Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِىَ﴾ يقال: طعِمت الشَّيءَ، أي:
ذقتُه. وأطعمته الماءَ، أي: أذقته، ولم يقل: ومن لم يشربْه؛ لأنَّ من عادة العرب
إذا كررَّوا شيئاً أنَّ يُكررِّوه بلفظ آخر، ولغة القرآنِ أفصحُ اللغات، فلا عِبرةً بقدح
من يقول: لا يقال: طعِمتُ الماء.
الخامسة: استدلَّ علماؤنا بهذا على القول بسدِ الذرائع؛ لأنَّ أدنى الذوقِ
يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشُّربِ ممن
يتجنب الطعم؛ ولهذه المبالغة لم يأت الكلام: ومن لم يشرب منه.
السادسة: لما قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ دلَّ على أنَّ الماءَ طعامٌ، وإذا كان
طعاماً كان قوتاً لبقائه واقتياتِ الأبدان به، فوجب أنْ يجريَ فيه الرِّبا. قال ابن
العربي(١): وهو الصحيحُ من المذهب.
قال أبو عمرُ(٢). قال مالك: لا بأس ببيع الماءِ على الشَّطّ بالماء متفاضلاً وإلى
أجل، وهو قولُ أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد بنُ الحسن: هو مما يُكال ويوزن، فعلى هذا القولِ لا يجوز عندَه
التفاضل، وذلك عنده فيه رِبًا؛ لأنَّ علَّتَه في الرِّبا الكيلُ والوزن.
وقال الشافعي: لا يجوز بيعُ الماءِ متفاضلاً، ولا يجوز فيه الأجل، وعلَّتُه في
الرِّبا أنْ يكونَ مأكولاً جنساً.
السابعة: قال ابن العربيّ(٣): قال أبو حنيفة: من قال: إنْ شرِب عبدي فلانٌ
من الفُرَات فهو حُرٍّ، فلا يَعِقُ إلا أنْ يَكْرَع فيه، والكُرع أنْ يشربَ الرجل بِفيه من
النهر، فإنْ شربَ بيده، أو اغترفَ بالإناء منه، لم يَعتِقِ؛ لأنَّ الله سبحانه فرَّق بين
الكّرعِ في النهر وبين الشربٍ باليد. قال: وهذا فاسدٌ؛ لأنَّ شربَ الماء ينطلق(٤)
على كلِّ هيئةٍ وصفةٍ في لسان العرب من غَرْفٍ باليد، أو كَرْعٍ بالفم، انطلاقاً
(١) في أحكام القرآن ١/ ١٣٢.
(٢) في التمهيد ١٣٣/١٣.
(٣) في أحكام القرآن ٢٣٢/١.
(٤) في (م): يطلق.

٢٤٢
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
:
واحداً، فإذا وُجِد الشُّرب المحلوفُ عليه لغةً وحقيقةً حيث، فاعلمه.
قلت: قول أبي حنيفة أصحُّ، فإنَّ أهلَ اللغةِ فرَّقوا بينهما كما فرَّق الکتاب
والسنة. قال الجوهري(١) وغيره: وكَرّع في الماء كُروعًا إذا تناوله بفيه من موضعه
من غير أنْ يشربَ بكفيه ولا بإناء، وفيه لغةٌ أخرى ((كَرِع)) بكسر الراء يكرع كَرَعاً.
الكّرَع: ماءُ السماء يكرع فيه.
وأما السنة فذكر ابنُ ماجه في سننه: حدَّثنا واصل بنُ عبد الأعلى، حدَّثنا ابن
فُضيل، عن ليث، عن سعيد بن عامر، عن ابن عمر قال: مررنا على بِرْكة فجعلْنا
نكرعُ فيها، فقال رسول الله وَّر: ((لا تَكْرَعوا، ولكن اغسِلوا أيديكم، ثم اشربوا
فيها، فإنه ليس إناءٌ أطيب من اليد))(٢)، وهذا نص. وليث بنُ أبي سُلَيم خرَّج له
مسلم، وقد ضُعِّف.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ،﴾ الاغتراف: الأخذُ من
الشّيء باليد وبآلة، ومنه المِغْرَفة، والغَرْف مثلُ الاغتراف.
وقُرئ: ((غَرْفة)) بفتح الغينِ، وهي مصدر، ولم يقل: اغترافة؛ لأنَّ معنى الغَرْف
والاغتراف واحد. والغَرْفة: المرة الواحدة. وقرئ: ((غُرْفَة)) بضم الغين(٣)، وهي
الشَّيءُ المُغْتَرَفُ. وقال بعضُ المفسرين: الغَرْفة بالكفِّ الواحدِ والغُرْفة بالكفَّيْن.
وقال بعضُهم: كلاهما لغتان بمعنى واحد. وقال عليٍّ رضي الله عنه(٤): الأكُفُّ
أَنْظَفُ الآنية، ومنه قولُ الحسن(٥):
إلا اغترافاً من الغُذْرانِ بالرَّاحِ
لا يَدلِفون إلى ماءٍ بآنية
الدليف: المشيُ الرُّوَيْد.
(١) في الصحاح (كرع).
(٢) سنن ابن ماجه (٢٤٣٣)، وهو عند أحمد (٦٢١٧) بنحوه. قال الحافظ في الفتح ٧٧/١٠: في سنده
ضعف.
(٣) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: غَرْفه بفتح الغين، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: غُرفه
بالضم، وانظر السبعة ص١٨٧، والتيسير ص٨١.
(٤) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٣٥/١.
(٥) هو أبو نواس، والبيت في ديوانه ص١٦٤ .

٢٤٣
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
قلت: ومن أراد الحلال الصِّرفَ في هذه الأزمان دونَ شبهةٍ ولا امتراء
ولا ارتيابٍ، فليشرب بكفَّيْه الماءَ من العيون والأنهارِ المسخّرة بالجَرَيَان آناء الليل
وآناء النهار، مبُتْغيًا بذلك من الله كسبَ الحسناتِ ووضعَ الأوزارِ واللُّحوقَ بالأئمة
الأبرار، قال رسول الله صل: ((من شرب بيده وهو يقدر على إناءٍ يريد به التواضعَ
كتبَ الله له بعدد أصابعهِ حسناتٍ، وهو إناءُ عيسى بن مريم عليهما السلام، إذ طرح
القَدَحَ، فقال: وهذا(١) مع الدنيا)). خرَّجه ابن ماجه من حديث ابنِ عمر قال: نهى
رسول الله وَ ﴿ أنْ نشربَ على بطوننا وهو الكّرْع، ونهانا أنْ نغرف(٢) باليد الواحدة،
وقال: ((لا يَلِغْ أحدكم كما يَلِغُ الكلب، ولا يشربْ باليد الواحدةِ كما يشربُ القوم
الذين سخِط الله عليهم، ولا يشربْ بالليل في إناء حتى يُحرِّكَه إلا أنْ يكونَ
مُخَمَّراً (٣)، ومن شرب بيده وهو يقدر على إِناء ... ))(٤) الحديث كما تقدّم، وفي
إسناده بَقِيَّة بنُ الوليد، قال أبو حاتم: يُكتَب حديثُه، ولا يحتج به. وقال أبو زرعة:
إذا حدَّث بَقِيَّةُ عن الثقات فهو ثقة (٥) .
قال ابن عباس(٦): شَرِبوا
التاسعة: قوله تعالى: ﴿فَشَرِيُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمُ﴾
على قدر يقينِهم، فشَرِب الكفار شُربَ الهِيمِ(٧)، وشَرِب العاصون دون ذلك،
وانصرف من القوم ستةٌ وسبعون ألفاً، وبقي بعضُ المؤمنين لم يشرب شيئاً، وأخذ
(١) في (م): أُفّ هذا.
(٢) في (م): نغترف.
(٣) في (م): إناءً مخمراً.
(٤) سنن ابن ماجه (٢٤٣١)، وهو من طريق بقية بن الوليد، عن مسلم بن عبد الله، عن زياد بن
عبد الله، عن عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده. قال البوصيري في
الزوائد ٤٧/٤: هذا إسناد ضعيف لتدليس بَقِيَّة بن الوليد، وقد عنعنه. وقال السندي في حاشيته
على سنن ابن ماجه ٣٣٨/٢: قال الدميري: هذا حديث منكر، انفرد به المصنف (يعني ابن
ماجه)، وزياد بن عبد الله لا يكاد يعرف.
(٥) انظر الجرح والتعديل ٤٣٥/٢.
(٦) أخرجه الطبري ٤٨٨/٥-٤٨٩ بنحوه.
(٧) قوله: شرب الهيم من الهُيام، وهو داء يُكسب شاربَه العطش، فيمتصُّ الماء مصًّا ولا يروى. انظر
النهاية (هيم).

٢٤٤
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
بعضُهم الغُرْفة، فأما من شرِب فلم يَرْوَ، بل بَرَّح به العطش، وأما من تركَ الماء
فحسُنَت حالُه، وكان أجْلَدَ ممن أخذ الغُرفة(١).
العاشرة: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَمُ هُوَ﴾ الهاء تعود على النهر، و((هو)) توكيد.
﴿وَلَّذِينَ﴾ في موضع رفع عطفاً على المضمر في ((جاوزه))؛ يقال: جاوزت
المكان مجاوزةً وجوازاً. والمجاز في الكلام ما جاز في الاستعمال، ونفَذ واستمرَّ
على وجهه .
قال ابن عباس والسُّدي(٢): جاز معه في النهر أربعةُ آلافٍ رجلٍ فيهم من
شرب، فلما نظروا إلى جالوتَ وجنودهِ وكانوا مئة ألفٍ، كلَّهم شاكون في السلاح،
رجع منهم ثلاثةُ آلاف وستُّ مئة وبضعةٌ وثمانون، فعلى هذا القولِ قال المؤمنون
الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله تعالى عند ذلك وهم عدَّةُ أهلِ بدر: ﴿كَم مِّن
فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٌ حَكَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾.
وأكثر المفسرين: على أنه إنما جاز معه النهرَ من لم يشرب جملة(٣)، فقال
بعضهم: كيف نُطيق العدوَّ مع كثرتهم؟! فقال أُولوا الْعَزْم منهم: ﴿كَم مِّن ◌ِشَتر
فَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾. قال البراء بنُ عازِب: كنا نتحدَّث (٤) أنَّ عِدّةً
أهلٍ بدر كعدَّة أصحابٍ طالوت الذِين جاوزوا معه النهرَ: ثلاثُ مئةٍ وبضعة عشر
رجلاً - وفي رواية(٥): وثلاثةَ عشرَ رجلاً - وما جاز معه إلا مؤمن.
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ﴾ والظنُّ هنا بمعنى اليقين،
ويجوز أنْ يكون شَكًّا لا علماً، أي: قال الذين يتوَهَّمون أنهم يُقْتلون مع طالوتَ،
فيَلقَون الله شهداء، فوقوع(٦) الشكّ في القتل(٧).
(١) المحرر الوجيز ٣٣٥/١.
(٢) أخرج قول السدي الطبري ٥/ ٤٩١، وقول ابن عباس أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٣٦/١.
(٣) انظر المحرر الوجيز ٣٣٦/١.
(٤) في النسخ: نحدث، والمثبت من (م)، والخبر أخرجه أحمد (١٨٥٥٥)، والبخاري (٣٩٥٨).
(٥) أخرجها الطبري ٤٩٠/٥ .
(٦) في (م): فوقع.
(٧) انظر النكت والعيون ٣١٨/١.

٢٤٥
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
قوله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ﴾ الفئة: الجماعةُ من
الناس، والقطعةُ منهم، من فأوْتُ رأسَه بالسَّيف، وفأيتُه: أي: قطعته(١). وفي
قولهم رضي الله عنهم: ﴿كَم مِّن فِتَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ الآية تحريضٌ على القتال،
واستشعارٌ للصبر، واقتداءٌ بمن صدَّق ربه(٢).
قلت: هكذا يجب علينا نحن أنْ نفعل؟ لكن الأعمالَ القبيحةَ والنياتِ الفاسدةَ
منعَت من ذلك حتى ينكسرَ العدد الكثيرُ(٣) منا قُدَّامَ اليسيرِ من العدوِّ كما شاهدناه
غير مرة، وذلك بما كسبت أیدینا!
وفي البخاريِّ: وقال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم (٤). وفيه مُسْندٌ أنَّ
النبيَّ وَل﴿ قال: ((هل تُرزقون وتُنصرون إلا بضعفائكم))(٥). فالأعمال فاسدةٌ،
والضعفاءُ مُهْمَلون(٦) والصبر قليل، والاعتماد ضعيفٌ، والتقوى زائلةٌ !.
قال الله تعالى: ﴿أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وقال:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَُّواْ﴾ [المائدة: ٢٣]، وقال: ﴿إِنَّ اللََّ مَعَ الَّذِينَ أَثَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم
تُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ؟﴾ [الحج: ٤٠]،
وقال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:
٤٥]. فهذه أسبابُ النَّصرِ وشروطُه، وهي معدومةٌ عندنا غيرُ موجودةٍ فينا، فإنا
لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحلَّ بنا! بل لم يبق من الإسلام إلا ذِكرُه،
ولا من الدِّينِ إلَّا رَسْمُه، لظهور الفسادِ، ولكثرة الطغيان، وقلةِ الرشادِ حتى
استولى العدوُّ شرقًا وغربًا برًّا وبحراً، وعَمَّت الفتن، وعظُمت المِحَن،
ولا عاصم إلا من رحم !.
(١) انظر الصحاح (نا).
(٢) المحرر الوجيز ٣٣٦/١.
(٣) في (م): الكبير.
(٤) البخاري تعليقاً قبل حديث (٢٨٠٨).
(٥) سلف ٢٤٨/٢.
(٦) لفظة: مهملون، من (م).

٢٤٦
سورة البقرة : الآيتان ٢٥٠، ٢٥١
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا
وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ
(بَرَزُوا)) صاروا في البَرَاز، وهو الأفيحُ(١) من الأرض المتَّسع. وكان جالوت
أمير العمالقة وملِكهم، ظلُّ مِيل. ويقال: إنَّ البربرَ من نسله، وكان فيما رُوي في
ثلاث مئة ألفٍ فارس. وقال عِكرمة(٢): في تسعين ألفاً، ولما رأى المؤمنون كثرةً
عدوِّهم تضرعوا إلى ربهم، وهذا كقوله: ﴿وَكَيِّنِ مِّن ثَّبٍِ قَتَلَ مَعَهُ رِبُِّّونَ كَثِيرٌ﴾ إلى
قوله: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الآية [آل عمران: ١٤٦ -١٤٧].
وكان رسول الله وَ﴿ إذا لَقِيَ العدوَّ يقول في القتال(٣): ((اللهم بك أصولُ
وأحول))(٤)، وكان وَ ل﴿ يقول إذا لقي العدوَّ: ((اللهم إني أعوذ بك من شرورهم،
وأجعلُك في نحورهم))(٥)، ودعا يومَ بدرٍ حتى سقط رداؤه عن مَنكِبيه؛ يستنجِزُ اللهَ
وعدَه(٦) على ما يأتي بيانه في ((آل عمران)) إن شاء الله تعالى(٧).
قوله تعالى: ﴿فَهَزَّمُوهُمْ بِذْنِ اَللَّهِ وَقَّتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَءَاتَنِهُ اللهُ
اُلْمُلْكَ وَاِْكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَّهُم بِبَعْضٍ
لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَ كِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ
:
قوله تعالى: ﴿فَهَزَّمُوهُمْ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾، أي: فأنزل الله عليهم النصر،
(١) في (د) و(ز): الأفسح، والمثبت من (خ) و(ظ) و(م)، وهو الموافق المحرر الوجيز ٣٣٧/١، والكلامُ
منه، وكلاهما بمعنى، وهو الواسع. انظر القاموس (فسح) و(فيح).
(٢) أورده الماوردي في النكت والعيون ٣١٩/١.
(٣) أخرجه أحمد (٢٣٩٢٨) من حديث صهيب رضي الله عنه.
وأخرجه أبو داود (٢٦٣٢) من حديث أنس رضي الله عنه بنحوه.
(٤) في النسخ: أجول، وهو خطأ. ومعنى أحول، أي: أتحرّك، وقيل: أحتال، وقيل: أدفع وأمنع.
النهاية (حول).
(٥) أخرجه أحمد (١٩٧٢١) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وفيه أنه # كان يقول ذلك إذا
خاف قومًا .
(٦) أخرجه أحمد (٢٠٨)، ومسلم (١٧٦٣) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه مطولاً.
(٧) عند تفسير الآية: (١٩٠) منها.

٢٤٧
سورة البقرة : الآية ٢٥١
((فَهَزَمُوهُمْ)): فكسروهم. والهَزْم: الكسر، ومنه سِقاءٌ مُتَهَزِّم، أي: انثنى بعضُه على
بعض مع الجفاف، ومنه ما قيل في زمزم: إنها هَزْمَةُ جِبريل (١)، أي: هزَمَها جبريلُ
برجله، فخرج الماء. والهَزْم: ما تكسَّر من يابس الحطب(٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُونَ﴾ وذلك أنَّ طالوتَ الملِكَ اختاره من بين
قومه لقتال جالوت، وكان رجلاً قصيراً مِسقاماً مُصفارّاً أصغرَ أزرق، وكان جالوت
من أشدِّ الناسِ وأقواهم، كان يَهزِمِ الجيوشَ وحدَه، وكان قَتلُ جالوتَ وهو رأسُ
العمالقةٍ على يده.
وهو داودُ بنُ إِيشَى - بكسر الهمزة - ويقال: داود بنُ زكريا بنٍ رشوى، وكان
من سِبط يهوذا بنِ يعقوب بن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ عليهم السلام، وكان من أهل بيتٍ
المقدس جُمع له بين النبوّةِ والمُلكِ بعد أنْ كان راعيًا، وكان أصغرَ إخوته، وكان
يرعى غنمًا، وكان له سبعةُ إخوة في أصحاب طالوتَ؛ فلما حضرت الحرب قال
في نفسه: لأذهبنَّ إلى رؤية هذه الحربِ، فلما نهض في طريقه مر بحجر فناداه:
يا داودُ، خذني، فبي تَقْتُل جالوت، ثم ناداه حَجَر آخر، ثم آخر، فأخذها وجعلها
في مِخلاته وسار، فخرج جالوتُ يطلب مبارِزاً، فكَعَّ (٣) الناس عنه حتى قال
طالوت: من يَبْرُز إليه ويقتلُه، فأنا أزوِّجه ابنتي، وأحكِّمه في مالي، فجاء داود عليه
السلام فقال: أنا أبرز إليه وأقتله، فازدراه طالوتُ حين رآه لصغر سِنِّه وقِصرِهِ،
فردَّه، وكان داود أزرقَ قصيراً، ثم نادى ثانيةً وثالثةً، فخرج داود، فقال طالوت له:
هل جرَّبت نفسَك بشيء؟ قال نعم، قال: بماذا؟ قال: وقع ذئبٌ في غنمي،
فضربتُه، ثم أخذتُ رأسَه، فقطعتُه من جسده. قال طالوت: الذئب ضعيفٌ، هل
جرَّبت نفسك في غيره؟ قال: نعم، دخل الأسد في غنمي، فضربته ثم أخذت
(١) قطعة من حديث ابن عباس، أخرجه الدارقطني ٢٨٩/٢، وفي إسناده محمد بن حبيب الجارودي؛ ذكر
الحافظ ابن حجر في لسان الميزان ١١٦/٥ أنه قد أخطأ في وصله، وقال: وإنما رواه ابن عُبينة موقوفاً
علی مجاهد، کذلك حدث به عنه حفاظ أصحابه، کالحميدي وابن أبي عمر وسعيد وغيرهم. وقوله:
هزمة، من هَزّم في الأرض هزْمةً: إذا شق شقّة. الفائق (هزم).
(٢) ينظر معاني القرآن للزجاج ٣٣٢/١.
(٣) قوله: فكَّ، أي: جَبُن وضَعُف. القاموس (كعَّ).

٢٤٨
سورة البقرة : الآية ٢٥١
بلَحْيَيه، فشققتُهما، أفترى هذا أشدَّ من الأسد؟ قال: لا، وكان عند طالوت دِرْعٌ
لا تستوي إلا على من يقتلُ جالوت، فأخبره بها، وألقاها عليه فاستوت، فقال
طالوت: فاركب فرسي، وخذ سلاحي ففعل؛ فلما مشى قليلاً رجع، فقال الناس:
جَبُن الفتى! فقال داود: إنِ اللهُ لم يقتله(١) لي ويُعنِّي عليه لم ينفعني هذا الفرسُ
ولا هذا السلاح، ولكنِّي أحب أنْ أقاتلَه على عادتي. قال: وكان داود من أرْمَى
الناسِ بالمِقْلاع، فنزل وأخذ مِخْلاته، فتقلَّدها، وأخذ مقلاعه، وخرج إلى جالوت،
وهو شاكٍ في سلاحه على رأسه بيضةٌ، فيها ثلاث مئة رطلٍ، فيما ذكر الماوردي(٢)
وغيره، فقال له جالوت: أنت يا فتى تخرج إليَّ! قال: نعم، قال: هكذا كما تخرج
إلى الكلب! قال: نعم، وأنت أهْون. قال: لأطعمنَّ لحمَك اليومَ للطّيْر والسِّباع،
ثم تدانيا، وقصد جالوتُ أن يأخذَ داود بيده استخفافاً به، فأدخل داود يدَه إلى
الحجارة، فرُوي أنها التأَمَتْ، فصارت حجرًا واحدًا، فأخذه فوضعه في المقلاع،
وسمَّى اللهَ وأداره ورماه، فأصاب به رأسَ جالوتَ فقتلَه، وحزَّ رأسَه، وجعله في
مِخلاته، واختلط الناس، وحمل أصحابُ طالوتَ، فكانت الهزيمة.
وقد قيل: إنما أصاب بالحجر من البيضة موضعَ أنفِه، وقيل: عينه وخرج من قفاه،
وأصاب جماعةً من عسكره فقتلهم. وقيل: إنَّ الحجرَ تفَتَّت حتى أصاب كلَّ من في
العسكر شيءٌ منه، وكان كالقبْضَة التي رَمى بها النبيُّ ◌َ لَ هَوَازنَ يومَ حُنَّيْن، والله أعلم.
وقد أكثر الناس في قصص هذه الآي، وقد ذكرتُ لك منها المقصودَ، والله المحمود(٣).
قلت: وفي قول طالوتَ: من يبرز له ويقتله فأنا(٤) أزوِّجُه ابنتي وأحكمه في
مالي؛ معناه ثابتٌ في شرعنا، وهو أنْ يقولَ الإمام: من جاء برأس فله كذا، أو
أسيرٍ فله كذا، على ما يأتي بيانه في ((الأنفال)) إن شاء الله تعالى(٥).
(١) في (م): إن الله إن لم يقتله.
(٢) لم نقف عليه في تفسيره ٣١٩/١، وذكره الزمخشري ٣٨١/١، وعند الطبري ٥١٢/٥: ست مئة رطل.
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٣٣٧/١، والنكت والعيون ٣١٩/١، وعرائس المجالس ٢٧٢-٢٧٣. والأثر
أخرجه الطبري ٤٩٨/٥ - ٥١٣.
(٤) في (م): فاني.
(٥) عند تفسير الآية: ١ منها.

٢٤٩
سورة البقرة : الآية ٢٥١
وفيه دليلٌ على أنَّ المبارزةَ لا تكون إلا بإذن الإمام، كما يقوله أحمد وإسحاقُ
وغيرهما. واختلف فيه عن الأوزاعيِّ، فحُكي عنه أنه قال: لا يَحملُ أحدٌ إلا بإذن
إمامه، وحُكي عنه أنَّه قال: لا بأسَ به، فإن نهى الإمامُ عن البِراز؛ فلا يبارزُ أحدٌ
إلا بإذنه. وأباحت طائفةٌ البِرازَ، ولم تذكر بإذن الإمام ولا بغيرِ إذنِه، هذا قولُ
مالك؛ سئل مالكٌ عن الرجل يقول بين الصَّفين: من يبارز؟ فقال: ذلك إلى نيَّته؛
إن كان يريد بذلك اللهَ فأرجو ألَّا يكونَ به بأس، قد كان يُفعَل ذلك فيما مضى.
وقال الشافعيُّ: لا بأس بالمبارزة. قال ابن المنذر: المبارزة بإذن الإمام حسنٌ،
وليس على من بارز بغير إذنِ الإمام حرجٌ، وليس ذلك بمكروه؛ لأني لا أعلم خبراً
يمنع منه(١).
﴿وَءَاتَنُهُ اَللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قال السُّدِّيّ(٢): آتاه الله مُلك طالوتَ ونبوّةً
شمعون. والذي عُلِّمه هو صنعةُ الدُرُوعِ ومنطقُ الطيرِ وغيرُ ذلك من أنواع ما
عُلِّمِهِ وَلِ(٣).
وقال ابن عباس(٤): هو أنَّ اللهَ أعطاه سلسلة موصولةً بالمجرَّة والفَلَك،
ورأسُها عند صومعةٍ داود، فكان لا يحدُثُ في الهواء حدثٌ إلا صَلصَلت السِّلسلة،
فيعلمُ داودُ ما حدث، ولا يَمسُّها ذو عاهةٍ إلا برئ، وكانت علامةُ دخولٍ قومه في
الدِّين أنْ يمسُوها بأيديهم، ثم يمسحوا(٥) أكفَّهم على صدورهم، وكانوا يتحاكمون
إليها بعد داود عليه السلام إلى أنْ رُفعت.
قوله تعالى: ﴿مِنَا يَشَاءُ﴾، أي: مما شاء، وقد يوضع المستقبلُ موضعَ
الماضي وقد تقدّم(٦).
(١) انظر المغني ٣٨/١٣-٣٩.
(٢) أخرجه الطبري ٥١٤/٥.
(٣) المحرر الوجيز ٣٣٧/١.
(٤) أورده البغوي في تفسيره ١/ ٢٣٥.
(٥) في (خ) و(د) و(ظ) و(م): يمسحون، والمثبت من (ز)، وهو الوجه
(٦) ١٣٥/١، و٢٥٣/٢.

٢٥٠
سورة البقرة : الآية ٢٥١
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ
اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ كذا قراءةُ
الجماعة، إلا نافعاً فإنه قرأ: ((دِفَاعُ))(١)، ويجوز أنْ يكون مصدراً لفعل كما يقال:
حسبت الشَّيءَ حساباً، وآبَ إِيَابًا، ولقيته لقاءً، ومثله كتبه كتاباً، ومنه ﴿كِنَبَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. النحاس(٢): وهذا حسن، فيكون دفاع ودَفْع مصدرين لِدَفَعَ،
وهو مذهبُ سيبويه. وقال أبو حاتم: دافع ودَفَع بمعنى واحد، مثل طرقت النَّعلَ
وطارقت؛ أي: خَصَفْتُ إحداهما فوق الأخرى، والخصف: الخرز.
واختار أبو عبيد(٣) قراءة الجمهور: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ﴾. وأنكر أنْ يقرأ
((دِفَاعُ))، وقال: لأنَّ الله عز وجل لا يُغالبُه أحد. قال مكيّ: هذا وَهْمٌ توهَّم فيه
بابَ المفاعلةِ، وليس به(٤).
واسم ((الله) في موضع رفع بالفعل، أي لولا أن يدفعَ الله. و((دِفَاعُ» مرفوعٌ
بالابتداء عند سيبويه. ((النّاسَ)) مفعول، ((بَعْضَهُم)) بدل من الناس، ((بِبَعْضٍ)) في
موضع المفعول الثاني عند سيبويه(٥)، وهو عنده مثلُ قولك: ذهبت بزید، فزيد في
موضع مفعول فاعلمه (٦).
الثانية: واختلف العلماء في الناس المدفوع بِهم الفسادُ من هم؟ فقيل: هم
الأبْدَالُ، وهم أربعون رجلًا كلما مات واحدٌ بدَّل الله آخر، فإذا كان عند القيامة
ماتوا كلُّهم، اثنان وعشرون منهم بالشام، وثمانيةَ عشرَ بالعراق. ورُوي عن عليٍّ
(١) انظر السبعة ص١٨٧، والتيسير ص٨٢.
(٢) في إعراب القرآن ٣٢٨/١، وانظر الكشف عن وجوه القراءات السبع ٣٠٥/١.
(٣) في (خ) و(د) و(م) أبو عبيدة، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ٣٢٨/١.
(٤) انظر الكشف عن وجوه القراءات السبع ٣٠٥/١، وفيه وفي حجة القراءات لابن زنجلة ص ١٤٠ أن
الذي أنكر أن يقرأ (دفاع الله) هو أبو عمرو.
(٥) في الكتاب ١٥٣/١- ١٥٤.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٧/١-٣٢٨.

٢٥١
سورة البقرة : الآية ٢٥١
رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﴿ ﴿ يقول: ((إن الأبدالَ يكونون بالشام، وهم
أربعون رجلاً كلما مات منهم رجلٌ أَبدل الله مكانه رجلاً، يُسقى بهم الغيث،
وينصر بهم على الأعداء، ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء)) (١)، ذكره الترمذيُّ
الحكيم في ((نوادر الأصول))(٢). وخرَّج أيضاً (٣) عن أبي الدرداء قال: إنَّ الأنبياء
كانوا أوتادَ الأرض، فلما انقطعت النبوّة أبدل الله مكانَهم قومًا من أمة محمد واله
يقال لهم: الأبدال، لم يفضلوا الناسَ بكثرة صومٍ ولا صلاةٍ، ولكن بحُسن الخُلُقِ،
وصدقِ الورعِ، وحُسنِ النية، وسلامةِ القلوب لجميع المسلمين، والنصيحة لهم
ابتغاءَ مرضاة الله بصبر وحلم ولب وتواضع في غير مَذلَّة، فهم خلفاءُ الأنبياء، قومٌ
اصطفاهم الله لنفسه واستخلصهم بعلمه لنفسه، وهم أربعون صِدِّيقًا، منهم ثلاثون
رجلاً على مثل يقينٍ إبراهيمَ خليلِ الرحمن، يدفع الله بهم المكاره عن أهل الأرض
والبلايا عن الناس، وبهم يُمطَرون ويُرزَقون، لا يموت الرجلُ منهم حتى يكونَ الله
قد أنشأ من يخلُفه.
وقال ابن عباس(٤): ولولا دفعُ اللهِ العدوَّ بجنود المسلمين لغلب المشركون،
فقتلوا المؤمنين، وخرَّبوا البلاد والمساجد. وقال سفيان الثوريّ: هم الشهودُ الذين
تُستخرج بهم الحقوق.
وحكى مكيٍّ أنَّ أكثرَ المفسرين على أنَّ المعنى: لولا أنَّ الله يدفع بمن يصلِّي
عمن لا يصلِّي وبمن يتقي عمن لا يتقي لَأُهلِك الناسُ بذنوبهم(٥)؛ وكذا ذكر
النحاس(٦) والثعلبيّ أيضًا. قال الثعلبي: وقال سائر المفسرين: ولولا
(١) أخرجه أحمد (٨٩٦)، وقال ابن القيم في المنار المنيف ص١٣٦: أحاديث الأبدال والأقطاب
والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد كلّها باطلة على رسول الله وَ﴿﴿، ثم ذكر حديث الباب، وقال:
لا يصح فإنه منقطع، وانظر المقاصد الحسنة ٤٣ -٤٧ .
(٢) ٦٣/٣.
(٣) ٢٦٢/١.
(٤) أورده الواحدي في الوسيط ٣٦١/١، والطبرسي في مجمع البيان ٢٩٢/٢.
(٥) المحرر الوجيز ٣٣٨/١.
(٦) في معاني القرآن ١/ ٢٥٥.

٢٥٢
سورة البقرة : الآية ٢٥١
دفاعُ الله بالمؤمنين(١) الأبرارِ عن الفجار والكفارِ لفسدت الأرض، أي: هلكت(٢).
وذكر حديثًا أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((إنَّ اللهَ يدفع العذابَ بمن يصلِّي من أمتي عمن
لا يصلي، وبمن يزِّي عمن لا يزِّي، وبمن يصوم عمن لا يصوم، وبمن يحجّ عمن
لا يحج، وبمن يجاهدُ عمن لا يجاهد، ولوا اجتمعوا على ترك هذه الأشياءِ ما
أنظرهم الله طرفةَ عين، ثم تلا رسول الله وَله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ
لَفَسَدَتِ اْلْأَرْضُ﴾))(٣)، وعن النبيِّ نَّه قال: ((إنَّ الله ملكاً (٤) ينادي كلَّ يوم: لولا
عباد رُكَّعٌ وأطفال رُضّع وبهائم رُبَّع، لصُبَّ عليكم العذابُ صبًّا)) خرَّجه أبو بكر
الخطيب بمعناه من حديث الفضيل بن عياض: حدَّثنا منصور، عن إبراهيم، عن
علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله وَلفيه: ((لولا فيكم رجالٌ خُشَّع، وبهائم رئَّع،
وصبيانٌ رضّع، لصُبَّ العذابُ على المؤمنين صبًّا))(٥). أخذ بعضهم هذا المعنى فقال:
وصِبْيَة من اليتامى رُضَّعُ
لولا عباد للإله رُگُّ
صُبَّ عليكم العذاب الأوْجَعُ(٦)
ومُهْمَلاتٌ في الفَلاة رُتَّعُ
ورَوى جابر أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال: ((إنَّ الله لَيُصلِح بصلاح الرجلِ ولدَه وولدَ
ولدِهِ وأهلَ دُويرتِه ودُويراتٍ حولَه، ولا يزالون في حفظ اللهِ ما دام فيهم))(٧). وقال
قتادة: يبتلي الله المؤمنَ بالكافر، ويعافي الكافرَ بالمؤمن. وقال ابن عمر: قال
النبيُّ وَ لّهِ: (إنَّ اللهَ ليدفع بالمؤمن الصالح عن مئةٍ من أهل بيتهِ وجيرانه البلاء)). ثم
قرأ ابن عمر ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾(٨).
(١) في (م): المؤمنين.
(٢) انظر تفسير البغوي ٢٣٥/١.
(٣) أورده الرازي في تفسيره ٦/ ٢٠٥، وأخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٤٨٠ من قول ابن عباس رضي الله عنهما
مختصراً.
(٤) في (م): ملائكة تنادي.
(٥) سلف ذكره ٣٨١/٢.
(٦) لم نقف عليه.
(٧) أخرجه الطبري ٥١٦/٥-٥١٧، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: غريب ضعيف.
(٨) أخرجه الطبري ٥١٦/٥، والعقيلي في الضعفاء ٤٠٣/٤، وابن عدي في الكامل ٢/ ٧٩٠، والبغوي في
التفسير ٢٣٦/١، والواحدي في الوسيط ٢٦١/١، وضعفه الحافظ ابن كثير أيضاً في تفسيره.

٢٥٣
سورة البقرة : الآيتان ٢٥٢، ٢٥٣
وقيل: هذا الدفعُ بما شَرَع على ألْسِنَة الرسلِ من الشرائع، ولولا ذلك لتسالب
الناس، وتناهبوا وهلَكوا، وهذا قولٌ حسن، فإنه عمومٌ في الكفّ والدفعِ وغيرِ ذلك
فتأمّله(١).
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَيِينَ﴾ بيَّن سبحانه أنَّ دفعه بالمؤمنين شرَّ
الكافرين فضلٌ منه ونعمةٌ.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ ءَايَثُ اَللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
﴿ِتِلْكَ﴾ ابتداء ﴿ءَايَتُ اللَّهِ﴾ خبره، وإن شئت كان بدلاً، والخبر ﴿نَتْلُوهَا
عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾. ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، خبر إنَّ، أي: وإنك لمرسل(٢). نبّه الله تعالى
نبيّه ێ﴿ أنَّ هذه الآياتِ التي تَقدَّم ذکرُها لا يعلمها إلا نبيّ مرسل.
• تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِّ مِّنْهُم مَن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ
قوله تعالى:
بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِنَتِ وَأَيِّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسُِ وَلَوْ شَآءَ
اَللَّهُ مَا اقْتَتَّلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ وَلَكِنِ اُخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم
مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَن كَفَرَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ
٢٥٣
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ قال: ((تلك))، ولم يقل: ذلك مراعاةً لتأنيث لفظٍ
الجماعة، وهي رفعٌ بالابتداء. و((الرُّسُلُ)) نعته، وخبر الابتداءِ الجملة(٣). وقيل:
الرسل عطفُ بيان، و﴿فَضَّلْنَا﴾ الخبر(٤).
وهذه آيةٌ مشكلة والأحاديثُ ثابتةٌ بأنَّ النبيَّ نَّهِ قال ((لا تَخَيَّروا بين الأنبياء)»،
و((لا تفضِّلوا بين أنبياء الله))، رواها الأئمة الثقات(٥)، أي: لا تقولوا: فلان خيرٌ
(١) انظر تفسير الرازي ٢٤٠/٦.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٨/١.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٨/١.
(٤) المحرر الوجيز ٣٣٨/١.
(٥) هو قطعة من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه باللفظ الأول أحمد (١١٢٦٥)، والبخاري (٢٤١٢)،
ومسلم (٢٣٧٤)، وباللفظ الثاني أخرجه أيضاً أحمد (١١٣٨٥) من حديث أبي سعيد، والبخاري
(٣٤١٤)، ومسلم (٢٣٧٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

٢٥٤
سورة البقرة : الآية ٢٥٣
من فلان، ولا فلانٌ أفضلُ من فلان. يقال: خيَّر فلانٌ بين فلانٍ وفلان، وفضَّل -
مشدَّداً - إذا قال ذلك.
وقد اختلف العلماء في تأويل هذا المعنى، فقال قوم: إنَّ هذا كان قبل أنْ يُوحى
إليه بالتفضيل، وقبل أنْ يعلمَ أنه سيِّدُ ولدِ آدم، وأنَّ القرآن ناسخٌ للمنع من التفضيل(١).
وقال ابن قتيبة(٢): إنما أراد بقوله: ((أنا سيدُ ولدِ آدم))(٣) يوم القيامة؛ لأنه
الشافعُ يومئذ وله لواءُ الحمدِ والحوضُ، وأراد بقوله: ((لا تخيِّروني على موسى))(٤)
على طريق التواضع؛ كما قال أبو بكر(٥): وليتُكم ولستُ بأخيركم(٦). وكذلك
معنى قوله: ((لا يقل أحدٌ: أنا خيرٌ من يونسَ بنِ مَتّى))(٧) على معنى التواضع. وفي
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ اَلْمُتِ﴾ [القلم: ٤٨] ما يدل على أنَّ رسولَ اللهِ وَله
أفضلُ منه؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ولا تكنْ مثلَه؛ فدلَّ على أنَّ قوله: ((لا تفضِّلوني
عليه))(٨) من طريق التواضع. ويجوز أنْ يريدَ لا تفضلوني عليه في العمل، فلعلَّه
أفضلُ عملاً منِّي، ولا في البَلْوى والامتحانِ، فإنه أعظمُ محنةً منِّي. وليس ما
أعطاه الله لنبينا محمدٍ ﴿ من السُّؤْدَد والفضلِ يومَ القيامة على جميع الأنبياءِ
والرسلِ بعمله، بل بتفضيل الله إياه واختصاصِه له، وهذا التأويلُ اختاره المهلّب.
ومنهم من قال: إنما نهى عن الخوض في ذلك، لأنَّ الخوض في ذلك ذريعةٌ
إلى الجدال، وذلك يؤدِّي إلى أنْ يذكر منهم ما لا ينبغي أنْ يذكر، ويَقِلَّ احترامهم
عند المُماراة.
(١) المفهم ٢٢٨/٦-٢٢٩.
(٢) في تأويل مختلف الحديث ص١١٦- ١١٧ .
(٣) قطعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه أحمد (١٠٩٧٢)، والبخاري (٤٧١٢)، ومسلم
(٢٢٧٨)، وأخرجه أحمد (٢٥٤٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ضمن حديث الشفاعة.
(٤) قطعة من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٧٥٨٦)، والبخاري (٢٤١١)، ومسلم (٢٣٧٣).
(٥) أخرجه البيهقي ٣٣٥/٦.
(٦) في (م): بخيركم.
(٧) أخرجه أحمد (٢١٦٧)، والبخاري (٣٤١٣)، ومسلم (٢٣٧٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .
(٨) أورده ابن حجر في الفتح ٤١٣/٦، ولم نقف عليه بهذا اللفظ مسندًا، وسلف قريباً بلفظ: ((لا يقل
أحد: أنا ... )) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

٢٥٥
سورة البقرة : الآية ٢٥٣
قال شيخنا(١): فلا يقال: النبيُّ أفضلُ من الأنبياء كلِّهم ولا من فلان
ولا خَيْرٌ، كما هو ظاهرُ النهي؛ لما يتوهم من النقص في المفضول؛ لأنَّ النهيَ
اقتضى منعَ إطلاقِ اللفظِ، لا منعَ اعتقادِ ذلك المعنى؛ فإنَّ الله تعالى أخبر بأنَّ
الرُسلَ متفاضلون، فلا تقول: نبيُّنا خيرٌ من الأنبياء، ولا من فلانٍ النبيِّ، اجتناباً
لما نُهي عنه، وتأدّباً به، وعملاً باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل، والله
بحقائق الأمورِ عليم.
قلت: وأحسنُ من هذا قولُ من قال: إنَّ المنعَ من التفضيل إنما هو من جهة
النبوّةِ التي هي خصلةٌ واحدة لا تفاضلَ فيها، وإنما التفاضل(٢) في زيادة الأحوالِ
والخصوصِ والكرامات والألطافِ والمعجزاتِ المتبايناتِ، وأما النبوّةُ في نفسها
فلا تتفاضلُ، وإنما التفاضلُ(٣) بأمور أُخَرَ زائدةٍ عليها، ولذلك منهم رُسُل وأولو
عَزْم، ومنهم مَن انّخِذ خليلاً، ومنهم مَن كلّم اللهُ ورفع بعضهم درجات،
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّيْعِنَ عَلَى بَعْضِّ وَمَاتَيْنَا دَاوُرِدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]،
وقال: ﴿يَلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍُ﴾.
قلت: وهذا قولٌ حسن، فإنه جمعٌ بين الآي والأحاديثِ من غير نسخ، والقولُ
بتفضيل بعضِهم على بعض إنما هو بما مُنِح من الفضائل وأعطِيَ من الوسائل، وقد
أشار ابنُ عباس إلى هذا، فقال: إنَّ اللهَ فضَّلَ محمداً على الأنبياء وعلى أهلٍ
السماء، فقالوا: بِم يا ابنَ عباس فضَّله على أهل السماء؟ فقال: إنَّ الله تعالى قال:
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّهُ كَذَلِكَ نَجْزِى الَِّمِينَ﴾
[الأنبياء: ٢٩]. وقال لمحمد بَ له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن
ذَلِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١-٢]. قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله تعالى:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال الله عزَّ
(١) في المفهم ٦/ ٢٣٠-٢٣١، وما قبله منه.
(٢) من (م): التفضيل.
(٣) في (م): تتفاضل.

٢٥٦
سورة البقرة : الآية ٢٥٣
وجلَّ لمحمد ◌َّهِ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَّةٌ لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، فأرسل إلى الجن
والإنس، ذكره أبو محمد الدارميُّ في مسنده (١).
وقال أبو هريرة(٢): خيرُ بني آدم نوحٌ وإبراهيم وموسى [وعيسى] ومحمد دَّه
وهم أولو العزم من الرسل، وهذا نصٌّ من ابن عباس وأبي هريرةً في التعيين،
ومعلوم أنَّ من أُرسل أفضلُ ممن لم يُرسَل، فإنَّ من أُرسلَ فُضِّل على (٣) غيره
بالرسالة، واستوَوا في النبوّة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم،
وهذا مما لا خفاءَ فيه(٤)، إلا أنَّ ابنَ عطيةَ أبا محمد عبد الحق قال(٥): إنَّ القرآن
يقتضي التفضيل، وذلك في الجملة، دونَ تعيين أحدٍ مفضول، وكذلك هي
الأحاديث، ولذلك قال النبيُّ وَِّ: ((أنا أكرمُ ولدِ آدم على ربي)) (٦) وقال: «أنا سيدُ
ولدٍ آدم))(٧)، ولم يعيِّن، وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا ينبغي لأحد أنْ يقولَ: أنا
خيرٌ من يونس بنٍ مَتّى))(٨)، وقال: ((لا تُفضِّلوني على موسى))(٩).
قال ابنُ عطية (١٠): وفي هذا نهيّ شديد عن تعيين المفضول؛ لأنَّ يونسَ عليه
السلام كان شابًا وتفَسَّخ تحت أعْبَاءِ النبوّة. فإذا كان هذا التوقيفُ(١١) لمحمد ◌َّ؛
فغيره أحرى.
(١) رقم (٤٦)، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (١١٦١٠)، قال الهيثمي في المجمع ٢٥٥/٨: رجاله
رجال الصحیح غیر الحکم بن أبان، وهو ثقة.
(٢) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٣٨/١. وما بين حاصرتين منه.
(٣) لفظة: على، من (د) و(م).
(٤) في النسخ: به، والمثبت من (م).
(٥) في المحرر الوجيز ٣٣٨/١.
(٦) قطعة من حديث أنس رضي الله عنه، أخرجه الترمذي (٣٦١٠)، وقال: حسن غريب.
(٧) سلف ذكره قريباً .
(٨) سلف قريباً.
(٩) سلف ذكره قريباً بلفظ: ((لا تخيروني ... )).
(١٠) في المحرر الوجيز ٣٣٨/١.
(١١) في (د) و(ز) و(ظ): كان هي التوقيف، وفي (م): كان التوقيف، والمثبت من (خ)، وهو الموافق
للمحرر الوجيز ٣٣٨/١.

٢٥٧
سورة البقرة : الآية ٢٥٣
قلت: ما اخترناه أولى إنْ شاء الله تعالى، فإنَّ الله تعالى لما أخبر أنه فضَّل
بعضَهم على بعض جَعل يُبيِّن بعضَ المتفاضلين ويَذْكر الأحوالَ التي فُضِّلوا بها،
فقال: ﴿مِّنْهُم مَّن كَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَتٍّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اَلْبَيْنَتِ﴾ ،
وقال: ﴿وَءَاتَّيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَءَاتَّيْنَهُ اَلْإِنجِيلِّ﴾
[الحديد: ٢٧]، ﴿وَلَقَدْ ◌َتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ وَذِكْرَاً لِلْمُنَّقِينَ﴾ [الأنبياء:
٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥]، وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا
مِنَ النَِّيْعِنَ مِشَقَهُمْ وَبِنكَ وَمِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٩]، فعمَّ ثم خصَّ وبدأ بمحمد قرَّ،
وهذا ظاهر.
قلت: وهكذا القولُ في الصحابة إنْ شاء الله تعالى، اشتركوا في الصحبة، ثم
تباينوا في الفضائل، بما منحهم الله من المواهب والوسائل، فهم متفاضلون بتلك،
مع أنَّ الكلَّ شملتهم الصُّحبةُ والعدالةُ والثناء عليهم، وحسبُك بقوله الحق: ﴿مُحَمَّدٌ
رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّهُ عَلَى الْكُغَارِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة. وقال:
﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦]، ثم قال: ﴿لَا يَسْتَوِى
مِنْكُ مَّنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلْ﴾ [الحديد: ١٠]، وقال: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ تُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَوْ﴾ [الفتح: ١٨]، فعمَّ وخصَّ، ونفَى عنهم الشَّين
والنَّقصَ، رضي الله عنهم أجمعين، ونفعنا بحبهم آمين.
قوله تعالى: ﴿مِنْهُم مَّنْ كَلَّمَ الَّهُ﴾ المكلَّم موسى عليه السَّلام، وقد سئل
رسولُ اللهِ وَ﴿ عن آدمَ؛ أنبيُّ مرسل هو؟ فقال: ((نعم، نبيٌّ مكلَّم))(١). قال ابن
عطية(٢): وقد تأوَّل بعضُ الناسِ أنَّ تكليمَ آدَمَ كان في الجنة، فعلى هذا تبقى
خاصيةُ موسى. وحذفت الهاء لطول الاسم، والمعنَى من كلَّمه الله.
قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ قال النحاس(٣): ((بعضَهم)) هنا على قول
(١) قطعة من حديث أبي ذر رضي الله عنه أخرجه أحمد (٢١٥٤٦)، وفي إسناده عُبيد بن الخشخاش، وهو
ليِّنُ الحديث. انظر التقريب ص٣١٧ .
(٢) في المحرر الوجيز ٣٣٨/١.
(٣) في إعراب القرآن ٣٢٩/١.

٢٥٨
سورة البقرة : الآية ٢٥٣
ابنِ عباس والشَعبيِّ ومجاهدٍ ومحمدٌ وَّه قال وَ لَّ: ((بُعثت إلى الأحمر والأسودِ،
وجُعلت لي الأرضُ مسجِداً وطهوراً، ونُصرتُ بالرُّعب مسِيرةَ شهرٍ، وأُحلَّت لي
الغنائم، وأُعطيت الشفاعة))(١). ومن ذلك القرآن، وانشقاقُ القمرِ، وتكليمُه
الشَّجرَ، وإطعامُه الطعامَ خلقًا عظيماً من تُمَيْراتٍ، ودُرُورُ شاةٍ أمِّ مَعْبَدٍ بعد جَفَاف.
وقال ابن عطية معناه، وزاد (٢): وهو أعظمُ الناس أمّةً، وختم به(٣) النَّبيون إلى غير
ذلك من الخُلُق العظيم الذي أعطاه الله. ويحتملُ اللفظ أنْ يرادَ به محمدٌ وَلّهِ وغيرُه
ممن عَظُمت آياتُه، ويكون الكلام تأكيدًا. ويحتمل أنْ يريد به رفعَ إدريس المكانَ
العَليَّ، ومراتب الأنبياء في السماء كما في حديث الإسراء، وسيأتي(٤).
وبيِّنات عيسى هي إحياءُ الموتى وإبراءُ الأكمهِ والأبرصِ وخلقُ الطّيرِ من الطين
كما نصَّ عليه في التنزيل.
﴿وَأَيِّدْنَهُ﴾ قَوَّيناه. ﴿يُوجِ الْقُدُسُِ﴾ جبريل عليه السلام(٥)، وقد تقدَّم(٦).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أَقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم﴾، أي: من بعد الرُّسل.
قيل: الضمير لموسى وعيسى، والاثنان جمع. وقيل: من بعد جميع الرسل، وهو
ظاهرُ اللفظ. وقيل: إنَّ القتالَ إنما وقع من الذين جاؤوا بعدَهم، وليس كذلك
المعنى، بل المرادُ ما اقتتَل الناسُ بعدَ كلِّ نبيّ، وهذا كما تقول: اشتريت خيلاً،
ثم بعتها، فجاز لك هذه العبارة وأنت إنما اشتريتَ فرساً وبعته، ثم آخرَ وبعتَه، ثم
آخرَ وبعتَه، وكذلك هذه النوازلُ إما اختلف الناس بعدَ كلِّ نبيٍّ، فمنهم من آمن،
ومنهم من كفر بغيًا وحسدًا وعلى حطام الدُّنيا، وذلك كلُّه بقضاء وقدرٍ وإرادةٍ
من الله تعالى، ولو شاء خلافَ ذلك لكان، ولكنه المستأثرُ بسِرِّ الحكمة في ذلك،
(١) أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. وأخرجه أحمد
(٢١٢٩٩) من حديث أبي ذر رضي الله عنه بنحوه.
(٢) في المحرر الوجيز ٣٣٨/١-٣٣٩.
(٣) لفظة: به، من (د) و(م).
(٤) عند تفسير الآية (١) من سورة الإسراء، والآية (٥٧) من سورة مريم.
(٥) بعدها في (خ) و(ز) و(ظ): ورُوح.
(٦) ٢٤٤/٢.

٢٥٩
سورة البقرة : الآية ٢٥٤
الفعال(١) لما يريد. وكُسرت النون من ﴿وَلَكِنْ أُخْتَلَفُواْ﴾ لالتقاء الساكنين، ويجوز
حذفُها في غير القرآن، وأنشد سيبويه(٢):
فلستُ بآتيه ولا أستَطِيعُه
ولَاكِ اسْقني إن كان ماؤُكُ ذا فَضْلٍ
﴿فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُمْ مَن كَفَرَّ﴾ ((مَنْ)) في موضع رفع بالابتداء أو الصفة(٤).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْتَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ
فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
(٢٥٤)
قال الحسن(٥): هي الزكاة المفروضة. وقال ابن جريج(٦) وسعيد بن جبير(٧):
هذه الآيةُ تَجمع الزكاة المفروضةَ والتطوُّع. قال ابن عطية (٨): وهذا صحيحٌ، ولكن
ما تقدَّم من الآيات في ذكر القتالِ، وأنَّ الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين
يترجحُ منه أنَّ هذا النّدبَ إنما هو في سبيل الله، ويُقوِّي ذلك في آخر الآية قولُه:
﴿وَالْكَفِرُونَ هُمُ الَِّمُونَ﴾ أي: فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاقِ الأموال.
قلت: وعلى هذا التأويلِ يكون إنفاقُ المال(٩) مرّةً واجبًا ومرّةً ندبًا؛ بحسب
(١) في النسخ: الفعل، والمثبت من المحرر الوجيز ٣٣٩/١، والكلام منه.
(٢) في الكتاب ٢٧/١.
(٣) في النسخ: ماؤك أفضل، والمثبت من (م)، ومصادر التخريج.
(٤) في النسخ: بالابتداء والصفه، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٣٢٩/١، والكلام منه، والبيت في
الأزهية ص٢٩٦، وأمالي ابن الشجري ١٦٧/٢، وخزانة الأدب ٤١٨/١٠. وورد أيضاً في ديوان امرئ
القيس ص٣٦٤. وهذا البيت وضعه النجاشي قيس بن عمرو الحارثي على لسان ذئبٍ عَرَض له في
سفر، فدعاه إلى الطعام، فقال له: قد دعوتني إلى شيءٍ لم يفعله السباع قبلي من مؤاكلة بني آدم، فهذا
لست بآتيه، ولا أستطيعه، ولكن إن كان في مائك فضل فاسقني منه. انظر خزانة الأدب ٤١٩/١٠.
قال البغدادي: حذفت النون من ((لكن)) لالتقاء الساكنين ضرورة تشبيهاً بالتنوين، أو بحرف المدِّ واللين
من حيث كانت ساكنة وفيها غُنَّة.
(٥) أورده الواحدي في الوسيط ٣٣٩/١، وابن الجوزي في المسير ٣١٠/١.
(٦) أخرجه الطبري ٥٢٣/٥.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٤٨٥/٢.
(٨) في المحرر الوجيز ٣١٩/١. وقد أورد قول ابن جُريج السالف.
(٩) في (م): الأموال.

٢٦٠
سورة البقرة : الآية ٢٥٤
تعينٍ الجهاد وعدم تعينه. وأَمر تعالى عبادَه بالإنفاق مما رزقهم الله وأنَعم به عليهم،
وحذَّرهم من الإِمساك إلى أن يجيءَ يومٌ لا يمكنُ فيه بيعٌ ولا شراءٌ ولا استدراكُ
نفقة، كما قال: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَرْتَنِيَّ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّذَّفَ﴾ [المنافقون: ١٠].
والخُلَّة: خالصُ المودَّة، مأخوذةٌ من تخلُّلِ الأسرارِ بين الصَّدِيقَين. والخِلالة
والخَلالة والخُلالة: الصداقةُ والمودَّة، قال الشاعر(١):
خِلَالَتُه كأبِي مَرْحَبٍ
وكيف تُواصِلُ مَنْ أُصْبِحَتْ
وأبو مرحب كُنْيةُ الظُّلِّ، ويقال: هو كنيةُ عُرقوبٍ الذي قيل فيه: مواعيدُ
عُرُقُوب. والخُلَّة؛ بالضم أيضاً: ما حلا(٢) من النَّبت، يقال: الخُلَّة خُبْزُ الإبلِ،
والحَمْضُ فاكهتُها. والخَلَّة، بالفتح: الحاجةُ والفقر. والخَلَّة: ابن مَخَاض، عن
الأصمعي. يقال: أتاهم بقُرْصٍ كأنه فِرْسِن(٣) خَلَّة. والأنثى خَلةٌ أيضاً. ويقال
للميت: اللهم أصلحْ خَلَّتَه، أي: الثُّلْمَةَ التي تَرك. والخَلَّة: الخَمْرُ(٤) الحامضة.
والخِلَّة؛ بالكسر: واحدةُ خِلَل السُّيوف، وهي بطائنُ كانت تُغَشَّى بها أجفانُ
السُّيوف، منقوشةٌ بالذهب وغيرِهِ، وهي أيضًا سُيُورٌ تُلْبس ظهر سِيَتَي(٥) القَوْس.
والخِلَّة أيضًا: ما يبقى بين الأسنان(٦). وسيأتي في ((النساء)» اشتقاقُ الخليلِ
ومعناه (٧)
فأخبر الله تعالى أنْ لا خُلّةَ في الآخرة ولا شفاعةً إلا بإذن الله. وحقيقتُها رحمةٌ
منه تعالى شرّفَ بها الذي أَذِن له في أنْ يَشفع.
وقرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرو: ((لا بيعَ فيه ولا خلةً ولا شَفاعَةً)) بالنصب من غير
(١) هو النابغة الجعدي، والبيت في ديوانه ص٢٦، والكتاب ٢١٥/١.
(٢) من الحلاوة، وتحرفت في (م) إلى: خلا.
(٣) قوله: فِرِن: هو البعير كالحافر للدابة. القاموس (فرسن).
(٤) في (م): الخمرة.
(٥) قوله: سِيَتي القوس مثنى سِيَة، وهي ما عُطف من طرفيه. انظر النهاية (سيه).
(٦) الصحاح (خلل).
(٧). عند تفسير الآية (١٢٥) منها.