Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
الثاني: ليست بمنسوخة، وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصةً، وأنهم لا يُكرَهون
على الإسلام إذا أدَّوا الجزية، والذين يُكرَهون أهلُ الأوثان، فلا يُقبل منهم إلا
الإسلام، فهُم الذين نزل فيهم: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ﴾. هذا قول الشعبيِّ
وقتادة والحسن والضخَّاك(١).
والحجةُ لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمرَ بن
الخطاب يقول لعجوز نصرانية: أسْلِمي أيتها العجوز تَسْلمي، إن الله بعث محمداً
بالحق. قالت: أنا عجوز كبيرة وأموت إلى(٢) قريب! فقال عمر: اللهم اشهَدْ،
وتلا: ﴿لَّ إِكْرَاءَ فِ الذِينَ﴾(٣).
الثالث: ما رواه أبو داود(٤) عن ابن عباس قال: نزل هذا(٥) في الأنصار،
كانت تكون المرأة مِقْلاتاً، فتجعل على نفسها إنْ عاش لها ولدٌ أن تهوِّدَه، فلما
أُجليت بنو النَّضِير؛ كان فيهم كثيرٌ من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندَعُ أبناءنا!
فأنزل الله تعالى: ﴿لَّ إِكْرَاءَ فِىِ الّذِينِّ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيُّ﴾. قال أبو داود:
والمِقْلاتُ التي لا يعيش لها ولدٌ.
في رواية: إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أنَّ دينهم أفضل مما نحن عليه، وأما
إذ(٦) جاء الله بالإسلام فنُكرِههم عليه، فنزلت: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِ الدِّينِ﴾ مَنْ شَاء الْتَحَق
بهم، ومَنْ شاء دخل في الإسلام(٧). وهذا قول سعيد بن جبير والشعبيّ ومجاهد
إلا أنه قال: كان سبب كونهم في بني النَّضير الاسترضاع(٨).
(١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٩٩/٢، وأخرج الأقوال الطبريُّ في تفسيره ٥٥١/٤-٥٥٢.
(٢) في (د) و(م): والموت إليَّ.
(٣) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢/ ١٠٠.
(٤) في سننه (٢٦٨٢)، وأخرجه - أيضاً - النسائي في الكبرى (١٠٩٨٣).
(٥) في (م): نزلت هذه.
(٦) في (خ) و(د) و(م): إذا .
(٧) أخرجها الطبري في تفسيره ٤/ ٥٤٧ من قول الشعبي.
(٨) المحرر الوجيز ٣٤٣/١، وأخرج هذه الأقوال الطبريُّ في تفسيره ٤/ ٥٤٧-٥٥٠.

٢٨٢
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
قال النحاس(١): قول ابن عباس في هذه الآية أَوْلى الأقوال لصحة إسناده،
وإنَّ مثله لا يؤخذ بالرأي.
الرابع: قال السُّديُّ: نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له: أبو حصين،
كان له ابنان، فقَدِم تجَّارٌ من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الخروج
أتاهم ابنا [أبي] الحصين فدَعُوهما إلى النصرانية فتنصَّرا، ومضَيا معهم إلى الشام،
فأتى أبوهُما رسولَ الله وَّه مشتكياً أمْرَهما، ورغب في أن يبعث رسول الله بَّهِ مَنْ
يردُّهما، فنزلت: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِ الذِينِ﴾، ولم يؤمَر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال:
((أبعدَهما الله، هما أول مَنْ كفر))! فوجَد أبو الحصين في نفسه على النبي وَّ حين
لم يبعَث في طلبهما، فأنزلَ الله جلَّ ثناؤه: ﴿فَلَ وَرَيْكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآيةَ، ثم إنه نسخ: ﴿لَّ إِكْرَاءَ فِ الدِّينِ﴾ فَأُمرَ
بقتال أهل الكتاب في سورة ((براءة)). والصحيح في سبب قوله تعالى: ﴿فَلَ وَرَيِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ﴾ حديث الزبير مع جاره الأنصاري في السَّفْي (٢)، على ما يأتي في ((النساء))
بيانه إن شاء الله تعالى(٣) .
وقيل: معناها: لا تقولوا لمَنْ أسلم تحت السيف: مُجبّراً مُكْرهَاً، وهو القول
(٤)
الخامس
وقولٌ سادسٌ، وهو أنها وردت في السَّبْي متى كانوا من أهل الكتاب لم يُجْبَروا
إذا كانوا كباراً(٥)، وإن كانوا مجوساً صغاراً أو كباراً أو وثنيين فإنهم يُجبَرون على
الإسلام؛ لأن مَنْ سباهم لا ينتفع بهم مع كونهم وثنيين، ألا ترى أنه لا تُؤكّل
(١) في الناسخ والمنسوخ له ١٠١/٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٣٤٣/١ وما بين حاصرتين منه، وأخرج الطبريُّ في تفسيره ٥٤٨/٤-٥٤٩ خبرَ السديّ،
وأما حديث الزبير مع جاره الأنصاري فقد أخرجه البخاري (٢٣٥٩) ومسلم (٢٣٥٧) من حديث
عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما .
(٣) في تفسير الآية (٦٥) منها .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٢٦٨/١.
(٥) بعدها في النسخ: وإن كانوا صغاراً لم يجبروا، ووقع في (د): إذا كانوا كباراً أو وثنيين، فإنهم يجبروا
:
(كذا) وإن كانوا صغاراً لم يجبروا ....

٢٨٣
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
ذبائحهم ولا تُوطَأ نساؤهم، ويَدِينون بأكل الميتة والنجاسات وغيرهما، ويستقدرهم
المالك لهم، ويتعذّر عليهم الانتفاع بهم من جهة الملك، فجاز له الإجبار. ونحوَ
هذا روى ابن القاسم عن مالك(١).
وأما أشهبُ فإنه قال: هم على دين مَنْ سَبّاهم، فإذا امتنعوا أُجبروا على
الإسلام، والصغار لا دينَ لهم؛ فلذلك أُجبروا على الدخول في دين الإسلام؛ لئلا
يذهبوا إلى دينٍ باطل. فأما سائر أنواع الكفر متى بذلوا الجزيةً لم نُكرههم على
الإسلام سواءٌ كانوا عرباً أو (٢) عجماً، قريشاً أو غيرهم. وسيأتي بيان هذا وما
للعلماء في الجزية، ومَنْ تُقبل منه في ((براءة)) إن شاء الله تعالى(٣).
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِلَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ جُزم بالشرط، والطاغوت
مؤنثة من: طغى يَظْغَى(٤) - وحكى الطبريُّ(٥): يطغو -: إذا جاوز الحدَّ بزيادة
عليه. ووزنه: فَعَلُوت(٦)، ومذهب سيبويه: أنه اسم مذكر (٧) مفرد، كأنه اسم
جنس، يقع القليل والكثير. ومذهب أبي عليٍّ: أنه مصدر كرَهَبُوت وجَبَرُوت، وهو
يوصَف به الواحد والجمع، وقُلبت لامُه إلى موضع العين، وعينُه موضعَ اللام(٨)
كجَبَد وجَذَب، فقُلبت الواو ألفاً؛ لتحرُّكها وتحرُّك ما قبلها فقيل: طاغوت. واختار
هذا القول النحاسُ(٩).
(١) انظر النوادر والزيادات ١/ ٦٠٢.
(٢) في (م): أم.
(٣) في تفسير الآية (٢٩) منها.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٣١/١.
(٥) في تفسيره ٥٥٨/٤ .
(٦) ذكر السمين الحلبي في الدرّ المصون ٥٤٨/٢ أن أصل طاغوت: طَغَيُوت، أو: طَغَوُوت، لقولهم:
طغيان، في معناه، فقُلبت الكلمة بأن قُدمت اللام، وأُخّرت العين، فتحرك حرف العلة، وانفتح ما
قبله، فقُلبت ألفاً، فوزنه الآن: فَلَعُوت.
(٧) في الكتاب ٣/ ٢٤٠ أنه اسمٌ واحدٌ مؤنث، وذكر صاحب اللسان (طغى) أن الطاغوت يقع على الواحد
والجمع والمذكر والمؤنث.
(٨) المحرر الوجيز ٣٤٤/١، وعنه نقل المصنف كلام الطبري وسيبويه والفارسي.
(٩) في معاني القرآن له ١/ ٢٧٠.

٢٨٤
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
وقيل: أصل الطاغوت(١) في اللغة مأخوذ(٢) من الطغيان يؤدي عن معناه من
غير اشتقاق، كما قيل: لَآلٍ، من اللؤلؤ(٣).
وقال المبرِّد: هو جمع. وقال ابن عطية(٤): وذلك مردود.
قال الجوهري(٥): والطاغوت: الكاهن والشيطان، وكلُّ رأس في الضلال،
وقد يكون واحداً؛ قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوّا أَنْ
يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، وقد يكون جمعاً قال الله تعالى: ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ﴾
[البقرة: ٢٥٧]، والجمع: الطواغيت.
((وَيُؤْمِنْ بالله)) عطفٌ. ﴿فَقَدٍ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ جواب الشرط، وجمع
الوُثْقَى: الوُثَق، مثل: الفُضْلَى والفُضَلِ(٦).
فالوُثْقى فُعْلَى من الوَثاقة، وهذه الآية تشبيه. واختلفت عبارة المفسرين في
الشيء المشبَّه به؛ فقال مجاهد: العروة: الإيمان. وقال السُّدي: الإسلام. وقال
ابن عباس وسعيد بن جبير والضحَّاك: لا إله إلا الله، وهذه عبارات ترجع إلى معنّی
واحد(٧) .
ثم قال: ﴿لَا أَنِفِصَامَ لَمَا﴾ قال مجاهد: أي لا يُغيِّرُ الله ما بقوم حتى يغيِّروا ما
بأنفسهم(٨). أي: لا يُزيل عنهم اسمَ الإيمان حتى يكفروا .
والانفصام: الانكسار من غير بينونة، والفَصْم: كسرٌ ببينونة(٩).
(١) في (م): طاغوت.
(٢) في (م): مأخوذة.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٢٦٩/١.
(٤) في المحرر الوجيز له ٣٤٤/١، وما قبله منه.
(٥) في الصحاح (طغا).
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٣١/١.
(٧) المحرر الوجيز ٣٤٤/١، وأخرج هذه الأقوال الطبريُّ في تفسيره ٤/ ٥٦٠- ٥٦١.
(٨) أخرجه الطبري في تفسيره ٤/ ٥٦٢.
(٩) المحرر الوجيز ٣٤٤/١.

٢٨٥
سورة البقرة : الآية ٢٥٧
وفي صحيح الحديث: ((فَيَقْصِم عنه(١) وإنَّ جبينه ليتفصَّد عَرقًا))(٢) أي: يُقلِع.
قال الجوهريُّ(٣): فَضْمُ الشيء: كَسْرُه من غير أن يَبِين، تقول: فصَمتُه
فانفصَم، قال الله تعالى ﴿لَا أَنفِصَامَ لَمَا﴾. وتفضَّم مثله، قال ذو الرُّمَّة يذكر غزالاً
يشبِّهه بدُمْلُج فضَّة:
كأنه دُمْلُجٌ من فضَّة نَبَهٌ في ملعبٍ من جَوارِي الحيِّ مفصُومُ(٤)
وإنما جعله مفصوماً؛ لِتَئِنِّيه وانحنائه إذا نام، ولم يقل: ((مقصوم)) - بالقاف -
فيكون بائناً باثنين. وأفْصَم المطرُ: أقلع. وأفصَمَت عنه الحمَّى.
ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان، ويعتقده القلب،
حَسُن في الصفات (سَيْعُ﴾ من أجل النطق ﴿عَلِيمٌ﴾ من أجل المعتقَد(٥).
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ النُّلُمَتِ إِلَى النُورِّ وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِّ أُوْلَكَ أَصْحَبُ
النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
١٥٧)
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الوَلِيُّ فعيلٌ بمعنى فاعل، قال
الخطابيُّ(٦): الوليُّ: الناصرُ ينصُر عبادَه المؤمنين، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُغْرِجُهُم مِّنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُورِ﴾، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ
الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَ لَمُمْ﴾ [محمد: ١١].
قال قتادة: الظلماتُ الضلالة، والنورُ الهدى، وبمعناه قال الضخَّاك والرَّبيع.
(١) في (م): عنه الوحي.
(٢) أخرجه أحمد (٢٦١٩٨)، والبخاري (٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٣) في الصحاح (فصم).
(٤) ديوان ذي الرُّمَّة ١/ ٣٩١، وروايته فيه: في ملعبٍ من عذارى الحي. قوله: دُمْلُج: هو المِعْضَد، وهو
ما يكون في العَضُد من سَيْرٍ ونحوه القاموس (دملج، عضد)، وقوله: نَبَهٌ؛ مَنْسِيٍّ: لا يدرون في أيّ
موضع افتقدوه. قاله الباهلي في شرح ديوان ذي الرمَّة.
(٥) المحرر الوجيز ٣٤٤/١.
(٦) في شأن الدعاء ص٧٨ .

٢٨٦
سورة البقرة : الآية ٢٥٨
وقال مجاهد وعَبدةُ بن أبي لُبَابة: قوله ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ نزلت في قوم
آمنوا بعيسى، فلمَّا جاء محمد ◌َّ# كفروا به، فذلك إخراجُهم من النور إلى
الظُّلُماتِ(١).
قال ابن عطيَّةٍ(٢): فكأن هذا القول(٣) أحرز نُوراً في المعتَقَد خرج منه إلى
الظلمات، ولفظ الآية مُستغنٍ عن هذا التَّخصيص، بل هو مترتِّبٌ في كل أمَّةٍ كافرةٍ
آمن بعضُها كالعرب، وذلك أن مَن آمن منهم فالله وليُّه، أخرجه من ظلمة الكفر إلى
نور الإيمان، ومَن كفرَ بعد وجود النبيِّي ◌َّرِ الداعي المرسَل؛ فشيطانُه ومغوِيه كأنه
أخرجه من الإيمان، إذْ هو مُعَدٍّ وأهلٌ للدُّخول فيه، وحكم عليهم بالخُلود(٤) في
النار لكُفرهم، عدلاً منه، لا يُسألُ عما يفعل.
وقرأ الحسن: ((أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّوَاغِيتُ)) يعني الشياطين، والله أعلم(٥).
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِىِ حَّ إِنَهِمَ فِى رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ
قَالَ إِثْرَهِمُ رَبِىَ الَّذِى يُعْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحِى وَأُمِيثٌ قَالَ إِنْزَهِعِمُ فَإِنَّ اللَّهَ
يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِىِ كَفَرُّ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى
١٢٥٨
اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هذه ألفُ التَّوقيف، وفي الكلام معنى
التعجّب، أي: اعجبوا له(٦).
(١) أخرج هذه الأقوال الطبري ٤/ ٥٦٣-٥٦٤.
(٢) في المحرر الوجيز ٣٤٥/١ وما قبله منه.
(٣) في (م): المعتقد.
(٤) في (د) و(ز) و(م): بالدخول، والمثبت من (خ) و(ظ).
(٥) المحرر الوجيز ٣٤٥/١، وذكر القراءة ابن خالويه ص١٦، وابن جني في المحتسب ١٣١/١.
(٦) معاني القرآن للنحاس ٢٧٥/١. قال الفخر الرازي في تفسيره ٢٣/٧: ((ألم تر)) كلمة يوقف بها
المخاطب على تعجب منها، ولفظها لفظ الاستفهام، وهي كما يقال: ألم تر إلى فلان كيف يصنع؟!
معناه: هل رأیت کفلان في صنعه کذا؟!

٢٨٧
سورة البقرة : الآية ٢٥٨
وقال الفرَّاء(١): ((ألم تر)) بمعنى هل رأيت، أي: هل رأيتَ الذي حاجَّ إبراهيم،
وهل رأيتَ الذي مرَّ على قرية.
وهو النُّمْروذُ بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح، ملِكُ زمانه، وصاحبُ النار
والبَعُوضَة. هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقَتادة، والرَّبيع، والسُّدِّي، وابن
إسحاق، وزيد بن أسلم وغيرهم(٢).
وكان إهلاكُه لمَّا قَصَدَ المحاربةَ مع الله تعالى بأن فتح الله تعالى عليه باباً من
البَعُوض، فستروا عينَ الشمس، وأكلوا عسكره، ولم يتركوا إلا العظام، ودخلت(٣)
واحدةٌ منها في دماغه فأكلَتْه، حتى صارت مثلَ الفأرة، فكان أعزَّ الناس عنده بعد
ذلك مَن يضربُ دِماغَه بِمطرَقَةٍ عَتيدَة لذلك، فبقي في البلاء أربعين يوماً(٤).
قال ابن جُريج: هو أَوَّلُ ملِكِ في الأرض. قال ابن عطية(٥): وهذا مردودٌ.
وقال قتادة: هو أوَّلُ مَن تَجِبَّر، وهو صاحبُ الصَّرْح بِبَابِلَ(٦). وقيل: إنه مَلَك
الدنيا بأجمعها، وهو أحدُ الكافِرَيْن، والآخر بُخْتَنَصَّر. وقيل: إن الذي حاجّ
إبراهيم نمروذُ بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام، حکی جمیعَه ابنُ
عطية(٧).
وحكى السُّهيليُّ(٨) أنه: النُّمروذُ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وكان
مَلِكاً على السَّواد، وكان مَلَكه للضحَّاك الذي يُعرف بالازدهاق(٩)، واسمه
(١) في معاني القرآن ١/ ١٧٠.
(٢) المحرر الوجيز ٣٤٥/١، وأخرج الأقوال الطبري ٥٦٨/٤ -٥٧٠.
(٣) في النسخ: ودخل، والمثبت من (م).
(٤) انظر مرآة الزمان ٣٠٩/١.
(٥) في المحرر الوجيز ٣٤٥/١، وأخرج أثر ابن جُريج الطبريُّ ٤/ ٥٧٠.
(٦) أخرجه الطبري ٥٦٩/٤ .
(٧) في المحرر الوجيز ٣٤٥/١.
(٨) في التعريف والإعلام ص ٣٠-٣١.
(٩) في التعريف والإعلام: بالازدهان، وهو خطأ، وانظر تاريخ الطبري ١٩٤/١.

٢٨٨
سورة البقرة : الآية ٢٥٨
بيوراسب بن أندراسب، وكان مَلَكَ الأقاليم كلَّها، وهو الذي قَتله أفريدون بن
أثفیان، وفيه يقول حبيب(١):
في العالمين وأنْتَ أقْرِيدُونُ
وكأنه الضحَّاكُ في(٢) فَتَكاتِه
وكان الضَّاك طاغيًا جبَّاراً، ودام ملكُه ألفَ عام فيما ذكروا. وهو أوَّلُ مَن
صَلَب، وأوَّلُ مَن قطع الأيدي والأرجُل، وللنُّمروذ ابنٌّ لصُلبه يُسمَّى ((كوشا)) أو
نحو هذا الاسم، وله ابنٌّ يُسمَّى نُمروذ الأصغر. وكان مُلْك نُمروذ الأصغر عاماً
واحداً، وكان مُلك نُمروذ الأكبر أربعَ مئة عامٍ فيما ذكروا.
وفي قصص هذه المحاجّة روايتان: إحداهما أنهم خرجوا إلی عید لهم، فدخل
إبراهيمُ على أصنامهم فكسرها، فلما رجعوا قال لهم: أتعبُدون ما تَنحِتون؟ فقالوا:
لمَنْ(٣) تعبد؟ قال: أعبدُ ربِّ الذي يُحْيِي ويُمِيت.
وقال بعضهم: إن نُمروذ كان يحتكر الطعام، فكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام
يشترونه منه، فإذا دخلوا عليه سَجدوا له، فدخل إبراهيم فلم يَسجُد له، فقال:
مالك لم(٤) تسجُد لي؟ قال: أنا لا أسجُد إلا لِرَبِّي، فقال له نُمروذ: مَن رِبُّك؟ قال
إبراهيم: ربِّيَ الذي يُحيي ويُميت.
وذكر زيدُ بن أسلم أن النُّمروذ هذا قَعد يأمر للناس بالمِيرَةُ(٥)، فكلّما جاء قوم
قال(٦): مَن ربُّكم وإلهُكم؟ فيقولون: أنت، فيقول: مِيرُوهم، وجاء إبراهيم عليه
السلام يَمتار، فقال له: مَن ربُّك وإلهُك؟ قال إبراهيم: ربي الذي يُحيي ويُميت،
(١) ابن أوس، أبو تمام، مدح الخلفاء والكبراء، وشعره في الذّروة، توفي سنة (٢٣١هـ) وقيل غير ذلك.
سير أعلام النبلاء ١١/ ٦٣.
(٢) في (خ) و(د) و(م): من، والمثبت من (ظ)، والبيت في ديوانه ٣٢١/٣ (بشرح التبريزي) وروايته: بل
كان كالضحاك في سطواته بالعالمين.
(٣) في (خ): مَن، وفي (د) و(م): فمن، والمثبت من (ظ) وهو موافق لتفسير أبي الليث ٢٢٥/١ وعنه نقل
المصنف.
(٤) في (م): لا.
(٥) أي: الطعام.
(٦) في (م): يقول.

٢٨٩
سورة البقرة : الآية ٢٥٨
فلما سمعها نُمروذ قال: أنا أُحيي وأُميت، فعارضه إبراهيم بأمر الشَّمس، فُبُهِتَّ
الذي كفر، وقال: لا تَمِيروه، فرجع إبراهيم إلى أهله دون شيءٍ، فمرَّ علی کَثِیبٍ
رَمْلٍ كالدَّقيق، فقال في نفسه: لو ملأتُ غِرَارَتِيَّ(١) من هذا، فإذا دخلتُ به فرح
الصبيَّان حتى أَنْظُرَ لهما(٢)، فذهب بذلك، فلمَّا بلغ منزلَه فرح الصبيَّان، وجعلا
يلعبان(٣) فوق الغِرارَتين، ونام هو من الإعْيَاء، فقالت امرأتُه: لو صنعتُ له طعاماً
يجدُه حاضراً إذا انتبه، ففتحَتْ إحدى الغِرارَتين فوجدَتْ أحسن ما يكون من
الحُؤَّارَى(٤) فخبزتْهُ، فلمَّا قام وضعَتْه بين يديه، فقال: من أين هذا؟ فقالت: من
الدَّقيق الذي سُقْتَ. فعلم إبراهيم أن الله تعالى يَسَّر لهم ذلك(٥) .
قلت: وذكر أبو بكر بنُ أبي شيبة (٦) عن أبي صالح قال: انطلق إبراهيم النبيُّ
عليه السلام يَمتار، فلم يقدر على الطعام، فمرَّ بسِهْلَةٍ (٧) حمراء، فأخذ منها ثم
رجع إلى أهله فقالوا: ما هذا؟ فقال: حِنطةٌ حمراء، ففتحوها فوجدوها حِنطةً
حمراء، قال: فكان إذا زرع منها شيئاً جاء سنبُلُه من أصلها إلى فرعها حَبَّا مُتراكباً.
وقال الرَّبيع وغيرُه في هذا القصص: إن التُّمروذ لما قال: أنا أُحيي وأُميت
أحضر رجلَين؛ فقتل أحدَهما وأرسلَ الآخر وقال: قد أحييتُ هذا وأمتُ هذا، فلما
ردّ عليه بأمر الشمس بُهِتَ(٨).
ورُوي في الخبر: أن الله تعالى قال: وعزَّتي وجلالي؛ لا تقوم الساعة حتى آتي
بالشمس من المغرب؛ ليُعلَم أني أنا القادرُ على ذلك(٩).
(١) الغِرارة: وعاء من الخيش ونحوه يوضع فيه القمح ونحوه. المعجم الوسيط.
(٢) في (خ) و(م): لهم.
(٣) في (د) و(م): وجعلوا يلعبون.
(٤) هو الدَّقيق الأبيض، وهو لُباب الدَّقيق. المعجم الوسيط.
(٥) المحرر الوجيز ٣٤٥/١-٣٤٦، وأخرجه الطبري في تفسيره ٥٧٢/٤-٥٧٣، وفي تاريخه ٢٨٧/١ -
٢٨٨.
(٦) في مصنفه ٥١٨/١١-٥١٩.
(٧) بكسر السين، رمل ليس بالدقاق. الصحاح (سهل).
(٨) المحرر الوجيز ٣٤٦/١، وأخرجه الطبري ٤/ ٥٧٤ - ٥٧٥ .
(٩) لم نقف على تخريجه، وأخرج أحمد (٧١٦١)، والبخاري (٤٦٣٥)، ومسلم (١٥٧) عن أبي هريرة=

٢٩٠
سورة البقرة : الآية ٢٥٨
ثم أمَر نمروذ بإبراهيم فأُلقيَ في النار، وهكذا عادةُ الجبابرة أنهم (١) إذا
عُورضوا بشيء وعَجزوا عن الحُجَّة اشتغلوا بالعقوبة، فأنجاه الله من النار(٢)، على
ما يأتي(٣).
وقال السُّدِّيُّ: إنه لما خرج إبراهيم من النَّار أَدخلوه على الملِك - ولم يكن قبل
ذلك دخل عليه - فكلَّمه وقال له: مَن ربُّك؟ فقال: ربِّي الذي يُحيي ويُميت، فقال
النُّمروذ: أنا أُحيي وأُميت، أنا(٤) آخذُ أربعةَ نَفَرٍ فأُدخلهم بيتاً، ولا يُطعَمون شيئاً
ولا يُسقَون، حتى إذا جاعوا أخرجتُهم، فأطعمتُ اثنين فحَيِيا، وتركتُ اثنين فماتا،
فعارضه إبراهيم بالشمس فبُهِت(٥) .
وذكر الأصوليُّون في هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما وَصفَ ربَّه تعالى بما
هو صفةٌ له من الإحياء والإماتة - لكنه أمرٌ له حقيقةٌ ومجاز - قصدَ إبراهيم عليه
السلام إلى الحقيقة، وفَزع نمروذ إلى المجاز ومَوَّه على قومه، فسلّم له إبراهيم
تسليمَ الجدل، وانتقل معه من المثال، وجاءه بأمرٍ لا مجاز فيه ﴿فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرِّ﴾
أي: انقطعت حجَّتُه، ولم يمكنه أن يقول: أنا الآتي بها من المشرق؛ لأن ذوي
الألباب يكذّبونه.
الثانية: هذه الآية تدلُّ على جواز تسميةِ الكافر مَلِكاً إذا آتاه الله المُلْك والعِزَّ
والرِّفْعَةَ في الدنيا، وتدلُّ على إثبات المُناظرة والمجادلة وإقامة الحجَّة(٦)
وفي القرآن والسنَّة من هذا كثير لمن تأمَّله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا
بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]. ﴿إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ﴾ [يونس:
٦٨] أي: من حُجَّة .
= قال: سمعت رسول الله﴿ يقول: ((لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ....
(١) في (م): فإنهم.
(٢) تفسير أبي الليث ٢٢٥/١.
(٣) في تفسير الآية (٦٩) من سورة الأنبياء.
(٤) في (م): قال ... وأنا .
(٥) المحرر الوجيز ٢٤٦/١، وأخرجه الطبري ٤/ ٥٧٥.
(٦) أحكام القرآن للكيا ٢٢٥/١.

٢٩١
سورة البقرة : الآية ٢٥٨
وقد وَصف خصومَة إبراهيم عليه السلام قومَه، وردَّه عليهم في عبادة الأوثان
كما في سورة الأنبياء(١) وغيرها .
وقال في قصَّة نوح عليه السلام: ﴿قَالُواْ يَكِنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرَّتَ جِدَلَنَا﴾
الآياتِ إلى قوله: ﴿وَأَنَا بَرِىٌّ مِّمَا تُجْرِمُونَ﴾ [هود: ٣١-٣٥]. وكذلك مجادلةُ موسى
مع فرعونَ، إلى غير ذلك من الآي. فهو كلُّه تعليمٌ من الله عزَّ وجلَّ السؤالَ
والجوابَ والمجادلةَ في الدِّين، لأنه لا يَظهرُ الفرقُ بين الحقِّ والباطل إلا بظُهور
حجَّةِ الحقِّ، ودحضٍ حجَّةِ الباطل.
وجادلَ رسولُ الله ◌َّ﴿ أهل الكتاب وباهَلَهُم بعد الحجّة، على ما يأتي بيانُه في
((آل عمران))(٢).
وتحَاجَّ آدمُ وموسى فغلبه آدم بالحجَّة(٣). وتجادل أصحابُ رسول الله وَّ يوم
السَّقِيفَة، وتدافعوا وتقرَّروا وتناظروا حتى صار(٤) الحقُّ في أهله، وتناظروا بعد (٥)
مبايعة(٦) أبي بكر في أهل الردَّة، إلى غير ذلك مما يكثُر إيرادُه.
وفي قول الله عز وجل: ﴿فَلِمَ تُعَلْجُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ، عِلَّمْ﴾ [آل عمران: ٦٦]
دليلٌ علی أن الاحتجاجَ بالعلم مباحٌ سائغٌ(٧) لمن تدبَّر.
قال المُزَنِيُّ صاحبُ الشافعيِّ: ومن حقِّ المناظرة أن يُرادَ بها الله عز وجل،
وأن يُقْبَلَ منها ما تَبَيَّن. وقالوا: لا تَصِحُّ المناظرةُ ويَظهرُ الحقُّ بين المتناظِرِين حتى
يكونا مُتقاربَين أو مُتَساوِيَيْن(٨) في مرتبةٍ واحدةٍ من الدِّينِ، والعقلِ، والفهمِ،
(١) الآيات (٥٢-٥٧).
(٢) في تفسير الآية (٦١) منها.
(٣) إشارة إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه البخاري (٤٧٣٧)، وسلف ٢١٥/٢.
(٤) في (د) و(م): صدر، وفي (خ): ظهر، وليست في (ظ)، والمثبت من جامع بيان العلم ص ٣٧٤ وعنه
نقل المصنف من بداية المسألة.
(٥) في النسخ: بعدها، والمثبت من (م).
(٦) في (د) و(ظ): بمبايعة.
(٧) في (د) و(م): شائع.
(٨) في النسخ و(م): يكونوا ... مستويين، والمثبت من جامع بيان العلم ص٣٨٢ وعنه نقل المصنف.

٢٩٢
سورة البقرة : الآية ٢٥٨
والإنصاف، وإلَّا فهو مِرَاءٌ ومكابرةٌ(١).
قراءات: قرأ عليُّ بن أبي طالب: ((أَلَمْ تَرْ)) بجزم الراء (٢)، والجمهورُ
بتحریکھا، وحُذفت الياءُ للجزم.
((أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ)) في موضع نصبٍ، أي: لأن آتاه الله، أو من أجل أن
آتاه الله(٣).
وقرأ جمهور القرَّاء: ((أَنَ أُخْرِي))، بطرح الألف التي بعد النون من ((أَنَا)) في
الوصل، وأثبتَها نافع وابنُ أبي أُوَيس(٤)، إذا لقيَتْها همزة(٥) في كلِّ القرآن إلا في
قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، فإنه يطرحُها في هذا الموضع مثل
سائر القُرَّاء(٦) لقِلَّة ذلك، فإنه لم يقع منه في القرآن إلا ثلاثةٌ(٧) مواضع، أجراه (٨)
مُجرى ما ليس بعده همزة لقلَّته، فحذف الألفَ في الوصل(٩) .
قال النحويُّون: ضميرُ المتكلِّم الاسمُ فيه الهمزة والنون(١٠)، فإذا قلت: أنا أو
أنَّهْ؛ فالألف (١١) والهاء لبيان الحركة في الوَقْف، فإذا اتَّصلت الكلمةُ بشيءٍ سقطتا،
لأن الشيءَ الذي تَّصلُ به الكلمةُ يقوم مقامَ الألف، فلا يقال: أنا فعلتُ بإثبات
الألف إلَّا شاذاً في الشعر كما قال الشاعر:
(١) جامع بيان العلم ص ٣٧٠-٣٧٤، ٣٨٢.
(٢) المحرر الوجيز ٣٤٥/١، ولم نقف عليها عند غيره، وذكرها أبو حيان في البحر ٢٨٦/٢.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٣١/١.
(٤) إسماعيل، أبو عبد الله المدني، ابن أخت مالك بن أنس، قرأ على نافع، وله عنه نسخة، توفي سنة
(٢٢٧ هـ). غاية النهاية ١/ ١٦٢.
(٥) مضمومة أو مفتوحة.
(٦) المحرر الوجيز ٣٤٦/١، وانظر السبعة ص١٨٨، والتيسير ص٨٢.
(٧) وهي: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، و﴿إِنْ أَنَّأْ إِلَّا نَذِيرٌ مُِّينٌ﴾ [الشعراء: ١١٥]، و﴿وَمَّاً
أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩]. وله فيها وجهان في الوصل: الحذف والإثبات.
(٨) في (م): أجراها.
(٩) الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي ٣٠٧/١.
(١٠) نسبه ابن عطية ٣٤٦/١ إلى أبي علي الفارسي، انظر الحجة ٣٥٩/٢.
(١١) في النسخ: بالألف، والمثبت من (م).

٢٩٣
سورة البقرة : الآية ٢٥٨
أنا سيفُ العشِيرة فاعرٍفوني حُمَيْداً قد تذَرَّيْتُ السَّناما(١)
قال النَّحاس: على أن نافعاً قد أَثبتَ الألفَ، فقرأ ﴿أَنَا أُخِىِ، وَأُمِيثٌ﴾ ولا وَجْه له(٢).
قال مكيّ (٣): والألفُ زائدةٌ عند البصريِّين، والاسمُ المضمَرُ عندهم الهمزةُ
والنون، وزيدت الألف للتَّقوية. وقيل: زيدت للوقف لتظهرَ حركةُ النون. والاسمُ
عند الكوفيين ((أنا)) بكماله، فنافعٌ في إثبات الألف على قولهم على الأصل، وإنما
حذفَ الألفَ مَن حذفها تخفيفاً، ولأن الفتحة تدلُّ عليها .
قال الجوهريُّ(٤): وأما قولهم ((أنا)) فهو اسمٌ مكنيٍّ، وهو للمتكلِّم وحدَه،
وإنما بُني على الفتح فَرْقاً بينه وبين ((أَنْ)) التي هي حرفٌ ناصبٌ للفعل، والألف
الأخيرةُ إنما هي لبيان الحركةِ في الوَقْفِ، فإن توسَّطت الكلامَ سقطت إلَّا في لغةٍ
رديئة، كما قال:
أنا سيفُ العشِيرة فاعرفوني حُمَيْداً قد تذَرَّيتُ السَّناما
وبَهُت الرجلُ وبَهِت وبُهِتَ: إذا انقطعَ وسكتَ متحيِّراً، عن النحاس وغيره(٥).
وقال الطبريُّ(٦): وحُكي عن بعض العرب في هذا المعنى ((بَهَت)) بفتح الباء
والهاء .
قال ابن جنِّي(٧): قرأ أبو حَيْوَة: ((فَبَهُتَ الذي كفر)) بفتح الباء وضمِّ الهاء،
(١) البيت لحُميد بن حُرَيث بن بَخْدل، وهو في إيضاح الوقف والابتداء ص٤١١، ومعاني القرآن للزجاج
٢٨٧/٣، والحجة ٣٦٥/٢، وضرائر الشعر ص ٥٠، والمقرب ٢٤٦/١، وشرح الشافية ٢٩٥/٢،
وشرح المفصل ٩٣/٣، ومجمع البيان ٣١١/٢، والوسيط ٣٧١/١، والمحرر الوجيز ٣٤٦/١،
وخزانة الأدب ٢٤٢/٥. قوله: تذرَّيت السّناما: علوتُ ذِروته.
(٢) إعراب القرآن ٣٣١/١. قال أبو حيان في البحر ٢٨٨/٢: وإثبات الألف وصلاً ووقفاً لغة بني تميم،
ولغة غيرهم حذفها في الوصل ... والأحسن أن تُجعل قراءة نافع على لغة بني تميم؛ لأنه مِن إجراء
الوصل مجرى الوقف، فإذا حملنا ذلك على لغة بني تميم كان فصيحاً .
(٣) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ٣٠٦/١-٣٠٧.
(٤) في الصحاح (أنن).
(٥) إعراب القرآن ٣٣٢/١، ومعاني القرآن للزجاج ٣٤١/١.
(٦) في تفسيره ٤/ ٥٧١ .
(٧) في المحتسب ١٣٤/١.

٢٩٤
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
وهي لغة في (بُهِتَ)) بكسر الهاء(١).
قال: وقرأ ابن السَّمَيْفَع: ((فَبَهَت)) بفتح الباء والهاء(٢) على معنى: فَبَهَت إبراهيمُ
الذي كفر، فالذي في موضع نَصْب. قال: وقد يجوز أن يكون بَهَت بفتحها لغةً في
بَهُت.
قال: وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة: ((فبَهِت)) بكسر الهاء، كخَرِق(٣)
ودَهِش. قال: والأكثر(٤) بالضمّ في الهاء.
قال ابن عطيّة(٥): وقد تأوَّل قومٌ في قراءة مَن قرأ: ((فَبَهَت)) بفتحها(٦) أنه بمعنى
سَبَّ وقَذَف، وأن نمروذ هو الذي سبَّ حين انقطع ولم تكن له حيلةٌ.
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَلَّذِى مَنَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَّى يُغِىء
هَذِهِ اَللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَمْ قَالَ كَمْ لَبِئْتُ قَالَ لَبِئْتُ يَوْمًا
أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَأَنْتُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ
يَتَسَنَّةَ وَأَنْقُلْ إِلَى حِمَارِكَ وَإِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِّ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ
كَيْفَ نُنِشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَلَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ (أو)) للعطف
حملاً على المعنى، والتقدير عند الكسائيّ والفرَّاء(٧): هل رأيتَ كالَّذي حاجَّ
إبراهيم في ربِّه، أو كالذي مرَّ على قرية(٨).
(١) وذكرها أيضاً ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦، وأبو حيوة: هو شريح بن يزيد.
(٢) ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٦ لليماني ومجاهد.
(٣) في (د) و(م): كغرق، ولم نجد حكاية الأخفش للقراءة في معاني القرآن.
(٤) في (د) و(م): والأكثرون.
(٥) في المحرر الوجيز ٣٤٦/١-٣٤٧، وعنه نقل المصنف قول الطبري وابن جني والأخفش.
(٦) في المحرر: بفتحهما، في الموضعين.
(٧) انظر معاني القرآن له ١/ ١٧٠.
(٨) معاني القرآن للنحاس ٢٧٩/١، ومشكل إعراب القرآن لمكي ١٣٨/١، وفيهما كلام الكسائي والفراء.

٢٩٥
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
وقال المبرِّد: المعنى: ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه؟ ألم تر مَن هو
كالذي مرَّ على قرية؟ فأضمر في الكلام من هو (١).
وقرأ أبو سفيان بنُ حسين: ((أَوَ كَالَّذِي مَرَّ) بفتح الواو، وهي واو عطفٍ(٢)
دخل عليها ألفُ الاستفهام الذي معناه التَّقريرُ(٣).
وسُمِّيت القريةُ قريةً لاجتماع الناس فيها، من قولهم: قَرَيتُ الماءَ، أي:
جمعتُه (٤)، وقد تقدم(٥).
قال سليمان بن بُريدة(٦)، وناجيةُ بنُ كعب(٧)، وقتادة، وابن عباس، والربيع،
وعكرمة، والضحَّاك: الذي مرَّ على القرية هو عُزَيْر (٨).
وقال وَهْب بن منبِّه، وعبد الله بن عُبَيْد بن عُمير(٩)، وبكر بنُ مُضَر(١٠): هو
إزمیاء، وكان نبيًّا .
وقال ابنُ إسحاق: إرمياء هو الخَضِر (١١)، وحكاه النقَّاش عن وهب بن منبِّه.
قال ابن عطيّة(١٢): وهذا كما تراه، إلا أن يكون اسماً وافق اسمًا؛ لأن الخَضِر
(١) ينظر تفسير الرازي ٧/ ٣٠.
(٢) في (د) و(م): العطف.
(٣) المحرر الوجيز ٣٤٧/١، وذكرها أبو حيان في البحر ٢٩٠/٢.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٣٤٢/١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٣٢/١.
(٥) ١٢٢/٢.
(٦) الأسلمي المروزي، من رجال التهذيب، روى له مسلم وأصحاب السنن، مات سنة (١٠٥هـ) ..
(٧) الأسدي، روى له أبو داود والترمذي والنسائي، وقال ابن معين: صالح. انظر تهذيب التهذيب.
(٨) أخرج هذه الأقوال الطبري ٤/ ٥٧٨ -٥٧٩.
(٩) الليثي، المكي، أبو هاشم، روى له مسلم وأصحاب السنن، وثّقه أبو حاتم، توفي سنة (١١٣هـ). سير
أعلام النبلاء ٤ / ١٥٧ .
(١٠) في النسخ الخطية و(م): عبد الله بن بكر بن مضر، والمثبت من المحرر الوجيز ٣٤٧/١ وعنه نقل
المصنف، وبكر بن مضر: هو المحدث الفقيه، أبو عبد الملك المصري، مولى شرحبيل بن حسنة
رضي الله عنه روى له الجماعة غير ابن ماجه، توفي سنة (١٥٤ هـ). السير ٨/ ١٩٥، وأخرج الأقوال
الطبري ٤ / ٥٨٠-٥٨١
(١١) أخرجه الطبري ٤ / ٥٨٠.
(١٢) في المحرر الوجيز ٣٤٧/١ وما قبله منه.

٢٩٦
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
معاصرٌ لموسى، وهذا الذي مرَّ على القرية هو بعده بزمان من سِبط هارون فيما
رواه وهب بن منّه.
قلت: إن كان الخَضِر هو إرمياء فلا يَبعد أن يكون هو؛ لأن الخَضِر لم يزل حيًّا
من وقت موسى حتى الآن على الصحيح في ذلك(١)، على ما يأتي بيانُه في سورة
الكهف(٢). وإن كان مات قبل هذه القصّة فقولُ ابنِ عطية صحيحٌ، والله أعلم.
وحكى النخَّاس(٣) ومكيّ عن مجاهد أنه رجل من بني إسرائيل غير مسمّى. قال
النّقَّاش: ويقال: هو غلامُ لوط عليه السلام(٤).
وحكى السُّهيليُّ(٥) عن القُتَبيِّ: هو شَعْيَا في أحد قولَيْه، والذي أحياها بعد
خرابها : كوشك الفارسيّ.
والقرية المذكورة هي بيتُ المقدس في قول وهب بن منبِّه وقتادة والربيع بن
أنس وغيرِهم(٦).
قال: وكان مُقبلاً من مصر، وطعامُه وشرابُه المذكوران تِينٌ أخضر وعِنَب
وزُكْرَةٌ(٧) من خمر - وقيل: من عصير - وقيل: قُلَّةُ ماءٍ هي شرابُه. والذي أخلى
بيتَ المقدس حينئذ بُخْتَنَصَّر، وكان والياً على العراق لِلَهْرَاسِب، ثم لِيَسْتاسب بن
لَهْرَاسِب والد اسبندیاد(٨).
(١) في هذا الكلام نظر، وقد تكلم فيه غير واحد من العلماء، انظر الزهر النضر في نبأ الخضر لابن حجر
ص٣٣، والإصابة ١٤١/٣ .
(٢) في تفسير الآية (٨٢) منها المسألة الرابعة.
(٣) في معاني القرآن ٢٧٨/١.
(٤) المحرر الوجيز ٣٤٧/١ وعنه نقل كلام مكي والنقاش.
(٥) في التعريف والإعلام ص٣١، والقتبي: هو ابن قتيبة.
(٦) أخرج أقوالهم الطبري ٤/ ٥٨٢-٥٨٣.
(٧) في (خ) و(د) و(م): وركوة، والمثبت من (ظ) وتفسير الطبري ٤/ ٥٩٢ فالعبارة فيه، معه عصير من
عنب في زكرة، وسلّة تين. والزكرة بالضم: وعاء من أَدَم، وفي المحكم: زِقٌّ صغير يُجعل للخمر أو
الخلّ. تاج العروس (زكر).
(٨) في (خ): استندياد، وفي التعريف والإعلام: اسبيذياذ، وانظر تاريخ الطبري ٥٣٨/١.

٢٩٧
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
وحكى النّقَّاش أن قوماً قالوا: هي المُؤْتَفِكَةُ(١).
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن بُختَنَصَّر غزا بني إسرائيل، فسَبَى منهم
أُناساً كثيرة، فجاء بهم وفيهم عُزَيْر بن شَرْخِيًا - وكان من علماء بني إسرائيل - فجاء بهم
إلى بابل، فخرج ذات يوم لحاجةٍ (٢) له إلى دير هِرَقل على شاطئ الدّجلة، فنزل تحت
ظِلٌّ شجرة وهو على حمار له، فربط حمارَه(٣) تحت ظلِّ الشجرة، ثم طاف بالقرية فلم
يَرَ بها ساكناً، وهي خاويةٌ على عُروشها، فقال: أنَّى يُحبي هذه الله بعد موتها (٤)؟
وقيل: إنها القريةُ التي خرج منها الألوفُ حذرَ الموت. قاله ابنُ زيد. وعن ابن
زيد. أيضاً أن القومَ الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حذرَ الموت فقال
لهم الله موتوا؛ مرَّ رجلٌ عليهم وهم عظامٌ تلوح، فوقف يَنظُر، فقال: أنَّى يُحيي
هذه الله بعد موتها! فأماته الله مئةً عام(٥) .
قال ابن عطية(٦): وهذا القول من ابن زيد مناقِضٌ لألفاظ الآية، إِذ الآيةُ إنما
تضمَّنت قريةً خاويةً لا أنيسَ فيها، والإِشارة بـ ((هذه)) إنما هي إلى القرية، وإحياؤها
إنما هو بالعِمارة ووجودِ البناء والسگان.
وقال وهب بن منبِّه وقتادة والضَّحاك والربيع وعِكرمة: القريةُ بيتُ المقدس لمَّا
خرَّبها بُختَنصَّر البابليُّ في(٧) الحديث الطويل حين أحدثت بنو إسرائيلَ الأحداثَ؛
وقف إرمياء أو عُزَير على القرية - وهي كالثَّلِّ العظيم وسط بيت المقدس، لأن
بختنَصَّر أمر جنده بنقل التُّراب إلیه حتى جعله کالجبل، ورأی إرمياءُ البيوت قد
سقطت حيطانُها على سُقُفِها - فقال: أنَّى يُحيي هذه الله بعد موتها (٨)؟
(١) المحرر الوجيز ٣٤٧/١.
(٢) في (م): في حاجة.
(٣) في (م): الحمار.
(٤) تفسير أبي الليث ٢٢٦/١.
(٥) أخرجه الطبري ٤/ ٥٨٤ .
(٦) المحرر الوجيز ٣٤٧/١ وما قبله منه.
(٧) في (م): وفي.
(٨) المحرر الوجيز ٣٤٧/١-٣٤٨، وأخرج الأقوال الطبري ٥٨٢/٤-٥٨٣، والحديث الطويل الذي أشار
إليه المصنف هو حديث وهب بن منبه، أخرجه الطبري ٤/ ٥٨٧- ٥٩٣.

٢٩٨
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
والعَرِيشُ: سَقْفُ البيت، وكلُّ ما يُهيّأ (١) ليُظِلَّ أو يَكُنَّ فهو عريشٌ، ومنه عريشُ
الدَّالية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨].
قال السُّدِّي: يقول: هي ساقطةٌ على سُقُفِها، أي: سقطت السُّقُفُ، ثم سقطّتِ
الحيطانُ عليها (٢)، واختاره الطبريُّ(٣).
وقال غيرُ السُّدِّي: معناه: خاويةٌ من الناس والبيوتُ قائمةٌ، وخاويةٌ معناه(٤)
-(٥)
.
خاليةُ
وأصل الخَوَاء الخُلوُّ؛ يقال: خَوَتِ الدار وخَوِيَتْ تَحْوَى خَواءٌ - ممدودٌ -
وخُوِيًّا: أَقْوَتْ، وكذلك إذا سَقَطت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ يُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ﴾
[النمل: ٥٢] أي: خالية، ويقال: ساقطة، كما قال(٦): ﴿فَهِىَ خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا﴾
[الحج: ٤٥] أي: ساقطةٌ على سُقُفِها. والخَوَاء: الجوعُ لخلُوِّ البطن من الغذاء.
وخَوَت المرأةُ وخَوِيَت أيضاً خَوَى؛ أي: خلا جوفُها عند الولادة. وخَوَّيتُ لها
تَخوِيةً؛ إذا عملتَ لها خَوِيَّةً تأكلُها، وهي طعام. والخَوِيُّ: البطنُ السَّهلُ من
الأرض، على فَعِيل. وخوَّى البعيرُ إذا جافى بطنه عن الأرض في بُروکه، وكذلك
الرجلُ في سُجوده.
قوله تعالى: ﴿أَنَّ يُتِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَاً﴾ معناه: من أيِّ طريقٍ وبأيِّ سَببٍ.
وظاهرُ اللفظ السؤالُ عن إحياء القرية بِعمارة وسُّان، كما يقال الآن في المُدُنِ
الخَرِبة التي يَبعد أن تُعمَّر وتُسكن: أنّى تُعمَّر هذه بعد خرابها. فكأن هذا تلقُّفٌ من
الواقف المعتَبِر على مدينته التي عهد فيها أهلَه وأحبَّتَه، وضرب لَهُ المَثَل في نفسه
بما هو أعظمُ مما سأل عنه، والمثالُ الذي ضرب له في نفسه يَحتمل أن يكون على
(١) في (خ) و(د) و(م): يتهيأ، والمثبت من (ظ).
(٢) المحرر الوجيز ٣٤٨/١.
(٣) في تفسيره ٤/ ٥٨٤- ٥٨٦ وأخرج قول السدي.
(٤) في (م): معناها.
(٥) المحرر الوجيز ٣٤٨/١، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٥٠٠ عن قتادة.
(٦) في (خ) و(د) و(م): يقال، وليست في (ظ)، والمثبت من الصحاح (خوى) وعنه نقل المصنف.

٢٩٩
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
أن سؤالَه إنما كان على إحياء الموتى من بني آدم، أي: أنَّى يُحيي الله موتاها(١).
وقد حكى الطبري(٢) عن بعضهم أنه قال: كان هذا القولُ شكّا في
قُدرة الله تعالى على الإحياء، فلذلك ضربَ له المثلَ في نفسه.
قال ابن عطيّة(٣): وليس يدخلُ شكٌّ في قُدرةِ الله تعالى على إحياء قريةٍ بجَلْب
العَمّرةُ(٤) إليها، وإنما يُتصوَّرُ الشكُّ [من جاهلٍ] في الوجه الآخر، والصوابُ أَلَّا
يُتَأَوَّل في الآية شكٌ.
قوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ ((مئة)) نصب على الظّرف. العامُ: السَّنة؛
يقال: سِنونَ عُوَّم، وهو توكيد(٥) للأوَّل، كما يقال: بينهم شُغْلٌ شاغلٌ. قال
العجَّاج(٦):
مِن مَرِّ أعوامِ السِّنينَ العُوَّمِ
وهو في التقدير جمعُ عائم، إلَّا أنه لا يُفرَدُ بالذِّكر؛ لأنه ليس باسم، وإنما هو
=(٧)
توكيد، قاله الجوهري
وقال النقَّاش: العامُ مصدرٌ كالعَوْمِ، سُمَِّ به هذا القدرُ من الزمان لأنها عَومةٌ
من الشمس في الفَلك. والعَوْمُ كالسَّبْح، وقال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
[يس: ٤٠].
قال ابن عطيّة(٨): هذا معنى(٩) قولِ النقاش، والعامُ على هذا كالقَولِ والقال،
وظاهرُ هذه الإماتةِ أنها بإخراج الرُّوحِ من الجسد.
(١) المحرر الوجيز ٣٤٨/١.
(٢) في تفسيره ٤ /٥٨٦ .
(٣) في المحرر الوجيز ٣٤٨/١ وما سيرد بين حاصرتين منه، وعنه نقل المصنف حكاية الطبري.
(٤) في (م): العمارة.
(٥) في (م): تأكید.
(٦) ديوانه ص ٢٧٩ .
(٧) في الصحاح (عوم).
(٨) في المحرر الوجيز ٣٤٨/١ وعنه نقل المصنف قول النقاش.
(٩) في النسخ و(م): بمعنى، والمثبت من المحرر الوجيز.

٣٠٠
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
ورُوي في قصص هذه الآية أن الله تعالى بعثَ لها مَلِكاً من الملوك يَعمُرها
ويَجِدُّ في ذلك، حتى كان كمالُ عِمارتها عند بَعْثِ القائل. وقد قيل: إنه لما مضى
لموته سبعون سنةً أرسل الله مَلِكاً من ملوك فارس عظيماً يقال له ((كوشك» فعَمَرها
في ثلاثينَ سنة(١).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَنمُ﴾ معناه أحياه، وقد تقدَّم الكلامُ فيه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِئْتٌ﴾ اختلف في القائل له ((كم لبثتَ))، فقيل: الله جلَّ
وعزَّ، ولم يَقُلْ له: إن كنتَ صادقًا، كما قال للملائكة على ما تقدَّم(٢).
وقيل: سمع هاتِفًا من السَّماء يقول له ذلك. وقيل: خاطَبه جبريل. وقيل:
نبيٍّ. وقيل: رجلٌ مؤمنٌ ممن شاهَدَه من قومه عند موته، وعُمِّر إلى حين إحيائه
فقال له: كم لبثتَ(٣).
قلت: والأظهرُ أن القائلَ هو الله تعالى؛ لقوله ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيّفَ
نُنِشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًّا﴾ والله أعلم.
وقرأ أهلُ الكوفة: ((كَمْ لِتَّ)) بإدغام الثَّاء في التاء لقُربها منها في المَخْرَج(٤)؛
فإنَّ مخرَجَهُما من طرف اللِّسان وأصولِ الثَّنايا وفي أنَّهما مَهْموستان(٥). قال
النَّحاس(٦): والإظهارُ أحسن، لتبايُنِ مخرَجِ الثاء من مَخرج التاء.
ويُقال: كان هذا السؤالُ بواسطة الملَك على جهة التَّقرير، و((كم)) في موضعٍ
نَصْبٍ على الطَّرف(٧) .
﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًّا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ إنما قال هذا على ما عندَه وفي ظنِّه، وعلى هذا
(١) سلف ص ٢٩٦ .
(٢) في قوله تعالى: ﴿أَنْتُّونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]٤٢٤/١.
(٣) انظر تفسير الرازي ٣٥/٧.
(٤) هي قراءة حمزة والكسائي من أهل الكوفة. وهي أيضاً قراءة أبي عمرو البصري وابن عامر الشامي.
انظر السبعة ص ١٨٨، والتيسير ص ٤٤ .
(٥) المحرر الوجيز ٣٤٩/١.
(٦) في إعراب القرآن ١/ ٣٣٢.
(٧) المحرر الوجيز ٣٤٩/١.
: