Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
عن ابن عباس(١). ابنُ جُريج: نزلت في رجل فعل ذلك، ولم يُسَمِّ عليًّا ولا غيرَه.
وقال قتادة. هذه الآية نزلت(٢) في المنفقين من غير تبذيرٍ ولا تقتير (٣).
ومعنى ﴿يَأَلَّيْلِ وَالتَّهَارِ﴾: في الليل والنهار، ودخلت الفاء في قوله تعالى:
(فَلَهُمْ)) لأن في الكلام معنى الجزاء. وقد تقدَّم. ولا يجوز: زيدٌ فمنْطَلِقٍ(٤).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ
الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِنَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالْوَاْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرِّبَوَأْ وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ
اَلِيَأْ فَمَن ◌َّهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّهِ، فَأَنْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ: إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ
فَأُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (9) يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِبَواْ وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِّ
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَئِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّكَلِحَتِ وَأَقَامُواْ
الضَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَيِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ أَتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّيَّوَ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (0)
فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَِّ وَرَسُولِهُ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا
تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ
الآيات الثلاث تضمّنت أحكام الرِّبا، وجوازَ عقود المبايعات، والوعيدَ لمن
استحلَّ الرِّبا وأصرَّ على فعله. وفي ذلك ثمان وثلاثون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَلْبَوا﴾ يأكلون: يأخذون، فعبَّر عن
الأخذ بالأكل؛ لأن الأخذ إنما يُراد للأكل. والرِّبا في اللغة الزيادةُ مطلقاً؛ يقال:
رَبَا الشيءُ يَرْبُو: إذا زاد، ومنه الحديث: ((فلا والله ما أخذنا من لُقمةٍ إلَّا رَبًا من
تحتها)) يعني الطعامَ الذي دعا فيه النبيُّ وَلّ بالبركة(٥)، خرجَّ الحديث مسلمٌ
(١) تفسير عبد الرزاق ١٠٨/١، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٧١/١.
(٢) في (خ) و(ف): هي.
(٣) المحرر الوجيز ٣٧١/١، وأخرجه بنحوه الطبري ٣٦/٥.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٠/١.
(٥) المفهم ٤ / ٤٧٢ .

٣٨٢
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
رحمه الله(١). وقياسُ كتابتِه بالياء للكسرة في أوله، وقد كتبوه في القرآن
بالواو(٢).
ثم إن الشرع قد تصرَّف في هذا الإطلاق فقصَره على بعض موارده، فمرةً أطلقه
على كسب الحرام، كما قال الله تعالى في اليهود: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَواْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾
[النساء: ١٦١]. ولم يُرِدْ به الرِّبا الشرعيّ الذي حَكَم بتحريمه علينا، وإنما أراد المال
الحرام، كما قال تعالى: ﴿سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلسَّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] يعني
به المالَ الحرام من الرُّشا، وما استحلُّوه من أموال الأمَّيِّين حيث قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا
فِى الْأُمِّنَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]. وعلى هذا فيدخل فيه النَّهيُّ عن كلِّ مال حرام
بأيّ وجوٍ اکتُسب.
والرِّبا الذي عليه عُرْفُ الشرع شيئان: تحريمُ النَّسَاءِ، والتفاضلُ في النقود(٣)
وفي المطعومات على ما نبيِّنه، وغالبُه ما كانت العرب تفعله من قولها للغريم:
أتقضي أم تُرْبي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويَصْبِرُ الطالبُ عليه. وهذا كلُّه
محرَّمٌ باتفاق الأمة (٤).
الثانية: أكثر البيوع الممنوعة إنما تَجِدُ منعها لمعنى زيادةٍ: إمَّا في عين مال،
وإمَّا في منفعةٍ لأحدهما من تأخيرٍ ونحوِه. ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة،
كبيع الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحِها، وكالبيع ساعةَ النداء يومَ الجمعة، فإن قيل لفاعلها:
آكل الربا، فتجوُّز وتشبيه(٥).
الثالثة: روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخُدْريِّ قال: قال
رسول الله : ((الذهبُ بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير،
(١) صحيح مسلم (٢٠٥٧)، وهو عند أحمد (١٧٠٢) والبخاري (٦٠٢)، وهو جزء من حديث طويل يرويه
عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما .
(٢) سيذكر المصنف تفصيل ذلك في المسألة العاشرة.
(٣) في (د) و(ز) و(م): العقود، وفي (ظ) التفرد، والمثبت (خ) و(ف) وهو الموافق لما في المفهم
٤/ ٤٧٢-٤٧٣.
(٤) المحرر الوجيز ٣٧١/١.
(٥) المصدر السابق.

٣٨٣
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
والتمر بالتمر، والملح بالملح، مِثْلاً بِمثلٍ، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أَرْبَى،
الآخذُ والمعطي فيه سواء))(١).
وفي حديث عُبادةَ بنِ الصَّامت: ((فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف
شئتُم إذا كان يداً بيد))(٢).
وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((الذهبُ بالذهب
تِبْرُها وعَيْنُها، والفضةُ بالفضة تِبْرها وعينُها، والبُرُّ بالبُرِّ مُذْيٌ بمُدْىٍ، والشعيرُ
بالشعير مُدْيٌ بمُذْي، والتمرُ بالتمر مُذْيٌ بمُذي، والملحُ بالملح مُدْيٌ بمُذي، فمن
زاد أو ازداد فقد أَرْبَى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضةُ أكثرُهما يداً بيد، وأما
نَسِيئَةً فلا، ولا بأس ببيع البُرِّ بالشعير والشعيرُ أكثرُهما يداً بيد، وأما نِسيئةً فلا))(٣).
وأجمع العلماء على القول بمقتضى هذه السُّنَّة، وعليها جماعةُ فقهاء
المسلمين، إلَّا في البُرِّ والشعير، فإن مالكاً جعلها صنفاً واحداً، فلا يجوز منهما
اثنان بواحد، وهو قولُ الليث والأوزاعيِّ ومعظم علماء المدينة والشام، وأضاف
مالك إليهما السُّلْتِ. وقال الليث: السُّلتُ والدُّخْن والذرة صنفٌ واحد، وقاله ابن
وهب(٤).
قلت: وإذا ثبتت (٥) السُّنَّة فلا قولَ معها؛ وقد قال(٦) عليه الصلاة والسلام:
«فإذا اختلفت هذه الأصنافُ فبیعوا کیف شئتمُ إذا کان یداً بید».
(١) أخرجه أحمد (١١٤٦٦) ومسلم (١٥٨٤): (٨٢).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٧٢٧)، ومسلم (١٥٨٧): (٨١).
(٣) سنن أبي داود (٣٣٤٩). قوله: تبرها وعينها، قال الخطابي في معالم السنن ٦٨/٣: الثِّبر قطع الذهب
والفضة قبل أن تضرب وتطبع دراهم ودنانير، واحدتها: تِبرة، والعين: المضروب من الدراهم
والدنانير (وسيذكره المصنف في المسألة السابعة) والمُذي: مكيالٌ يعرف ببلاد الشام وبلادٍ مصرية
يتعاملون به، وأحسبه خمسةً عَشَر مكوكاً، والمكوك صاعٌ ونصف.
(٤) اختلاف العلماء للمروزي ص ٢٤٤، والتمهيد ٨٩/٤ و١٧٧/١٩-١٧٨، والمفهم ٤/ ٤٧٥. قوله:
السُّلت (وزن قُفْل): ضرب من الشعير أبيضُ لا قشر له. النهاية ٣٨٨/٢. والدُّخْن: نبات عشبي من
النجيليات حبُّه صغير أملس كحب السمسم، ينبت بريًّا ومزروعاً. الوسيط (دخن).
(٥) في (ظ): بينت.
(٦) في (م): وقال.

٣٨٤
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
وقولُه: ((البُرُّ بالبُرِّ والشعيرُ بالشعير)» دليلٌ على أنهما نوعان مختلفان كمخالفة
البُرِّ للتمر؛ ولأن صفاتهما مختلفة، وأسماءهما متباينة (١)، ولا اعتبار بالمَنْبِت
والمَحْصِد إذا لم يعتبره الشرع، بل فضَّل وبيَّن؛ وهذا مذهب الشافعيِّ وأبي حنيفة
والثّوريِّ وأصحابِ الحديث(٢).
الرابعة: كان معاوية بنُ أبي سفيانَ يذهب إلى أن النهيَ والتحريم إنما ورد منَ
النبيِّ ◌َ﴿ في الدِّينار المضروب والدرهم المضروب، لا في التِّبر من الذهب والفضة
بالمضروب، ولا في المَصُوغ بالمضروب. وقد قيل إن ذلك إنما كان منه في
المَصُوغ خاصة(٣)، حتى وقع له مع عُبَادة ما خرَّجه مسلم(٤) وغيره، قال: غَزَوْنا
وعلى الناس معاويةُ، فغنِمنا غنائمَ كثيرةً، فكان ممَّا (٥) غنمنا آنيةٌ من فضة، فأمر
معاويةُ رجلاً ببيعها في أُعْطِيات الناس، فتنازع الناس في ذلك، فبلغ عبادةَ بنَ
الصامت ذلك، فقام فقال: إني سمعتُ رسول اللهِ وَ* يَنْهَى عن بيع الذهب
بالذهب، والفضةِ بالفضة، والبُرِّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملحِ
بالملح، إلَّا سواءً بسواء، عَيْنًا بعَيْن، من زاد أو ازداد فقد أَرْبَى، فردّ الناس ما
أخذوا، فبلغ ذلك معاويةً، فقام خطيباً فقال: ألّا ما بالُ رجالٍ يتحدَّثون عن
رسول الله ﴿ أحاديثَ قد كنا نَشْهدُه ونصحبه، فلم نسمعها منه! فقام عُبَادة بن
الصامت، فأعاد القصة ثم قال: لنُحدِّثَنَّ بما سمعنا من رسول الله وَّرٍ وإن كرِهِ
معاويةُ - أو قال: وإن رَغِم - ما أبالي ألَّا أصحبَه في جُنْدِه في ليلةٍ سَوْداء. قال
حمّادٌ(٦): هذا أو نحوَه.
قال ابن عبد البرّ: وقد رُوي أن هذه القصة إنما كانت لأبي الدَّرداء مع
(١) في (م): مختلفة.
(٢) ينظر المفهم ٤/ ٤٧٤-٤٧٥ .
(٣) التمهيد ٧٣/٤.
(٤) صحيح مسلم (١٥٨٧).
(٥) في (ف): فيما، وهو كذلك في المطبوع من صحيح مسلم.
(٦) هو ابن زيد، أحد رجال الإسناد.

٣٨٥
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
معاوية(١). ويحتمل أن يكون وقع ذلك لهما معه، ولكن الحديث في الصرف(٢)
محفوظٌ لعُبادة، وهو الأصل الذي عوَّل عليه العلماء في باب ((الرِّبا)). ولم يختلفوا
أن فِعْلَ معاوية في ذلك غيرُ جائزٍ، وغير نَكِير أن يكون معاويةُ خَفِيَ عليه ما قد
علِمِه أبو الدرداء وعُبادةُ، فإنهما جليلان من فقهاء الصحابة وكبارِهِم، وقد خفي
على أبي بكرٍ وعمرَ ما وُجد عند غيرهم ممن هو دونهم، فمعاويةٌ أخرى. ويحتمل
أن يكون مذهبه كمذهب ابن عباس، فقد كان - وهو بحرٌ في العلم - لا یری
بالدرهم(٣) بالدرهمين [يداً بيد] بأساً حتى صرفه عن ذلك أبو سعيد (٤). وقصة
معاوية هذه مع عبادة كانت في ولاية عمر؛ قال قَبيصَةُ بن ذُؤيب: إن عُبادة أنكر
شيئاً على معاوية فقال: لا أُساكنك بأرض أنت بها، ودخل المدينة، فقال له عمر:
ما أَقْدَمَك؟ فأخبره. فقال: ارجع إلى مكانك، فقبَّح الله أرضاً لستَ فيها
ولا أمثالُك! وكتب إلى معاوية: لا إمارةَ لك عليه(٥) .
الخامسة: روى الأئمة - واللفظُ للدّارَقُظنيّ - عن عليٍّ رضي الله عنه قال: قال
رسول الله ﴾: ((الدينارُ بالدينارِ، والدِّرهمُ بالدِّرهم، لا فَضْلَ بينهما، من كانت له
حاجةٌ بوَرِقٍ فَلْيَصرِفْها بذهب، وإن كانت له حاجةٌ بذهبٍ فليصرفها بوَرِقٍ هاءَ
وهاءَ))(٦).
(١) التمهيد: ٧٠/٤ و٧٢، وحديث أبي الدرداء أخرجه مالك ٦٣٤/٢، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن
يسار، أن معاوية ... وذكر الحديث، قال ابن عبد البر: ظاهر هذا الحديث الانقطاع؛ لأن عطاءً
لا أحفظ له سماعاً من أبي الدرداء.
(٢) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): العُرْف، والمثبت من (خ) وهو الموافق لما في التمهيد ٨٣/٤، والكلام
منه .
(٣) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): الدرهم، والمثبت من (خ) وهو الموافق لما في التمهيد ٧٤/٤، والكلام
منه، وما بين حاصرتين منه.
(٤) التمهيد ٤/ ٧٤، ٧٥، ٨٧.
(٥) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٨٥/٤-٨٦، والاستذكار ٢١٤/١٩.
(٦) سنن الدارقطني ٢٥/٣، وأخرجه الحاكم ٤٩/٢ برواية: ها وها، وقال: هذا حديث صحيح غريب،
ولم يخرجاه بهذا اللفظ. وأخرجه أحمد (٨٩٣٦)، ومسلم (١٥٨٨) من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه بلفظ: ((الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما)).
=

٣٨٦
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
قال العلماء: فقوله عليه الصلاة والسلام: ((الدِّينارُ بالدينارِ، والدِّرهمُ بالدِّرهم،
لا فَضْلَ بينهما)) إشارةٌ إلى جنس الأصل المضروب، بدليل قوله: ((الفضَّةُ بالفضة،
والذهبُ بالذهب)) الحديث. والفضةُ البيضاء والسوداء، والذهبُ الأحمر والأصفر،
كلُّ ذلك لا يجوز بيعُ بعضِه ببعضٍ إلَّا مِثْلاً بمِثْل، سواءً بسواء على كلِّ حال، على
هذا جماعة أهل العلم على ما بيَّنا. واختلفت الرواية عن مالك في الفلوس،
فألحقَها بالدراهم من حيث كانت ثمناً للأشياء، ومَنَعَ من إلحاقها مرَّةً من حيث إنها
ليست ثمناً في كلِّ بلد، وإنما يختصُّ بها بلد دون بلد(١).
السادسة: لا اعتبار بما قد رُوي عن كثير من أصحاب مالك - وبعضُهم يرويه
عن مالك - في التاجر يحفِزه(٢) الخروج وبه حاجة إلى دراهمَ مضروبةٍ أو دنانيرَ
مضروبةٍ، فيأتي دار الضرب بفضَّته أو ذهبه، فيقول للضَّرَّاب: خذ فضَّتي هذه، أو
ذهبي، وخذ قَدْرَ عملٍ يدك، وادفع إليَّ دنانيرَ مضروبةً في ذهبي، أو دراهمَ مضروبةً
في فضَّتي هذه؛ لأني محفوزٌ للخروج وأخافُ أن يفوتني مَن أَخرج معه، أن ذلك
جائز للضرورة، وأنه قد عَمل به بعض الناس(٣) .
وحكاه ابن العربيِّ في قبسه(٤) عن مالك في غير التاجر، وأن مالكاً خفَّف في
ذلك؛ فيكون في الصورة قد باع فضتَه التي زِنَتُها مئة درهم(٥)، وخمسةً دراهم
أجرةً، بمئة، وهذا مَخْضُ الربا. والذي أوجب جواز ذلك أنه لو قال له: اضرب
قوله: هاء وهاء، قال ابن الأثير في النهاية ٢٣٧/٥: هو أن يقول كلُّ واحد من البيِّعين: هاء، فيعطيه
=
ما في يده، كحديثه الآخر: ((يداً بيد)) يعني مقابضة في المجلس. وقيل: معناه: هاكَ وهاتٍ: أي خذ
وأعطٍ. قال الخطابي: أصحاب الحديث يروونه ((هَا وها)) ساكنةَ الألف. والصواب مدَّها وفتحها؛
لأن أصلها هاك، أي: خذ، فحذفت الكاف وعوضت منها المدة والهمزة. يقال للواحد: هاء
وللاثنين: هاؤما، وللجميع: هاؤم. وغير الخطابي يجيز فيها السكون على حذف العِوَض، وتتنزّلُ
منزلة ((ها)) التي للتنبيه، وفيها لغات أخرى.
(١) الكافي ٦٣٤/٢، والقبس ٨٢٣/٢.
(٢) في (د) و(ظ): يحضره.
(٣) التمهيد ٢٤٦/٢، والاستذكار ٢٠٤/١٩.
(٤) ٨٢٢/٢.
(٥) قوله: درهم، ليس في (م).

٣٨٧
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
لي هذه، وقاطعَه على ذلك بأجرة، فلمَّا ضربها قبضها منه، وأعطاه أجرتها، فالذي
فعل مالكٌ أوَّلاً هو الذي يكون آخراً، ومالكٌ إنما نظر إلى المآل(١) فرَّب عليه
حكمَ الحال، وأباه سائرُ الفقهاء. قال ابن العربيِّ: والحجةُ فيه لمالكِ بيِّنة.
قال أبو عمرَ رحمه الله(٢): وهذا هو عينُ الرِّبا الذي حرَّمه رسولُ اللهِ وَلقول
بقوله: ((مَن زاد أو ازداد فقد أَرْبَى))(٣). وقد ردَّ ابن وهب هذه المسألة على مالك
وأنكرها. وزعم الأَبْهَرِيُّ أن ذلك من باب الرفق لطلب التجارة، ولئلا يفوت
السوق، وليس الربا إلَّا على مَن أراد أن يُرْبِيّ ممن يقصد إلى ذلك ويبتغيه. ونسيّ
الأبهرِيُّ أصلَه في قطع الذرائع، وقوله فيمن باع ثوبًا بنسِيئة وهو لا نيَّة له في
شرائه، ثم يجده في السوق يباع: إنه لا يجوز له ابتياعه منه بدون ما باعه به وإن لم
يقصد إلى ذلك ولم يبتغه، ومثلُه كثير، ولو لم يكن الربا إلَّا على مَن قَصَدَه ما حُرِّم
إلَّا على الفقهاء. وقد قال عمر: لا يتَّجِرْ في سوقنا إلَّا من فَقُّه، وإلّا أَكَلَ الربا.
وهذا بيِّن لمن رُزق الإنصاف وأُلْهِم رُشْدَه(٤).
قلت: وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة حتى جعل المتوهّم كالمتحقّق،
فمنع ديناراً ودرهماً بدينار ودرهم، سَدَّا للذَّريعة وحَسْمًا للتوَهُّمات؛ إذ لولا تَوَهُمُ
الزيادة لمَا تبادلا. وقد عُلِّل منعُ ذلك بتعذُّر المماثلة عند التوزيع؛ فإنه يلزم منه
ذهبٌ وفضة بذهب. وأوضحُ من هذا منعه التفاضل المعنويَّ، وذلك أنه منع دينارًا
من الذهب العالي ودينارًا من الذهب الدّون [بدينارين من الوسط، فكأنه جعل
الدينار من الوسط] في مقابلة العالي، وألغى الدون، وهذا من دقيق نظره
رحمه الله(٥)؛ فدلَّ أن تلك الروايةَ عنه مُنْكَرة لا تصح(٦). والله أعلم.
(١) في (ز) و(م): المال، وفي (ظ): المثال.
(٢) التمهيد ٢٤٦/٢.
(٣) تقدم ص ٣٨٣ من هذا الجزء، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
(٤) التمهيد ٢٤٧/٢، وحديث عمر أخرجه بنحوه الترمذي (٤٨٧) وقال: هذا حديث حسنٌ غريب.
(٥) المفهم ٤/ ٤٧٠، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٦) في (م) ولا تصح.

٣٨٨
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
السابعة: قال الخطّابيُّ(١): التِّبْر قِطَع الذهبِ والفضةِ قبل أن تُضرَب وتُطبع
دراهمَ أو دنانير، واحدتها تِبْرة. والعَيْن: المضروبُ من الدراهم والدنانير(٢). وقد
حَرَّم رسول الله وَّرِ أن يباع مثقالُ ذهبٍ عَيْنٍ بمثقالٍ وشيءٍ من تِبْرِ غيرِ مضروب.
وكذلك حَرَّم التفاوت بين المضروب من الفضة وغيرِ المضروب منها، وذلك معنى
قوله: ((تِبْرُها وعَيْنُها))(٣) [أي: كلاهما] سواء.
الثامنة: أجمع العلماء على أن التمر بالتمر لا(٤) يجوز إلَّا مِثْلاً بمِثْل. واختلفوا
في بيع التمرة الواحدة بالتمرتين، والحبَّةِ الواحدة من القمح بحبَّتين؛ فمنعه الشافعيُّ
وأحمد وإسحاق والثوريّ، وهو قياسُ قولِ مالك، وهو الصحيح؛ لأن ما جرى
الرِّبَا فيه بالتفاضل في كثيره، دخل قليلُه في ذلك قياسًا ونَظَراً. احتجَّ من أجاز ذلك
بأن مستهلك التمرة والتمرتين تجب(٥) عليه القيمة [دون المثل]، قال: لأنه لا مَكِيلٌ
ولا موزون، فجاز فيه التفاضل.
التاسعة: اعلم - رحمك الله - أن مسائل هذا الباب كثيرةٌ، وفروعه منتشرة،
والذي يربط لك ذلك أن تنظر إلى ما اعتبره كلُّ واحد من العلماء في عِلَّة الرِّبا؛
فقال أبو حنيفة: علَّةُ ذلك كونُه مَكِيلاً أو موزوناً جنساً، فكلُّ ما يدخله الكيل أو
الوزن عنده من جنس واحد، فإنْ بِيع بعضُه ببعض متفاضلاً أو نَسِيئاً(٦)، لا يجوز؛
فمنّعَ بَيْعَ التراب بعضِه ببعض متفاضلاً؛ لأنه يدخله الكيل، وأجاز الخبزَ قُرْصاً
بقرصين؛ لأنه لم يدخل عنده في الكيل الذي هو أصلُه، فخرج من الجنس الذي
يدخله الربا إلى ما عداه.
(١) في معالم السنن ٦٨/٣، وما سیرد بین حاصرتین منه.
(٢) في (م): أو الدنانير.
(٣) تقدم ص ٣٨٣ من هذا الجزء من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
(٤) في (م): ولا.
(٥) في النسخ: لا تجب، وهو خطأ، والمثبت من التمهيد ١٨٨/١٩-١٨٩ والكلام منه، وينظر الاستذكار
١٨٤/١٩، وما بین حاصرتين منه.
(٦) في (خ) و(ظ): نَساء، في الموضعين.

٣٨٩
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
وقال الشافعيُّ: العِلَّة كونه مطعوماً جنْسًا. هذا قوله في الجديد؛ فلا يجوز
عنده بيع الدقيق بالخبز، ولا بيع الخبز بالخبز، متفاضلاً ولا نسيئاً، وسواءٌ كان(١)
الخبز خميراً أو فَطيراً. ولا يجوز عنده بيضةٌ ببيضتين، ولا رُمَّانة برمانتین،
ولا بطيخة ببطيختين، لا يداً بِيَد ولا نسيئة؛ لأن ذلك كلَّه طعام مأكول. وقال في
القديم: كونه مكيلاً أو موزوناً.
واختلفت عبارات أصحابنا المالكية في ذلك، وأحسنُ ما في ذلك كونُه مقتاتاً
مدَّخَراً للعيش، غالباً جنساً، كالحنطة والشعير والتّمْر والملح المنصوص عليها،
وما في معناها كالأرزِّ والذُّرَة والدُّخن والسِّمْسِم، والقَطَانِيّ؛ كالفول والعَدَس
واللُّوبْياء والحِمِّص، وكذلك اللحومُ والألبان والخلول والزيوت، والثمارُ كالعنب
والزبيب والزيتون، واختلف في التين، ويلحق بها العسل والسكر. فهذا كلُّه يدخله
الربا من جهة النَّسَاء. وجائزٌ فيه التفاضلُ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((فإذا اختلفت
هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد))(٢). ولا ربا في رَطْبٍ الفواكه التي
لا تبقَى؛ كالتفّاح والبِطّيخ والرُّمَّان والكُمَّثْرى والقِثَّاء والخيار والباذَنْجان وغيرِ ذلك
من الخضروات.
قال مالك: لا يجوز بيع البيض بالبيض متفاضلاً؛ لأنه مما يدَّخر، ويجوز عنده
مِثْلاً بمثْل. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: جائزٌ بيضةٌ ببيضتين وأكثر؛ لأنه
مما لا يدَّخر، وهو قول الأوزاعي(٣) .
العاشرة: اختلف النُّحاة في لفظ ((الرِّبا))، فقال البَصْرِيون: هو من ذوات الواو؛
لأنك تقول في تثنيته: رِبَوان؛ قاله سيبويه (٤). وقال الكوفيون: يكتب بالياء، وتثنيتُه
بالياء؛ لأجل الكسرة التي في أوَّله. قال الزَّجَّاج: ما رأيتُ خطأً أقبحَ من هذا
(١) في (م): أكان.
(٢) تقدم ص ٣٨٣ من هذا الجزء.
(٣) ينظر التمهيد: ١٧٧-١٩١، والاستذكار ١٨٠/١٩-١٨٥، والكافي ٦٤٥/٢-٦٥١، والمفهم ٤ / ٤٧٤،
والمعونة ٢ /٩٦٠.
(٤) الكتاب ٣٨٧/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٧١/١.

٣٩٠
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
ولا أشنع! لا يكفيهم الخطأ في الخط حتى يُخطئوا في التثنية، وهم يقرؤون : .
ءَاتَّيْتُم مِّن رِّبًا لِيرَبُوَ فِىَّ أَمْوَلِ اَلنَّاسِ﴾ قال محمد بن يزيد: كُتب ((الربا)) في المصحف
بالواو فرقًا بينه وبين الزنا، وكان الربا أولى بالواو(١)؛ لأنه من رَبا يربو(٢).
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ
الْمَسِّنَّ﴾ الجملةُ خبر الابتداء وهو ((الَّذِينَ)). والمعنى: من قبورهم؛ قاله ابن عباس
ومجاهد وابن ◌ُبير وقتادة والربيع والضَّحَّاك والسُّدِّي وابن زيد.
قال بعضهم: يُجعل معه شيطانٌ يخنقه. وقالوا كلُّهم: يُبعث كالمجنون عقوبةً له
وتمقِيتاً عند جميع أهل المَحْشَر. ويُقوِّي هذا التأويلَ المُجْمَع عليه أنَّ في قراءة ابن
مسعود: ((لا يقومون يوم القيامة إلَّا كما يقوم))(٣).
قال ابن عطية: وأما ألفاظُ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بچِرْصٍ
وجَشَعٍ إلى تجارة الربا(٤) بقيام المجنون؛ لأن الطمع والرغبة تستفِزُّه حتى تضطرب
أعضاؤه؛ وهذا كما تقول لمسرع في مَشْيِهِ، مُخلِّطٍ(٥) في هيئة حركاته، إما مِن فزع
أو غيره: قد جُنَّ هذا! وقد شبَّه الأَغْشَى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله:
وتُصبِحُ عن غِبِّ السُّرَى وكأنَّما أَلَمَّ بها من طائِف الجِنِّ أَوْلَقُ(٦)
وقال آخر:
لَعَمْرُك بي من حُبِّ أسماءَ أَوْلَقُ(٧)
(١) في (م): أولی منه بالواو.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٤١/١.
(٣) المحرر الوجيز ٣٧٢/١، والأخبار المذكورة أخرجها الطبري ٣٩/٥-٤١، وقراءة ابن مسعود ذكرها
أبو حيّان في البحر المحيط ٣٣٣/٢، ونقلها الطبري ٥/ ٤٠ عن الربيع ولم ينسبها لابن مسعود.
(٤) في النسخ: الدنيا، والمثبت من المحرر الوجيز.
(٥) في (م): يخلُّط.
(٦) ديوان الأعشى ص٢٧١ برواية: من غبِّ السُّرى، قوله: أولق، أي: شبه الجنون. اللسان (ولق). قال
شارح الديوان: تدمن السير طول الليل، وتصبح بعد هذا الجهد المتصل الشاق موفورة النشاط كأن بها
مساً من الجنون.
(٧) لم نقف على قائله، وذكره في اللسان (ولق).

٣٩١
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
لكنَّ ما جاءت به قراءة ابن مسعود، وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعِّف هذا
التأويل.
و((يَتَخَبَّظُهُ)): يتفعّله، من خَبَط يَخبِط، كما تقول: تملَّكه وتعبَّده(١).
فجعل الله هذه العلامة لأكَلَة الرِّبا؛ وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم، فهم إذا
خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون(٢).
ويقال: إنهم يُبعثون يوم القيامة قد انتفخت بطونهم كالحُبَالَى(٣)، وكلَّما قاموا
سقطوا والناس یمشون عليهم.
وقال بعض العلماء: إنما ذلك شِعارٌ لهم يُعرفون به يوم القيامة، ثم العذابُ من
وراء ذلك؛ كما أن الغَالَّ يجيء بما غَلَّ يوم القيامة بشهرةٍ يشهَّر بها، ثم العذاب من
وراء ذلك.
وقال تعالى: (يَأْكُلُونَ)) والمراد: يكسبون الرِّبا ويفعلونه. وإنما خَصَّ الأكل
بالذِّكر؛ لأنه أقوى مقاصدِ الإنسان في المال، ولأنه دالٌّ على الجشع، وهو أشدُّ
الحرص؛ يقال: رجل جَشِعٌ بَيِّن الجَشَع، وقوم جَشِعون؛ قاله في المُجْمَل (٤).
فأقيم هذا البعضُ من توابع الكسب مُقام الكسب كلِّه؛ فاللباسُ والسُّكنى والادِّخار
والإنفاق على العيال داخل في قوله: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾(٥).
الثانية عشرة: في هذه الآية دليلٌ على فساد إنكار من أنكر الصَّرْع من جهة
الجِنِّ، وزَعم أنه من فِعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون
منه مَسٌّ، وقد مضى الردُّ عليهم فيما تقدَّم من هذا الكتاب(٦).
(١) المحرر الوجيز ٣٧٢/١.
(٢) ينظر تأويل مشكل القرآن ص ٣٣٧.
(٣) في النسخ الخطية: كالجبال. والمثبت من (م).
(٤) ١٨٩/١.
(٥) المحرر الوجيز ٣٧١/١.
(٦) عند قوله تعالى: ﴿وَتَّبَعُوا مَا تَثْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾
٢٨٢/٢.

٣٩٢
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
وقد روى النسائيُّ(١) عن أبي اليَسَر (٢) قال: كان رسول الله وَ لل يدعو فيقول:
((اللهم إني أعوذ بك من الترَدِّي والهدم، والغرقِ والحريقِ، وأعوذ بك أن يتخَبَّطني
الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مُذْبِراً، وأعوذ بك أن أموت
لَدِیغاً)).
ورَوى من حديث محمد بن المُثَنَّى، حدَّثنا أبو داود، حدثنا هَمَّام، عن قتادة،
عن أنسٍ، عن النبيِّ وَ﴿ أنه كان يقول: ((اللهمَّ إني أعوذُ بك من الجن والجُذَام
والبَرَص وسَيِّئ الأسقام))(٣).
والمسُّ: الجنونُ؛ يقال: مُسَّ الرجلُ وأَلِسَ، فهو ممسوسٌ ومَأْلُوس: إذا كان
مجنوناً، وذلك علامةُ الربا في الآخرة.
ورُوي في حديث الإسراء: ((فانطَلَقَ بي جبريل، فمررتُ برجالٍ كثيرٍ كلُّ رجلٍ
منهم بطنُه مثلُ البيت الضَّخْم، منَضَّدين(٤) على سابِلَةٍ(٥) آلٍ فرعون، وآلُ فرعون
يُعرَضون على النار بُكْرَةً وَعَشِيًّا، فَيُقْبِلون مثلَ الإبل المَهْيُومة (٦) يتخبَّطون الحجارةَ
والشجر لا يسمعون ولا يعقلون، فإذا أحسَّ بهم أصحاب تلك البطون قاموا،
فتميلُ بهم بطونُهم فيُضْرَعون، ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه فيُضْرَع، فلا يستطيعون
بَرَاحاً حتى يغشاهم آل فرعون، فيطؤوهم(٧) مقبلين ومدبرين، فذلك عذابهم في
البَرْزَخ بين الدنيا والآخرة، وآلُ فرعون يقولون: اللهم لا تُقِم الساعة أبداً.
فإن الله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الَّعَذَابِ﴾ قلت:
(١) في المجتبى ٢٨٢/٨-٢٨٣.
(٢) كعب بن عمرو الأنصاري السَّلَمي - بفتحتين - مشهور باسمه وكنيته، شهد العقبة وبدراً، وهو الذي أسر
العباس، توفي في المدينة سنة (٥٥هـ). الإصابة ١٢ / ٩٩.
(٣) المجتبى ٢٧٠/٨.
(٤) في النسخ: متصدِّين، والمثبت من تفسير البغوي ٢٦١/١، والكلام منه.
(٥) السابلة من الطرق: المسلوكة، والقومُ المختلفةُ عليها. القاموس (سبل).
(٦) قال في اللسان (هيم): رجل مهيوم وأهيم: شديد العطش، والأنثى: هيماء، ووقعت هذه الكلمة عند
البغوي: المنهومة، وفي اللسان (نهم): النهم: زجرك الإبل تصيح بها لتمضي.
(٧) في (خ) و(ز) و(م): فيطؤونهم.

٣٩٣
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
((يا جبريلُ، مَن هؤلاء؟)) قال: هؤلاء الذين يأكلون الرِّبا لا يقومون إلّا كما يقوم
الذي يتخبّطُه الشيطان من المسرّ))(١).
والمَسُّ: الجنون، وكذلك الأَوْلَق والأَلْس والرَّوَد(٢).
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوْ﴾ معناه عند
جميع المتأوِّلين في الكُفَّار، ولهم قيل: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ ولا يقال ذلك لمؤمن عاصٍ،
بل يُنقض بيعه ويُرَدُّ فعلُه وإن كان جاهلاً؛ فلذلك قال وَّهِ: ((مَن عَمِل عَمَلاً ليس عليه
أمرُنا فهو رَةِ))(٣). لكنْ قد يأخذ العُصَاة في الرِّبا بطرفٍ من وعيدِ هذه الآية (٤).
الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِنََّا الْبَيْعُ مِثْلُ الرَّوْ﴾ أي: إنما الزيادةُ عند
حلول الأجل آخِراً كمِثْل أصلٍ الثمن في أول العقد، وذلك أن العرب كانت
لا تعرف رِباًّ إلَّا ذلك، فكانت إذا حلَّ ديْنُها قالت للغريم: إما أن تَقْضِيَ، وإما أن
تُرْبِيَ، أي: تزيد في الدَّين. فحرَّم الله سبحانه ذلك وردَّ عليهم قولَهم بقوله الحقّ:
﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّيَوْ﴾، وأوضح أن الأجلَ إذا حلَّ ولم يكن عنده ما يؤدّي،
أُنْظِرِ إلى المَيْسَرَة. وهذا الرِّبا هو الذي نسخه النبيُّ ◌َّه بقوله يوم عرفة لمَّا قال:
((ألا إنَّ كلَّ رِباً موضوعٌ، وإن أوَّلَ رِباً أَضَعُهُ رِبانا(٥) رِبًا عباسٍ بن عبد المطلب،
فإنه موضوعٌ كلُّ))(٦). فبدأ ◌َّهِ بعمِّه وأخصِّ الناسِ به. وهذا من سنن العدل للإمام
أن يُفيض العدلَ على نفسه وخاصَّته، فيستفيض حينئذٍ في الناس(٧).
(١) أخرجه الحارث كما في بغية الباحث (٢٧)، والطبري ٤٣٦/١٤-٤٤١، والبيهقي في دلائل النبوة
٢/ ٣٩٠ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وكذلك ذكره ابن إسحاق في السيرة ٤٠٥/١،
قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ١/ ١٥٠: مداره على أبي هارون العبدي (وهو عمارة بن
جوين) وهو ضعيف. قلنا: قال الحافظ في التقريب: متروك، ومنهم من كذبه.
(٢) المحرر الوجيز ٣٧٢/١.
(٣) أخرجه مسلم (١٧١٨): (١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها، وقد تقدم ٤٦/٢.
(٤) المحرر الوجيز ٣٧٢/١، والمفهم ٤/ ٤٨٢.
(٥) لفظة: رِبانا، ليست في (ظ).
(٦) قطعة من حديث جابر الطويل في الحج، أخرجه مسلم (١٢١٨)، وقد تقدم ٣٧٥/٢، وأخرجه أحمد
(٢٠٦٩٥) من حديث أبي حرة الرَّقاشي عن عمه، وينظر المفهم ٤٨٥/٤.
(٧) المحرر الوجيز ٣٧٤/١.

٣٩٤
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوْ﴾ هذا من عموم
القرآن، والألفُ واللام للجنس لا للعهد؛ إذ لم يتقدَّم بيعٌ مذكور يُرجع إليه، كما
قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسٍْ﴾ ثم استثنى ﴿إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا
الصَّلِحَاتِ﴾.
وإذا ثبت أن البيع عام، فهو مخصَّصٌ بما ذكرناه من الرِّبا وغيرِ ذلك ممَّا نُهي
عنه ومُنع العقدُ عليه، كالخمر والمَيْتة وحَبَل الحَبّلة، وغيرِ ذلك، ممَّا هو ثابت في
السُّنّة وإجماع الأمة النَّهيُ عنه. ونظيره: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وسائرُ
الظواهر التي تقتضي العمومات ويدخلها التخصيص، وهذا مذهبُ أكثر الفقهاء.
وقال بعضهم: هو من مُجمل القرآن الذي فُسِّر بالمحلَّل من البيع وبالمحرَّم،
فلا يمكن أن يُستعمل في إحلال البيع وتحريمه إلَّا أن يَقترن به بيانٌ من سُنَّة
الرسول ◌َ*، وإن دلَّ على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل. وهذا فرقُ ما بين
العموم والمُجْمَل. فالعمومُ يدلُّ على إباحة البيوع في الجملةِ والتفصيلِ ما لم يُخَصَّ
بدليل. والمجمّلُ لا يدلُّ على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان. والأولُ
أصح(١). والله أعلم.
السادسة عشرة: البيع في اللغة مصدرُ باع كذا بكذا، أي: دفع عِوضًا وأخذ
مُعَوَّضًا. وهو يقتضي بائعاً، وهو المالك، أو من يُنَزَّل(٢) منزلتَه، ومُبتاعاً وهو الذي
يبذل الثمن، ومَبيعاً وهو المثمون، وهو الذي يُبْذَل في مقابلته(٣) الثمن. وعلى هذا
فأركان البيع أربعةٌ: البائع والمبتاع والثمن والمُثَمَّن. ثم المعاوضةُ عند العرب
تختلف بحسب اختلافٍ ما يضاف إليه، فإن كان أحد المعوَّضَين(٤) في مقابلة الرَّقبة
سُمِّي بيعاً، وإن كان في مقابلةٍ منفعةٍ رقبة: فإن كانت منفعةَ بُضعِ سُمِّي نكاحاً، وإن
كانت منفعةً غيرَها سُمِّي إجارةً، وإن كان عَيْنًا بعينٍ فهو بيعُ النقد وهو الصَّرف، وإن
(١) ينظر النكت والعيون ٣٤٨/١-٣٤٩، والمحرر الوجيز ٣٧٢/١.
(٢) في (ف): يتنزل.
(٣) في (د) و(ظ): مقابلة.
(٤) في المفهم ٤/ ٣٦٠ (والكلام منه): العوضين.

٣٩٥
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
كان بدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فهو السَّلَم، وسيأتي بيانه في آية الدَّين(١). وقد مضى حكم
الصَّرْف(٢)، ويأتي حكم الإجارة في ((القَصّص)) (٣)، وحكم المهر في النكاح في
((النساء))(٤)، كلٌّ في موضعه إن شاء الله تعالى.
السابعة عشرة: البيع قبولٌ وإيجابٌ يقع(٥) باللفظ المستقبل والماضي؛
فالماضي فيه حقيقةٌ والمستقبلُ كناية، ويقع بالصَّريح والكنايةِ المفهوم منها نقلُ
المِلك. فسواءٌ قال: بعتُكَ هذه السِّلعةَ بعشرة، فقال: اشتريتُها، أو قال المشتري:
اشتريتُها، وقال البائع: بعْتُكُها، أو قال البائع: أنا أبيعك بعشرة، فقال المشتري:
أنا أشتري، أو قد اشتريتُ، وكذلك لو قال: خذها بعشرة، أو أعطيتُكَها أو
دونَكّها، أو بُورك لك فيها بعشرة، أو سلمتُها إليك - وهما يريدان البيع - فذلك كلُّه
بيعٌ لازم.
ولو قال البائع: بعتُكَ بعشرة، ثم رجع قبل أن يقبل المشتري، فقد قال(٦):
ليس له أن يرجع حتى يسمع قبولَ المشتري أو ردَّه؛ لأنه قد بذَل ذلك من نفسه
وأوجبه عليها، وقد قال ذلك له؛ لأن العقد لم يتمَّ عليه.
ولو قال البائع: كنتُ لاعباً، فقد اختلفت الرواية عنه، فقال مرَّةً: يلزمه البيعُ
ولا يُلتفت إلى قوله. وقال مرَّةً: يُنظر إلى قيمة السلعة، فإن كان الثمن يشبه قيمتها
فالبیعُ لازم، وإن كان متفاوتاً کعبدٍ بدرهم ودارٍ بدینار، علم أنه لم يُرد به البيع،
وإنما كان هازلاً، فلم يلزمْه(٧).
الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الْرِبَواْ﴾ الألفُ واللام هنا للعهد، وهو ما
(١) ص ٤٢٣ من هذا الجزء.
(٢) ص ٣٦٦ -٣٦٧ من هذا الجزء.
(٣) عند قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَهُمَا يَكَأَبَّتِ أَسْتَغِْرَةٌ إِنَ خَيْرَ مَنِ أَسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾ الآية: ٢٦.
(٤) عند الآية: ٤، والآية: ٢٠.
(٥) في (ظ): يصح.
(٦) قوله: فقد قال، يعني مالكاً، يدل عليه ما سيأتي من قوله: فقد اختلفت الرواية عنه ...
(٧) ينظر عقد الجواهر الثمينة ٣٢٧/٢-٣٢٨.

٣٩٦
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
كانت العرب تفعله كما بيَّناه(١)، ثم تتناول ما حرَّمه رسول الله وَّ له ونهى عنه من
البيع الذي يدخلُه الربا، وما في معناه من البيوع المنهيِّ عنها .
التاسعة عشرة: عَقْدُ الربا مفسوخٌ لا يجوز بحال؛ لِمَا رواه الأئمة - واللفظ
لمسلم - عن أبي سعيدِ الخُذْرِيِّ قال: جاء بلالٌ بتمرٍ بَرْنِيٍّ، فقال له
رسول الله ◌َ﴾: ((مِنْ أينَ هذا»؟ فقال بلال: تمر(٢) كان عندنا رديءٌ، فبعتُ منه
صاعين بصاعِ لمَطْعَم(٣) النبيِّ وَ ﴿، فقال رسول الله وَّهِ عند ذلك: ((أَوَّةْ، عَيْنُ
الرِّبًا، لا تفعلْ، ولكن إذا أردتَ أن تشتريَ التمر؛ فبعْه ببيع آخرَ، ثم اشترِ به)»(٤)
وفي رواية: ((هذا الرِّبا، فُرُّدوه ثم بيعوا تمرنا، واشتروا لنا من هذا))(٥).
قال علماؤنا: فقوله: ((أوَّه عين الربا)) أي: هو الرِّبا المحرَّم نفسُه لا ما يشبهه.
وقوله: ((فردُّوه)) يدلُّ على وجوب فسخ صفقة الرِّبا وأنها لا تصحُّ بوجه، وهو قول
الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة حيثُ يقول: إنَّ بيع الرِّبا جائزٌ بأصله من حيث هو
بيع، ممنوعٌ بوصفه من حيث هو رِباً، فيسقط الرِّبا ويصحُّ البيع. ولو كان على ما
ذكر لمَا فسخ النبيُّ وَل﴿ هذه الصفقةَ، ولأَمَره بردِّ الزيادة على الصاع، ولصحَّح
الصفقة في مقابلة الصاع(٦).
الموفية عشرين: كلُّ ما كان من حرامٍ بيِّنٍ ففُسخ، فعلى المبتاع ردُّ السلعة
بعينها. فإن تلفت بيده ردَّ القيمةَ فيما له القيمةُ، وذلك كالعقار والعُروض
(١) ص ٣٨١-٣٨٢ من هذا الجزء.
(٢) في (د) و(ز) و(م): من تمر، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في المصادر.
(٣) في (د) و(ظ): ليطعم، وفي رواية البخاري: لنُطعم، قال الحافظ في الفتح ٤/ ٤٩٠: بالنون
المضمومة، ولغير أبي ذر (يعني أحد رواة الصحيح) بالتحتانية المفتوحة والعين مفتوحة أيضاً، وفي
رواية مسلم: لمطعم النبي 28 بالميم.
(٤) أخرجه أحمد (١١٥٩٥)، والبخاري (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤): (٩٦)، قوله: برني قال الحافظ في
الفتح ٤/ ٤٩٠: بفتح الموحدة وسكون الراء بعدها نون ثم تحتانية مشددة: ضَرْبٌ من التمر معروف،
وقوله: أوَّه ، قال الحافظ: كلمة تقال عند التوجع، وهي مشددة الواو مفتوحة، وقد تكسر والهاء
ساكنة، وربما حذفوها، ويقال بسكون الواو وكسر الهاء، وحكى بعضهم مد الهمزة بدل التشديد.
(٥) صحيح مسلم (١٥٩٤): (٩٧).
(٦) المفهم ٤/ ٤٨٢.

٣٩٧
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
والحيوان، والمِثْلَ فيما له مِثلٌ؛ من موزون أو مَكيلٍ من طعام أو عَرَض. قال
مالك: يُردُّ الحرامُ البَيِّن فات أو لم يَفُتْ، وما كان ممَّا كره الناس رُدَّ، إلَّا أن
يفوت فيُترك(١).
الحادية والعشرون(٢): قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ قال جعفر بن
محمد الصَّادق رحمهما الله: حرَّم الله الرِّبا ليتقارضَ الناس(٣). وعن ابن مسعودٍ
عن النبيِّ وَ ﴿ قال: ((قَرْضُ مرَّتين يَعْدِلُ صدقةَ مرَّة)) أخرجه البزَّار، وقد تقدَّم هذا
المعنى مُستوفّى (٤). وقال بعض الناس: حرَّمه الله لأنه مَتْلَفةٌ للأموال مَهْلَكةٌ للناس.
وسقطت علامةُ التأنيثِ في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَهُ﴾ لأن تأنيث ((الموعظة)) غير
حقيقيٍّ، وهو بمعنى: وَعْظ. وقرأ الحسن: ((فمن جاءته)) بإثبات العلامة(٥).
هذه(٦) الآيةُ تلتها عائشة لمَّا أُخبرت بفعل زيد بنٍ أَرْقَم؛ روى الدَّارَ قُظْنيُّ(٧) عن
العالية بنت أنفعَ قالت: خرجت أنا وأمُّ مُحِبَّةَ إلى مكةَ، فدخلنا على عائشة
رضي الله عنها، فسلَّمنا عليها، فقالت لنا: ممن أنتن؟ قلنا: من أهل الكوفة،
قالت: فكأنها أعرضت عنا، فقالت لها أمُّ مُحِبَّة: يا أمَّ المؤمنين! كانت لي جاريةٌ
وإني بعتُها من زيد بن أرقم الأنصاريِّ بثمان مئة درهم إلى عطائه، وإنه أراد بيعها
فابتَعْتُها منه بستٌّ مئة درهم نقداً. قالت: فأقبلتْ علينا فقالت: بئسما شَرَيْتٍ وما
اشتريت! فأبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهادَه مع رسول الله وَله، إلّا أن يتوب. فقالت
لها: أرأيتِ إنْ لم آخُذْ منه إلَّا رأسَ مالي؟ قالت: ﴿فَمَن ◌َهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنَهَى
فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾.
(١) المدونة ١٤٨/٤، وينظر إكمال المعلم ٢٨٠/٥.
(٢) قوله: الحادية والعشرون، من (م) وليس في باقي النسخ.
(٣) المحرر الوجيز ٣٧٢/١.
(٤) مسند البزار (١٦٠٧)، وقد تقدم من رواية أخرى ص ٢٢٤ من هذا الجزء، وفيه قصة.
(٥) المحرر الوجيز ٣٧٢/١، وقراءة الحسن ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٧.
(٦) قبلها في النسخ: الحادية والعشرون.
(٧) سنن الدار قطني ٣/ ٥٢.

٣٩٨
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
العاليةُ هي زوج أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ الكوفيِّ السَّبيعيِّ، أمُّ يونسَ بنِ أبي
إسحاق(١).
وهذا الحديثُ أخرجه مالكٌ من رواية ابن وَهْب عنه(٢) في بيوع الآجال، فإن
كان منها ما يؤدِّي إلى الوقوع في المحظور، مُنع منه، وإن كان ظاهرُه بيعاً جائزاً.
وخالف مالكاً في هذا الأصلِ جمهورُ الفقهاء وقالوا: الأحكامُ مبنيّة على
الظاهر لا على الظُّنون(٣). ودليلُنا القولُ بسدِ الذرائع؛ فإن سلِّم وإلّا استدللنا على
صحته. وقد تقدَّم(٤).
وهذا الحديث نصٌّ، ولا تقول عائشة: أبلغي زيداً أنه(٥) قد أبطل جهاده إلّا أن
يتوب. إلَّا بتوقيف(٦)؛ إذْ مثلُه لا يقال بالرأي، فإن إبطال الأعمال لا يُتوصل إلى
معرفتها إلا بالوحي كما تقدَّم.
وفي صحيح مسلم (٧)، عن النُّعْمان بن بَشير قال: سمعتُ رسول الله ◌َله يقول:
((إن (٨) الحلالَ بَيِّنٌ والحرامَ بيِّن، وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ لا يعلمهنَّ(٩) كثيرٌ من
الناس، فمن اتَّقى الشُّبهات استبرأ لدينه وعِرْضِه، ومن وقع في الشُّبهات وقع في
(١) أبو إسحاق: عمرو بن عبد الله، وقد تقدمت ترجمته، ویونس ابنه: هو أبو إسرائيل محدث الكوفة وابن
محدثها، يعد في صغار التابعين، توفي (١٥٩ هـ). السير ٢٦/٧. أما العالية وأمّ محبة فقد قال عنهما
الدارقطني: مجهولتان لا يحتج بهما، وقال ابن عبد البر في الاستذكار ٢٦/١٩: والحديث منكرُ اللفظ
لا أصل له؛ لأن الأعمال الصالحة لا يحبطها الاجتهاد، وإنما يحبطها الارتداد، ومحال أن تُلزم
عائشة زيداً التوبة برأيها، ويكفِّره اجتهادها، فهذا ما لا ينبغي أن يُظن بها، ولا يقبل عليها. وانظر
المحلى ٤٩/٩-٥٠.
(٢) أورده ابن حزم في المحلى ٨/ ٤٤٥ من طريق ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن أبي إسحاق
السبيعي، عن أم يونس أن عائشة أم المؤمنين قالت لها أم محبة ...
(٣) الكافي ٦٧١/٢ .
(٤) عند قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾ الآية: ١٠٤، ٢٩٤/٢.
(٥) في النسخ: فإنه. والمثبت من (م).
(٦) ينظر الاستذكار ٢٤/١٩.
(٧) برقم (١٥٩٩)، وهو عند أحمد (١٨٣٧٤)، والبخاري (٥٢). وقد تقدم ٢٩٥/٢.
(٨) قوله إنَّ، ليس في النسخ الخطية، والمثبت من (م) وهو موافق لما في صحيح مسلم.
(٩) في النسخ: وبينهما أمورٌ متشابهات لا يعلمها، والمثبت من (م).

٣٩٩
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
الحرام، كالراعي يرعَى حول الحِمى يُوشِك أن يرتع فيه (١)، ألا وإن لكلِّ مَلِكِ
حِمَّى، ألَّا وإن حِمَّى الله مَحَارِمُه)). وجهُ دلالته أنه مَنع من الإقدام على المتشابهات
مخافة الوقوع في المحرَّمات، وذلك سدٌّ للذَّريعة.
وقال ◌َ: ((إن من الكبائرِ شتْمَ الرجلِ والديه)) قالوا: وكيف يشتم الرجل
والديه؟ قال: ((يسبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمَّه فيسبُّ أمَّه))(٢). فجعل
التعريض لسبِّ الآباءِ كَسَبِّ الآباء.
ولعن ﴿ اليهود إذ أكلوا ثمن ما نُهُوا عن أكله(٣). وقال أبو بكر في كتابه:
لا يُجمَع بين متفرِّق، ولا يفرَّقُ بين مجتمع خشيةَ الصَّدقة(٤). ونھی ابن عباس عن
دراهم بدراهم بينهما حَريرة(٥). واتفق العلماء على منع الجمع بين بيع وسَلَف،
:
وعلى تحريم قليلِ الخمر وإن كان لا يُشْكِر، وعلى تحريم الخَلْوة بالأجنبية وإن كان
عِنِيناً، وعلى تحريم النظر إلى وجه المرأة الشابَّة، إلى غير ذلك ممَّا يكثُر ويُعلَم
على القطع والثبات أنَّ الشرع حَكّم فيها بالمنع؛ لأنها ذرائعُ المحرَّمات. والرِّبا
أحقُّ ما حُمِيَتْ مراتِعُه وسُدَّت طرائِقُه، ومن أباح هذه الأسبابَ فلْيُيخ حفر البئر
ونصب الحِبالات لهلاك المؤمنين والمؤمنات(٦)، وذلك لا يقوله أحد. وأيضاً فقد
اتفقنا على منع مَن باع بالعِينة إذا عُرِف بذلك وكانت عادته، وهي في معنى هذا
الباب. والله الموفق للصواب.
الثانية والعشرون: روى أبو داود عن ابن عمر قال: سمعتُ رسول الله وَّ ه
(١) في (د): يقع فيه، وفي (خ) و(ظ): يواقعه، والمثبت من صحيح مسلم ومسند أحمد، ووقع في
البخاري: يواقعه.
(٢) أخرجه أحمد (٦٥٢٩) ومسلم (٩٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وقد
تقدم ٢٩٦/٢.
(٣) يشير المصنف إلى قوله عليه الصلاة والسلام: ((لعن اللهُ اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فجَمَلوها فباعوها
وأكلوا أثمانها))، وقد تقدم ٢٨/٣.
(٤) أخرجه أحمد (٧٢)، والبخاري (١٤٥٠).
(٥) في (د) و(ز) و(م): جريرة، والمثبت من (خ) و(ظ)، والحريرة: قطعة حرير. المغني ٦١/٦، وقد
تقدم الكلام عن هذا الأثر ٢/ ٢٩٧.
(٦) في (م): المسلمين والمسلمات.

٤٠٠
سورة البقرة : الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩
يقول: ((إذا تبايعتُم بالعِينةِ، وأخذتُم أذنابَ البقر، ورَضِيتُم بالزَّرْع، وتركتُم الجهادَ،
سلَّط الله عليكم ذُلًا لا يَنزِعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم))(١). في إسناده أبو عبد
الرحمن الخُرَاسانيُّ(٢)، ليس بمشهور. وفسَّر أبو عُبيد الهَرَوِيُّ العِينةَ فقال: هي أن
يبيع مِن رجل سِلعةً بثمن معلوم إلى أجلٍ مسمَّى، ثم يشتريها منه بأقلَّ من الثمن
الذي باعها به. قال: فإن اشترى بحضرةٍ طالبِ العِينة سِلعةً من آخر بثمن معلوم،
وقبضها ثم باعها من طالب العِينة بثمن أكثرَ ممَّا اشتراه إلى أجل مسمَّى، ثم باعها
المشتري من البائع الأوَّل بالنقد بأقلَّ من الثمن، فهذه أيضاً عِينَةٌ، وهي أهونُ من
الأولى، وهو جائز عند بعضهم. وسمِّيت عينةً لحصول(٣) النقد لصاحب العِينة،
وذلك أن العَيْن هو المالُ الحاضر، والمشتري إنما يشتريها ليبيعَها بعين حاضر يصلُ
إليه من فوره.
الثالثة والعشرون: قال علماؤُنا: فَمنْ باع سلعةً بثمن إلى أجل، ثم ابتاعها
بثمن من جنس الثمن الذي باعها به، فلا يخلو أن يشتريَها منه بنقد، أو إلى أجلٍ
دون الأجلِ الذي باعها إليه، أو إلى أبعدَ منه، بمثل الثمن أو بأقلَّ منه أو بأكثر،
فهذه ثلاثُ مسائلَ:
فأمَّا(٤) الأولى والثانية، فإنْ كان بمثل الثمنِ أو أكثرَ جاز، ولا يجوز بأقلَّ على
مقتضى حديثٍ عائشةً؛ لأنه أعطى ستَّ مئة ليأخذ ثمان مئة والسلعةُ لَغْو، وهذا هو
الربا بعينه.
وأمَّا الثالثة؛ إلى (٥) أبعد من الأجل، فإن كان اشتراها وحدها أو زيادة، فيجوز
(١) سنن أبي داود (٣٤٦٢)، وقد تقدم ٢٩٦/٢.
(٢) وقع بعدها في (د) زيادة: اسمه إسحاق بن أسيد، نزيل مصر لا يحتج به، وفيه أيضاً عطاء الخراساني،
وفيه مقالٌ لهم، لم يذكره الشيخ رضي الله عنه. وظاهر أن هذه الزيادة قد أقحمها الناسخ من هامش
الأصل الذي نقل عنه.
(٣) في (د) و(ز) و(م): لحضور، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما سلف ٢٩٦/٢، حيث نقل
المصنف كلام أبي عبيد بتمامه، وهو موافق لما في تهذيب اللغة ٢٠٧/٣ .
(٤) في (م): وأما.
(٥) في (ف): التي.