Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ سورة آل عمران: الآية ٢٦ قال ابن إسحاق: أعلمَ اللّه عزَّ وجلَّ في هذه الآية بعنادِهم وكُفرهم، وأن عيسى ﴿ وإن كان اللّه تعالى أعطاه آياتٍ تدلُّ على نُبوَّته من إحياء الموتى وغير ذلك؛ فإن اللّه عزَّ وجلَّ هو المنفردُ بهذه الأشياء، من قوله: ﴿تُؤْتِ الْمُلْكَ مَنْ تَشَآءُ وَتَنِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَةٌ وَتُمِزُ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَدٌَّ﴾، وقوله: ﴿تُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِّ وَتُخْرِجُ الْعَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَتُخْرِجُ أَلْمِيَّتَ مِنَ الْعَّيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فلو كان عيسى إلهاً، كان هذا إليه، فكان في ذلك اعتبارٌ وآيةٌ بَيِّنة (١) . قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ اختلف النحويُّون في تركيب لفظة ((اللّهمَّ)» بعد إجماعهم أنها مضمومةُ الهاء مشدّدةُ الميم المفتوحة، وأنَّها منادى(٢)، وقد جاءت مخفّفة المیم في قول الأعشى: كدَعْوَةٍ من أبي رِياحِ يسمعُها اللَّهُمُ الكُبَارُ(٣) قال الخليل وسيبويه(٤) وجميعُ البصريِّين: إن أصل اللّهم: يا اللّه، فلما استُعملت الكلمةُ دون حرف النداء الذي هو ((يا)) جعلوا بدلَه هذه الميم المشدَّدة، فجاؤوا بحرفين، وهما الميمان عوضاً من حرفين، وهما الياء والألف، والضمَّة في الهاء هي ضمَّةُ الاسم المنادى المفرد. وذهب الفرَّاء والكوفيُّون(٥) إلى أن الأصل في اللَّهم: يا اللّه أُمَّنا بخير، فحذف وخلط الكلمتين، وأنَّ الضمَّةَ التي في الهاء هي الضمةُ التي كانت في أُمَّنا؛ لما حُذفت الهمزةُ انتقلت الحركة(٦) . (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٥/١. (٢) المحرر الوجيز ٤١٧/١ . (٣) ديوان الأعشى ص٣٣٣ وروايته: يسمعها لاهُهُ الكبار، وتفسير الطبري ٢٩٨/٦، وخزانة الأدب ٢٦٦/٢ . قال البغدادي: أبو رياح: رجل من بني ضُبيعة، وهو حصن بن عمرو بن بدر، وكان قتل رجلاً من بني سعد ابن ثعلبة، فسألوه أن يحلف أو يعطي الدِّيّة، فحلفَ ثم قُتل بعد حلفته، فضربته العرب مثلاً لما لا يغني من الحلف. والكُبار، بضم الكاف وتخفيف الموحدة: صيغة مبالغة الكبير، بمعنى العظيم. (٤) الكتاب ٢٥/١ و١٩٦/٢. (٥) معاني القرآن ٢٠٣/١، والزاهر لابن الأنباري ٥١/١. (٦) المحرر الوجيز ٤١٧/١ وعنه نقل المصنف قول الخليل وسيبويه والفراء. ٨٢ سورة آل عمران: الآية ٢٦ قال النحاس(١): هذا عند البصريِّين من الخطأ العظيم، والقولُ في هذا ماقاله الخليلُ وسییویه. قال الزجَّاج(٢): مُحالٌ أن يُترك الضمُّ الذي هو دليلٌ على النِّداء المفرَد، وأن يُجعل في اسم اللّه ضمَّةُ أُمَّ، هذا إلحادٌ في اسم اللّه تعالى. قال ابن عطية (٣): وهذا غلوٍّ من الزجَّاج، وزَعَم أنه ما سُمع قطّ: يا اللّه أُمَّ، ولا تقولُ العرب: يا اللّهُمَّ. وقال الكوفُّون: إنه قد يَدخل حرفُ النّداء على ((اللَّهُمَّ))، وأنشدوا على ذلك قول الرَّاجز: غفرْتَ أو عَذَّبْتَ يا اللّهما (٤) آخر: سبَّحْتِ أو هَلَّلتٍ يا اللّهُمَّ ما(٥) وما عليكِ أن تقولِي كلَّما فإنَّنا من خَيرٍ لن نُعْدَما (٦) أُرْدُدْ علينا شيخَنا مُسَلَّما · آخر: أقولُ يا اللَّهِمَّ يا اللَّهمَّا(٧) إِنِّي إذا ما حَدَثٌ أَلمَّا (١) في إعراب القرآن ٣٦٤/١. (٢) في معاني القرآن ١/ ٣٩٣. (٣) في المحرر الوجيز ١/ ٤١٧ . (٤) البيت في الصحاح (ليه)، والإنصاف لابن الأنباري ٣٤٣/١. (٥) في (ظ): يا اللهمًّا، والمثبت من باقي النسخ، وذكر البغدادي في الخزانة ٢٩٦/٢ أن الزجَّاجي أنشده على أن ((ما)» تزاد قليلاً بعد ((يا اللهمّ)). (٦) الرجز في معاني القرآن للفراء ٢٠٣/١، وتفسير الطبري ٢٩٧/٦، ومعاني القرآن للزجاج ٣٩٤/١ ، والزاهر لابن الأنباري ٥١/١، والجمل للزجاجي ص ١٦٥، وتهذيب اللغة ٤٢٦/٦، والإنصاف ٣٤٢/١، والمحرر الوجيز ٤١٧/١، وخزانة الأدب ٢٩٦/٢ على اختلاف في بعض ألفاظه، ورواية الطبري: يا اللهما . (٧) الرجز في نوادر أبي زيد ص ١٦٥، والزاهر لابن الأنباري ٥١/١، وسر صناعة الإعراب لابن جني ٤١٩/١ و٤٣٠، وتهذيب اللغة ٦ / ٤٢٦، وشرح المفصل ١٦/٢، وأمالي ابن الشجري ٣٤٠/٢، والإنصاف ٣٤١/١، والخزانة ٢٩٥/٢ . ٨٣ سورة آل عمران: الآية ٢٦ قالوا: فلو كانت الميمُ عوضاً من حرف النِّداء لما اجتمعا. قال الزجَّاجِ(١): وهذا شاذٌّ لا يُعرف قائلُه، ولا يترك له ما في(٢) كتاب اللّه، وفي جميع ديوان العرب، وقد ورد مثلُه في قوله: هما نفَثًا في فيَّ من فَمَوَيْهِما على النَّابِحِ العَاوِي أَشَدَّ رِجَامٍ(٣) قال الكوفيُّون: وإنما تُزاد الميمُ مخفَّفةً في فَم وابْنِم، وأما ميم مشدّدة فلا تُزاد (٤). وقال بعض النحويِّين: ما قاله الكوفيُّون خطأ، لأنه لو كان كما قالوا، لكان يجب أن يُقال: ((اللّهم))، ويُقتصر عليه؛ لأنه معه دعاء. وأيضاً (٥) فقد تقول: أنت اللّهم الرزَّاق. فلو كان كما اذَّعَوْا؛ لكنتَ قد فصلتَ بجملتين بين الابتداء والخبر. وقال النَّضْرُ بنُ شُمَيْل: من قال: اللَّهم، فقد دعا اللّه تعالى بجميع أسمائه كلُّها . وقال الحسن: ((اللّهم)) تجمعُ الدعاء(٦). قوله تعالى: ﴿مَلِكَ الْمُلْكِ﴾ قال قتادة: بلغني أن النبيَّ :﴿ سأل الله عزَّ وجلَّ أن يُعطِيَ أمَّتَه مُلْكَ فارس، فأنزل الله هذه الآية(٧) . وقال مقاتل: سأل النبيُّ﴾ أن يجعلَ اللّه له مُلْكَ فارس والروم في أمَّته، فعلَّمه (١) في معاني القرآن ٣٩٤/١. (٢) في (م): ما كان في. (٣) قائله الفرزدق، والبيت في ديوانه ص٧٧١ وفيه: تفلا ... لجام، والكتاب ٣٦٤/٣ و٦٢٢، والخزانة ٤ /٤٦٠. قوله: هما نفثا: ضمير التثنية راجع إلى إبليس وابنه، ونفثا: ألقيا على لساني، والنابح: أراد به من يتعرض للهجوم والسبّ من الشعراء، وأصله في الكلب، ومثله العاوي، والرِّجام: مصدر راجمه بالحجارة، أي: راماه، جعل الهجاء كالمراجمة لجعله كالكلب النابح. قاله البغدادي في الخزانة، وذكر أن الشاهد في البيت هو الجمع بين البدل والمبدل منه، وهما الميم والواو. (٤) المحرر الوجيز ٤١٧/١ وعنه نقل المصنف قول الزجاج. (٥) في (ظ): لأنه معه دعاء، ودليله ما تقدم من قول بعضهم: إني ما حدث ألمًّا أقول يا اللهم يا اللهما، إلى غير ذلك مما جاء في كلام العرب المقتدى بأقوالهم في اللغة، وأيضاً ... (٦) المحرر الوجيز ٤١٧/١ . (٧) أخرجه الطبري ٦/ ٣٠٠ . ٨٤ سورة آل عمران: الآية ٢٦ اللّه تعالى بأن يدعوَ بهذا الدعاء(١). وقد تقدَّم معناه. و ((مالك)) منصوبٌ عند سيبويه على أنَّه نداءٌ ثان، ومثله قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ الشَمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٦]، ولا يجوز عنده أن يُوصف اللَّهم؛ لأنه قد ضُمَّت إليه الميم(٢). وخالفه محمد بنُ يزيد وإبراهيم بن السَّريّ الزجَّاج فقالا(٣): ((مالِك)) في الإعراب صفةٌ لاسم اللّه تعالى، وكذلك ﴿فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ . قال أبو علي: وهو مذهبُ أبي العباس المبرِّد، وما قاله سيبويه أضْوَبُ وأبْيَنُ؛ وذلك أنه ليس في الأسماء الموصوفة شيءٌ على حدِّ ((اللَّهم))؛ لأنه اسمٌ مفرَدٌ ضُمَّ إليه صوت، والأصوات لا تُوصف، نحو: غَاقْ، وما أشبهه. وكان حكم الاسم المفرد ألّا يوصَف، وإن كانوا قد وصفوه في مواضِعَ، فلما ضُمَّ هنا ما لا يُوصَف إلى ما كان قياسُه ألَّا يوصَف، صار بمنزلة صوتٍ ضُمَّ إلى صوت، نحو: حَيَّهل، فلم يُوصَف(٤). و﴿اَلْمُلْكِ﴾ هنا النبوَّةُ، عن مجاهد. وقيل: الغَلَبةُ. وقيل: المالُ والعبيدُ(٥). الزجَّاج(٦): المعنى: مالك العباد وما مَلَكُوا. وقيل: المعنى: مالك الدّنيا والآخرة(٧). ومعنى ﴿تُؤْقِ اَلْمُلْكَ﴾ أي: الإيمانَ والإسلامَ. ﴿مَنْ تَشَآءُ﴾ أي: مَن تشاء أن تُؤْتِيَه إياه، وكذلك ما بعدَه، ولا بدّ فيه من تقدير الحذف، أي: وتَنزِعُ الملْكَ ممَّن تشاءُ أن تَنْزِعَه منه، ثم حُذف هذا، وأنشد سيبويه(٨). (١) تفسير أبي الليث ١/ ٢٥٧، وينظر العُجاب لابن حجر ٦٧٥/٢. (٢) الكتاب ١٩٦/٢ - ١٩٧. (٣) في النسخ الخطية: وإبراهيم بن السري والزجَّاج فقالوا، وهو خطأ، فالزجَّاج هو إبراهيم بن السَّريّ. وكلام محمد بن يزيد (وهو المبرد) في المقتضب ٢٣٩/٤، وكلام الزجَّاج في معاني القرآن ٣٩٤/١، وقد نقلهما المصنف مع كلام سيبويه عن إعراب القرآن للنحاس ١/ ٣٦٥. (٤) المحرر الوجيز ٤١٧/١، وعنه نقل المصنف كلام أبي علي، ولم نقف عليه. (٥) معاني القرآن للنحاس ٣٧٨/١، وأخرج أثر مجاهد الطبري ٣٠٠/٦ - ٣٠١. (٦) معاني القرآن ١/ ٣٩٢. (٧) النكت والعيون ٣٨٣/١ وعنه نقل المصنف كلام الزجاج. (٨) في الكتاب ٢٤٦/٢ و٦٩/٣ ونسب البيت للأسود بن يعفر، وهو في نوادر أبي زيد ص١٥٩، وأمالي ابن الشجري ١/ ١٩٣. ٨٥ سورة آل عمران: الآيتان ٢٦ - ٢٧ ألا هل لهذا الذَّهرِ من مُتعلَّلِ على الناس مهما شاء بالناسِ يفْعَلِ قال الزجاج(١): مهما شاء أن يفعل بالناس يفعل. وقوله: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَآءُ﴾ يقال: عزَّ إذا غَلب(٢)، ومنه ﴿وَعَزَّنِ فِى الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]. ﴿وَتُذِلُ مَن تَشَدَءُ﴾ ذَلَّ يَذِلُّ ذُلّا؛ إذا غُلِبَ وعُلِيَ (٣) وقُهِر، قال طَرَفة: ذليلٍ، بأَجْماع الرِّجال مُلهَّدٍ(٤) بطيءٍ عن الجُلَّى سريعٍ إلى الخَّنَا ﴿بِيَدَِّكَ الْخَيْرٌ﴾ أي: بيدك الخيرُ والشَّر، فحذف كما قال: ﴿سَرَبِيلَ تَقِكُمُ اَلْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، وقيل: خَصَّ الخير؛ لأنه موضعُ دعاء ورغبة في فضله. قال النقَّاش: بيدك الخير، أي: النَّصرُ والغنيمةُ(٥). وقال أهلُ الإشارات: كان أبو جهل يملك المالَ الكثير، ووقع في الرَّسِّ يوم بدر، والفقراءُ صُهَيْب وبِلال وخبَّاب لم يكن لهم مال، وكان مُلكهم الإيمان. ﴿قُلِ اَللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ﴾ تقيمُ الرسولَ يتيمَ أبي طالب على رأس الرَّسِّ حتى يُنادِيَ أبداناً قد انقلبت إلى القَلِيب: يا عُتْبَة، يا شَيْبَة. ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشََُ﴾ أي صُهَيْبُ، أي بِلالُ، لا تعتقدوا أنَّا منعناكم من الدُّنيا ببغضِكم. ﴿بَِدَِ الْخَيْرٌ﴾ ما مَنْعُكُم مِن عَجْز ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ إنْعامُ الحقِّ عامٌّ يتولَّى من يشاء. قوله تعالى: ﴿تُولِعُ اَلَيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِّ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ V وَتُخْرِجُ أَلْمِيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسُّدِّيّ في معنى قوله ﴿تُولِجُ الَّيْلَ فِی (١) في معاني القرآن له ٣٩٣/١، ومعاني القرآن للنحاس ٣٧٩/١، وعنه نقل المصنف كلام الزجاج وإنشاد سيبويه . (٢) في (م): إذا علا وقهر وغلب. (٣) في (د) و(ظ) و(م): علا، وهو خطأ، والمثبت من (خ). (٤) معاني القرآن ٣٧٩/١ للنحاس. والبيت في ديوان طرفة ص٤٦. قوله: الجُلَّى: الأمر الجليل ، والخنا: الفحشاء، يقول: إذا ناب القومَ أمرٌ جليل بطؤ عنه ولم يشارك في دفعه، وإن أحسّ بفساد ودناءة أسرع إلى ذلك ولم يتخلف عنه، والأجماع: جمع جُمْع، وهو قبض الرجل أصابعه، وشدّه إياها للَّكز، والملهّد: المدفّع . قاله الشنتمري في شرح الديوان. (٥) المحرر الوجيز ٤١٧/١. ٨٦ سورة آل عمران: الآية ٢٧ النَّهَارِ﴾ الآية، أي: تُدخلُ ما نَقصَ من أحدهما في الآخر، حتی یصیرَ النھارُ خمس عشرةَ ساعة، وهو أطولُ مايكون، والليلُ تسعَ ساعات، وهو أقصرُ ما يكون، وكذا ﴿ُتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللّيْلِ﴾. وهو قولُ الكلبيِّ، ورُوي عن ابن مسعود(١). وتحتمل ألفاظُ الآية أن يدخلَ فيها تعاقُبُ الليل والنهار، كأنَّ زوالَ أحدِهما وُلوجٌ في الآخر. واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ فقال الحسن: معناه: تُخرج المؤمنَ من الكافر، والكافرَ من المؤمن، ورُويَ نحوُه عن سَلْمَانَ الفارسيّ(٢). وروى مَعْمَر عن الزُّهريِّ أن النبيَّ # دخل على نسائه؛ فإذا بامرأةٍ حسنةٍ الهيئة، قال: ((مَن هذه))؟ قلْن: إحدى خالاتك. قال: ((ومن هي))؟ قلن: هي خالدة بنتُ الأسود بنِ عبد يغوث. فقال النبيُّ﴾: ((سبحان الذي يُخرج الحيَّ من الميت)». وكانت امرأةً صالحة، وكان أبوها كافراً(٣). فالمرادُ على هذا القول موتُ قلبِ الكافر وحياةُ قلبِ المؤمن، فالموتُ والحياة مستعاران . وذهب كثيرٌ من العلماء إلى أن الحياةَ والموتَ في الآية حقيقتان، فقال عِكرمة: هي إخراجُ الدَّجاجة وهي حيَّة من البيضة وهي ميتة، وإخراجُ البيضة وهي ميتة من الدَّجاجة وهي حيَّة. وقال ابن مسعود: هي النُّطفةُ تَخرجُ من الرجل وهي ميتة وهو حيٍّ، ويخرج الرجل منها حيّاً وهي ميتة. وقال عكرمة والسدّيّ: هي الحبَّةُ تَخرج من السُّنْبُلَة، والسُّنْبُلَة تَخرج من الحبَّة، (١) المحرر الوجيز ٤١٧/١، وتفسير أبي الليث ٢٥٧/١، ومعاني القرآن للنحاس ٣٨٠/١، وأخرج الآثار الطبري ٣٠٢/٦ - ٣٠٣ ، وابن أبي حاتم ٢/ ٦٢٥. (٢) المحرر الوجيز ٤١٨/١. وأخرج الطبري القولين ٣٠٦/٦ - ٣٠٧ . (٣) تفسير أبي الليث ١/ ٢٥٨ . وأخرجه كذلك عن الزهري مرسلاً عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١١٧ - ١١٨، وابن سعد في الطبقات ٢٤٨/٨، والطبري ٣٠٨/٦. ٨٧ سورة آل عمران: الآيتان ٢٧ - ٢٨ والنَّواةُ من النَّخلة، والنَّخلةُ تَخرج من النَّواة، والحياة في النَّخلة والسُّنْبُلَة تشبيه (١). ثم قال: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير تضييقٍ ولا تَقتير، كما تقول: فلانٌ يُعطِي بغير حساب، كأنه لا يَحسب ما يُعطي (٢). قوله تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ وَيُعَذِّرُكُمُ الَهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللَّهِ اَلْمَصِيرُ ( (٢٨) فيه مسألتان: الأولى: قال ابن عباس: نهى اللّه المؤمنين أن يُلاطفوا الكفارَ فيتَّخِذوهم أولياء(٣)، ومثلُه: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وهناك يأتي بيانٌ هذا المعنى. ومعنى ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي: فليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيءٍ، مثل: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وحكى سيبويه: هو مِنّي فرسخين، أي: من أصحابي ومعي(٤). ثم استثنى، وهي: الثانية: فقال: ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَدَّةٌ﴾ قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التَّقِيَّة في جِدَّة الإسلام قبل قُوَّة المسلمين، فأما اليوم فقد أعزَّ اللّه الإسلام، [فليس ينبغي لأهل الإسلام] أن يتَّقوا من عدوّهم(٥). قال ابن عباس: هو أن يتكلَّمَ بلسانة وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان، ولا يقتلَ ولا يأتيَ مَأْثَماً . (١) المحرر الوجيز ٤١٨/١، وأخرج الآثار الطبري ٦/ ٣٠٤ و٣٠٦، وابن أبي حاتم ٦٢٦/٢ - ٦٢٨. (٢) معاني القرآن للنحاس ١/ ٣٨٢. (٣) أخرجه الطبري ٦/ ٣١٣ . (٤) الكتاب ١/ ٤١٧ وفيه: أنت مني فرسخين، أي: أنت مني ما دمنا نسير فرسخين، ونقله المصنف عنه بواسطة معاني القرآن للنحاس ٣٨٣/١. (٥) تفسير البغوي ١/ ٢٩٢ وما بين حاصرتين منه. ٨٨ سورة آل عمران: الآية ٢٨ وقال الحسن: التَّقيَّةُ جائزةٌ للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقيَّةً في القتل(١). وقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحَّاك: ((إلَّا أن تَتَّقُوا منهم تَقِيَّةً))(٢). وقيل: إن المؤمن إذا كان قائماً بين الكفّار؛ فله أن يُدارِيَهم باللسان إذا كان خائفاً على نفسه وقلبُه مطمئٌّ بالإيمان. والتقيَّ لا تحِلُّ إلا مع خوفِ القتلِ أو القطعِ أو الإيذاءِ العظيم. ومَن أُكره على الكفر؛ فالصحيحُ أنَّ له أن يتصلَّبَ، ولا يجيب إلى التَّلفّظِ(٣) بكلمة الكفر، بل يجوز له ذلك؛ على ما يأتي بيانُه في ((النحل)) إن شاء اللّه تعالى(٤). وأمالَ حمزة والكسائيُّ ((تقاة))، وفخَّم الباقون(٥)، وأصلُ «تُقاة)): وُقّة على وزن فُعَلَة، مثل تُؤَدَة وتُهَمَة، قُلبت الواو تاءً والياء ألفاً. وروى الضخَّاك عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عبادةَ بنِ الصامت الأنصاريّ، وكان بدرِياً نقيباً (٦)، وكان له حِلفٌ من اليهود، فلما خرج النبيُّ # يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبيَّ اللّه، إن معي خمسَ مئة رجل من اليهود، وقد رأيتُ أن يخرجوا معي فأستظهرَ بهم على العدوّ، فأنزل اللّه تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَّةَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ﴾ الآية(٧). وقيل: إنها نزلت في عمار بن ياسِر حين تكلّم ببعض ما أراد منه المشركون، على ما يأتي بيانُه في ((النحل))(٨). قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ قال الزجَّاجِ(٩): أي: ويحذِّرُكم الله إياه، ثم (١) معاني القرآن للنحاس ٣٨٣/١، وأخرج قول ابن عباس الطبري ٣١٥/٦. (٢) ذكرها الفراء في معاني القرآن ٢٠٥/١، والنحاس في معاني القرآن ٣٨٣/١، والبغوي في تفسيره ٢٩٢/١، وابن عطية في المحرر ٤١٩/١، وهي قراءة يعقوب من العشرة. انظر النشر ٢٣٩/٢. (٣) في (خ) و (ظ): ولا يجب التلفظ. (٤) في تفسير الآية (١٠٦) منها، وانظر تفسير البغوي ١/ ٢٩٢. (٥) السبعة ص٢٠٤ ، والتيسير ص٤٩ . (٦) في (د) و(ظ) و(م): تقياً، والمثبت من (خ)، وهو الصواب. (٧) أسباب النزول للواحدي ص٩٦-٩٧ . (٨) في تفسير الآية (١٠٦) منها. (٩) في معاني القرآن ١/ ٣٩٧. ٨٩ سورة آل عمران: الآيات ٢٨ - ٣٠ استَغْنَوْا عن ذلك بذا، وصار المستَعمَل؛ قال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] فمعناه: تعلم ما عندي وما في حقيقتي، ولا أعلم ما عندك ولا ما في حقيقتك. وقال غيره: المعنى: ويحذِّرُكم الله عقابَه، مثل ﴿وَسَْلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى﴾ أي: مُغَيَّبي، فجُعلت النفس في موضع الإضمار؛ لأنه فيها يكون(١). ﴿وَإِلَى اللَِّ الْمَصِيرُ﴾ أي: وإلى جزاء اللّه المصيرُ. وفيه إقرارٌ بالبعث. قوله تعالى: ﴿قُلّ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبُّدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ فهو العالِمُ بخفيَّات الصُّدورِ وما اشتملت عليه، وبما في السماوات والأرض وما احتَوَت عليه، علَّمُ الغُيوب، لا يَعزُب عنه مِثقالُ ذَرَّة، ولا يغيبُ عنه شيء، سبحانه لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة. قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخُضَرًا وَمَا عَيِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَّأَ بَعِيدًاً وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَةٍ وَاللّهُ رَءُوفٌ بِآلْعِبَادِ (يوم)) منصوبٌ متَّصلٌ بقوله: ((ويُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ، يَوْمَ تَجِدُ)). وقيل: هو متَّصلٌ بقوله: ((وَإِلَى اللّهِ المَصِيرُ، يَوْمَ تَجِدُ))(٢). وقيل: هو متَّصلٌ بقوله: ((واللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَوْمَ تَجِدُ)). ويجوز أن يكون منقَطِعاً على إضمار: اذْكُرْ، ومثلُه قولُه: ﴿إِنَّ اَللَّهَ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَامِ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ﴾ [إبراهيم: ٤٧ - ٤٨]. و ((مُحْضَراً)) حالٌ من الضميرِ المحذوفِ من صلةِ ((ما))، تقديرهُ: یوم تجدُ كلُّ نفسٍ ما عملتْهُ من خيرٍ مُحْضَراً(٣). هذا على أن يكون (تَجِدُ)) من وُجْدان الضالَّة. (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٦/١ وعنه نقل المصنف كلام الزجاج. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٦/١. (٣) مشكل إعراب القرآن لمكي ١٥٥/١. ٩٠ سورة آل عمران: الآيتان ٣٠ - ٣١ و((ما)) من قوله ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ﴾ عطفٌ على ((ما)) الأولى. و((تَوَدُّ) في موضع الحال من ((ما)) الثانية(١) . وإن جعلتَ (تَجِدُ)) بمعنى تعلمُ، كان ((مُحْضَراً)» المفعولَ الثاني، وكذلك تكون (تَوَدُّ)) في موضع المفعول الثاني، تقديرُه: يوم تَجدُ كل نفسٍ جزاءَ ما عملت مُحضّراً. ويجوز أن تكون ((ما)) الثانية رفعاً بالابتداء، و(تَوَدُّ» في موضع رفع على أنه خبرُ الابتداء، ولا يجوز (٢) أن تكون ((ما)) بمعنى الجزاء؛ لأن ((تَوَدُّ» مرفوع، ولو كان ماضياً لجاز أن يكون جزاءً، وكان يكون معنى الكلام: وما عملت من سُوءٍ وَدَّت لو أنَّ بينها وبينه أمداً بعيداً، أي: كما بين المشرق والمغرب. ولا يكون المستقبل إذا جعلتَ ((ما)) للشَّرط إلا مجزوماً، إلا أن تحملَه على تقدير حَذْفِ الفاء، على تقدير: وما عملَتْ من سوء فهي تَوَدُّ (٣) . أبو علي: هو قياسُ قولِ الفرَّاء عندي، لأنه قال في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]: إنه على حذفِ الفاءِ. والأمَدُ: الغايةُ، وجمعُه آماد. ويقال: استولى على الأمَد، أي: غَلَبَ سابقاً. قال النابغة (٤): سبْقَ الجَوادِ إذا استولى على الأمَدِ إلَّا لِمثلِك أو مَنْ أنت سابِقُه والأمَدُ: الغضب، يقال: أمِدَ أَمَداً، إذا غَضِبَ غَضَباً(٥). قوله تعالى: ﴿قُلّ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُنْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ (٣١) غَفُورٌ رَّحِيدٌ الحُبُّ: المحبَّةُ، وكذلك الحِبُّ، بالكسر. والحِبُّ أيضاً الحبيب؛ مثلُ الخِذْن والخَدِين، يقال: أحبَّه فهو مُحَبٌّ، وحَبَّه يَحِبُّه، بالكسر، فهو مَحْبُوب. قال (١) المحرر الوجيز ٤٢١/١ . (٢) في (م): ولا يصح. (٣) وضعف هذا الوجه ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢١/١ . (٤) ديوانه ص ٣٣ . (٥) الصحاح (أمد). ٩١ سورة آل عمران: الآية ٣١ الجوهري(١): وهذا شاذٍّ؛ لأنه لا يأتي في المُضاعَفِ يَفْعِل بالكسر. قال أبو الفتح: والأصل فيه حَبُب كظَرُف، فأُسكِنت الباء وأُدغِمت في الثانية. قال ابنُ الدَّهَّان سعيد(٢): في حَبَّ لُغتان: حَبَّ وأحَبَّ، وأصل ((حَبَّ)) في هذا البناء: حَبُبَ، كَظُرفَ، يدل على ذلك قولُهم: حَبُيْت، وأكثر ما ورد فَعيل من فَعُل. قال أبو الفتح: والدّلالة على أَحَبَّ قولُه تعالى: ﴿يُهُمْ وَيُحِبُونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] بضمٌّ الياء، و﴿اتَّبِعوني يُحِبْكُم الله﴾. و((حَبَّ)) يَرِدُ على فَعُلَ، لقولهم: حَبِيب، وعلى فَعِلَ، لقولهم (٣): محبوب. ولم يَرِد اسمُ الفاعل من حَبَّ، المتعدِّي، فلا يقال: أنا حَابٌّ. ولم يَرِد اسمُ المفعول من أَفْعَلَ إلّا قليلاً، كقوله: منِّي بمنزلةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ(٤) وحكى أبو زيد: حَيَبْتُه أحبُّه(٥). وأنشد: ولا كان أدنى من عُوَيْفٍ وهاشم(٦) فواللّهِ لولا تَمْرُهُ مَا حَبَبْتُهُ وأنشد : العَمْرُكَ إنَّني وطِلَابَ مِصْرٍ لَكَالْمُزْدادٍ ممَّا حَبَّ بُعْدًا (٧) (١) الصحاح (حبب) وما قبله منه. (٢) ابن المبارك، أبو محمد، البغدادي النحوي، له شرح الإيضاح لأبي علي في ثلاثة وأربعين مجدداً، وشرح اللُّمّع لابن جني، توفي سنة (٥٩٦هـ). سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٥٨١ . (٣) في (د) و(ظ) و(م): كقولهم، وكذلك وقعت اللفظة الأخرى في (د) و(ظ). (٤) صدره: ولقد نزلتٍ فلا تظنّي غيرَه، وهو لعنترة في ديوانه ص١٦. (٥) لم نقف على كلامه في النوادر، ولا من ذكره عنه. (٦) البيت لعَيْلان بن شجاع النهشلي، وهو في الاشتقاق لابن دريد ص٣٨ برواية: من عُمَيرٍ وسالمٍ، والكامل للمبرد ص ٤٣٨ برواية: وكان عياضٌ منه أدنى ومُشرِقُ، وإعراب القرآن للنحاس ٣٦٨/١، والخصائص ٢٢٠/٢، وتهذيب اللغة ٨/٤، وشرح القصائد السبع ص٣٠١، والزاهر ٣٣١/١، والمخصص ٢٤٢/١٢ و١٧٦/١٤، وشرح المفصل لابن يعيش ١٣٨/٧، واللسان (حبب)، وشرح شواهد المغني ١١٦/٦، وخزانة الأدب ٤٢٩/٩، وروايته فيها: من عُبَيْدٍ ومُشرِقٍ. قال البغدادي: وعُبَيَد ومُشرِق: ابنا الشاعر. (٧) البيت في الكامل ص٤٣٧، والاقتضاب لابن السيد البطليوسي ص٢٨٣، وشرح أبيات المغني ٦/ ١١٧ دون نسبة . ٩٢ سورة آل عمران: الآية ٣١ وحكى الأصمعيُّ فَتْحَ حرفِ المُضارعة مع الياء وحدَها . والحُبُّ: الخابية، فارسيِّ مُعرَّب، والجمع حِبَاب وحِيَبَةٌ، حكاه الجوهريُّ(١). والآية نزلت في وفد نَجران إذْ زعموا أن ما اذَّعَوْه في عیسی حُبُّ لله عزَّ وجلَّ، قاله محمد بن جعفر بن الزبير. وقال الحسن وابن جُريج: نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا: نحن الذين نُحِبُّ ربَّنا . ورُوي أن المسلمين قالوا: يا رسول اللّه، واللّهِ إنا لنُحِبُّ ربَّنا، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اَللَّهَ فَتَِّعُونِ﴾(٢) . قال ابن عرفة: المحبَّةُ عند العرب إرادةُ الشيءِ علی قصدٍ له. وقال الأزهريُّ: محبةُ العبد لله ورسولهِ طاعتهُ لهما، واتّباعُه أمرَهما، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَِّعُونِ﴾. ومحبَّةُ اللّه للعباد إنعامُه عليهم بالغفران(٣)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله لا يحب الكافرين﴾ أي: لا يغفرُ لهم. وقال سهل بن عبد اللّه: علامةُ حُبِّ اللّه حبُّ القرآن، وعلامةُ حبِّ القرآن حبُّ النبيِّ﴾، وعلامةُ حبِّ النبيِّ﴾ حبُّ السنَّةِ، وعلامةُ حُبِّ اللّه وحبّ القرآن وحبٍّ النبيِّ ﴿ وحبِّ السنَّةِ حبُّ الآخرة، وعلامةُ حبِّ الآخرة أن يُحبَّ نفسَه، وعلامةُ حبِّ نفسِه أن يُبغض الدنيا، وعلامةُ بغضِ الدُّنيا ألَّ يأخذَ منها إلا الزَّادَ والبُلْغَة. وروى أبو الدَّرداء عن رسول اللّه ﴿ في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ قال: ((على البِرِّ والتَّقوى والتَّواضعِ وذلَّةِ النفس)) خرَّجه أبو عبدالله *(٤) الترمِذِيُّ(٤) . ورُوي عن النبيِّ ﴿ أنه قال: ((مَن أراد أن يُحِبَّه اللّه فعليه بصِدْق الحديث، وأداءِ (١) في الصحاح (حبب). (٢) أخرج هذه الآثار الطبري ٣٢٤/٦ - ٣٢٥، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٦٧/١. (٣) الذي عليه السلف رضي الله عنهم أن المغفرة صفة، والمحبة صفة أخرى، ثابتة لله تعالى على الوجه الذي يليق به، من غير مشابهة لمحبة المخلوقين. (٤) في نوادر الأصول ص٣٥٦ ولم نقف على إسناده. ٩٣ سورة آل عمران: الآية ٣١ الأمانة، وألّا يؤذيَ جارَه))(١). وفي صحيح مسلم(٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله :﴿: ((إن الله إذا أحبَّ عبداً دعا جبريل فقال: إني أُحِبُّ فلاناً فأحِبّه، قال: فيُحِبُّه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إنَّ اللّه يُحِبُّ فلاناً فأحِبُّوه، فيحبُّه أهلُ السماء، قال: ثم يُوضَعُ له القَبولُ في الأرض. وإذا أبغضَ عبداً دعا جبريل فيقول: إني أُبغضُ فلاناً فأبْغِضْه، قال: فيُبغِضُه جبريل، ثم يُنادي في أهل السماء: إن اللّه يُغِضُ فلاناً فأبْغِضُوه، قال: فيُبغضونَه، ثم تُوضَع له البَغضاءُ في الأرض)). وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ في آخر سورة مريم إن شاء اللّه تعالى(٣). وقرأ أبو رجاء العُطارديُّ: ((فاتِّعُونِي يَحْيُبُكُمْ)) بفتح الياء(٤). ﴿وَغْفِّرْ لَكُمْ﴾ عطفٌ على ((يُخْبِبْكُم)). وروى مَحبوب(٥) عن أبي عمرو بن العلاء أنه أدغم الراءَ من ((يغفر)) في الّلام من ((لكم))(٦). قال النحاس(٧): لا يُجيزُ الخليلُ وسيبويه (٨) إدغامَ الرّاء في اللام، وأبو عمرو أجلُّ من أن يَغلَط في مثل هذا، ولعلَّه كان يُخفي الحركةَ كما يفعلُ في أشياءَ كثيرةً(٩). (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٧/١، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٩٧٤٨)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٩٥٥١) ضمن حدیث. (٢) برقم (٢٦٣٧)، وأخرجه أحمد (٧٦٢٥)، والبخاري (٣٢٠٩). (٣) في تفسير الآية (٩٦) منها. (٤) في النسخ: فاتبعوني بفتح الباء، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٣٦٧/١، وذكر قراءة أبي رجاء ابن خالويه في شواذ القراءات ص ٢٠، وابن عطية في المحرر ٤٢٢/١، وأبو حيان في البحر ٤٣١/٢. (٥) هو محمد بن الحسن بن هلال، أبو جعفر البصري، مولى قريش، ولقبه محبوب وهو به أشهر، روى له البخاري مقروناً بغيره والترمذي. تهذيب الكمال ٢٥/ ٧٤ . (٦) قال ابن الجزري في النشر ٢/ ١٢ - ١٣: أدغم الراء في اللام أبو عمرو من رواية السوسي، واختلف عنه من رواية الدوري، والأكثرون [عنه] على الإدغام، والوجهان صحيحان عن أبي عمرو. وانظر السبعة ص١٢١ ، والتيسير ص ٤٤-٤٥ . (٧) في إعراب القرآن ٣٦٧/١ - ٣٦٨ وما قبله منه. (٨) الكتاب ٤/ ٤٤٨ . (٩) قال أبو حيان في البحر المحيط ٣٦٣/٢: قد اتفق على نقل إدغام الراء في اللام كبيرُ البصريين = ٩٤ سورة آل عمران: الآيتان ٣٢ -٣٣ (٣٢ قوله تعالى: ﴿قُلُّ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُوَْ فَإِنِ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ يأتي بيانُه في ((النساء))(١). ﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾ شرط، إلا أنه ماضٍ لا يُعرَب. والتقدير: فإن تولَّوا على كُفرهم، وأعرضوا عن طاعة الله ورسوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾ أي: لا يرضى فعلَهم، ولا يغفرُ لهم، كما تقدّم. وقال: ((فإنّ اللّه)) ولم يقل: ((فإنه)) لأنَّ العرب إذا عظّمت الشيءَ أعادت ذكرَه، وأنشد سيبويه(٢): لا أَرَى الموتَ يَسبِقُ الموتَ شيءٌ نَغَّصَ الموتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَمْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى اَلْعَلَمِينَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهُ أَصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا﴾ الآية. اصطفى: اختار، وقد تقدَّم في البقرة. وتقدَّم فيها اشتقاقُ آدم وكنيته(٣)، والتقدير: إن الله اصطفى دينَهم وهو دينُ الإسلام، فحذف المضاف. وقال الزجَّاج(٤): اختارهم للنبوَّة على عالَمِي زمانِهم. ((ونوحاً)) قيل: إنه مشتقٌّ من ناح يَنوح، وهو اسم أعجمِيٍّ؛ إلا أنه انصرف على ثلاثة أحرف(٥)، وهو شيخُ المرسَلين، وأوَّلُ رسولٍ بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدمَ عليه السلام بتحريم البناتِ والأخَوات والعمَّات والخالات وسائرِ القرابات، ومَن قال: إن إدرِيسَ كان قبلَه. من المؤرِّخين، فقد وَهِمَ، على ما يأتي بيانُه في ((الأعراف)» = ورأسُهم أبو عمرو بنُ العلاء، ويعقوب الحضرمي، وكبراء أهل الكوفة: الرؤاسي والكسائي والفرّاء، وأجازوه، ورَوَوْه عن العرب، فوجب قبوله والرجوع فيه إلى علمهم ونقلهم، إذ مَنْ عَلِمَ حجة على مَنْ لم يعلم. وانظر أيضاً البحر ٤٣١/٢ . (١) في تفسير الآية (٥٩) منها. (٢) لسواد بن عدي في الكتاب ٦٢/١، ومعاني القرآن للنحاس ٣٨٤/١ - ٣٨٥ وعنه نقل المصنف إنشاد سيبويه، وصحح البغدادي في الخزانة ١/ ٣٨١ نسبة البيت إلى عدي بن زيد. (٣) ٤١٧/١ و٤٠٦/٢ . (٤) انظر معاني القرآن له ٣٩٩/١. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٨/١ . ٩٥ سورة آل عمران: الآية ٣٣ إن شاء اللّه تعالى(١). قوله تعالى: ﴿وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ تقدَّم في البقرة معنى الآلِ وعلى ما يُطلَق مستوفى(٢) . وفي البخارِيِّ عن ابن عباس(٣) قال: آلُ إبراهيم وآل عمران: المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد، يقول اللّه تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلى النَّاسِ بِإِزَهِیمَ لَلَّذِينَ أَنَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَإِىُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. وقيل: آلُ إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وأنّ محمداً ﴾ من آل إبراهيم. وقيل: آلُ إبراهيم نفسُه، وكذا آل عمران، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَدُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] (٤). وفي الحديث: ((لقد أُعْطِي مِزماراً مِن مزامير آل داور))(٥). وقال الشاعر: ولا تَبْكِ مَيْتاً بعد مَيْتٍ أَجَنَّهُ عليٍّ وعبَّاسٌ وآلُ أبي بكرٍ (٦) (١) في تفسير الآية (٥٩) منها. (٢) ٢ / ٨١ . (٣) علّقه عنه بصيغة الجزم قبل الحديث (٣٤٣١) (فتح الباري ٤٦٩/٦) ووصله الطبري ٣٢٦/٦، وابن أبي حاتم ٦٣٥/٢ . (٤) تفسير البغوي ٢٩٤/١ . (٥) أخرجه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣) (٢٣٦) من حديث أبي موسى الأشعري، وأحمد (٢٢٩٦٩)، ومسلم (٧٩٣) (٢٣٥) من حديث بريدة الأسلمي، وأحمد (٨٦٤٦) و (٢٤٠٩٧) من حديث أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم. (٦) في النسخ: ولا تنس ... أحبَّه، والمثبت من المصادر. والبيت لأراكة الثقفي يرثي ابنه، وكان قتله بُسر ابن أرطاة، وهو ضمن أبيات في الكامل ص١٣٨٦، والفاضل ص ٦٥ ، والتعازي والمراثي ص٣ و ٦٩ ، والعقد الفريد ٣٠٦/٣، والمؤتلف والمختلف للآمدي ص٦٨، والحماسة البصرية ٢٧٧/١، وأمالي المرتضى ٤٦١/١، وحماسة ابن الشجري ٤٧٩/١، والمحرر الوجيز ١٤٠/١ و٤٢٣. قال الميمني في حواشي الفاضل، والمرصفي في رغبة الآمل ١٥٧/٨: أَجَنَّهُ: قَبَرَهُ ودفَتَه، وأراد بالميت رسول الله ﴾، والمروي أن الذين نزلوا بقبره 98 هم علي بن أبي طالب، والفضل وقُثَم ابنا العباس، فذكر العباس وأراد ابنيه، وأراد بآل أبي بكر عائشة أمَّ المؤمنين، حيث دُفن في بيتها، رضي الله عنهم جميعاً. ٩٦ سورة آل عمران: الآية ٣٣ وقال آخر: كما يَلْقَى السَّليمُ من العِدَادِ (١) يُلاقي من تَذَكُرٍ آل ليلى. أراد من تذكُّرٍ ليلى نفسِها. وقيل: آل عمران آلُ إبراهيم، كما قال: ﴿ذُرِيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضِرُ﴾. وقيل: المرادُ عيسى؛ لأن أمَّه ابنةُ عمران. وقيل: نفسُه كما ذكرنا . قال مقاتل: هو عمران أبو موسى وهارون، وهو عمرانُ بن يَصْهُر بن فاهاث بن لا وي بن يعقوب(٢). وقال الكلبيُّ: هو عمران أبو مريم، وهو من ولد سليمان عليه السلام (٣). وحكى السُّهيلي(٤): عمران بن ماثان، وامرأتُه حَنَّة، بالنون. وخصَّ هؤلاء بالذِّكر من بين الأنبياء؛ لأن الأنبياء والرسلَ بقضِّهم وقضيضِهم من نسلهم. ولم يَنْصرف عمران؛ لأن في آخره ألفاً ونوناً زائدَتَيْن. ومعنى قوله: ((عَلَى العَالَمِينَ)) أي: على عالَمِي زمانهم في قول أهل التفسير. وقال الترمذيُّ الحكيمُ أبو عبد الله محمد بن عليّ: جميع الخلقِ كلّهم. وقيل: ((عَلَى العَالَمِينَ)): على جميع الخلق كلِّهم إلى يوم الصُّور، وذلك أن هؤلاء رُسُلٌ وأنبياء، فهم صفوةُ الخلق، فأما محمدٌ ﴾ فقد جازت مرتبتُه الاصطفاءَ؛ لأنه حبيبٌ ورحمةٌ؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَئِكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فالرسل خُلقوا للرحمة، ومحمد # خُلق بنفسه رحمةً، فلذلك صار أماناً للخلق، لمّا بعثه الله أَمِنَ الخلقُ العذابَ إلى نفخة الصور. وسائرُ الأنبياء لم يحلُّوا هذا المحلّ؛ ولذلك قال (١) البيت دون نسبة في العين للخليل ١/ ٨٠، وغريب الحديث للهروي ٧٣/١، وكتاب الحيوان للجاحظ ٢٤٩/٤، وجمهرة اللغة ٢٧٩/١، وتهذيب الألفاظ لابن السكيت ١١٨/١، والأضداد لابن الأنباري ص١٠٦، ولأبي الطيب اللغوي ص٣٥٢، والصحاح (عدد)، وتهذيب اللغة ٨٩/١، والمخصص ٨٨/٥. والسليم: اللّديغ، والعداد: وجع اللديغ، وذلك إذا تمت له سنة منذ يوم لُدغ احتاج به الألم . الصحاح (عدد). (٢) تفسير البغوي ١/ ٢٩٤ . (٣) تفسير أبي الليث ٢٦٢/١ . (٤) في التعريف والإعلام ص ٣٢. ٩٧ سورة آل عمران: الآية ٣٣ عليه الصلاة والسلام: ((أنا رحمةٌ مُهداة))(١) يخبر أنه بنفسِه رحمةٌ للخلق من الله. وقوله: ((مُهداة)) أي: هديّةٌ من اللّه للخلق. ويقال: اختار آدمَ بخمسة أشياء: أوَّلُها: أنه خَلَقَه بيده في أحسن صورة بقدرته، والثاني: أنه علَّمَه الأسماءَ كلَّها، والثالث: أَمرَ الملائكةَ بأن يسجدوا له، والرابع: أسكنَه الجنَّةَ، والخامس: جعله أبا البشر. واختار نوحاً بخمسة أشياء: أوَّلها: أنه جعله أبا البشر؛ لأن الناسَ كلَّهم غَرِقوا وصار ذرَّيتُه هم الباقين، والثاني: أنه أطال عمُرَه، ويقال: طُوبَى لمَنْ طال عمره وحسُنَ عملُهُ(٢)، والثالث: أنه استجابَ دعاءَه على الكافرين والمؤمنين، والرابع: أنه حمله على السفينة، والخامس: أنه كان أوَّلَ مَن نسخ [به] الشرائعَ، وكان قبل ذلك لم يُحرِّم تزويجَ (٣) الخالات والعمَّات. واختار إبراهيمَ بخمسة أشياء: أوَّلها: أنه جعله أبا الأنبياء؛ لأنه رُوي أنه خَرج من صُلبه ألفُ نبيٍّ من زمانه إلى زمن النبيِّ﴾، والثاني: أنه اتَّخذه خليلاً، والثالث: أنه أنجاه من النّار، والرابع: أنه جعله إماماً للناس، والخامس: أنه ابتلاه بالكلمات، (١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٩٢/١ - ١٩٣، وابن أبي شيبة ٥٠٤/١١، والبيهقي في دلائل النبوة ١٥٧/١، وشعب الإيمان (١٤٠٤) من طريق وكيع، والدارمي (١٥) من طريق علي بن مُسهر كلاهما عن الأعمش، عن أبي صالح قال: قال رسول الله﴾ .... فذكره مرسلاً. ووصله عبدالله بن نصر، فيما أخرجه ابن عدي في الكامل ١٥٤٦/٤ من طريقه، عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي #. ثم ذكر أن هذا غير محفوظ عن وكيع، عن الأعمش، وأن عبدالله بن نصر له مناكير، وهذا منها. وأخرجه البزار (٢٣٦٩) (زوائد)، والطبراني في الأوسط (٣٠٠٥)، وفي الصغير (٢٦٤) ، والحاكم ٣٥/١، والشهاب القضاعي (١١٦٠) و(١١٦١)، والبيهقي في دلائل النبوة ١٥٧/١ - ١٥٨، وفي شعب الإيمان (١٤٠٥) من طريق زياد بن يحيى الحساني، عن مالك بن سُعَير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي #. قال البزار: لا نعلم أحداً وصله إلا مالك بن سعير، وغيره يرسله ولا يقول عن أبي هريرة، وقال الحاكم: وهذا حديث صحيح على شرطهما، فقد احتجا جميعاً بمالك ابن سعير، والتفرد من الثقات مقبول. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٥٧/٨: ورجال البزار رجال الصحيح. وأورده السيوطي في الجامع الصغير ٣٤٨/١ ، ورمز له بالصحة. (٢) قوله: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، حديث مرفوع؛ رواه عبدالله بن بُسر المازني ﴾، أخرجه أحمد (١٧٦٨٠) و (١٧٦٩٨)، والترمذي (٢٣٢٩)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٣٤٦٦)، وأبو محمد البغوي في شرح السنة (١٢٤٥) . (٣) في تفسير أبي الليث ٢٦٢/١ (والكلام منه): تزوّج. وما بين حاصرتين منه. ٩٨ سورة آل عمران: الآيات ٣٣ - ٣٦ فوقَّقه حتى أتمَّهُنَّ. ثم قال: ((وَآَلَ عِمْرَانَ»؛ فإن كان عمرانُ أبا موسى وهارون؛ فإنما اختارَهما على العالَمين حيثُ بَعث على قومه المَنَّ والسَّلْوَى، وذلك لم يكن لأحدٍ من الأنبياء في العالم. وإن كان أبا مريم؛ فإنه اصطفى له مريمَ بولادة عيسى بغير أب، ولم يكن ذلك لأحدٍ في العالم، والله أعلم(١). قوله تعالى: ﴿ذُرِيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضِرُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيهُ ٣٤٦ تقدَّم في البقرة معنى الذرِّيةِ واشتقاقها(٢). وهي نصبٌ على الحال، قاله الأخفش (٣). أي: في حال كونِ بعضِهم من بعض، أي: ذرِّيَّة بعضُها من ولد بعض. الكوفيُّون: على القطع (٤). الزجاج(٥): بدل، أي: اصطفى ذرِّيةً بعضُها من بعض. ومعنى ((بعضُها من بعض)): يعني في التَّناصُرِ في الدِّين، كما قال: ﴿اَلْمُنَّفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] يعني: في الضَّلالة، قاله الحسن وقتادة (٦). وقيل: في الاجتباءِ والاصطفاءِ والنبوَّة. وقيل: المراد به التناسُلُ، وهذا أضعفُها. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ أَمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبٍ إِنِّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِ بَطْنِى مُحَّرًا فَتَقَبَّلْ مِىُّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٥ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبٍّ إِ وَضَعْتُهَا أُنْتَ وَاللَّهُ أَعْلَ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَلْأُنْتِىْ وَإِنِ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٥٦ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ فيه ثمان مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ أَمْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ قال أبو عبيدة: ((إذ)) زائدة(٧)، وقال (١) تفسير أبي الليث ١/ ٢٦٢. (٢) ٣٦٨/٢. (٣) في معاني القرآن ٤٠٢/١. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٩/١ وعنه نقل قول الأخفش، ومعنى قوله: على القطع، أي: على الحال. انظر تعليق الشيخ محمود شاكر رحمه الله على تفسير الطبري ٦/ ٢٧٠ . (٥) معاني القرآن له ٣٩٩/١. (٦) أحكام القرآن للجصاص ١٠/٢، وذكرهما الماوردي ٣٨٦/١، والطبرسي ٦٣/٢. (٧) مجاز القرآن ٩٠/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٦٩/١، قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٢٤/١ : هذا قول مردود. ٩٩ سورة آل عمران: الآيتان ٣٥ - ٣٦ محمد بن يزيد: التقدير: اذكر إذ. وقال الزجَّاج: المعنى: واصطفى آل عمران إذ قالت امرأة عمران(١). وهي حَنَّةُ - بالحاء المهملة والنون - بنتُ فاقود بن قنبل، أمُّ مريم، جدَّة عيسى عليه السلام، وليس باسمٍ عربيٍّ، ولا يُعرف في العربية حَتَّة اسمُ امرأة، وفي العربية أبو حَنَّةَ البَذْريُّ، ويُقال فيه: أبو حبَّة بالباء بواحدة- وهو أصحُ، واسمُه عامر (٢)، ودير حَّة بالشام، وديرٌ آخرُ أيضاً يقال له كذلك؛ قال أبو نُوَاس: يا دَيْرَ حَنَّةَ مِن ذات الأُكَيْرَاحِ مَن يَضْحُ عنكَ فإنِّي لستُ بالصَّاحي(٣) وحَبَّةُ في العرب كثير، منهم أبو حَبَّة الأنصاريُّ(٤). وأبو السَّنابل بنُ بَعْكَك - المذكور في حديث سُبِيعةً(٥) - حَبَّةَ (٦)، ولا يُعرف خَنَّهُ - بالخاء المعجمة - إلَّ بنتُ يحيى بنِ أكثم القاضي، وهي أمُّ محمد بنِ نصر (٧)، ولا يعرف جَنَّة - بالجيم - إلَّا أبو جَنَّة، وهو خال ذي الرُّمَّة الشاعر(٨). كلُّ هذا من كتاب ابن ماكُولًا(٩). (١) معاني القرآن للزجاج ١/ ٤٠٠، وإعراب القرآن للنحاس ٣٦٩/١، والمحرر الوجيز ٤٢٤/١. (٢) قال الذهبي في التجريد ٢/ ١٥٧: أبو حبة الأنصاري الأوسي البدري، بالباء الموحدة وهو الصحيح، ويقال: أبو حية بنقطتين، ويقال: أبو حنة بالنون، اسمه عامر، وقيل: مالك بن عمرو بن ثابت، وقيل: اسمه ثابت بن النعمان بن أمية. وينظر الإصابة ٧٨/١١، والإكمال ٣٢١/٢ . (٣) دیوان أبي نواس ص١٦٤ ، الأکیراح: بیوت صغار تسكنها الرهبان الذين لا قلالي (أي: صوامع) لهم، يقال لواحدها: كَرْح، بالقرب منها ديران، يقال لأحدهما: دير مرعبدا، وللآخر: دير حنة، وهو موضع بظاهر الكوفة كثير البساتين والرياض. معجم البلدان ١/ ٢٤٢ . (٤) ابن غزية بن عمرو الخزرجي المازني النَّجاري، شهد أحداً واستشهد باليمامة، وقد خلطه غير واحد بالذي قبله (أي عامر) وفرق بينهما غير واحد، وقال أبو عمر: هذا خزرجي وذاك أوسي، وهذا لم يشهد بدراً وذاك شهدها. الإصابة ٧٩/١١، والاستيعاب على هامش الإصابة ١٨٦/١١. (٥) بنت الحارث الأسلمية، كانت تحت سعد بن خولة، وتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل. الإصابة ٢٩٦/١٢. وحديث سبيعة مع أبي السنابل أخرجه البخاري (٣٩٩١)، ومسلم (١٤٨٤) من حديث سبيعة رضي الله عنها. (٦) ابن الحارث بن عَميلة، القرشي العَبْدَري، وقيل: اسمه عمرو، وقيل غير ذلك، وهو من مسلمة الفتح، وأقام بمكة حتى مات. الإصابة ١٧٩/١١. (٧) كذا نقل المصنف عن السهيلي في التعريف والإعلام ص٣٣ ، ونسبه السهيلي لابن ماكولا، والذي في الإكمال لابن ماكولا ٣٣٠/٢ : أن خنة هي بنت أكثم أخت يحيى بن أكثم، وأنها كانت تحت محمد ابن نصر المروزي. (٨) واسمه حكيم بن عبيد الأسدي، ويقال: حكيم بن مصعب. المؤتلف والمختلف للآمدي ص١٤٦ . (٩) الإكمال ٣١٩/٢ - ٣٣٠، ونقله المصنف عنه بواسطة السهيلي في التعريف والإعلام ص٣٢-٣٣. ١٠٠ سورة آل عمران: الآيتان ٣٥ - ٣٦ الثانية: قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِ نَّذَرَّتُ لَكَ مَا فِ بَطْنِى مُحَّرًا﴾ تقدَّم معنى النَّذر، وأنه لا يلزم العبدَ إلَّا بأن يُلزِمَه نفسَه(١). ويقال: إنها لمّا حملت قالت: لئن نجَّاني اللّه، ووضعتُ ما في بطني، لجعلْتُه مُحَرَّراً. ومعنى (لك)) أي: لعبادتك. ((محرَّراً)) نصبٌ على الحال، وقيل: نعتٌ لمفعول محذوف، أي: إني نذرتُ لك ما في بطني غلاماً مُحرَّراً، والأوَّلُ أولى من جهة التفسير وسياقِ الكلام والإعراب: أمَّا الإعرابُ: فإن إقامة النعت مقامَ المنعوت لا يجوزُ في مواضع، ويجوز على المجاز في أخرى. وأمَّا التفسيرُ: فقيل: إن سببَ قولِ امرأةٍ عمرانَ هذا أنها كانت كبيرةٌ لا تَلِد، وكانوا أهلَ بيتٍ من اللّه بمكان، وأنها كانت تحت شجرةٍ، فبَصُرت بطائر یَزُقُّ فَرْخاً (٢)، فتحرَّكت نفسُها لذلك، ودعت ربَّها أن يَهَب لها ولداً، ونذرت إن وَلَدت أن تجعل ولدها مُحرَّراً، أي: عتيقاً خالصاً لله تعالى، خادماً للكنيسة حَبِيساً عليها، مُفرَّغاً لعبادة الله تعالى. وكان ذلك جائزاً في شريعتهم، وكان على أولادهم أن يُطيعوهم. فلمَّا وضعتْ مريمَ قالت: ﴿رَبِّ إِنَّ وَضَبْتُهَا أُنْقَ﴾ يعني أن الأنثى لا تصلح لخدمة الكنيسة؛ قيل: لِمَا يصيبها من الحَيْض والأذى، وقيل: لا تصلح لمخالطة الرجال. وكانت ترجو أن يكون ذَكَراً، فلذلك حَرَّرت(٣). الثالثة: قال ابن العربيّ(٤): لا خلافَ أن امرأة عمران لا يتطرّق إلى حملها نذرٌ لكونها حرَّةً، فلو كانت امرأته أمَةٌ، فلا خلافَ أن المرء لا يصح له نذرُ ولدِه(٥) وكيفما تصرفَتْ حاله؛ فإنه إن كان الناذرُ عبداً لم(٦) يتقرَّر له قولٌ في ذلك؛ وإن كان حرَّاً، فلا يصحُّ أن يكون مملوكاً له، وكذلك المرأةُ مثله، فأيُّ وجهٍ للنذر فيه؟ (١) ٣٥٩/٤ . (٢) أي: يطعمه بفمه. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٩/١ - ٣٧٠، وتفسير الطبري ٣٣٢/٥، ٣٣٧ - ٣٣٨، والمحرر الوجيز ٤٢٤/١ . (٤) أحكام القرآن ٢٧٠/١. (٥) في (خ) و (د) و(م): نذر في ولده، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في أحكام القرآن. (٦) في (م): فلم.