Indexed OCR Text
Pages 181-200
: ١٨١ سورة آل عمران: الآيات ٧٥ - ٧٧ دليل، ولستُ أعلم أحداً من أهل القِيْلة قاله. وفي الخبر: لما نزلت هذه الآية قال النبي #: ((ما شيءٌ كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدميَّ، إلا الأمانةَ، فإنها مؤدَّةٌ إلى البَرِّ والفاجر))(١). قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْنَ بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (مَنْ)) رفع بالابتداء، وهو شرط. و((أوفَى)) في موضع جزم. و((اتقى)) معطوف عليه، أي: واتقى اللّه ولم يكذب، ولم يستحلَّ ما حرّم عليه. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: يحب أولئك(٢). وقد تقدّم معنی حبِّ اللّه لأوليائه. والهاء في قوله: ((بعهده)) راجعة إلى الله عزَّ وجلَّ، وقد جرى ذِكْره في قوله: ﴿﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ويجوز أن تعود على الموفي ومتَّقي الكفر والخيانة ونقضٍ العهد. والعهدُ مصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول(٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اَللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا أُوْلَكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ اٌلْأَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ فيه مسألتان : الأولى: روى الأئمة عن الأشعث(٤) بن قيس قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرضٌ، فجحدَني، فقدَّمتُه إلى النبيِّ﴾، فقال لي رسول الله ﴾: ((هل لك بيِّنة))؟ قلت: لا، قال لليهودي: ((احلفْ))، قلت: إذاً يحلفَ فيذهبَ بمالي، فأنزل اللّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية(٥). (١) تفسير الرازي ١٠٨/٨، وأخرج الخبر الطبريُّ في تفسيره ٥/ ٥١١ عن سعيد بن جبير مرسلاً. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٩/١. (٣) ينظر مجمع البيان للطبرسي ١٢١/٣، وتفسير الرازي ١٠٩/٨. (٤) في النسخ: روى الأشعث. والمثبت من (م). (٥) أسباب النزول للواحدي ص١٠٥، وأخرج هذا الخبر أحمد (٣٥٩٧)، والبخاري (٢٤١٦)، ومسلم (١٣٨) من حديث عبدالله بن مسعود ١٨٢ سورة آل عمران: الآية ٧٧ وروى الأئمة أيضاً عن أبي أمامةً أن رسول اللّه :﴿ قال: ((مَنِ اقتطعَ حقَّ امرئٍ مسلم بيمينه؛ فقد أوجب اللّه له النارَ، وحرَّم عليه الجنةً)). فقال له رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول اللّه؟ قال: ((وإنْ كان قضِيباً من أَرَاك))(١). وقد مضى في البقرة معنى: ﴿وَلَا يُكَلِمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾(٢). الثانية: ودلَّت هذه الآية والأحاديثُ أن حكم الحاكم لا يُحلُّ المالَ في الباطن بقضاء الظاهر إذا علم المحكومُ له بطلانَه. وقد روى الأئمة عن أمِّ سلمةً قالت: قال رسول اللّه﴾: ((إنكم تختصمون إليَّ، وإنما أنا بشرٌ، ولعلَّ بعضَكم أن يكونَ الْحَنَ بحجّته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحوٍ ممَّا أسمعُ منكم، فمَنْ قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئاً، فلا يأخُذْه؛ فإنما أقطعُ له قطعةٌ من النار يأتِي بها يومَ القيامة))(٣). وهذا لا خلافَ فيه بين الأمة (٤)، وإنما ناقض أبو حنيفة وغلا، فقال: إن حكم الحاكم المبنيَّ على الشهادة الباطلة يُحلُّ الفَرْجَ لمَنْ كان محرَّماً عليه(٥). كما تقدم في البقرة (٦). وزعم أنه لو شهد شاهدا زُورٍ على رجل بطلاق زوجته، وحكم الحاكم بشهادتهما، فإنَّ فَرْجَها يحلُّ لمتزوّجها ممن يعلم أن القضية باطل. وقد شُنِّع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح، وبأنه صان الأموالَ ولم يرَ استباحتَها بالأحكام الفاسدة، ولم يَصُن الفُروج عن ذلك، والفُروج أحقُّ أن يُحتاط لها وتُصان(٧). وسيأتي بطلان قوله في آية اللِّعان إنْ شاء اللّه تعالى(٨). (١) أخرجه أحمد (٢٢٢٣٩)، ومسلم (١٣٧)، وأبو أمامة راويه هو إياس بن ثعلبة الأنصاري الحارثي، وليس هو أبا أمامة الباهلي صُدَيّ بن عجلان وانظر شرح مسلم للنووي ١٦٠/٢ . (٢) ٥٠/٣ . (٣) أخرجه أحمد (٢٥٦٧٠)، والبخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (١٧١٣)، وقد سلف ذكره ٣٣٨/٢ . (٤) في (م): الأئمة. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢٧٨/١ . (٦) ٢٢٣/٣ . (٧) المفهم ١٥٨/٥. (٨) عند تفسير الآية (٦) من سورة النور. ١٨٣ سورة آل عمران: الآية ٧٨ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَغَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ ١٧٨ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يعني طائفةٌ من اليهود ﴿يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبٍ﴾. وقرأ أبو جعفر وشيْبَةُ: ((يُلوُّون)) على التكثير (١)، والمعنى(٢): يحرِّفون الكَلِمَ، ويعدِلون به عن القصد(٣). وأصلُ اللَّيِّ الميل. لَوى بيده، ولَوى برأسه: إذا أماله، ومنه قوله تعالى: ﴿لَيَّأَ بِأَلْسِنَِّهِمْ﴾ [النساء: ٤٦]، أي: عِناداً عن الحقِّ، ومَيْلاً عنه إلى غيره. ومعنى ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، أي: لا تُعَرِّجُون عليه، يقال: لَوَى عليه: إذا عرَّج وأقام. واللَّيُّ المَظْلُ. لواه بدَينِه يَلْوِيهِ لَيّاً ولِيَاناً: مَطَله (٤). قال: قد كنتُ داينتُ بها حسَّانا مخافةَ الإفلاسِ واللَّيَّانَا يُحسِنُ بيعَ الأصلِ والقِيانا(٥) وقال ذو الرُّمَّة : تريدين لَيَّانِي وأنتِ مَلِيَّةٌ وأُحسِنُ يا ذاتَ الوشاحِ التَّقَاضِيَا (٦) وفي الحديث: ((لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَه وعُقُوبِتَه))(٧). (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٩/١، والكشاف ٤٣٩/١، والمحرر الوجيز ٤٦٠/١، وقراءة أبي جعفر (وهو من العشرة) المشهورةُ عنه كقراءة الجماعة. (٢) في (م): التكثير: إذا أماله ومنه، والمعنى ... الخ وهو خطأ. فقوله: ((إذا أماله ومنه)) سيرد على الجادة في السطر بعده. (٣) معاني القرآن للزجاج ٤٣٥/١. (٤) الصحاح (لوى)، ومجمع البيان ٤/ ١٢٣، وتفسير الرازي ١١٣/٨. (٥) في النسخ: العيان، وهو خطأ. والرجز لرؤبة، وهو في ملحقات ديوانه ص ١٨٧ ، ونسبه ابن يعيش في شرح المفصل ٦/ ٦٥ لزياد العنبري، وقال في شرحه: القينة: الأمة، مغنية كانت أو غير مغنية، يريد أنه داينَ بها - يعني الإبل - حسان؛ لأنه مليء لا يماطل، مخافة أن يداين غيره ممن ليس بمليء، فيماطل لإفلاسه، والليّان مصدر بمعنى الليّ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((ليُّ الغني ظلم)). (٦) ديوان ذي الرُّمة ١٣٠٦/٢، وفيه: تسيئين بدل: تريدين، وأورده بلفظ المصنف الجوهري في الصحاح (لوی). (٧) سلف ٢٥٦/٣. ١٨٤ سورة آل عمران: الآيتان ٧٨ - ٧٩ وأَلْسِنَةٌ جمع لسانٍ في لغة من ذَكَّر، ومن أنَّثَ قال: أَلْسُن(١). قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِىِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُنُواْ رَبَّكَنِيْنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ اُلْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴿مَا كَانَ﴾ معناه: ما ينبغي، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا﴾ [النساء: ٩٢]، و﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]. و﴿مَّا يَكُونُ لَنَّا أَنْ تَتَكَلَّمَ ◌ِهَذَا﴾ [النور: ١٦]، يعني ما ينبغي. والبشر يقع للواحد والجمع؛ لأنه بمنزلة المصدر، والمراد به هنا عيسى في قول الضحَّاكِ والسُّدِّيّ(٢). والكتاب: القرآن. والحُكْم: العلمُ والفهم. وقيل أيضاً: الأحكام. أي: إنَّ اللّهَ لا يصطفي لنبوَّته الكَذَبةَ، ولو فعلَ ذلك بشرٌ لسلبه اللّه آياتِ النبوّةِ وعلاماتِها. ونصب ((ثم يقولَ)) على الاشتراك بين ((أنْ يؤتيَه)) وبين(٣) ((يقول)، أي: لا يجتمع لنبيَّ إتيانُ النبوّة وقولُه: ﴿كُنُواْ عِبَادًا لِ مِن دُونِ اَللَّهِ﴾. ﴿وَلَكِنْ كُنُواْ رَبِّكِيْعِنَ﴾، أي: ولكن جائزٌ أنْ يكونَ النبيُّ يقولُ لهم: كونوا ربَّانيّين. وهذه الآيةُ قيل: إنها نزلت في نصارى نَجْران(٤). وكذلك رُوِيَ أنَّ السورةَ كلَّها إلى قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ كان سببُ نزولِها نصارى نَجْران، ولكن مُزِجَ معهم اليهود؛ لأنهم فعلوا من الجَحْد والعِناد فِعلهم. والرَّبَّانِيُّون واحِدُهم رَبَّانِيٌّ، منسوبٌ إلى الرَّبّ. والربَّانِيُّ: الذي يُرَبِّي النَّاسَ بصغار العلم قبلَ كباره؛ وكأنه يقتدي بالربِّ سبحانه في تيسير الأمور(٥)؛ رُويَ معناه عن ابن عباس(٦). قال بعضهم: كان في الأصل: رَبِّيّ، فأدخلت الألف والنونُ للمبالغة؛ كما يقال (١) زاد المسير ٤١٢/١، وانظر الصحاح (لسن). (٢) تفسير البغوي ٣٢٠/١ . (٣) في (خ) و (ظ): ومن، وفي (د): وبين أن، والمثبت من (م)، ومعاني الزجاج ٤٥٦/١، والكلام منه. (٤) تفسير الطبري ٦/ ٥٣٩، وأسباب النزول للواحدي ص١٠٨ . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢٧٨/١ - ٢٧٩، وانظر تفسير البغوي ٣٢٠/١ . (٦) ذكره البخاري، باب العلم قبل القول والعمل. فتح الباري ١/ ١٦٠. ١٨٥ سورة آل عمران: الآية ٧٩ للعظيم اللحيةِ: لِحْيَانِيّ، ولعظيم الجُمَّةِ: جُمَّانيّ، ولغليظ الرَّقْبَةِ: رَقَباني(١). وقال المبرِّد: الرَّبَّانيُّون أربابُ العلم، واحدُهم رَبَّان، من قولهم: رَبَّه يَرُبُّه، فهو رَبَّان: إذا دَبَّره وأصلحه، فمعناه على هذا: يُدَبِّرون أمورَ النَّاسِ ويُصلحونها. والألف والنون للمبالغة كما قالوا: رَيَّان وعطشان، ثم ضُمت إليها ياءُ النِّسبةِ كما قيل: لِحْيانِيٌّ ورَقَبَانِيٍّ وَجُمّانيّ(٢). قال الشاعر: لو كنتُ مُرتَهناً في الجَوِّ أنزلني منه الحديثُ وربَّانيُّ أحباري (٣) فمعنى الربَّانِيِّ: العالِمُ بدين الرَّبِّ الذي يعمل بعلمه؛ لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم. وقد تقدم هذا المعنى في البقرة (٤). وقال أبو رَزِين: الربَّانيُّ: هو العالمُ الحكيم. وروى شعبةُ عن عاصم، عن زِرِّ، عن عبد الله بن مسعود ﴿وَلَكِن كُنُواْ رَبَِّيِّنَ﴾ قال: حكماء علماء. ابن جُبير: حكماء أتقياء. وقال الضَّحَّاك(٥): لا ينبغي لأحد أنْ يدعَ حفظَ القرآنِ جَهدَه، فإنَّ اللّه تعالى يقول: ﴿وَلَكِنْ كُنُواْ رَبِِّيِّينَ﴾. وقال ابن زيد: الرَّبَّانِيُّون: الولاة، والأحبار: العلماء. وقال مجاهد: الربّانيُّون فوقَ الأحبار. قال النحاس(٦): وهو قولٌ حسن؛ لأنَّ الأحبارَ هم العلماء. والربَّانيُّ الذي يجمع إلى العلم البصرَ بالسياسة، مأخوذٌ من قول العرب: رَبَّ أمرَ الناسِ: يَرُبُّه: إذا أصلحه وقام به، فهو رابٌّ، وربَّانِيٍّ على التكثير. قال أبو عبيدة: سمعت عالماً يقول: الربَّانيُّ: العالِمُ بالحلال والحرامِ والأمرِ والنهي، العارفُ بأنباء الأمّةِ، وما كان وما يكون(٧). (١) انظر كتاب سيبويه ٣/ ٣٨٠، ومعاني الزجاج ٤٣٥/١. (٢) تفسير البغوي ٣٢١/١، والوسيط ٤٥٦/١، وتفسير الرازي ١١٩/٨. (٣) لم نقف عليه. (٤) ١/ ٢١١ - ٢١٢، وهو في سورة الفاتحة، وليس في البقرة. (٥) أورده النحاس في إعراب القرآن ٣٩٠/١، وما قبله منه. (٦) في معاني القرآن ٤٢٩/١، وأخرج الأقوال السالفة الطبري ٥٤٠/٦ - ٥٤٣. (٧) تفسير البغوي ٣٢٠/١ . ١٨٦ سورة آل عمران: الآية ٧٩ وقال محمد بنُ الحنفِيَّة يوم مات ابنُ عباس: اليومَ مات ربَّانِيُّ هذه الأمّة (١). ورُويَ عن النبيِّ :﴿ أنه قال: ((ما من مؤمنٍ ذكرٍ ولا أنثى؛ حرِّ ولا مملوكٍ، إلا ولله عزَّ وجلَّ عليه حقٌّ أنْ يتعلمَ من القرآن، ويتفقَّه في دينه، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَكِن كُنُوا رَبَِّنَ﴾ الآية. رواه ابن عباس(٢). قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ قرأه أبو عمرو وأهل المدينة بالتخفيف؛ من العلم. واختار هذه القراءةً أبو حاتم. قال أبو عمرو: وتصديقُها (تَدْرُسُون))، ولم يقل: ((تُدَرِّسون)) بالتشديد من التدريس. وقرأ ابن عامر وأهلُ الكوفة: ((تُعلّمون)) بالتشديد من التعليم؛ واختارها أبو عبيد. قال: لأنها تجمع المعنيّين: (تَعْلَمون، وتدرسون))(٣). قال مَكّيّ(٤): التشديد أبلغ؛ لأنَّ كلَّ معلِّم عالمٌ بمعنى يَعْلم(٥)، وليس كلُّ من عَلِم شيئاً مُعَلِّماً، فالتشديدُ يدلُّ على العلم والتّعليم، والتخفيفُ إنما يدلُّ على العلم فقط، فالتعليم أبلغُ وأمدح، وغيرُه أبلغ في الذَّمّ. احتجَّ من رجَّح قراءة التخفيفِ بقول ابن مسعود: ﴿كُونُواْ رَبَِّنِينَ﴾ قال: حكماء علماء(٦)؛ فيبعد أنْ يقالَ: كونوا فقهاءَ حكماء بتعليمكم. قال الحسن: كونوا حكماءَ علماء بعلمكم (٧). وقرأ أبو حَيْوَة: ((تُدْرِسون))، من أدرس يُدرِس(٨). وقرأ مجاهد: (تَعلّمون)) بفتح (١) أورده الزمخشري في الكشاف ٤٤٠/١، والطبرسي في مجمع البيان ١٢٧/٣، وابن الجوزي في غريب الحديث ٣٧٢/١ . (٢) أورده الطبرسي في مجمع البيان ١٢٧/٣، ولم يذكر راويه. وفيه: من العلم، بدل: من القرآن. (٣) وقرأ بالتخفيف أيضاً ابن كثير. انظر السبعة ص٢١٣، والتيسير ص٨٩، والحجة للفارسي ٥٨/٣ - ٦١ . (٤) في الكشف عن وجوه القراءات ٣٥١/١ . (٥) في الكشف: عالم بما يعلّم. (٦) أورده النحاس في إعراب القرآن ١/ ٣٩٠، وسلف قريباً. (٧) أخرجه الطبري ٦/ ٥٤١ . (٨) المحتسب ١٦٣/١، وذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٦٣/١ عنه أيضاً: تَدرِسُون، بكسر الراء، وقال: هذا على أنه يقال في مضارع درس: يَدْرُسُ، ويَدرِسُ. اهـ. وذكر ابن عطية أيضاً وابن خالويه ص٢١ عنه: تُدَرِّسُون، بضم التاء وكسر الراء وشدّها، بمعنى: تُدَرِّسُون غيركم، وذكر ابن خالويه عنه أيضاً: تَدَرَّسُون، بفتح التاء والتشديد . :: ١٨٧ سورة آل عمران: الآيتان ٧٩ - ٨٠ التاء وتشديد اللام، أي: تتعلمون(١). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْ الْمَتِكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُّكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ ٨٠ قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بالنصب عطفاً على ﴿أَن يُؤْتِيَهُ﴾(٢). ويقوّيه أنَّ اليهودَ قالت للنبيِّ ﴾: أتريد أنْ نتَّخذَك يا محمد رَبّاً؟ فقال اللّه تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَّهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَّكُمْ﴾(٣). وفيه ضميرُ: البشر، أي: ولا يأمرَكم البشرُ، يعني عيسى وعُزَيراً. وقرأ الباقون بالرفع (٤) على الاستئناف والقطع من الكلام الأوّل، وفيه ضميرُ اسم اللّه عزَّ وجلَّ، أي: ولا يأمرُكم الله أنْ تتخذوا. ويقوِّي هذه القراءةَ أنَّ في مصحفَ عبدِ اللّه: ((ولن يأمرَكم)). فهذا يدلُّ على الاستئناف، والضميرُ أيضاً لله عزَّ وجلَّ، ذكّره مكِّي(٥)، وقاله سيبويه والزجَّاج(٦). وقال ابن ◌ُريج وجماعة: ولا يأمركم محمدٌ عليه الصلاة والسلام(٧). وهذه قراءةُ أبي عمرو والكِسائي وأهلِ الحرمين(٨) .. ﴿أَنْ تَتَّخِذُواْ﴾، أي: بأنْ تتخذوا الملائكة والنبيين أرْبَاباً. وهذا موجودٌ في النصارى؛ يعظّمون الأنبياء والملائكةً حتى يجعلوهم لهم أرباباً (٩). ﴿أَيَأْمُنَّكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾؛ على طريق الإنكارِ والتعجب؛ فحرَّم الله (١) المحرر الوجيز ٤٦٣/١، وزاد نسبتها للحسن، والقراءات الشاذة ض٢١، ونسبها لسعيد بن جبير. (٢) السبعة ص ٢١٣، والتيسير ص٨٩ . (٣) أخرجه الطبري ٥٣٩/٦. (٤) عدا البصريّ، فإنه قرأ بالإسكان والاختلاس. انظر التيسير ص٨٩. (٥) في الكشف عن وجوه القراءات ١/ ٣٥٠ - ٣٥١، وانظر السبعة ص ٢١٣، وتفسير الطبري ٥٤٨/٦، والحجة ٥٨/٣، والمحرَّر الوجيز ٤٦٣/١ . (٦) الكتاب ٥٢/٣، ومعاني القرآن للزجاج ٤٣٦/١. (٧) أخرجه الطبري ٦/ ٥٤٦ . (٨) یعني الرفع، وقد سلف ذكرها. (٩) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٠/١. ١٨٨ سورة آل عمران: الآيتان ٨٠ - ٨١ تعالى على الأنبياء أنْ يتخذوا الناسَ عباداً يتألَّهون لهم، ولكن ألزمَ الخلقَ حرمتَهم. وقد ثبت عن النبيِّ# أنه قال: ((لا يقولنَّ أحدُكم: عَبْدِي وأَمَتِي، وليقلْ: فَتايَ وفتاتِي، ولا يقل أحدكم: ربِّي، وليقل: سَيِّدِي))(١). وفي التنزيل: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَيِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]. وهناك يأتي بيانُ هذا المعنى إنْ شاء اللّه تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبيِّنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ٨١ ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّيْهِدِينَ قيل: أخذ اللّه تعالى ميثاقَ الأنبياءَ أنْ يصدِّقَ بعضُهم بعضاً، ويأمرَ بعضُهم بالإيمان بعضاً؛ فذلك معنى النُّصرةِ بالتصديق. وهذا قولُ سعيد بنِ جُبير وقَتادةً وطاوس والسُّدِّيّ والحسن(٢)، وهو ظاهرُ الآية. قال طاوس: أخذ اللّه ميثاقَ الأوَّلِ من الأنبياء أنْ يؤمن بما جاء به الآخِر. وقرأ ابن مسعود: ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ))(٣). قال الكسائي: يجوز أنْ يكونَ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّيْنَ﴾ بمعنى: وإِذْ أخذ اللّه ميثاقَ الذين مع النبيين. وقال البصريون: إذا أخذ الله ميثاقَ النبيين، فقد أخذَ ميثاقَ الذين معهم؛ لأنهم قد اتبعوهم وصدّقوهم. و ((ما)) في قوله (لَمَا)) بمعنى الذي(٤). قال سيبويه(٥): سألت الخليل بن أحمد عن قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ (١) أخرجه أحمد (٩٤٥١)، والبخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩) من حديث أبي هريرة ﴾. (٢) تفسير الطبري ٦/ ٥٥٥ - ٥٥٦ . (٣) أخرجه الطبري ٥٣٨/٥ - ٥٣٩ عن ابن مسعودٍ، وأُبيّ بن كعب. قال أبو حيان في البحر المحيط ٥٠٨/٢ : وهذا لا يصحُّ عنه؛ لأن الرواة الثقات نقلوا عنه أنه قرأ: النبيين، كعبدالله بن كثير وغيره، وإن صحَّ ذلك عن غيره فهو خطأ مردود بإجماع الصحابة على مصحف عثمان. (٤) معاني القرآن للنحاس ١/ ٤٣٠ - ٤٣١، وقراءة ابن مسعود أخرجها الطبري ٦/ ٥٥٣. (٥) في الكتاب ١٠٧/٣ . ١٨٩ سورة آل عمران: الآية ٨١ النَّبيِّنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ﴾، فقال: ((ما))(١) بمعنى الذي. قال النحاس(٢): التقدير على قول الخليل: لَلذي آتيتُكموه، ثم حذف الهاء لطول الاسم. و ((الذي)) رفعٌ بالابتداء، وخبرُه: ((من كتاب وحكمة)). و((مِن)) لبيان الجنس. وهذا كقول القائل: لزيدٌ أفضلُ منك؛ وهو قولُ الأخفشِ أنها لامُ الابتداء(٣). قال المَهْدوِيُّ: وقولُه: ((ثم جاءكم)) وما بعدَه جملةٌ معطوفة على الصِّلة، والعائدُ منها على الموصول محذوف؛ التقدير: ثم جاءكم رسولٌ مصدّقٌ به (٤). چ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّفٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُّنَّهُ﴾ ؛ الرسول هنا محمدٌ﴾ في قول عليٍّ وابن عباس رضي الله عنهما(٥)، واللفظ وإن كان نكرةً؛ فالإشارة إلى معين؛ كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُطْمَيِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ [النحل: ١١٢-١١٣]. فأخذ الله ميثاقَ النبيِّين أجمعين أنْ يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام وينصروه إنْ أدركوه، وأمرَهم أنْ يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم(٦). واللام من قوله: ((لَتُؤْمِنُنَّ به)) جوابُ القسم الذي هو أَخذُ الميثاق، إذ هو بمنزلة الاستحلاف. وهو كما تقول في الكلام: أخذتُ ميثاقَك لتَفعلَنَّ كذا، كأنك قلت: أستحلفُك، وفَصَلَ بين القَسَم وجوابهِ بحرف الجرّ الذي هو ((لِما)) في قراءة ابن كَثير (٧) على ما يأتي. ومن فتحَها جعلَها متلقيةً للقسم الذي هو أخذُ الميثاق. واللام في (لَنَؤْمنُنَّ به)) جوابُ قسمٍ محذوف، أي: واللّه لتؤمنَّ به(٨). (١) في (د) و (م) : لما، والمثبت من (خ) و (ظ). (٢) في إعراب القرآن ١/ ٣٩١، ونقل المصنف عنه قول سيبويه. (٣) معاني القرآن للأخفش ٤١٣/١ . (٤) بعدها في (د) زيادة: وهي متعلقة بأخذ، وانظر مشكل إعراب القرآن ص ١٦٣ - ١٦٤. (٥) تفسير الطبري ٦/ ٥٥٥ - ٥٥٦ . (٦) معاني القرآن للزجاج ٤٣٨/١، والمحرر الوجيز ٤٦٤/١ - ٤٦٥ . (٧) كذا قال المصنف رحمه الله، وهو خطأ، والذي قرأ بكسر اللام من السبعة حمزة كما سيأتي، وانظر معاني القرآن للفراء ٢٢٥/١، ومشكل إعراب القرآن لمكي ١٦٥/١. (٨) الحجة ٦٤/٣، ومشكل إعراب القرآن ص ١٦٥، والمحرر الوجيز ٤٦٤/١. ١٩٠ سورة آل عمران: الآية ٨١ وقال المبرّد والكسائيُّ والزجاج(١): ((ما)) شرطٌ دخلت عليها لامُ التحقيق كما تدخل على ((إنْ))، ومعناه: لَمهما(٢) آتيتُكم، فموضع ((ما)) نصب، وموضع ((آتيتكم)) جزم، و((ثم جاءكم)) معطوفٌ عليه، ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ،﴾ اللام في قوله: ((لتؤمننَّ به)) جوابُ الجزاء، كقوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ﴾ [الإسراء: ٨٦]، ونحوه. وقال الكسائيّ: لَتؤمنُنَّ به مُعْتمدُ القسم، فهو مثَّصلٌ بالكلام الأول، وجوابُ الجزاء قولُه: ﴿فَمَنْ تَوَّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾، ولا يحتاج على هذا الوجهِ إلى تقديرِ عائد(٣). وقرأ أهل الكوفة: (لِمَا آتيتكم)) بكسر اللام(٤)، وهي أيضاً بمعنى الذي، وهي متعلقةٌ ب ((أخذ))، أي: أخذَ اللّه ميثاقَهم لأجل الذي آتاهم من كتاب وحكمةٍ، ثم إن جاءكم رسولٌ مصدّقٌ لما معكم لتؤمننَّ به من بعد الميثاق؛ لأنَّ أخذَ الميثاقٍ في معنى الاستحلاف كما تقدَّم(٥). قال النحاس(٦): ولأبي عبيدةً في هذا قولٌ حَسَن. قال: المعنى: وإذ أخذ الله ميثاقَ الذين أوتوا الكتاب لتؤمنن به لما آتيتكم من ذكر التوراة، وقيل: في الكلام حذفٌ، والمعنى: وَإِذْ أخذ الله ميثاقَ النبيّينِ لَتُعَلِّمُنّ الناسِ لِمَا جاءكم من كتاب وحكمة، ولتأخذنَّ على الناس أنْ يؤمنوا. ودلَّ على هذا الحذفِ: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىّ﴾. وقيل: إنَّ اللامَ في قولِه: ((لِما)) في قراءة من كَسرَها بمعنى بَعْد، يعني: بَعْدَ ما آتيتُكم من كتاب وحكمة(٧)، كما قال النابغة: (١) في معاني القرآن ٤٣٦/١. (٢) في (د): ما، وفي (ظ): لما، والمثبت من (خ). (٣) تفسير الطبري ٦/ ٥٥١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٩١/١، ومشكل إعراب القرآن ص١٦٦ - ١٦٧. (٤) هي قراءة حمزة وحده من السبعة، وانظر السبعة ٢١٣، والتيسير ص٨٩ . (٥) معاني القرآن للفراء ٢٢٥/١، والمحرر الوجيز ٤٦٤/١ . (٦) في إعراب القرآن ٣٩٢/١ . (٧) نقل هذا المعنى السجاوندي عن صاحب النظم، فيما ذكره أبو حيان في البحر ٢/ ٥١٢، وذكره أيضاً السمين الحلبي في الدر المصون ٢٨٧/٣ - ٢٨٨ واستغربه وقال: لا أدري ما حمله على ذلك؟ وكيف ينتظم هذا كلاماً، إذ يصير تقديره: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين بعد ما آتيناكم، ومَن المخاطب بذلك؟ ١٩١ سورة آل عمران: الآية ٨١ لستَّةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ(١) توهّمتُ آياتٍ لها فعرفتُها أيْ : بعد ستَّةِ أعوام. وقرأ سعيد بنُ جُبير: (لَمَّا)) بالتشديد(٢)، ومعناه: حينَ آتيتُكم. واحتمل أنْ يكون أصلُها التخفيف، فزيدت ((مِن)) على مذهب من يرى زيادتها في الواجب، فصارت لَمِن ما، وقُلبت النون ميماً للإدغام، فاجتمعت ثلاثُ ميمات، فحذفت الأولى منهنَّ استخفافاً(٣) وقرأ أهل المدينة: ((آتيناكم)) على التعظيم، والباقون: ((آتيتُكم)) على لفظ الواحد (٤). ثم كلُّ الأنبياءِ لم يُؤْتَوا الكتاب، وإنما أُوتي البعضُ؛ ولكن الغلبة للذين أوتوا الكتاب، والمراد أخذُ ميثاقٍ جميع الأنبياء، فمن لم يؤت الكتاب، فهو في حكم من أُوتي الكتابَ؛ لأنه أوتي الحُكْمَ والنبوّة. وأيضاً من لم يؤت الكتاب أُمر بأنْ يأخذّ بكتابٍ مَنْ قبلَه، فدخل تحتَ صفةٍ مَنْ أُوتي الكتاب(٥). قوله تعالى: ﴿ءَأَفْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَأْ قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَمَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ﴾ ((أقررتم)) من الإقرار، والإِضر والأَضر لغتان، وهو العهد. والإصْرُ في اللغة الثّقْل؛ فَسُمِّي العهدُ إصراً؛ لأنه مَنْعٌ وتشديد(٦). ﴿قَالَ فَأَشْهَدُواْ﴾، أي: اعلموا؛ عن ابن عباس(٧). الزجَّاج: بيِّنوا؛ لأنَّ الشاهدّ هو الذي يصحّح دعوى المدَّعِي(٨). (١) ديوان النابغة الذبياني ص٧٩، والكتاب ٨٦/٢ . (٢) الكشاف ٤٤١/١، وزاد المسير ٤١٥/١، ونسبها ابن جني في المحتسب ١٦٤/١ للأعرج. قال الزمخشري: ومعناها: لَمِنْ أجل ما آتيتكم لتؤمننَّ به، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى. (٣) الكشاف ٤٤١/١، والمحرر الوجيز ٤٦٥/١ . (٤) السبعة ص٢١٤، والتيسير ص٨٩ . (٥) ينظر تفسير الرازي ١٢٦/٨. (٦) معاني القرآن للنحاس ٤٣٢/١، وزاد المسير ٤١٦/١. (٧) أورده البغوي ١/ ٣٢٢ . (٨) معاني القرآن للزجاج ٤٣٧/١، وفيه: تبينوا لأن ... ١٩٢ سورة آل عمران: الآيات ٨١ - ٨٤ وقيل: المعنى: اشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم. ﴿وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ﴾ عليكم وعليهم. وقال سعيد بنُ المسيِّب: قال الله عزَّ وجلَّ للملائكة: فاشهدوا عليهم، فتكون كنايةً عن غير مذكور(١). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ (٨٢) ((مَنْ)) شرط، والمعنى(٢): فمن تولَّى من أمم الأنبياءِ عن الإيمان بعدَ أخذِ الميثاق ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾(٣) أي: الخارجون عن الإيمان. والفاسق: الخارج. وقد (٤) تقدم(٤). قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اُللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن ◌ِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ ◌َؤْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (3َجَ قُلْ ءَامَنَا بِالَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَاَلْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَلَّبِيُونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ٢٨٤ قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اَللَّهِ يَبْغُونَ﴾ قال الكَلْبِي: إنَّ كعب بنَ الأشرفِ وأصحابَه اختصموا مع النصارى إلى النبيِّ :﴿، فقالوا: أيُّنا أحقُّ بِدين إبراهيم؟ فقال النبيُّ﴾: ((كِلَا الفريقين بريءٌ من دِينه)). فقالوا: ما نرضى بقضائك، ولا نأخذُ بِدينك، فنزل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اَللَّهِ يَبْغُونَ﴾ يعني يطلبون(٥). ونصبت ((غیر)) بـ ((بیغون))، أي: يبغون غيرَ دينِ اللّه. وقرأ أبو عمرو وحده: ((يبغون)) بالياء على الخبر ((وإليه تُرجعون)» بالتاء على المخاطبة. قال: لأنَّ الأوَّلَ خاصٌّ، والثاني عامٌ، ففرَّق بينهما لافتراقهما في المعنى. وقرأ حفص وغيره: ((يبغون، ويُرجعون)) بالياء فيهما(٦)؛ (١) تفسير البغوي ١/ ٣٢٢. (٢) لفظة: ((والمعنى)) من (خ) و(ظ). (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٢/١. (٤) ١ / ٣٦٨ - ٣٦٩ . (٥) تفسير أبي الليث ٢٨١/١ - ٢٨٢، وانظر أسباب النزول للواحدي ص١٠٨. (٦) هي رواية حفص عن عاصم فقط من السبعة، ووافقه من العشرة يعقوب، ولكن بفتح الياء في (يَرجعون). انظر النشر ٢٤١/٢، وانظر التعليق التالي. ١٩٣ سورة آل عمران: الآيتان ٨٣ - ٨٤ لقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾. وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب؛ لقوله: ﴿لَمَّ ءَاتَّيْتُكُمْ مِّنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ﴾. والله أعلم(١). قوله تعالى: ﴿وَلَهُ: أَسْلَمَ﴾ أي: استسلم وانقاد وخضع وذلَّ، وكلُّ مخلوقٍ فهو منقادٌ مستسلم؛ لأنه مجبولٌ على ما لا يقدر أن يخرج عنه. قال قتادة(٢): أسلم المؤمن طوعاً، والكافر عند موته كرهاً، ولا ينفعه ذلك؛ لقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَناً﴾ [غافر: ٨٥]. قال مجاهد: إسلامُ الكافرِ كَرهاً بِسجودِهِ لِغير اللّه، وسجودِ ظِلِّه لله، ﴿أَوْلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَنَفَيَّوُاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآَيِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمُ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨]، ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَظِلَلُهُم بِلْغُدُوِّ وَاْلَصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]. وقيل: المعنى أنَّ اللّه خلق الخلق على ما أراد منهم؛ فمنهم الحَسَنُ والقبيح، والطويلُ والقصيرُ، والصحيح والمريضُ، وكلُّهم منقادون اضطراراً، فالصحيح منقادٌ طائعٌ محبٌّ لذلك، والمريض منقادٌ خاضع وإن كان كارهاً(٣). والطّوْع: الانقياد، والاتباعُ بسهولة. والكَرْهُ: ما كان بمشقّةً وإباءٍ من النَّفْس. و﴿طَوَّعًا وَكَرْهًا﴾ مصدران في موضع الحال، أي: طائعين ومُكرهين. وروى أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ﴿ في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهًا﴾، قال: ((الملائكة أطاعوه في السماء، والأنصارُ وعبدُ القَيْس في الأرض)) (٤). وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تَسُبُّوا أصحابي، فإنَّ أصحابي أسلموا من خوف اللّهِ، وأسلم الناسُ من خوف السَّيف))(٥). (١) السبعة ص ٢١٤، والتيسير ص٨٩، والحجة ٦٩/٣ - ٧٠، والكشف ١/ ٣٥٣ . (٢) تفسير الطبري ٦ / ٥٦٦ - ٥٦٧ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٢/١ . (٤) أخرجه الديلمي في مسنده (٧١٨١)، وأخرج نحوه الطبراني في الكبير (١١٤٧٣). وفي إسناده محمد بن محصن العكاشي، وهو متروك كما ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٢٦/٦. وأخرجه الطبري ٦ / ٥٦٧ من قول مطر الورَّاق، وابنُ أبي حاتم ٦٩٦/٢ من قول الحسن. (٥) لم نقف عليه بهذا اللفظ، غير أن قوله: ((لا تسبُّوا أصحابي)) أخرجه أحمد (١١٠٧٩)، والبخاري = ١٩٤ سورة آل عمران: الآيات ٨٣ - ٨٥ وقال عِكْرمة: ((طوعاً): مَنْ أسلمَ من غير مُحاجَّة، ((وكَرْهاً)): مَن اضطرته الحجةُ إلى التوحيد، يدلُّ عليه قولهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]. قال الحسن: هو عمومٌ معناه الخصوص. وعنه: ﴿أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ﴾، وتمَّ الكلام، ثم قال: ﴿وَاْأَرْضِ لَوْعًا وَكَرْهًا﴾. قال: والكارهُ: المنافقُ لا ينفعُه عملُه. و((طوعاً وكرهاً)) مصدران في موضع الحال(١). عن مجاهد عن ابن عباس قال: إذا استصعبتْ دابَةُ أحدِكم، أو كانت شَمُوساً، فليقرأ في أذنها هذه الآية: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ الَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَوَعًا وَكَرْهَا﴾ إلى آخر الآية(٢). قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ اَلْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ ٨٥ الْخَسِرِينَ (غير)) مفعول بـ ((يبتغ))، ((دينا)) منصوبٌ على التفسير، ويجوز أنْ ينتصبَ ((ديناً)» بـ (يبتغ))، وينتصب ((غير)) على أنه حالٌ من الدِّين(٣). قال مجاهد والسُّدِّيّ: نزلت هذه الآيةُ في الحارث بن سُويد أخو الجُلَاس بن سُويد، وكان من الأنصار، ارتدَّ عن الإسلام هو واثنا عشرَ معه، ولحقُوا بمكةً كفاراً، فنزلت هذه الآية، ثم أرسل إلى أخيه يطلب التوبة. ورُوِيَ ذلك عن ابن عباس وغيره. = (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤٠) من حديث أبي سعيد . وسيرد ص١٧١ من هذا الجزء. (١) تكرر هذا الكلام قريباً. (٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٤) من حديث أنس # بنحوه، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٥/٨: فيه محمد بن عبيد بن عمير، وهو متروك. وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٥١٠) من قول يونس بن عبيد. (٣) مشكل إعراب القرآن ص١٦٨. ١٩٥ سورة آل عمران: الآيتان ٨٥ - ٨٦ قال ابن عباس: وأسلم بعد نزولِ الآيات(١). ﴿وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِينَ﴾ قال هشام: أي(٢): وهو خاسرٌ في الآخرة من الخاسرين؛ ولولا هذا لفرقت بين الصلة والموصول. وقال المازني: الألف واللام مثلُها في الرجل. وقد تقدَّم هذا في البقرة عند قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [الآية: ١٣٠]. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ وَشَهِدُوّأْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَ هُمُ الْبَيِّنَاتُّ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَّالِمِينَ ١٨٦ قال ابن عباس: إنَّ رجلاً من الأنصار أسلم، ثم ارتدَّ ولحقَ بالشرك، ثم ندم، فأرسل إلى قومه: سَلُوا لي رسولَ اللّه﴾: هل لي مِنْ توبة؟ فجاء قومُه إلى رسول اللّه ◌ِ﴾، فقالوا: هل له من توبة؟ فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، فأرسل إليه، فأسلم. أخرجه النسائي(٣) . وفي رواية(٤): أنَّ رجلاً من الأنصار ارتدَّ، فَلَحِقَ بالمشركين، فأنزل الله: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، فبعث بها قومُه إليه، فلما قرئت عليه قال: والله ما كَذَبَني قومي على رسول اللّهِ ﴾، ولا كذَبَ(٥) رسولُ اللّه ◌ِ﴾ على (٦) اللّه، واللّه عزَّ وجلَّ أصدقُ الثلاثة؛ فرجع تائباً، فقَبِلَ منه رسولُ اللّه ◌ِ﴾ وترگه. وقال الحسن(٧): نزلت في اليهود؛ لأنهم كانوا يبشِّرون بالنبيِّ ل﴿، ويَسْتَفْتِحون (١) تفسير الطبري ٦/ ٥٧٢ - ٥٧٣ . (٢) لفظة أي، من (م)، وإعراب القرآن للنحاس ٣٩٣/١، والكلام منه. وهشام المذكور: هو ابن معاوية النحوي. (٣) في المجتبى ٧/ ١٠٧ . (٤) عند البيهقي ٧/ ١٩٧ . (٥) في (د) و(م): أكذبت، والمثبت من (خ) و (ظ). (٦) في (د) و(م): عن، والمثبت من (ظ). (٧) أخرجه الطبري ٦/ ٥٧٥، وأورده النحاس في معاني القرآن ٤٣٤/١. ١٩٦ سورة آل عمران: الآيات ٨٦ - ٨٩ على الذِين كفروا، فلما بُعِث، عانَدُوا وكفَروا، فأنزلَ اللّه عزَّ وجلَّ: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَّهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ثم قيل: ((كيف)) لفظة استفهام، ومعناه الجَخد، أي: لا يهدي اللّه. ونظيرُه قولُه: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُّ عِندَ الَّهِ وَعِندَ رَسُولِ﴾ [التوبة: ٧]، أي: لا يكون لهم عهد(١)، وقال الشاعر: كيف نومي على الفراش ولَمَّا يشملِ القومَ غارةٌ شَعْواءٌ(٢) أي: لا نومَ لي. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يقال: ظاهرُ الآية أَنَّ(٣) مَن كفر بعد إسلامه لا يهديه اللّه، ومن كان ظالماً لا يهديه اللّه، وقد رأينا كثيراً من المرتدِّین قد أسلموا وهداهم اللّه، وكثيراً من الظالمين تابوا عن الظلم. قيل له: معناه: لا يهديهم اللّه ما داموا مقيمين على كفرهم وظلمِهم، ولا يُقِلون على الإسلام، فأما إذا أسلموا وتابوا، فقد وفَّقهم اللّه لذلك. والله تعالى أعلم (٤). قوله تعالى: ﴿أُوْلَبِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيَّهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( خَلِينَ فِيهَا لَا يُخَفَُّ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنَظَرُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيدٌ (٨٩ أي: إنْ دامُوا على كفرهم. وقد تقدَّم معنى لعنةِ اللّه والناس في ((البقرة))(٥) فلا معنى لإعادته. ﴿وَلَ هُمْ يُظَرُونَ﴾ أي: لا يؤخَّرُون ولا يؤجَّلُون، ثم استثنى التائبين، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ هو الحارث بنُ سُوَيْد كما تقدَّم(٦). ويدخلُ في الآية بالمعنى كلُّ من (١) مجمع البيان ١٣٥/٣، والوسيط ٤٦٠/١، وزاد المسير ٤١٨/١ . (٢) قائله عُبيد الله بن قيس الرُّقَيَّات، وهو في ديوانه ص٩٥، وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٦٣، وفيها: الشام، بدل: القوم. (٣) لفظة أنَّ، من (م). (٤) تفسير أبي الليث ٢٨٣/١ . (٥) ٤٨٥/٢ - ٤٨٦ . (٦) ص١٩٤ من هذا الجزء. ١٩٧ سورة آل عمران: الآيات ٨٧ - ٩٠ رجع إلى الإسلام(١) وأخلص. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُغْرًا لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَتِكَ هُمُ الضَآَلُونَ قال قتادة وعطاء الخراسانيُّ والحسن: نزلت في اليهود؛ كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفراً بمحمد 8# والقرآن. وقال أبو العالية: نزلت في اليهود والنصارى؛ كفروا بمحمد ﴿ بعد إيمانهم بنعته وصفتِه، ((ثم ازدادوا كفراً)» بإقامتهم على كفرهم. وقيل: ((ازدادوا كفراً)) بالذنوب التي اكتسبوها(٢). وهذا اختيارُ الطبريِّ(٣)، وهي عنده في اليهود. ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ مشكلٌ لقوله: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]. فقيل: المعنى لن تُقْبَلَ توبتُهم عند الموت. قال النحاس(٤): وهذا قولٌ حسن، كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْثُ قَالَ إِنِِّ تُبْتُ اُلْتَنَ﴾ [النساء: ١١٨]. ورُوي عن الحسن وقتادةً وعطاء(٥). وقد قال: ((إنَّ اللّه يقبلُ توبةَ العبد ما لم يُغَرْغِرْ))(٦). وسيأتي في ((النساء)) بيانُ هذا المعنی(٧) . وقيل: ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَّوْبَتُّهُمْ﴾ التي كانوا عليها قبل أنْ يكفُروا؛ لأنَّ الكفر قد (١) في (خ) و (د) و(م): راجع الإسلام ، والمثبت من (ظ). (٢) تفسير الطبري ٥/ ٥٦٤ - ٥٦٥، وتفسير البغوي ٣٢٤/١. (٣) في تفسيره ٥٦٥/٥ . (٤) في إعراب القرآن ١/ ٣٩٤ . (٥) تفسير الطبري ٥/ ٥٦٤، والمحرر الوجيز ٤٧٠/١. (٦) أخرجه أحمد (٦١٦٠)، والترمذي (٣٥٣٧)، وابن ماجه (٤٢٥٣) من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، وفي الباب عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عند أحمد (٦٩٢٠). (٧) عند تفسير الآية (١١٨) منها. ١٩٨ سورة آل عمران: الآيتان ٩٠ - ٩١ أحبطُها(١)، وقيل: ((لن تقبل توبتُهم)) إذا تابوا من كفرهم إلى كفر آخرَ؛ وإنما تقبلُ توبتُهم إذا تابوا إلى الإسلام(٢). وقال قطرب: هذه الآيةُ نزلت في قوم من أهل مكةً؛ قالوا : نتربَّصُ بمحمد ريب المَنون، فإنْ بدا لنا الرَّجعةُ رجعنا إلى قوّمنا، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرَاً لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾، أي: لن تُقبلَ توبتُهم وهم مقيمون على الكفر، فسماها توبةً غيرَ مقبولة؛ لأنه لم يصحّ من القوم عزٌ، واللّه عزَّ وجلَّ يقبل التوبةَ كلَّها إذا صحَّ العزم(٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُوَأْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ اُلْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اُفْتَدَى بِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌ وَمَا لَهُم مِّنِ نَِّينَ المِلْءُ، بالكسر: مقدارُ ما يملأ الشَّيء، والمَلْءُ، بالفتح: مصدر ملأتُ الشّيءَ، ويقال: أعطني مِلْأَه ومِلْأَيْه وثلاثةَ أمْلائِهِ(٤). والواو في ((ولَوِ افْتَدَى بِهِ)) قيل: هي مقحمةٌ زائدة؛ المعنى: فلن يُقْبلَ من أحدهم مِلُْ الأرضِ ذهباً لو افتدى به. وقال أهل النظرِ من النحويين: لا يجوز أنْ تكونَ الواوُ مقحمةً؛ لأنها تدلُّ على معنى. ومعنى الآية: فلن يُقبلَ من أحدهم مِلْءُ الأرضِ ذهباً تبرُّعاً ولو افتدى به(٥). و(ذهباً)) نصبٌ على التفسيرِ في قول الفرَّاء(٦). قال المفضّل: شرطُ التفسير أنْ يكونَ الكلامُ تامّاً وهو مُبْهَمٌ؛ كقولك: عندي عشرون، فالعدد معلومٌ، والمعدودُ مبهم؛ فإذا قلت: درهماً، فَسَّرْتَ. وإنما نُصِبَ التمييزُ؛ لأنه ليس له ما يخفضُه ولا ما (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٤/١. (٢) معاني القرآن للنحاس ٤٣٦/١. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٤/١، وانظر تفسير البغوي ٣٢٤/١. (٤) الصحاح (ملأ) . (٥) معاني القرآن للنحاس ٤٣٧/١، وانظر معاني الزجاج ٤٤١/١، وتفسير البغوي ٣٢٥/١. (٦) في معاني القرآن له ١/ ٢٢٥ . ١٩٩ سورة آل عمران: الآيتان ٩١ - ٩٢ يرفعُه، وكان النصب أخفَّ الحركات، فجُعِلَ لكلِّ ما لا عاملَ فيه (١). وقال الكسائيّ(٢): نُصب على إضمار مِنْ، أي: من ذهب؛ كقوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: من صيام. وفي البخاريِّ ومسلم عن قتادةً، عن أنس بن مالك أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ قال: ((يُجاء بالكافر يومَ القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك ملءُ الأرض ذهباً، أكنت تَفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد كنتَ سُئلتَ ما هو أيسرُ من ذلك)). لفظ البخاري. وقال مسلم بدل ((قد كنت)): ((كذبتَ، قد سُئلتَ))(٣). قوله تعالى: ﴿لَنْ نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا نُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِ، عَلِيمٌ ﴾﴾ فيه مسألتان: الأولى: رَوى الأئمةُ - واللفظُ للنسائي - عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَن ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو طلحة: إنَّ ربَّنا لَيسألُنا من أموالنا، فأُشهِدُك يا رسولَ الله أنِّي جعلتُ أرضي لله. فقال رسول اللّه :﴾: ((اجعلها في قَرابتك، في حسان بن ثابت وأُبيِّ بن كعب))(٤). وفي الموطأ(٥): وكانت أحبَّ أمواله إليه بَيْرَحاء(٦)، وكانت مستقبلةَ المسجد، (١) تفسير الرازي ٨/ ١٤٠. (٢) لم نقف على قوله، وأورده السمين في الدر المصون ٣٠٦/٣. (٣) صحيح البخاري (٦٥٣٨)، وصحيح مسلم (٢٨٠٥) (٥٣)، وهو عند أحمد (١٢٣١٢). (٤) أخرجه أحمد (١٤٠٣٦)، والبخاري (١٤٦١)، ومسلم (٩٩٨)، وأبو داود (١٦٨٩)، والترمذي (٢٩٩٧)، والنسائي في المجتبى ٢٣١/٦ - ٢٣٢ واللفظ له، وفي الكبرى (١١٠٠١)، وفيه: فجعلها في حسان ... ، وهو الموافق لروايات الحديث الأخرى. (٥) ٢ / ٩٩٥ - ٩٩٦ . (٦) في بعض النسخ: بئرحاء، بإضافة البئر إلى الحاء، قال الفيروز أبادي في القاموس (برح): بَيْرَحَى، كفَّيْعَلَى: أرض بالمدينة، ويصخِّفها المحدّثون: بئرحاء، وقال في (الحا): اسم رجل ينسب إليه بترحاء بالمدينة، وقد يقصر. وقال ابن الأثير في النهاية (برح): هذه اللفظة كثيراً ما تختلف ألفاظ المحدثين فيها، فيقولون: بيرحاء، بفتح الباء وكسرها، وبفتح الراء وضمها، والمد فيهما، وبفتحهما والقصر، وهي اسم مال وموضع بالمدينة، وقال الزمخشري في الفائق: إنها فَيْعَلَى من البَراح، وهي الأرض الظاهرة. ٢٠٠ سورة آل عمران: الآية ٩٢ وكان رسولُ اللّهِ﴾ يدخلُها ويشرَبُ من ماء فيها طيِّبٍ. وذكر الحديث. ففي هذه الآية دليلٌ على استعمال ظاهرِ الخطاب وعمومه، فإنَّ الصحابةَ رضوانٌ اللّه عليهم أجمعين لم يفهموا من فحوى الخطابِ حين نزلت الآية غيرَ ذلك. ألا ترى أبا طلحةً حين سمع ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ﴾ الآية، لم يحتجْ أنْ يقفَ حتى يردَ البيانُ الذي يريدُ اللّهُ أنْ ينفقَ منه عبادُه بآيةٍ أخرى، أو سُنةٍ مبيّنةٍ لذلك، فإنهم يحبُّون أشياءَ كثيرة. وكذلك فعل زيدُ بنُ حارثة؛ عَمِدَ مما يحبُّ إلى فرس يقال له: سَبَل، وقال: اللّهمَّ إنك تعلمُ أنه ليس لي مالٌ أحبَّ إليَّ من فرسي هذه. فجاء بها إلى النبيِّ ﴾، فقال: هذا في سبيل اللّه، فقال لأسامةَ بن زيد: ((إِقْبِضْه)). فكأنَّ زيداً وجدَ من ذلك في نفسه، فقال رسول اللّه ﴿]: ((إنَّ اللّهَ قد قَبِلَها منك)). ذكره أسد بنُ موسى(١). وأعتق ابنُ عمر نافعاً مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله بنُ جعفر ألف دينار. قالت صفية بنتُ أبي عبيد: أظنه تأوَّل قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا ◌ُونَ﴾. ورَوى شِبلٌ عن ابن أبي نَجِيح(٢)، عن مجاهد قال: كتب عمر بنُ الخطاب إلى أبي موسى الأشعريِّ أنْ يبتاعَ له جاريةٌ من سَبْي جَلُولاء يومَ فتحِ مدائنِ كِسْرَى، فقال سعد بنُ أبي وقاص: فدعا بها عمرُ، فأعجبته، فقال: إنَّ اللّهَ عزَّ وجلَّ يقول: ﴿أَنْ ثَالُواْ آلْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾، فأعتقَها عمرُ ﴾(٣). ورُويَ عن الثوريِّ أنه بلغَه أنَّ أمَّ ولدِ الرَّبيع بن خُثيم قالت: كان إذا جاءه السَّائل (١) وأخرجه مرسلاً عبد الرزاق ١٢٦/١ (تفسير)، والطبري ٥/ ٥٧٧ عن أيوب السختياني، و٥٧٦/٥ عن عمرو بن دينار، وسعيد بن منصور في التفسير (٥٠٧) عن محمد بن المنكدر. (٢) في (د) و (م): عن أبي نجيح، وهو خطأ، والمثبت من (خ). (٣) تفسير مجاهد ١٣١، وأخرجه الواحدي في الوسيط ٤٦٣/١ - ٤٦٤ من طريق شبْل به. وأخرجه الطبري ٥٧٤/٥ من طريق عيسى عن ابن أبي نجيح به. وأورده النحاس في معاني القرآن ٤٣٩/١، والبغوي ٣٢٦/١، وقوله: جلولاء: ناحية من نواحي السَّواد في طريق خُراسان؛ بها الوقعة المشهورة على الفرس للمسلمين سنة (١٦ هـ)، فاستباحهم المسلمون، فسميِّت جلولاء الوقيعة. انظر معجم البلدان ١٥٦/٢ .