Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
مَّقْبُوضَةُّ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ أي: فلم يطالبه برهن ﴿فَلْيُؤَدِ الَّذِى أَقْتُمِنَ أَمَسَتَهُ﴾ .
قال: ولو جاز أنْ يكون هذا ناسخًا للأوّل لجاز أن يكون قولُه عزَّ وجلّ:
﴿وَإِن كُم ◌َّفَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآَةَ أَحَدٌ مِّنكُمْ مِنَ الْغَآيِطِ﴾ الآية [النساء: ٤٣]
ناسخاً لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ الآية [المائدة:
٦] ولجاز أنْ يكونَ قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتْتَابِعَيْنِ﴾
[النساء: ٩٢] ناسخاً لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَتَحِرُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾(١).
وقال بعض العلماء: إنَّ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ لم يتبين تأخّر
نزوله عن صدر الآية المشتملةِ على الأمر بالإشهاد، بل ورَدا معاً. ولا يجوز أنْ يردَ
الناسخُ والمنسوُ معًا جميعاً في حالة واحدة. قال: وقد رُوي عن ابنِ عباس أنه
قال لمَّا قيل له: إنَّ آيةَ الذَّيْنِ منسوخةٌ، قال: لا والله إنَّ آيةَ الذَّيْن محكمةٌ، ليس
فيها نسخٌ، قال: والإشهادُ إنَّما جُعل للطمأنينة، وذلك أنَّ اللهَ تعالى جعلَ لتوثيق
الدَّيْن طرُقاً، منها الكتابُ، ومنها الرَّهنُ، ومنها الإشهادُ. ولا خلافَ بين علماءِ
الأمصارِ أنَّ الرَّهنَ مشروعٌ بطريق النَّبِ، لا بطريق الوجوب. فيُعْلَم من ذلك مثلُه
في الإشهاد. وما زال الناس يتبايعون حضرًا وسفرًا وبرًّا وبحرًا وسهلًا وجبلًا من
غير إشهادٍ؛ مع علم النَّاسِ بذلك من غير نكير، ولو وجب الإشهادُ ما تركوا النكير
علی تاركه.
قلت: هذا كلُّه استدلالٌ حسن، وأحسَنُ منه ما جاء من صريح السُّنةِ في ترك
الإشهادِ، وهو ما خرَّجه الدار قطنيُّ(٢) عن طارق بنِ عبد الله المحاربيِّ قال: أقبلنا
في ركب من الرََّذَةِ (٣) وجنوب الرَّبَذة حتى نزلْنا قريباً من المدينة، ومعنا ظعِينةٌ لنا.
فبينا نحنُ قعودٌ؛ إذ أتانا رجلٌ عليه ثوبانِ أبيضانٍ، فسَلَّم، فردَدْنا عليه، فقال: مِن
أيْن القوم؟ فقلنا: من الرَّبَذة وجنوبِ الربذة. قال: ومعنا جملٌ أحمر؛ فقال:
(١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١١٢/٢-١١٣.
(٢) في سنته ٣/ ٤٤-٤٥ .
(٣) قوله: الرَّبَذة بفتح أوله وثانيه، وذال معجمة مفتوحة، من قُرى المدينة، قريبة من ذات عرق، كانت من
أحسن منزل في طريق مكة، وبها قبرُ أبي ذر الغفاري رضي الله عنه. معجم البلدان ٢٤/٣ .

٤٦٢
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
تبيعوني جملكم هذا؟ فقلنا: نعم. قال: بكم؟ قلنا: بكذا وكذا صاعاً من تَمْر.
قال: فما استوضَعَنا شيئًا، وقال: قد أخذتُه، ثم أخذ برأس الجملِ حَّی دخل
المدينةَ، فتوارى عنَّا، فتلاومنا بيننا، وقلنا: أعطيتم جملَكم من لا تعرفونه! فقالت
الظعينة: لا تَلاوَموا(١)، فقد رأيتُ وجهَ رجلٍ ما كان لِيُخْفِرِكم، ما رأيت وجهَ رجلٍ
أشبهَ القمر ليلة البدرِ من وجهه. فلما كان العِشاء(٢) أتانا رجلٌ، فقال: السلام
عليكم، أنا رسولُ رسولِ الله وَ ﴿ إليكم، وإنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى
تشبعوا، وتكتالوا حتى تستوفوا. قال: فأكلنا حتى شَبِعنا، واكتلنا حتى استوفينا.
وذكر الحديث.
ومثلُه حديثُ الزُّهرِيّ(٣) عن عمارة بن خُزَيْمةً أنّ عمَّه حدّثه - وهو من أصحاب
النبيِّ ◌َ ﴿ - أنَّ النبيَّ ◌ِ لهِ ابتاع فرسًا من أعرابي. الحديثَ. وفيه: وطَفِقَ الأعرابيّ
يقول: هَلُمَّ شاهداً يشهدُ أَنِّي بعتُك. قال خُزَيْمَةُ بن ثابت: أنا أشهدُ أنك قد بِعتَه.
فأقبلَ النبيُّ وَّهِ على خُزَيْمَةً، فقال: ((بم تشهد))؟ فقال: بتصديقك يا رسولَ الله.
قال: فجعل رسولُ اللهِ وَ﴿ شهادةَ خزيمةَ بشهادة رجلين. أخرجه النسائي وغيره(٤).
الموفية خمسين: قوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارُّ كَاِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ فيه ثلاثةُ أقوال:
الأول: لا يكتب الكاتب ما لم يُمْلَ عليه، ولا يزيدُ الشاهدُ في شهادته
ولا ينقصُ منها. قاله الحسن وقتادة وطاوس وابنُ زيد وغيرهم.
ورُوي عن ابن عباس ومجاهد وعطاءٍ أنَّ المعنى: لا يمتنع الكاتب أنْ يكتبَ
ولا الشاهد أنْ يشهدَ. ((وَلَا يُضَارَّ)» على هذين القولينِ أصلُه: يُضَارِر، بكسر الراء،
ثم وقع الإذغام، وفُتحت الراء في الجزم لخفَّة الفتحة(٥).
(١) في النسخ: لا تلاومون، والمثبت من (م)، وسنن الدار قطني ٤٥/٣.
(٢) في (خ) و(ظ): العشي.
(٣) في (م): وذكر الحديث الزهري.
(٤) المجتبى ٣٠١/٧-٣٠٢، والكبرى (٦١٩٨)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢١٨٨٣)، وأبو داود (٣٦٠٧).
(٥) انظر النكت والعيون ٣٥٨/١، وأحكام القرآن لابن العربي ٢٥٩/١، والمحرر الوجيز ٣٨٤/١،
والأقوال المذكورة أخرجها الطبري ١١١/٥-١١٤.

٤٦٣
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
قال النحاس(١): ورأيت أبا إسحاقَ يميل إلى هذا القولِ، قال: لأنَّ بعده ﴿وَإِن
تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقًا بِكُمَّ﴾، فالأَولى أنْ يكونَ(٢) من شهد بغير الحقِّ أو حرَّف في
الكتابة أنْ يقال له: فاسقٌ، فهو أولى بهذا ممن سأل شاهداً أنْ يَشهد، وهو
مشغولٌ .
وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس وابن أبي إسحاق: يُضَارِر، بكسر الراءِ
الأولى(٣).
وقال مجاهد والضحاك وطاوس والسُّدّيُّ؛ ورُوي عن ابن عباس(٤): معنى
الآية وَلَا يُضَارّ كَاتِبٌ وَلَا شَهيدٌ بأن يُدعَى الشاهدُ إلى الشهادة والكاتبُ إلى الكَتْب
وهما مشغولان، فإذا اعتذرا بعذرهما حرج(٥) وآذاهما، وقال: خالفتَ(٦) أمرَ اللهِ،
ونحو هذا من القول فيضرُّ بهما. وأصل ((يضارّ)) على هذا: يضارَرَ، بفتح الراء،
وكذا قرأ ابنُ مسعود: ((يضارَر)) بفتح الراء الأولى (٧)؛ فنهى الله سبحانه عن هذا؛
لأنه لو أطلقه لكان فيه شغلٌ لهما عن أمر دينهما ومعاشِهما. ولفظ المضارة - إذْ هو
من اثنين - يقتضي هذه المعاني. والكاتب والشهيدُ على القولين الأوّلين رفع
بفعلهما، وعلى القول الثالثِ رفع على المفعولِ الذي لم يسمَّ فاعلُه(٨).
الحادية والخمسون: قوله تعالى: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ﴾ يعني المضارَّة، ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقًا
بِكُمْ﴾، أي: معصية، عن سفيان الثوريّ(٩). فالكاتب والشاهدُ يعصيان بالزيادة
أو النقصان، وذلك من الكذب المؤذي في الأموال والأبدان، وفيه إبطالُ الحقِّ.
(١) في إعراب القرآن ٣٤٧/١.
(٢) في (م): تكون.
(٣) ذكرها ابن جني في المحتسب ١٤٨/١ دون نسبة.
(٤) أخرج الأقوالَ الطبريُّ ١١٤/٥-١١٧.
(٥) في النسخ: خرج، وفي (م): أخرجهما، والمثبت من المحرر الوجيز ٣٨٤/١، والكلام منه.
(٦) في (م): خالفتما.
(٧) انظر إعراب القرآن للنحاس ٣٤٨/١، والمحتسب ١٤٨/١، وتفسير الطبري ١١٤/٥.
(٨) المحرر الوجيز ٣٨٤/١-٣٨٥، وانظر النكت والعيون، وأحكام القرآن لابن العربي ٢٥٩/١ -٢٦٠.
(٩) أخرجه الطبري ١١٩/٥ من قول ابن عباس والربيع.

٤٦٤
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
وكذلك إذايتُهما - إذا كانا مشغولين - معصيةٌ وخروجٌ عن الصواب من حيثُ
المخالفةُ لأمر الله. وقوله: ((بِكُمْ)) تقديره: فسوقٌ حالٌّ بكم (١).
الثانية والخمسون: قوله تعالى: ﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهُّ وَيُعَلِمُكُمُ اللَّهُ وَاَللَّهُ بِكُلٍ شَىْءٍ
عَلِيمٌ﴾ وعدٌ من الله تعالى بأنَّ من اتقاه علّمه، أي: يجعلُ في قلبه نوراً يفهمُ به ما
يُلقى إليه، وقد يجعلُ الله في قلبه ابتداءً فُرقاناً، أي: فَيْصَلاً يفصِلُ به بين الحقِّ
والباطل؛ ومنه قولُه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾
[الأنفال: ٢٩]. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿﴿ وَإِن كُنُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَلِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ
بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدّ اُلَّذِى أَقْتُمِنَ أَمَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَكَدَةُ وَمَن
يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ: ءَائِهٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
فيه أربع(٢) وعشرون مسألة:
الأولى: لمّا ذكر الله تعالى النَّذْبَ إلى الإشهاد والكَتْبِ لمصلحة حفظِ الأموالِ
والأدْيَان، عقَّب ذلك بذكر حالِ الأعذارِ المانعةِ من الكَتْب، وجَعلَ لها الرَّهن،
ونصَّ من أحوال العذرِ على السَّفر الذي هو غالبُ الأعذار، لاسيَّما في ذلك الوقتِ
لكثرة الغزو، يدخل في ذلك بالمعنى كلُّ عذر. فرُبَّ وقتٍ يتعذّر فيه الكاتبُ في
الحضر كأوقات أشغالٍ الناس وبالليل، وأيضًا فالخوفُ على خراب ذمَّةِ الغريمِ عذرٌ
يوجب طلبَ الرَّهن. وقد رَهن النبيُّ ◌َّهِ دِرْعَه عند يهودي طلب منه سلَف الشعير،
فقال: إنما يريدُ محمدٌ أنْ يذهبَ بمالي. فقال النبيُّ وَّهِ: ((كذب، إنِّي لأمينٌ في
الأرض، أمينٌ في السماء، ولو ائتمنني لأدّيتُ، اذهبوا إليه بدرعي))، فمات ودِرعُه
مرهونةٌ وَلغر، على ما يأتي بيانه آنِفاً(٣).
(١) انظر المحرر الوجيز ٣٨٥/١.
(٢) في النسخ: خمس، والمثبت من (م)، لقوله فيما بعد ص ٤٧٨ من هذا الجزء: تعرضت هنا ثلاث
مسائل تتمة أربع وعشرين.
(٣) المحرر الوجيز ٣٨٥/١-٣٨٦، والحديث أخرجه الترمذي (١٢١٣)، والنسائي في المجتبى ٢٩٤/٧،
والكبرى (٦١٧٩) من حديث عائشة رضي الله عنه بنحوه.

٤٦٥
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
الثانية: قال جمهور من العلماء: الرّهْنُ في السفر بنصِّ التنزيل، وفي الحضر
ثابتٌ بسنة الرسولِ وَله، وهذا صحيحٌ. وقد بينًا جوازَه في الحضر من الآية
بالمعنى، إذْ قد تترتَّب الأعذارُ في الحضر، ولم يُروَ عن أحدٍ منعُه في الحضر سوى
مجاهدٍ والضحاك(١) وداودَ، متمسّكين بالآية. ولا حجةَ فيها؛ لأنَّ هذا الكلامَ وإنْ
كان خرج مَخرِجَ الشرطِ؛ فالمراد به غالبُ الأحوال. وليس كونُ الرَّهنِ في الآية
في السَّفر مما يحظُرُ في(٢) غيره(٣). وفي الصحيحين وغيرِهما عن عائشةً أنَّ
النبيَّ ◌َ﴿ اشترى من يهوديِّ طعاماً إلى أجلٍ، ورهنَه دِرعاً له من حديد(٤). وأخرجه
النَّسائي من حديث ابنِ عباس، قال: تُوفِّي رسولُ اللهِ وَهُ ودِرْعُه مرهونةٌ عند يهوديِّ
بِثلاثينَ صاعًا من شعير لأهله(٥).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَإِبًا﴾ قرأ الجمهور: ((كاتبًا)) بمعنى رجل
يكتُبُ. وقرأ ابن عباس وأبيّ ومجاهد والضحاك وعِكرِمةُ وأبو العالية: ((ولم تجدوا
كتاباً))(٦). قال أبو بكر الأنباري: فسَّره مجاهد فقال: معناه فإنْ لم تجدوا مِدادًا
يعني في الأسفار(٧).
ورُوي عن ابن عباس: ((كُتَّاباً)). قال النحاس(٨): هذه القراءةُ شاذَّةٌ، والعامَّةُ
على خلافها، وقلَّما يخرجُ شيءٌ عن قراءة العامةِ إلا وفيه(٩) مَظْعَن؛ ونَسقُ الكلام
على كاتب؛ قال الله عزَّ وجلَّ قبْل هذا: ﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ وكُتَّابٌ
يقتضي جماعةً.
(١) أخرج قوليهما الطبري ١٢١/٥، ١٢٢ -١٢٣.
(٢) لفظة: في، من (م).
(٣) انظر المعونة ١١٥٢/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٢٦٠/١، والمحرر الوجيز ٣٨٦/١، والمفهم
٥١٨/٤، والمغني ١٤ / ٤٤٤.
(٤) صحيح البخاري (٢٠٦٨)، وصحيح مسلم (١٦٠٣)، وقد سلف ذكره ص ٤٥٩ من هذا الجزء.
(٥) المجتبى ٣٠٣/٧، والكبرى (٦٢٠٢)، وهو عند أحمد (٢١٠٩).
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٨/١، وانظر القراءات الشاذة ص١٨، والمحرر الوجيز ٣٨٦/١.
(٧) أخرجه الطبري ١٢٢/٥-١٢٣.
(٨) في إعراب القرآن ٣٤٨/١، وقراءةُ ابن عباس منه، وذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص ١٨، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٨٦/١.
(٩) في النسخ: فيها، والمثبت من (م) وإعراب القرآن للنحاس ٣٤٨/١.

٤٦٦
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
قال ابن عطية (١): كُتَّاباً يحسُن من حيثُ لكلِّ نازلةٍ كاتب، فقيل للجماعة: ولم
تجدُوا كثّاباً. وحكى المهدوِيُّ عن أبي العالية أنه قرأ: ((كُباً))(٢)، وهذا جمعُ كِتاب
من حيثُ النوازلُ مختلفة. وأمّا قراءةُ أُبيّ وابنٍ عباس: ((كُتَّاباً))، فقال النحاس(٣)
ومكيّ: هو جمعُ كاتب كقائم وقِيام. مكي: المعنى وإنْ عدِمت الدَّواة والقلم
والصحيفة. ونفْيُ وجود الكاتب يكون بعدم أيّ آلة اتّفَق، ونَفْي الكاتب أيضاً
يقتضي نفي الكتاب؛ فالقراءتان حسنتان إلا من جهة خط المصحف(٤).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ وقرأ أبو عمرو وابن كثير: ((فَرُهُنٌ))
بضم الراء والهاء، ورُوي عنهما تخفيفُ الهاء(٥).
وقال الطبريُّ(٦): تأوَّل قومٌ أنَّ ((رُهُنّا)) بضم الراء والهاء جمعُ رِهان، فهو جمعُ
جمعٍ، وحكاه الزَّجاج عن الفرَّاء(٧) .
وقال المهدويُّ: ((فرهان)) ابتداء، والخبر محذوف، والمعنى: فرهان مقبوضةٌ
یکفي من ذلك.
قال النحاس(٨): وقرأ عاصم بنُ أبي النَّجُود: ((فَرُهْنٌ)) بإسكان الهاء(٩)، ویُروی
عن أهل مكة. والبابُ في هذا ((رِهَانٌ))؛ كما يقال: بغل وبِغَال، وكبش وكِباش،
ورُهُنٌّ سبيله أنْ يكونَ جمعَ رِهان؛ مثلُ كِتاب وكُتُب. وقيل: وجمع رَهْن؛ مثلُ
(١) في المحرر الوجيز ٣٨٦/١.
(٢) القراءات الشاذة ص١٨ .
(٣) في إعراب القرآن ٣٤٨/١.
(٤) المحرر الوجيز ٣٨٦/١.
(٥) أي إسكانها. والقراءة المشهورة عنهما هي بضم الراء والهاء. انظر السبعة ص١٩٤، والتيسير
ص ٨٥.
(٦) في تفسيره ٥/ ١٢٣، والمحرر الوجيز ٣٨٦/١، وعنه نقل المصنف.
(٧) معاني القرآن للزجاج ٣٦٧/١، ومعاني القرآن للفراء ١٨٨/١، والمحرر الوجيز ٣٨٦/١-٣٨٧، وعنه
نقل المصنف.
(٨) في إعراب القرآن ٣٤٩/١.
(٩) نسب ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٨ هذه القراءة لابن حوشب وأبي عمرو، وقراءة عاصم
المتواترة عنه: (فَرِهان)). السبعة ص ١٩٥، والتيسير ص ٨٥.

٤٦٧
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
سَقْف وسُقُف، وحَلْق وحُلُق، وفَرْش وفُرُش، ونَشْر ونُشُر، وشبهه. (ورُهْن))
بإِسكان الهاء سبيلُه أنْ تكونَ الضمةُ حُذفت لثقلها. وقيل: هو جمع رَهْن؛ مثل
سَهْم حَشْرٌ، أي: دقيق، وسِهام حَشْرٌ. والأوَّل أولى؛ لأنَّ الأوَّلَ ليس بنعت، وهذا
نعت.
وقال أبو علي الفارسي(١): وتكسير ((رَهْرٌ)) على أقلِّ العددِ لم أعلمْه جاء، فلو
جاء كانَ قياسُه أفْعُل(٢) ككلب وأكْلُب، وكأنهم استغنوا بالقليل عن الكثير، كما
استُغني ببناء الكثيرِ عن بناء القليلِ في قولهم: ثلاثة شُسُوع، وقد استُغني ببناء القليل
عن الكثير في رَسَن وأَرْسَان، فرَهْن يجمع على بناءين، وهما فُعُل وفِعَال.
الأخفش(٣): فَعْل على فُعُل قبيحٌ، وهو قليلٌ شاذّ، قال: وقد يكون (رُهُن)
جمعاً للرِهان، کأنه یجمعُ رهن علی رِهَان، ثم یجمعُ رِهان علی رُهُن، مثلُ فِراش
وفُرُش.
الخامسة: معنى الرَّهْن: احتباسُ العينِ وثيقةً بالحقِّ؛ ليُسْتَوْفَى الحقُّ من ثمنها
أو من ثمن منافعِها عند تعذرٍ أخذِه من الغريم؛ هكذا حدَّه العلماء(٤)، وهو في
كلام العربِ بمعنى الدَّوامِ والاستمرار. وقال ابن سِيدَه: ورهنه، أي: أدامه؛ ومِن
رَهن بمعنى دام قوْلُ الشاعر:
الخُبْزُ واللَّحمُ لهم راهِنٌ وَقَهْوَةٌ رَاوُوقها ساكِبُ(٥)
قال الجوهريُّ: ورَهَن الشيءُ رَهْناً، أي: دام. وأرهنتُ لهم الطعامَ والشراب
أدمتُه لهم، وهو طعامٌ راهن. والراهن: الثابت، والراهن: المهزولُ من الإبل
والنَّاس، قال:
(١) في الحجة ٢/ ٤٤٧، والمحرر الوجيز ٣٨٧/١.
(٢) في (د) و(ز) و(م): أفعلا، والمثبت من (م)، والمصدرين السابقين.
(٣) معاني القرآن له ٢٩١/١-٢٩٢.
(٤) المفهم ٥١٩/٤.
(٥) المحرر الوجيز ٣٨٦/١، والبيت ورد في الحجة ٤٤٦/٢، واللسان (رهن)، واللباب ٥٠٩/٤ من غير
نسبة .

٤٦٨
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
إمَّا تَرَيْ جِسْمِيَ خَلَّ قد رَهَنْ هَزْلًا وما مَجْدُ الرِّجالِ في السِّمَنْ(١)
قال ابن عطية(٢): ويقال في معنى الرَّهْنِ الذي هو الوَثيقَةُ من الرَّهْن: أرْهنْتُ
إرهاناً؛ حكاه بعضهم.
وقال أبو عليّ(٣): أرْهنتُ في المُغَالاة، وأما في القرض والبيع فرهنتُ. وقال
أبو زيد: أرهنت في السلعة إرهانًا: غاليتُ بها؛ وهو في الغلاء خاصَّة (٤).
قال:
عِيدِيَّةً أُرهِنَتْ فيها الدَّنَانِيرُ(٥)
يصف ناقة. والعِيدُ بطنٌ من مَهَرة (٦)، وإِلُ مَهَرةَ موصوفةٌ بالنَّجابة.
وقال الزجاج(٧): يقال في الرهن: رَهَنْت وأرهنت، وقاله ابن الأعرابي(٨)
والأخفشُ.
قال عبد الله بنُ همام السَّلُولي:
فلمَّا خَشِيتُ أظَافِيرَهُمْ نَجَوتُ وأرْهِنْتُهُم مالكا (٩)
قال ثَعْلَب: الرواة كلُّهم على أرهنْتُهُم، على أنه يجوزُ رهَنْتُه وأرْهَنْتُه، إلا
الأصمعي؛ فإنه رواه وأَرْهَنُهُم، على أنه عطفَ بفعل مستقبلٍ على فعل ماض،
(١) الصحاح (رهن). والرَّجز ورد في المجمل ٤٠٣/١، وتهذيب اللغة ٢٧٦/٦ من غير نسبة.
(٢) في المحرر الوجيز ٣٨٧/١.
(٣) في الحجة ٢/ ٤٤٤، والمحرر الوجيز ٣٨٧/١، وعنه نقل المصنف.
(٤) مجمل اللغة ٤٠٣/١، وتهذيب اللغة ٦/ ٢٧٥.
(٥) قائله رذاذ الكلبي، وهو في إصلاح المنطق ٢٧٦/١، والحجة ٤٤٤/٢، والصحاح (رهن)، وتهذيب
اللغة ٦/ ٢٧٥، ومجمل اللغة ٤٠٣/١، واللسان (رهن) و(عود)، وصدره:
يطوي ابن سَلمى بها من راكبٍ بَعَداً
(٦) قوله: مَهَرة: بفتحتين: قبيلة تنسب إليها الإبل المهرية. معجم البلدان ٢٣٤/٥.
(٧) في معاني القرآن ٣٢٧/١.
(٨) تهذيب اللغة ٦/ ٢٧٥، والمحرر الوجيز ٣٨٧/١، وعنه نقل المصنف.
(٩) ورد البيت في إصلاح المنطق ٢٧٧/١، ومعاني الزجاج ٣٦٧/١، والحجة ٤٤٦/٢، والصحاح
(رهن)، وتهذيب اللغة ٦/ ٢٧٤، وفيه: أرهَتُهُم بدل: أرهنْتُهُم.

٤٦٩
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
وشبَّهه بقولهم: قمتُ وأصُكُّ وجهَه، وهو مذهبٌ حسَنٌ؛ لأنَّ الواوَ واوُ الحال؛
فجعلَ أصُكُّ حالًا للفعل الأوّلِ على معنى قمتُ صاًا وجهَه، أي: تركتُه مقيماً
عندهم؛ لأنه لا يقال: أرْهَنْت الشَّيءَ، وإنما يقال: رهَنْتُهُ(١). وتقول: رهنت لساني
بكذا، ولا يقال فيه: أرهنت(٢).
وقال ابنُ السِّكّيت(٣): أرهنتُ فيها بمعنى أسلفتُ. والمُرتَهِن: الذي يأخذ
الرَّهْن. والشيء مرهونٌ وَرَهِين، والأنثى رَهِينة. وراهنت فلاناً على كذا مُراهَنةً:
خاطَرْتُه. وأرهنتُ به ولدي إرهانًا: أخطرتُهم به خَطَرًا. والرَّهِينَةُ واحدةُ الرهائن؛
كلُّه عن الجوهريُّ(٤).
ابن عطية(٥): ويقال بلا خلاف في البيع والقرض: رهنتُ رَهْناً، ثم سُمّي بهذا
المصدرِ الشيءُ المدفوعُ، تقول: رهنت رَهْنّا؛ كما تقول: رهنتُ ثوباً.
السادسة: قال أبو علي: ولما كان الرَّهنُ بمعنى الثبوتِ والدوامِ، فمن ثَمَّ بطل
الرَّهنُ عند الفقهاء إذا خرج من يد المرتهنِ إلى الراهن بوجهٍ من الوجوه؛ لأنه فارق
ما جُعل باختيار المرتهن له(٦).
قلت: هذا هو المعتمدُ عندنا في أنَّ الرهنَ متى رجع إلى الراهن باختيار
المرتهنِ بطل الرهْن، وقاله أبو حنيفة، غير أنه قال: إنْ رجع بعاريَّة أو وديعةٍ لم
يَبطل. وقال الشافعيُّ: إنَّ رجوعه على يَدِ الراهنِ مطلقاً لا يُبطل حكمَ القبضِ
المتقدِّم؛ ودليلنا ﴿فَرِعَنٌ مَّقْبُضَةٌ﴾، فإذا خرج عن يد القابض لم يَصْدُقْ ذلك اللفظُ
عليه لغةً، فلا يَصدقُ عليه حكمًا، وهذا واضح(٧).
(١) الصحاح (رهن)، وانظر إصلاح المنطق ١/ ٢٥٧ و٢٧٧، وتهذيب اللغة ٦/ ٢٧٤.
(٢) المحرر الوجيز ٣٨٧/١.
(٣) في إصلاح المنطق ٢٥٧/١ و٢٧٦. وانظر تهذيب اللغة ٢٧٤/٦، ومجمل اللغة ٤٠٣/١.
(٤) في الصحاح (رهن).
(٥) في المحرر الوجيز ٣٨٧/١.
(٦) الحجة ٤٤٦/٢، والمحرر الوجيز ٣٨٦/١، وعنه نقل المصنف.
(٧) المفهم ٥١٩/٤، وانظر المعونة ٢/ ١١٥٤.

٤٧٠
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
السابعة: إذا رهنَه قولًا، ولم يقبضه فعلًا لم يوجب ذلك حكماً؛ لقوله تعالى:
چ
﴿فَرِفَانْ مَّقْبُوضَةٌ﴾. قال الشافعي: لم يجعل الله الحكمَ إلَّا برهن موصوفٍ بالقبض،
فإذا عُدمتِ الصفة وجبَ أنْ يعدم الحكم، وهذا ظاهرٌ جِدًّا .
وقالت المالكية: يلزمُ الرهنُ بالعقد، ويجبرُ الراهنُ على دفع الرهن لِيحوزَه
المرتهن؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِلْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وهذا عَقْدٌ، وقوله: ﴿بِلْعَهْدِّ﴾
[الإسراء: ٣٤]، وهذا عهدٌ، وقولهِ عليه الصلاة والسلام: ((المؤمنون عند
شروطهم))(١) وهذا شرطٌ، فالقبض عندنا شرطٌ في كمال فائدته. وعندهما شرطً في
لزومه وصحَّتِه(٢).
الثامنة: قوله تعالى: ﴿مَّقْبُوضَةٌ﴾ يقتضي بينونةَ المرتهنِ بالرهن. وأجمع الناس
چ
على صحة قبضٍ المرتهن، وكذلك على قبض وكِيلِه. واختلفوا في قبض عَدْلٍ
يوضع الرهنُ على يديه، فقال مالك وجميعُ أصحابِهِ وجمهورُ العلماء: قبض العَدْلِ
قبضٌ. وقال ابنُ أبي ليلى وقتادةُ والحكم وعطاء: ليس بقبض، ولا يكون مقبوضًا
إلا إذا كان عند المرتَّهِن، ورأوا ذلك تعبُّداً. وقولُ الجمهور أصحُ من جهة
(١) أخرجه أبو داود (٣٥٩٤)، وابن حبان (١١٩٩)، وابن عدي (٢٠٨٨/٢) والحاكم ٤٩/٢ من طريق
كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة مرفوعاً. قال الذهبي في التلخيص: لم يصححه
الحاكم، وكثير ضعفه النسائي، وقواه غيره. وعلقه البخاري قبل الحديث (٢٢٧٤)، وقال الحافظ في
التغليق ٢٨٢/٣: كثير بن زيد لينه ابن معين وأبو زرعة، وقال أحمد: ما أرى بحديثه بأساً، فحديثه
حسن في الجملة.
وأخرجه الطبراني في الكبير (٤٤٠٤) وابن عدي ٦/ ٢٠٦٥ من طريق جُبارة بن المغَلِّس، عن قيس بن
الربيع، عن حكيم بن جُبير، عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج به مرفوعاً. وفي إسناده ◌ُبارة بن
المغلِّس، وهو ضعيف، التقريب ص٧٦.
وأخرجه الترمذي (١١٥٢)، والدارقطني ٢٧/٣، والبيهقي ٧٩/٦ من طريق كثير بن عبد الله بن
عمرو بن عوف عن أبيه عن جده. قال الحافظ في الفتح ٤/ ٤٥١: وكثير بن عبد الله ضعيف عند
الأكثر. لكن البخاري ومن تبعه كالترمذي وابن خزيمة يقوون أمره.
وللحديث شاهد أخرجه ابن أبي شيبة ٥٦٨/٦ عن يحيى بن أبي زائدة عن عبد الملك عن عطاء
مرفوعاً، قال الحافظ في التغليق: ٢٨٢/٣: هذا مرسل قوي الإسناد.
وفي الباب من حديث أنس وعائشة أوردهما الحافظ في التلخيص ٣/ ٢٣ ووهَّى إسناديهما.
(٢) المعونة ١١٥٣/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٢٦٠/١-٢٦١، والمفهم ٥١٩/٤.
:

٤٧١
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
المعنى(١) لأنه إذا صار عند العدلِ صار مقبوضًا لغةً وحقيقةً؛ لأن العدلَ نائبٌ عن
صاحب الحقِّ وبمنزلة الوكيل؛ وهذا ظاهر.
التاسعة: ولو وُضع الرهنُ على يديْ عَدْلٍ، فضاع، لم يضمن المرتهن
ولا الموضوعُ على يده؛ لأنَّ المرتهن لم يكن في يده شيءٌ يضمنه، والموضوع على
يده أمينٌ، والأمينُ غيرُ ضامن(٢).
العاشرة: لما قال تعالى: ((مَقْبُوضَةٌ)) قال علماؤنا: فيه ما يقتضي بظاهره ومطلقِه
جواز رهنِ المُشَاعِ. خلافًا لأبي حنيفةَ وأصحابِهِ، لا يجوز عندَهم أنْ يرهنَه ثُلُثَ
دارٍ ولا نصفاً من عَبْد ولا سيف، ثم قالوا: إذا كان لرجلين على رجل مالٌ هما فيه
شريكان، فرهنهما بذلك أرضًا فهو جائزٌ إذا قبضاها(٣). قال ابن المنذر(٤): وهذا
إجازةُ رهنِ المِشَاعِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مرتهنٌ نصفَ دار. قال ابن المنذر: رهنُ
المشاعِ جائزٌ كما يجوز بيعه.
الحادية عشرة: ورهنُ ما في الذِّمّة جائزٌ عند علمائنا؛ لأنه مقبوضٌ خلافًا لمن
منع ذلك؛ ومثاله رجلانٍ تعاملا؛ لأحدهما على الآخر ديْنٌّ، فرهَنه دينَه الذي
عليه(٥). قال ابن خُوَيزمَنداد: وكلُّ عرضٍ جاز بيعُه جاز رهنه، ولهذه العلة جوَّزنا
رهنَ ما في الذمة؛ لأنَّ بيعَه جائز، ولأنه مالٌ تقع الوَثِيقَة به، فجاز أنْ يكونَ رهناً،
قياساً على سلعة موجودة. وقال من منع ذلك: لأنه لا يتحقَّقُ إقْباضُه، والقبض
شرطٌ في لزوم الرهن؛ لأنه لا بدَّ أنْ يستوفيّ الحقَّ منه عند المحلّ، ويكون
الاستيفاء من ماليّته لا من عيْنِهِ، ولا يتصوَّرُ ذلك في الدَّيْن.
الثانية عشرة: روى البخاريُّ عن أبي هريرةَ قال: قال رسول اللهِ وَّهِ: ((الظّهْرُ
(١) المحرر الوجيز ٣٨٨/١، وانظر أحكام القرآن للكيا ٢٦٥/١، وأحكام القرآن لابن العربي ٢٦١/١،
والمغني ١٤/ ٤٧٠ .
(٢) انظر المعونة ١١٥٩/٢.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢٦١/١، وانظر مختصر اختلاف العلماء ٢٨٧/٤، والمعونة ١١٥٥/٢ -
١١٥٦.
(٤) في الإشراف ٨٦/١.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢٦١/١، وانظر المدونة ٣٤٠/٥، والمعونة ١١٥٢/٢-١١٥٣.

٤٧٢
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
يُركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبنُ الدَّرِّ يُشربُ بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي
يَركب ويَشربُ النفقة)). وأخرجه أبو داود(١)، وقال بدل: ((يشرب)) في الموضعين:
(يحلب)). قال الخطّابيُّ(٢): هذا كلامٌ مُبْهم، ليس في نفس اللفظِ بيانُ مَن يَركب
ويَحلِب، هل الراهنُ أو المرتهِن، أو العدلُ الموضوعُ على يده الرَّهن؟.
قلت: قد جاء ذلك مبيّناً مفسَّراً في حديثين، وبسببهما اختلف العلماءُ في
ذلك، فروى الدار قطنيُّ من حديث أبي هريرة ذكر النَّبِي بَلِّ قال: ((إذا كانت الدَّابَّة
مرهونةً، فعلى المرتهن علفُها ولبنُ الدَّرّ يشرب، وعلى الذي يَشربُ نفقتُه)). أخرجه
عن أحمدَ بنِ عليٍّ بنِ العلاء، حدَّثنا زياد بنُ أيوب، حدَّثنا هُشَيم، حدَّثنا زكريا،
عن الشَّعبي، عن أبي هريرة(٣). وهو قولُ أحمدَ وإسحاق: أنَّ المرتهِنَ ينتفع من
الرَّهْن بالحلب والركوبِ بقدر النَّفقة. وقال أبو ثور: إذا كان الرَّاهِن يُنفق عليه، لم
يَنتفع به المرتَهِن. وإنْ كان الراهن لا يُنفِقُ عليه، وتركه في يد المرتهنِ، فأَنفق
عليه، فله ركوبُه واستخدامُ العبد. وقاله الأوزاعيُّ والليث(٤).
الحديث الثاني خرَّجه الدار قطنيُّ أيضاً - وفي إسناده مقالٌ يأتي بيانُه ـ من حديث
إسماعيل بنِ عيَّاش، عن ابن أبي ذِئب، عن الزهرِيّ، عن سعيد بن المسيب(٥)، عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((لا يَغْلَقُ الرَّهنُ، لصاحبه غُنْمه، وعليه
غُرْمه))(٦). وهو قولُ الشَّافعيّ والشَّعبيِّ وابن سِيرين، وهو قولُ مالك وأصحابه(٧) .
قال الشافعي: منفعةُ الرَّهنِ للراهن، ونفقتُه عليه، والمرتهنُ لا ينتفع بشيءٍ من
الرهن خَلَا الإحفاظَ للوثيقة. قال الخطابي(٨): وهو أولى الأقوالِ وأصحُها، بدليل
(١) صحيح البخاري (٢٥١١)، وسنن أبي داود (٣٥٢٦)، وهو عند أحمد (٧١٢٥) بنحوه.
(٢) في معالم السنن ١٦١/٣ .
(٣) سنن الدار قطني ٣٤/٣، وهو عند أحمد (٧١٢٥) من طريق هشيم به.
(٤) معالم السنن ١٦١/٣، وانظر مختصر اختلاف العلماء ٢٩٨/٤، والمغني ١٤/ ٥١١.
(٥) في النسخ: المقبري، وهو خطأ، والمثبت من سنن الدراقطني ومصادر التخريج.
(٦) سنن الدراقطني ٣٣/٣.
(٧) انظر مختصر اختلاف العلماء ٢٩٨/٤، و٣٠٧-٣٠٨، ومعالم السنن ١٦١/٣، والمغني ٥٠٨/١٤- ٥١٠.
(٨) في معالم السنن ١/ ١٦٢-١٦٣.

٤٧٣
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
قولهِ عليه الصلاة والسلام: ((لا يَغلَقُ الرهن مِن صاحبه الذي رهنَه، له غُنُمُه وعليه
غرمُه)). قال الخطابيُّ: وقوله: ((من صاحبه))، أي: لصاحبه. والعرب تضع ((مِن))
موضعَ اللّام؛ كقولهم:
أمِنْ أُمَّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لمْ تَكَلَّم (١)
قلت: قد جاء صريحًا: (لصاحبه))(٢)، فلا حاجةً للتأويل.
وقال الطحاوي(٣): كان ذلك وقتَ كونِ الرِّبا مباحًا، ولم يُنْه عن قرضٍ جَرَّ
منفعة، ولا عن أخذِ الشَّيء بالشَّيءٍ وإنْ كانا غير متساويين، ثم حرم الربا بعد
ذلك. وقد أجمعت الأمَّةُ على أنَّ الأمَةَ المرهونةَ لا يجوز للرَّاهن أنْ يطأها؛
فكذلك لا يجوز له خدمتُها. وقد قال الشَّعبيُّ: لا يُنتَفعُ من الرَّهن بشيء. فهذا
الشَّعبيُّ روى الحديثَ(٤)، وأفتى بخلافه، ولا يجوز عندَه ذلك إلا وهو مَنْسُوخ.
وقال ابن عبد البر: وقد أجمعوا أنَّ لبن الرهن وظهره للراهن. ولا يخلو من
أنْ يكونَ احتلابُ المرتَهِنِ له بإذن الراهنِ أو بغير إذنِه، فإن كان بغير إذنه ففي
حديث ابنِ عمرَ عن النَّبِيِ وَلِ: ((لا يحتلبنَّ أحدٌ ماشيةَ أحدٍ إلا بإذنه)» ما يردُّه
ويَقضي بنسخه. وإنْ كان بإذنه ففي الأصول المجتمع عليها في تحريم المجهولِ
والغَرَر وبيعِ ما ليس عندك وبيعٍ ما لم يُخْلق، ما يردُّه أيضًا؛ فإنَّ ذلك كان قبلَ نزولٍ
تحريمِ الرِّبا. والله أعلم(٥).
وقال ابن خويز منداد: ولو شرط المرتهنُ الانتفاعَ بالرهن، فلذلك حالتان: إنْ
(١) معالم السنن ١٦٣/١، والبيت لزهير، وهو في ديوانه ص ٤، وتمامه: بحَوْمانة الدَّرَّاج فالمتَثَلَّمِ
قال شارحه: يريد: أدمنةٌ من منازل أمّ أوفى لم تكلّم، وهذا توجُّع، والحومانة مكان غليظ، والدِّمنة:
آثار الدار وما سوَّدُوا .
(٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٤٢٥/٦ بلفظ: ((لا يغلق الرهن، وهو لصاحبه)» وبلفظ: ((لا يغلق
الرهن، وهو من صاحبه)) كلاهما من طريق علي بن عبد الحميد الغضائري، وسيرد ذكره في المسألة
الرابعة عشرة.
(٣) في شرح معاني الآثار ٩٩/٤.
(٤) يعني حديث البخاري المتقدم ذكره أول هذه المسألة.
(٥) التمهيد ٢١٥/١٤-٢١٦، والحديث أخرجه أحمد (٤٤٧١) والبخاري (٢٤٣٥)، ومسلم (١٧٢٦).

٤٧٤
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
كان من قرضٍ لم يجز، وإن كان من بيع أو إجَارَةٍ جاز؛ لأنه يصير بائعاً للسلعة
بالثمن المذكورِ ومنافع الرهن مدّةً معلومة، فكأنه بيعٌ وإجارة، وأما في القرض
فلأنه يصير قرضًا جرَّ منفعةً؛ ولأنَّ موضوع القرضِ أنْ يكون قُرْبَةً، فإذا دخله نفعٌ
صار زيادةً في الجنس، وذلك رِبا .
الثالثة عشرة: لا يجوز غلقُ الرهنِ، وهو أنْ يشترطَ المرتهنُ أنه له بحقه إنْ لم
يأته به عندَ أجله. وكان هذا من فعل الجاهلية؛ فأبطله النَّبيُّ وَّر بقوله: ((لا يَغْلَقُ
الرهنُ))(١) هكذا قيَّدناه برفع القاف على الخبر، أي: ليس يَغْلَقُ الرَّهن(٢). تقول:
أغلقت البابَ، فهو مُغْلَقٌ. وغَلِقَ الرهنُ في يد مرتهنِه إذا لم يُفْتَكُ(٣)؛ قال الشاعر:
ومَنْ يكُ رَهْناً للحوادث يَغْلَقِ(٤)
أجارَتَنا مَنْ يجتمعْ يَتَفَرّقِ
وقال زهير:
وفارَقَتْك بِرَهْنٍ لا فَكّاكَ له يومَ الوَداعِ فأمْسَى الرّهْنُ قدْ غَلِقَا(٥)
الرابعة عشرة: روى الدارقطنيُّ من حديث سفيان بن عيينة، عن زياد بنِ سعد،
عن الزُّهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أنَّ رسولَ اللهِوَ ل﴿ قال: ((لا
يَغْلَقُ الرهنُ، له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه)). زياد بنُ سعد أحدُ الحفاظِ الثقات، وهذا
إسنادٌ حسن(٦). وأخرجه مالك(٧) عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب مرسلًا أنَّ
رسولَ اللهِ وَسْ﴾ قال: ((لا يَغْلَقُ الرهن)).
(١) سلف ذكره في المسألة الثانية عشرة.
(٢) انظر التمهيد ٦/ ٤٣٠ و٤٣٣، والمعونة ١١٦٨/٢، والمغني ٥٠٧/١٤.
(٣) انظر المنتقى ٢٣٩/٥.
(٤) قائله عُمارة بنُ صنوان الضبّي، وهو في أمالي القالي ٢/ ٥٥، وجمهرة الأمثال ٢٧٣/٢، وفصل المقال
في شرح كتاب الأمثال ص٢٦، والتمهيد ٤٣٢/٦، والتاج (غلق).
(٥) ديوان زهير ص٣٣، قال شارحه: قوله: قد غلق، أي: لا فكاك له لا يقدر أن يفُّه، يقال: هلم فَكاك
رهنك.
(٦) سنن الدارقطني ٣٢/٣، ونقله عنه البيهقي ٣٩/٦، وتعقبه بقوله: قد رواه غيره عن سفيان عن زياد
مرسلاً، وهو المحفوظ. وسيفصل المصنف فيه.
(٧) في الموطأ ٧٢٨/٢-٧٢٩.

٤٧٥
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
قال أبو عمر (١): وهكذا رواه كلُّ من روى الموطأَ عن مالك فيما علمت؛ إلا
مَعْنِ بنَ عيسى، فإنه وصله، ومَعْنٌ ثقة؛ إلا أني أخشى أنْ يكونَ الخطأُ فيه من
علي بنِ عبد الحميدِ الغضائري(٢)، عن مجاهد بن موسى، عن مَعْن بن عيسى.
وزاد فيه أبو عبد الله ابنُ عمروس(٣) عن الأبْهرِي بإسناده: «له غنمُه، وعليه
غرمُه)). وهذه اللفظةُ قد اختلف الرواةُ في رفعها، فرفعها ابنُ أبي ذِئب ومَعْمَر
وغيرهما .
ورواه ابنُ وهب، وقال: قال يونس: قال ابنُ شهاب: وكان سعيد بن المسيب
يقول: الرهنُ ممن رهنَه، له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه؛ فأخبر ابنُ شهاب أنَّ هذا من قول
سعيدٍ، لا عن النَّبِيِّ وَِّ، إلا أنَّ مَعْمَرًا ذكره عن ابن شهاب مرفوعاً، ومَعْمَر أثبتُ
الناسٍ في ابن شهاب. وتابعه على رفعه يحيى بنُ أبي أُنَّيْسةَ، ويحيى ليس بالقوِيّ(٤).
وأصلُ هذا الحديثِ عند أهل العلم بالنقل مُرسلٌ، وإن كان قد وُصل من
جهات كثيرةٍ، فإنهم يُعلِّلُونها. وهو مع هذا حديثٌ لا يرفعه أحدٌ منهم وإن اختلفوا
في تأويله ومعناه.
ورواه الدار قطنيّ(٥) أيضاً عن إسماعيل بن عياش، عن ابن أبي ذِئب، عن
الزّهري، عن سعيد، عن أبي هريرة مرفوعًا(٦).
قال أبو عمر (٧): لم يسمعه إسماعيل من ابن أبي ذئب، وإنما سمعه من عَبَّاد بنٍ
كثير، عن ابن أبي ذئب، وعبَّادٌ عندَهم ضعيفٌ لا يُحتجِ بهِ. وإسماعيل عندهم
(١) في التمهيد ٤٢٥/٦-٤٢٧.
(٢) هو أبو الحسن الحلبي، قيل: كان بغدادياً، وسكن حلب، كان ثقة توفي سنة (٣١٣هـ). اللباب في
تهذيب الأنساب ٣٨٤/٢.
(٣) في (د): أبو عبد الله ابن عبدوس، وفي (خ) و(م): أبو عبد الله عمروس، والمثبت من (ظ)، والتمهيد
٤٢٦/٦.
(٤) التمهيد ٦/ ٤٢٥-٤٢٦.
(٥) في سننه ٣٣/٣، وسلف ذكره في المسألة الثالثة عشرة.
(٦) التمهيد ٤٣٠/٦.
(٧) في التمهيد ٤٢٩/٦.

٤٧٦
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
أيضًا غير مقبول الحديثِ إذا حدّث عن غير أهلِ بلده؛ فإذا حدَّث عن الشَّاميين
فحديثُه مستقيم، وإذا حدَّث عن المدنيين وغيرِهم ففي حديثه خطأٌ كثيرٌ واضطراب.
الخامسة عشرة: نَماءُ الرَّهنِ داخلٌ معه إن كان لا يتميّزُ، كالسِّمَنِ، أو كان
نَسْلاً كالولادة والنَّتاج؛ وفي معناه فَسِيلُ النَّخل، وما عدا ذلك من غلَّة وثمرةٍ ولبنٍ
وصوف فلا يدخلُ فيه إلا أنْ يشترطَه. والفرق بينهما أنَّ الأولادَ تبعٌ في الزكاة
للأمهات، وليس كذلك الأصوافُ والألبانُ وثمر الأشجار؛ لأنها ليست تبعًا
للأمهات في الزكاة، ولا هي في صُوَرها ولا في معناها، ولا تقوم معها، فلها
حكمُ نفسِها لا حكمُ الأصلِ خلاف الولد والنَّتاج. والله أعلم بصواب ذلك(١).
السادسة عشرة: ورَهْنُ مَن أحاط الدَّيْنُ بماله جائزٌ ما لم يُفلِس، ويكونُ
المرتَهِنُ أحقَّ بالرَّهن من الغرماء؛ قاله مالك وجماعةٌ من الناس. ورُوي عن مالك
خلافُ هذا - وقاله عبد العزيز بنُ أبي سَلَمة - أنَّ الغرماءَ يدخلون معه في ذلك،
وليس بشيء؛ لأنَّ من لم يُحجَرْ عليه، فتصرفاتُه صحيحةٌ في كلِّ أحوالِه من بيع
وشراء، والغرماءُ عاملوه على أنه يبيعُ ويشتري ويَقْضِي، لم يختلف قولُ مالكٍ في
هذا البابِ، فكذلك الرَّهن. والله أعلم (٢).
السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية. شَرْطُ رُبط به
وصية الذي عليه الحقُّ بالأداء وتركِ المطل. يعني إن كان الذي عليه الحقُّ أمِينًا عند
صاحب الحقِّ وثِقةً فلْيُؤَدِّ له ما عليه ائتمن(٣) .
وقوله ﴿فَلْيُؤَدِ﴾ من الأداء مَهْمُوز، وهو جوابُ الشَّرطِ، ويجوز تخفيفُ همزِه،
فتُقلبُ الهمزة واواً ولا تُقلب ألفاً، ولا تُجعلُ بَيْنِ بَيْن؛ لأنَّ الألفَ لا يكونُ ما
قبلها إلا مفتوحاً(٤). وهو أمرٌ معناه الوجوب، بقرينة الإجماع على وجوب أداءٍ
(١) انظر معالم السنن ١٦٣/٣، ومختصر اختلاف العلماء ٢٩٠/٤-٢٩١، والمعونة ١١٦١/٢-١١٦٢،
والكافي ٨١٥/٢.
(٢) انظر الكافي ٨١٥/٢-٨١٦، وعقد الجواهر الثمينة ٥٨٥/٢ .
(٣) المحرر الوجيز ٣٨٨/١.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٩/١.

٤٧٧
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
الدُّون، وثبوتِ حكم الحاكم به وجبرِهِ الغرماء عليه، وبقرينة الأحاديثِ الصِّحاح
في تحريم مال الغير(١).
الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿أَمَنَتَهُ﴾ الأمانة مصدرٌ؛ سُمي به الشَّيءُ الَّذي في
الذمة، وأضافها إلى الذي عليه الدَّين من حيث لها إليه نسبة(٢)؛ كما قال تعالى:
﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاَءَ أَمْوَلَكُمُ﴾ [النساء: ٥].
التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، أي: في ألَّا يكتمَ من الحقِّ
شيئاً. وقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةُ﴾ تفسيرٌ لقوله: ﴿ولا يُضارِزْ﴾ بكسر العين.
ونهى الشاهدَ عن أنْ يضرَّ بكتمان الشهادة(٣)، وهو نهيٌّ على الوجوب بعدة قرائنَ
منها الوعيد. وموضعُ النَّهي هو حيث يَخاف الشاهدُ ضياعَ حقِّ. وقال ابن عباس:
على الشاهد أنْ يشهدَ حيثما استُشهد، ويخبر حيثما استُخبر، قال: ولا تقلْ: أُخِرُ
بها عند الأمير، بل أُخبره بها لعله يرجعُ ويرعَوِي (٤). وقرأ أبو عبد الرحمن: ((ولا
یکتموا)» بالياء، جعله نھیًا للغائب(٥) .
الموفية عشرين: إذا كان على الحقِّ شهودٌ؛ تعيَّن عليهم أداؤها على الكفاية،
فإنْ أدَّاها اثنان واجتزأ الحاكم بهما؛ سقط الفرضُ عن الباقين، وإنْ لم يجتزئ(٦)
بها تعيّن المشيُّ إليه حتى يقعَ الإثبات. وهذا يُعلم بدعاء صاحبِها، فإذا قال له:
أَخي (٧) حقِّي بأداء ما عندَك لي من الشهادة، تعيَّنَ ذلك عليه.
(١) منها ما أخرجه أحمد (١٤٤٤٠)، ومسلم (١٢١٨) من حديث جابر الطويل وفيه: ((فإنّ دماءكم
وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا»، وما أخرجه أحمد (٣٥٧٦)، والبخاري
(٧٤٤٥)، ومسلم (١٣٨) واللفظ للبخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً: ((من اقتطع
مال امرئٍ مسلم بيمين كاذبةٍ لقي الله وهو عليه غضبان».
(٢) المحرر الوجيز ٣٨٨/١.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢٦٣/١.
(٤) المحرر الوجيز ٣٨٨/١، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٥/ ١٢٧.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٩/١، وانظر القراءات الشاذة ص١٨.
(٦) في النسخ: يجتزأ، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي ٢٦٣/١، والكلام منه.
(٧) في (خ): أدي.

٤٧٨
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ عَائِمٌ قَلْبُهُ﴾ خَصَّ القلبَ
بالذكر؛ إذ الكتمُ من أفعاله، وإذ هو المُضْغَة التي بصلاحها يَصلحُ الجسد كلُّه كما
قال عليه الصلاة والسلام(١)؛ فعبَّر بالبعض عن الجملة، وقد تقدَّم في أوّل
السورة(٢).
وقال الكيا(٣): لما عزم على ألَّ يؤدِّيَها وتركَ أداءها باللسان؛ رجع المأثمُ إلى
الوجهين جميعاً. فقوله: ((آئِمٌ قَلْبُهُ)) مجازٌ، وهو أكدُ من الحقيقة في الدِّلالة على
الوعيد، وهو من بديع البيانِ ولطيف الإعرابِ عن المعاني. يقال: إِثْمُ القلبِ سببُ
مَسخه، والله تعالى إذا مسخ قلبًا جعله منافقاً وطبع عليه، نعوذ بالله منه، وقد تقدم
في أول السورة(٤). و((قلبه)) رفع بـ ((آثم)) و((آثم)) خبر ((إنّ)، وإن شئت رفعت آئماً
بالابتداء، و((قلبه)) فاعلٌ يسدُّ مسَدَّ الخبرِ والجملةُ خبر إن. وإنْ شئت رفعت آئماً
على أنه خبر الابتداء تنوي به التأخير. وإن شئت كان ((قَلْبُهُ)) بدلاً من ((آئِمٌ)) بدل
البعضِ من الكلِّ. وإن شئت كان بدلًا من المضمر الذي في ((آثم))(٥). وتعرّضت
هنا ثلاث مسائل تتمة أربع(٦) وعشرين.
الأولى: اعلم أنَّ الذي أمر الله تعالى به من الشهادة والكتابةِ، لمراعاة صلاحٍ
ذاتِ البَيْنِ ونفيِ التنازعِ المؤدّي إلى فساد ذاتِ البَيْن؛ لئلا يُسوِّلَ له الشيطان جحودَ
الحقِّ وتجاوزَ ما حدَّ له الشرع، أو ترك الاقتصار على المقدار المستَحقِّ؛ ولأجله
حرَّم الشرع البياعات المجهولةَ التي اعتيادُها يؤدّي إلى الاختلاف وفسادِ ذاتِ البینِ
وإيقاعِ التضاغُنٍ والتباين. فمن ذلك ما حرمه الله من الميْسِر والقِمار وشرب الخمر
بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ اُلْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِ اَلْخَمْرِ وَالْمَيْسِ﴾ الآية
[المائدة: ٩١]. فمن تأذَّب بأدب اللهِ في أوامره وزواجرِه؛ حازَ صلاحَ الدنيا والدِّين؛
(١) المحرر الوجيز ٣٨٨/١.
(٢) ٢٨٧/١.
(٣) في أحكام القرآن له ٢٦٩/١.
(٤) ٢٨٤/١ وما بعدها.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٥٠/١، وانظر المحرر الوجيز ٣٨٨/١.
(٦) في (خ) و(ظ): خمس.

٤٧٩
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (١) الآية [النساء: ٦٦].
الثانية: روى البخاريُّ عن أبي هريرةً عن النبيِّ بَّهِ قال: ((من أخذ أموالَ الناسِ
يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذَها يريدُ إتلافَها أتلفه الله))(٢).
وروى النسائيُّ عن ميمونةَ زوج النَّبيِّ بَّ أنها استدانت، فقيل: يا أمَّ المؤمنين،
تستدينين وليس عندك وفاء؟ قالت: إنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقول: ((من أخذَ دَيْناً
وهو يريد أنْ يؤدِّيَه أعانه الله عليه))(٣).
وروى الطحاويُّ وأبو جعفر الطبريُّ والحارث بنُ أبي أسامة في مسنده عن
عقبةً بنِ عامر أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّهِ قال: ((لا تُخِيفوا الأنفسَ بعد أَمْنِها»، قالوا: يا
رسولَ الله، وما ذاك؟ قال: الدَّيْن (٤).
وروى البخاريُّ عن أنس عن النبيِّ وَ له في دعاء ذكره: ((اللهم إني أعوذ بك من
الهَمِّ والحَزَن، والعَجْز والكْسَلِ، والجُبْن والبُخْلِ، وضَلَع الذَّيْن، وغَلَبةِ
الرّجال»(٥). قال العلماء: ضَلَع الدَّيْن هو الذي لا يجد دائنه من حیث یؤدّیه. وهو
مأخوذٌ من قول العربِ: حِمْل مُضْلِعٌ، أي: ثقيل، ودابة مُضْلِعٌ لا تَقوَى على
الحَمْلِ؛ قاله صاحبُ العَيْنِ(٦). وقال ◌َله: ((الدَّيْن شَيْنِ الدِّين))(٧). ورُوي عنه أنه
قال: ((الذَّيْن هَمّ بالليل، ومَذَلَّة بالنهار))(٨).
(١) أحكام القرآن للكيا ٢٦٩/١.
(٢) صحيح البخاري (٢٣٨٧)، وهو عند أحمد (٨٧٣٣).
(٣) المجتبى ٣١٦/٧، والكبرى (٦٢٤٠)، وهو عند أحمد (٢٦٨٤٠) بنحوه.
(٤) الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٢٨٣)، ولم نقف عليه في بغية الباحث عن زوائد الحارث الهيثمي،
ولا في جامع البيان وتهذيب الآثار كلاهما للطبري، ولم ينسبه للحارث الحافظ ابن حجر، في المطالب
العالية ولا البوصيري في إتحاف الخيرة ٣٧٤/٣، وهو عند أحمد (١٧٣٢٠)، (١٧٤٠٧).
(٥) صحيح البخاري (٥٤٢٥) مطولاً، وهو عند أحمد (١٢٦١٦).
(٦) ٢٨٠/١.
(٧) أخرجه القضاعي في مسنده (٣١) من حديث معاذ رضي الله عنه، وفي إسناده القضاعي عبد الله بن شبيب،
قال الذهبي: أخباريٌّ عَلَّامة لكنه واهٍ، وقال ابن حبان في المجروحين ٢/ ٤٧: يقلب الأخبارَ ويسرقها.
(٨) أخرجه البيهقي في الشعب (٥٥٥٤)، والقضاعي في مسند الشهاب (٩٥٨) وفي إسناده الحارث بن
نبهان، وهو متروك، كما في التقريب.

٤٨٠
سورة البقرة : الآية ٢٨٣
قال علماؤنا: وإنما كان شَيْنًا ومذَلَّةٌ، لِمَا فيه من شُغلِ القلبِ والبالِ والهَمِّ
اللازم فِي قضائه، والتذلَّلِ للغريم عندَ لقائه، وتحمُّل مِنَّته بالتأخير إلى حينٍ أوانه.
وربَّما يَعد من نفسه القضاءَ فيُخلفُ، أو يحدِّثُ الغريمَ بسببه فيكذب، أو يحلفُ له
فيحنث؛ إلى غير ذلك. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يتعوّذ من المأثم والمَغْرَم،
وهو الدَّيْن. فقيل له: يا رسولَ الله، ما أكثرَ ما تتعوَّذُ من المَغْرم؟ فقال: ((إن الرجل
إذا غَرِم؛ حدَّث فكذب، ووعد فأخلف))(١). وأيضاً فربما قد مات ولم يقض
الدَّيْنَ، فيرتهنُ به، كما قال عليه الصلاة والسلام: («نَسْمَةُ المؤمنِ مرتهنةٌ في قبره
بدَيْنه حتى يُقضى عنه))(٢). وكل هذه الأسباب مَشائن في الدِّين، تُذهب جمالَه
وتنقص کماله. والله أعلم.
المسألة(٣) الثالثة: لما أمر الله تعالى بالكتب والإشهادِ وأخذ الرِّهان؛ كان ذلك
نَصَّا قاطعًا على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها(٤)، وردًا على الجَهَلة المتصوّفةِ
ورَعَاعها الذين لا يَرَوْن ذلك، فيخرجون عن جميع أموالِهم ولا يتركون كفايةً
لأنفسهم وعيالِهم؛ ثم إذا احتاج وافتقر عياله فهو إما أنْ يتعرَّضَ لِمِنَن الإخوانِ أو
الصدقاتِهم، أو أنْ يأخذَ من أرباب الدنيا وظلَمَتِهم، وهذا الفعلُ مذمومٌ مَنْهِيٌّ عنه.
قال أبو الفرج الجَوْزِيّ(٥): ولست أعجبُ من المتزهِّدين الذين فعلوا هذا مع
قِلَّة علمهم، إنما أتعجّب من أقوامٍ لهم عِلمٌ وعقلٌ كيف حَثّوا على هذا، وأَمَروا به
مع مضادته للشرع والعقل.
فذكر المُحَاسِبيّ في هذا كلامًا كثيرًا، وشيَّده أبو حامد الطُّوسِيُّ ونصره (٦).
والحارث عندي أعذرُ من أبي حامد؛ لأنَّ أبا حامد كان أفقهَ، غير أنَّ دخولَه في
التصوّف أوجبَ علیه نصرً ما دخل فيه.
(١) أخرجه أحمد (٢٤٥٧٨)، والبخاري (٨٣٢) ومسلم (٥٨٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) أخرجه أحمد (٩٦٧٩)، والترمذي (١٠٧٨)، وابن ماجه (٢٤١٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) لفظة: المسألة، ليست في (م).
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢٦٤/١.
(٥) في تلبيس إبليس ص١٧١ .
(٦) في الإحياء ٢٦٤/٣ -٢٦٦.