلَ عليه إلا الإجماعُ. قال ابن المنذر: أجمع عامَّة أهلِ العلم - إلا من شَذَّ منهم ممن لا يعدُّ خلافاً - على أنَّ الصبيَّ إذا حَجَّ في حال صغره، والعبدَ إذا حجَّ في حال رِقِّه، ثم بلغ الصبيُّ وعَتَق العبدُ أنّ عليهما حجةَ الإسلام إذا وجدا إليه(٥) سبيلا (٦). وقال أبو عمر(٧): خالف داود جماعةَ فقهاءِ الأمصارِ وأئمة الأثرِ في المملوك، وأنه عنده مخاطبٌ بالحجّ. وهو عند جمهورٍ العلماء خارجٌ من الخطاب العامّ في قوله = (٦٥٤٣)، والخطيب في تاريخ بغداد ٤٧٦/٥ من حديث أبي هريرة بلفظ: (معترك المنايا ما بين .. ). (١) في أحكام القرآن ٢٨٧/١، وما قبله منه. (٢) في أحكام القرآن: في تمام الآية. (٣) في (خ) و(ظ): بحقوقه. (٤) أي: لا نهذي، ووقع في (د) و(خ): نهدف، وفي (ظ): تهتف ... تعرف. (٥) في (م): إليهما. (٦) نقل ابن قدامة المقدسي كلام ابن المنذر في المغني ٤٤/٥ . (٧) في التمهيد ١ / ١٠٧ - ١٠٨ . ٢٢٠ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ بدليل عدم التَّصرف، وأنه ليس له أنْ يحجَّ بغير إذنِ سيِّدِه، كما خرج من خطاب الجمعةِ، وهو قولُه تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩] عند عامَّةٍ العلماء إلا من شذَّ، وكما خرج من خطاب إيجابِ الشَّهادة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلم يدخلْ في ذلك العبدُ. وكما جاز خروجُ الصَّبيِّ من قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾، وهو من الناس بدليل رفعِ القلم عنه(١). وخرجت المرأةُ من قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ﴾ [الجمعة: ٩]، وهي ممّن شَمِلَهُ اسمُ الإيمان، فكذلك خروجُ العبيد(٢) من الخطاب المذكور. وهو قولُ فقهاءِ الحجاز والعراقِ والشَّامِ والمغرب، ومثلُهم لا يجوزُ عليهم تحريفُ تأويلٍ الكتاب(٣). فإن قيل: إذا كان حاضرَ المسجدِ الحرام وأذِن له سيِّدُه، فلِمَ لا يلزمُه الحجّ؟ قيل له: هذا سؤالٌ على الإجماع، وربما لا يُعَلّل ذلك، ولكن إذا ثبتَ هذا الحكمُ بالإجماع(٤) استدلَلْنا به على أنه لا يُعْتَدُّ بحجِّهِ في حال الرِّقِّ عن حَجَّة الإسلام، وقد رُوِيَ عن ابن عباس عن النبيِّ :﴿ أنه قال: ((أيُّما صبيٍّ حجَّ ثم أدرك، فعليه أنْ يحجّ حجةً أخرى، وأيُّما أعرابيٍّ حجَّ ثم هاجر، فعليه أنْ يحجَّ حجَّةٌ أخرى، وأيُّما عبدٍ حجَّ ثم أُعتق، فعليه أنْ يحجَّ حجةً أخرى(٥). (١) يشير المصنف إلى قوله : ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الغلام حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق)). أخرجه أحمد (٢٤٦٩٤)، وأبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي في المجتبى ١٥٦/٦، والكبرى (٥٥٩٦)، وابن ماجه (٢٠٤١) من حديث عائشة رضي الله عنها، وأخرجه أحمد (٩٤٠)، وأبو داود (٤٤٠٣)، والترمذي (١٤٣٣)، وابن ماجه (٢٠٤٢) من حديث علي ﴾، وفي الباب من حديث ثوبان وابن عباس وشداد بن أوس ﴾ ذكرها الزيلعيُّ في نصب الراية ١٦٤/٤ - ١٦٥، والهيثميُّ في مجمع الزوائد ٦/ ٢٥١ . (٢) في (د) و(م): وكذلك خروج العبد. (٣) التمهيد ١٠٨/١ . (٤) في (د) و (م): على الإجماع، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق لأحكام القرآن للكيا ١/ ٢٩٧، والكلام منه. (٥) أخرجه ابن خزيمة (٣٠٥٠)، والحاكم ١/ ٤٨١، والبيهقي ٣٢٥/٤، والخطيب في تاريخ بغداد =