Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
جملٍ شارِد، أو عبد آبق، أو جنينٍ في بطن أمِّه، أو نحوِ ذلك من وجوه الغَرَر
جائز، بخلاف البيوع والنكاح، وله المطالبة بذلك كلِّه؛ فإن سلم كان له، وإن لم
يَسْلَم فلا شيءَ له(١)، والطلاق نافذٌ على حكمه.
وقال الشافعيُّ: الخُلعُ جائز وله مهرُ مثلها. وحكاه ابن خُوَیْز منداد عن مالك
قال: لأن عقود المعاوضات إذا تضمَّنت بدلاً فاسداً وفاتت، رُجع فيها إلى الواجب
في أمثالها من البدل. وقال أبو ثور: الخُلْع باطل. وقال أصحاب الرأي: الخُلع
جائز، وله ما في بطن الأَمَة، وإن لم يكن فيه ولدٌ فلا شيء له(٢).
وقال في ((المبسوط)) عن ابن القاسم: يجوز بما يُثْمره نخلُه العامَ، وما تلد
غنمُه العامَ، خلافاً لأبي حنيفةَ والشافعيّ؛ والحجةُ لِمَا ذهب إليه مالك وابن القاسم
عمومُ قوله تعالى: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْئَدَتْ بِهْ﴾، ومن جهة القياس أنه ممَّا يُملك
بالهبة والوصية، فجاز أن يكون عوضاً في الخُلع كالمعلوم(٣). وأيضاً فإن الخُلع
طلاقٌ، والطلاق يصحُّ بغير ◌ِوَضٍ أصلاً؛ فإذا صحَّ على غير شيءٍ فَلأَنْ يصحّ
بفاسِدِ العِوض أولى؛ لأن أسوأ حالٍ المبذول أن يكون کالمسكوت عنه. ولمًا کان
النكاح الذي هو عَقْدُ تحليلٍ لا يفسده فاسدُ العِوض، فَلأَن لا يَفْسُدَ الطلاق الذي
هو إتلافٌ وحلُّ عقدٍ أولى.
الثامنة: ولو اختلعت منه برضاع ابنها منه حولين جاز. وفي الخُلع بنفقتها على
الابن بعد الحولين مدَّةً معلومة قولان: أحدهما: يجوز؛ وهو قول المخزوميِّ،
واختاره سحنون. والثاني: لا يجوز؛ رواه ابن القاسم عن مالك، وإن شَرَطه الزوج
فهو باطلٌ موضوع عن الزوجة(٤).
قال أبو عمر(٥): من أجاز الخُلع على الجمل الشارد والعبدِ الآبق، ونحو ذلك
من الغرر، لزمه أن يجوِّز هذا.
(١) الكافي ٢/ ٥٩٤ .
(٢) ينظر الإشراف ٤/ ٢٢٢.
(٣) المنتقى ٦٢/٤، وينظر المدونة ٣٣٧/٢.
(٤) ينظر الكافي ٥٩٥/٢، والمنتقى ٤/ ٦٢.
(٥) الكافي ٢/ ٥٩٥.

٨٢
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
وقال غيره من القَرويين(١): لم يَمنع مالكٌ الخُلع بنفقةِ ما زاد على الحولين
لأَجْلِ الغَرَر، وإنما منعه لأنه حقٌّ يختصُّ بالأب على كلِّ حال، فليس له أن ينقله
إلى غيره، والفرق بين هذا وبين نفقة الحولين أن تلك النفقة وهي الرضاع قد تجبُ
على الأمِّ حالَ الزوجية وبعد الطلاق إذا أَغْسَر الأب؛ فجاز أن تُنقل هذه النفقة إلى
الأمّ؛ لأنها محلٌّ لها. وقد احتجَّ مالك في ((المبسوط)) على هذا بقوله تعالى:
﴿وَالْوََِّاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُمَّ الرَّضَاعَةُ﴾(٢) .
التاسعة: فإن وقع الخُلع على الوجه المباح بنفقة الابن، فمات الصبيُّ قبل
انقضاء المدة، فهل للزوج الرجوعُ عليها ببقية النفقة؟ فروى ابن المؤَّاز عن مالك:
لا يتبعها بشيء. وروى عنه أبو الفرج: يتبعها؛ لأنه حقٌّ ثبت له في ذمَّة الزوجة
بالخُلع، فلا يسقط بموت الصبيِّ، كما لو خالعها بمالٍ متعلِّقٍ بذمَّتها. ووجهُ الأول
أنه لم يشترط لنفسه مالاً يتموَّلُه، وإنما اشترط كفايةً مُؤْنةٍ ولده؛ فإذا مات الولد لم
يكن له الرجوع عليها بشيء، كما لو تطوّع رجل بالإنفاق على صبيٍّ سنةً، فمات
الصبيُّ، لم يرجع عليه بشيء؛ لأنه إنما قصد بتطوُّعه تحمُّل مؤنته، والله أعلم (٣).
قال مالك: لم أَرَ أحداً يتبع بمثل هذا، ولو اتبعه لكان له في ذلك قول(٤). واتفقوا
على أنها إن ماتت فنفقةُ الولد في مالها (٥)؛ لأنه حقٌّ ثبت فيه قبل موتها، فلا يسقط
بموتها .
العاشرة: ومَن اشترط على امرأته في الخُلع نفقةَ حملها وهي لا شيءَ لها،
فعليه النفقةُ إذا لم يكن لها ما تنفق (٦)، وإن أيسرت بعد ذلك اتبعها بما أنفق وأخذه
منها. قال مالك: ومن الحقِّ أن يكلّف الرجل نفقة ولده وإن اشترط على أمِّه نفقته،
إذا لم يكن لها ما تنفق عليه.
(١) جمع قَرَوِيّ، نسبة إلى القيروان كما ذكر ابن ماكولا في الإكمال ٧/ ٨٥، وينظر الأنساب ١١٦/١٠.
(٢) المنتقى ٤ / ٦٢.
(٣) المصدر السابق.
(٤) الكافي ٢/ ٥٩٥.
(٥) ينظر الكافي ٢/ ٥٩٥ .
(٦) في (د) و(م): إذا لم يكن لها مال تنفق منه، والكلام في الكافي ٢/ ٥٩٥.

٨٣
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
الحادية عشرة: واختلف العلماء في الخُلع: هل هو طلاقٌ أو فسخ؟ فرُوي عن
عثمان وعليٍّ وابنٍ مسعود وجماعةٍ من التابعين(١): هو طلاق، وبه قال مالك
والثوريُّ والأوزاعيُّ، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعيُّ في أحد قوليه. فمن نوى
بالخُلع تطليقتين أو ثلاثاً، لزمه ذلك عند مالك. وقال أصحاب الرأي: إن نوى
الزوج ثلاثاً كان ثلاثاً، وإن نوى اثنتين فهو (٢) واحدةٌ بائنة؛ لأنها كلمة واحدة.
وقال الشافعيُّ في أحد قوليه: إن نوى بالخُلع طلاقاً وسمَّاه فهو طلاق، وإن لم
يَنْوِ طلاقاً ولا سمَّى لم تقع فُرقة؛ قاله في القديم. وقوله الأول أحبُّ إلى المزنيّ،
وهو الأصحّ عندهم.
وقال أبو ثور: إذا لم يسمِّ الطلاق فالخُلع فُرقةٌ وليس بطلاق، وإن سمَّى تطليقةً
فهي تطليقة؛ والزوج أَمْلَكُ برجعتها ما دامت في العِدَّة.
وممن قال: إن الخُلع فسخٌ وليس بطلاق إلَّا أن ينويّه ابنُ عباس وطاوس
وعكرمة وإسحاق وأحمد(٣).
واحتجُوا بحديث ابن عيينة (٤)، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس: أن
إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله فقال(٥): رجل طلَّق امرأته تطليقتين، ثم
اختلعت منه، أيتزوَّجُها؟ قال: نعم، لينكجها، ليس الخُلع بطلاق؛ ذَكَر الله عزَّ
وجلَّ الطلاق في أوَّل الآية وآخرها، والخُلع فيما بين ذلك، فليس الخُلع بشيء،
ثم قال: ﴿اَلْطَّلْقُ مَّتَانٍّ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيَجٌ بِإِحْسَانٍ﴾. ثم قرأ: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا
تِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْبًا غَيْرَهُ﴾(٦) .
(١) ينظر تخريج هذه الآثار في مصنف عبد الرزاق ٦/ ٤٨١-٤٨٢.
(٢) في (خ) و(ظ): فهي.
(٣) ينظر الإشراف ٢١٨/٤، والتمهيد ٣٧١/٢٣-٣٧٢، والاستذكار ١٨٤/١٧-١٨٧، ومعالم السنن
٢٥٥/٢.
(٤) في (د) و(ز) و(م): واحتجوا بالحديث عن ابن عيينة، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في
التمهيد ٣٧٢/٣، والكلام منه.
(٥) قوله: فقال، ليس في (د) و(ز) و(م)، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في التمهيد.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١١٧٧١)، وسعيد بن منصور (١٤٥٥)، وينظر الإشراف ٢١٨/٤.

٨٤
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
قالوا: ولأنه لو كان طلاقاً لكان بعد ذكر الطلقتين ثالثاً، وكان قوله: ﴿فَإِن
طَلَّقَهَا﴾ بعد ذلك دالًا على الطلاق الرابع؛ فكان يكون التحريم متعلِّقاً بأربع
تطليقات(١).
واحتجُّوا أيضاً بما رواه الترمذيّ وأبو داود والدار قطنيُّ عن ابن عباس: أن امرأة
ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد رسول الله صل ، فأمرها رسول الله # أن
تعتدَّ بحيضة. قال الترمذيُّ: حديث حسن غريب(٢). وعن الرُّبَيِّع بنت مُعَوَّذ بن
عَفْراء(٣) أنها اختلَعَتْ على عهد النبيِّ وَِّ، فأمرها النبيُّ ◌َّهِ - أو أُمرت - أن تعتدَّ
بحيضة. قال الترمذيُّ: حديث الربيِّعِ الصحيحُ أنها أُمِرت أن تعتذَّ بحيضة (٤).
قالوا: فهذا يدل على أن الخُلع فسخٌ لا طلاق؛ وذلك أن الله تعالى قال:
﴿وَالْمُطَلَقَتُ يَرَبَِّينَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَةٌ﴾ ولو كانت هذه مطلّقةً لم يقتصر بها على
قَرْءٍ واحد (٥) .
قلت: فمن طلَّق امرأته تطليقتين، ثم خالعها، ثم أراد أن يتزوَّجها، فله ذلك
- كما قال ابن عباس - وإن لم تنكح زوجاً غيره؛ لأنه ليس له غير تطليقتين والخُلع
لغوٌ. ومن جعل الخُلع طلاقاً قال(٦): لم يَجُزْ أن يرتجعها حتى تنكح زوجاً غيره؛
لأنه بالخُلع كملت الثلاثُ؛ وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.
قال القاضي إسماعيل بن إسحاق: كيف يجوزُ القول في رجل قالت له امرأته :
طلِّقني على مالٍ، فطلَّقها، إنه لا يكون طلاقاً، وهو لو جعل أمرها بيدها من غير
شيء فطلَّقت نفسها، كان طلاقاً؟ !.
(١) ينظر معالم السنن ٢٥٥/٢.
(٢) سنن الترمذي (١١٨٥)، وسنن أبي داود (٢٢٢٩)، وسنن الدارقطني ٢٥٩/٣، وسيأتي كلام المصنف
فيه لاحقاً .
(٣) الأنصارية، من بني النجار، لها صحبة ورواية، وأبوها من كبار البدريين، قتل أبا جهل، عمرت دهراً
وتوفيت في خلافة عبد الملك سنة بضع وسبعين. السير ١٩٨/٣ .
(٤) سنن الترمذي (١١٨٥).
(٥) معالم السنن ٢٥٦/٢.
(٦) قوله: قال، من (م) وليس في باقي النسخ.

٨٥
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
قال(١): وأما قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾
فهو معطوف على قوله تعالى: ﴿اَلْطَّلَقُ مَّتَانِ﴾؛ لأن قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
إنما يعني به: أو تطليق. فلو كان الخُلع معطوفاً على التطليقتين، لكان لا يجوز
الخُلع أصلاً إلَّا بعد تطليقتين، وهذا لا يقوله أحد(٢).
وقال غيره: ما تأوَّلوه في الآية غلطٌ، فإن قوله: ﴿الطَّلْقُ مَنَّثَانِ﴾ أفاد حكم
الاثنتين إذا أوقعهما على غير وجهِ الخُلع، وأثبت معهما الرجعة بقوله: ﴿فَإِسَالٌ]
◌ِّعْرُوفٍ﴾. ثم ذكر حكمهما إذا كان على وجه الخُلع، فعاد الخُلع إلى الثنتين
المتقدِّم ذكرهما؛ إذ المراد بذلك بيانُ الطلاق المُطْلَق والطلاقِ بعِوَض، والطلاقُ
الثالث بِعوَض كان أو بغير عوض، فإنه يقطع الحِلَّ إلَّا بعد زوج.
قلت: هذا الجواب عن الآية، وأمَّا الحديث فقال أبو داود لمَّا ذكر حديث ابن
عباس في الحيضة: هذا الحديث رواه عبد الرزاق عن مَعْمر، عن عمرو بن مسلم،
عن عكرمة، عن النبيِّ وَلِّ مرسلاً. وحدَّثنا القَعْنَبِيُّ عن مالكِ عن نافع عن ابن عمر
قال: عِدَّة المختلعةِ عدَّة المطلّقة. قال أبو داود: والعمل عندنا على هذا(٣).
قلت: وهو مذهب مالكِ والشافعيِّ وأحمد وإسحاقَ والثوريِّ وأهل الكوفة(٤).
قال الترمذيُّ(٥): وأكثرِ أهل العلم من أصحاب النبيِّ بَّهِ وغيرِهم.
قلت: وحديث ابن عباس في الحيضة مع غرابته كما ذكر الترمذيُّ، وإرسالِه
كما ذكر أبو داود، فقد قيل فيه: إن النبيَّ وَّ جعل عدَّتها حيضةً ونصفاً، أخرجه
(١) قوله: قال، ليس في (خ) و(ظ).
(٢) التمهيد ٣٧٣/٢٣.
(٣) هذا القول الذي نقله المصنف عن أبي داود وقع في بعض نسخ سنن أبي داود، كما ذُكر في حاشية
السنن بتحقيق محمد عوامة ٨٠/٣، ووقع في النسخ الأخرى أن قول ابن عمر هو: عدة المختلعة
حيضة - دون ذكر قول أبي داود: والعمل عندنا على هذا - وأخرجه ابن أبي شيبة ١١٤/٥.
وأخرجه مالك في الموطأ ٥٦٥/٢ موافقاً لما نقله المصنف. قال ابن عبد البر في التمهيد ٣٧٧/٢٣ :
رواه مالك وغيره عن نافع عن ابن عمر، وهو أصح عن ابن عمر. وانظر الاستذكار ١٧/ ١٩١ و١٩٤.
ومرسل عكرمة أخرجه عبد الرزاق (١١٨٥٨).
(٤) ينظر الاستذكار ١٧/ ١٩٤.
(٥) سنن الترمذي إثر حديث (١١٨٥).

٨٦
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
الدار قطنيُّ من حديث معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمةً، عن ابن عباس: أن
امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها، فجعل النبيُّونَ ﴿ عِدَّتها حيضةً ونصفاً(١).
والراوي عن معمر هنا في الحيضة والنصف هو الراوي عنه في الحيضة الواحدة،
وهو هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن الصنعانيُّ اليمانيُّ: خرَّج له البخاريُّ
وحده(٢). فالحديث مضطرب من جهة الإسناد والمتن، فسقط الاحتجاج به في أن
الخُلع فسخ، وفي أن عدّة المطلقةِ حيضة، وبقي قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ
بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَةٍ﴾ نصًّا (٣) في كلِّ مطلَّقة مدخولٍ بها، إلا ما خُصَّ منها كما تقدَّم.
قال الترمذيُّ(٤): وقال بعض أصحاب النبيِّ وَله: عدَّة المختلعة حيضة، قال
إسحاق: وإن ذَهَبَ ذاهبٌ إلى هذا فهو مذهب قويّ.
قال ابن المنذر(٥): قال عثمان بن عفان وابن عمر: عدَّتها حيضة(٦)، وبه قال
أبان بن عثمان وإسحاق. وقال عليّ بن أبي طالب: عدَّتها عدَّة المطلّقة، وبقول
عثمان وابن عمر أقول، ولا يثبتُ حديث علي(٧) .
قلت: قد ذكرنا عن ابن عمر أنه قال: عدَّة المختلعة عدَّة المطلّقة، وهو صحيح.
الثانية عشرة: واختلف قول مالك فيمن قصد إيقاعَ الخُلع على غيرِ عوض؛
فقال عبد الوهّاب(٨): هو خُلع عند مالك، وكان الطلاق بائناً. وقيل عنه: لا يكون
بائناً إلَّا بوجود العِوض، قاله أشهبُ والشافعيُّ؛ لأنه طلاقٌ عَرِيَّ عن عوضٍ
واستيفاءٍ عدد، فكان رجعيًّا كما لو كان بلفظ الطلاق.
(١) سنن الدار قطني ٢٢٥/٣.
(٢) هشام بن يوسف قاضي صنعاء وفقيهها، من أقران عبد الرزاق ولكنه أجلُّ وأتقن مع قدم موته، توفي سنة
(١٩٧ هـ). السير ٩/ ٥٨٠، وقد روى له - كما في التقريب - إضافة إلى البخاري أصحابُ السنن الأربعة.
(٣) في النسخ: نص، والمثبت من (م).
(٤) سنن الترمذي إثر حديث (١١٨٥).
(٥) الإشراف ٢٨٨/٤ .
(٦) مصنف ابن أبي شيبة ١١٤/٥، والتمهيد ٣٧٤/٢٣.
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١١٨٦٠). وقال ابن عبد البر في الاستذكار ١٩٤/١٧: ليس بالقوي، ولكن
جمهور العلماء على القول بأن عدة المختلعة عدة المطلقة.
(٨) المعونة ٢ / ٨٧٤.

٨٧
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
قال ابن عبد البر(١): وهذا أصحُّ قولَيْه عندي وعند أهل العلم والنظر(٢). ووجه
الأول أن عدم حصول العِوض في الخُلع لا يُخرجه عن مقتضاه، أصلُ ذلك إذا
خالع بخمر أو خنزير.
الثالثة عشرة: المختلِعةُ هي التي تختلع من كلِّ الذي لها. والمفتديةُ أن تفتديّ
ببعضه وتأخذَ بعضَه. والمُبَارِئة هي التي بارأت زوجَها من قبل أن يدخل بها،
فتقول: قد أبرأتُكَ فبارِئني؛ هذا هو (٣) قول مالك.
وروى عيسى بن دينار عن مالكٍ: المبارِئة هي التي لا تأخذ شيئاً ولا تعطِي،
والمختلعة هي التي تعطي ما أعطاها وتزيدُ من مالها، والمفتدية هي التي تفتدي
ببعض ما أعطاها وتمسكُ بعضه؛ وهذا كلُّه يكون قبل الدخول وبعده؛ فما كان قبل
الدخول فلا عِدَّة فيه، والمصالِحة مثلُ المبارِئة.
قال القاضي أبو محمد وغيره: هذه الألفاظ الأربعة تعود إلى معنّى واحدٍ وإن
اختلفت صفاتها من جهة الإيقاع، وهي طلقة بائنة سمَّاها أو لم يسمِّها، لا رجعة له
في العدَّة، وله نكاحُها في العدَّة وبعدها برضاها بولِيٍّ وصَداق، قَبْل(٤) زوج وبعده،
خلافاً لأبي ثور؛ لأنها إنما أعطته العِوض لتملك نفسها، ولو كان طلاق الخُلع
رجعيًّا لم تملك نفسها، فكان يجتمع للزوج العِوض والمعوَّض عنه (٥).
الرابعة عشرة: وهذا مع إطلاق العقد نافذٌ؛ فلو بذلت له العِوضَ وشَرَط
الرَّجعة؛ ففيها روايتان؛ رواهما ابن وهب عن مالك: إحداهما ثبوتُها، وبها قال
سحنون. والأخرى: نَفْيُها. قال سحنون: وجهُ الرواية الأولى: أنهما قد اتَّفقا على
أن يكون العِوض في مقابلة ما يسقط من عدد الطلاق، وذلك(٦) جائز. ووجهُ
(١) الكافي ٢/ ٥٩٣ .
(٢) في النسخ: وعند أهل العلم في النظر، والمثبت من الكافي.
(٣) قوله: هو، ليس في (د) و(ز) و(ظ).
(٤) في (م): وقبل.
(٥) ينظر التمهيد ٣٧٩/٢٣، والكافي ٥٩٣/٢، والمنتقى ٤ / ٦٧ -٦٨.
(٦) في (م): وهذا.

٨٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
الرواية الثانية: أنه شَرَطَ في العقد ما يمنع المقصود منه، فلم يثبت ذلك، كما لو
شرط في عقد النكاح: أنِّي لا أطأ(١).
الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ لمَّا بَيَّن تعالى أحكام
النكاح والفراق قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ﴾ التي أَمَرْتُ بامتثالها، كما بيَّن تحریمات
الصوم في آية أخرى فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ فقسَم الحدود قسمين:
منها حدودُ الأمر بالامتثال، وحدودُ النهي بالاجتناب، ثم أخبر تعالى فقال: ﴿وَمَن
يَنَعَدّ حُدُودَ اَللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِيُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَ تِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَةُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَرَجَعَآ إِن ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اَللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيُِّهَا لِقَوْمٍ
يَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْبًا غَيْرَهُ﴾ :
فيه إحدى عشرةً مسألة:
الأولى: احتجَّ بعض مشايخ خُراسانَ من الحنفية بهذه الآية على أنَّ المختلِعةَ
يلحقُها الطلاق، قالوا: فشرعَ الله سبحانه صريحَ الطلاق بعد المفاداة بالطلاق؛ لأنَّ
الفاء حرفُ تعقيب(٢)، فيبعُد أنْ يرجعَ إلى قوله: ﴿الطَّلْقُّ مَرَّتَانٍ﴾؛ لأنَّ الذي تخلَّل
من الكلام يمنعُ بناءَ قوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ على قوله: ﴿الطّلَقُ مَنَّتَانٍ﴾، بل الأقربُ
عَوْدُه على ما يليه كما في الاستثناء، ولا يعود إلى ما تقدَّمه إلا بدلالة، كما أنَّ قوله
تعالى: ﴿وَرَبِّئُكُمُ الَّتِ فِى حُجُورِكُم مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]
صار(٣) مقصوراً على ما يليه غيرَ عائدٍ على ما تقدَّمه حتى لا يُشترط الدخولُ في
أمَّهات النساء.
(١) في (م): أطأها، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المنتقى ٦٨/٤ والكلام منه، وينظر
المعونة ٨٧١/٢، وقد وقعت العبارة الأخيرة فيه بلفظ: كما لو شرطت في النكاح أن لا يطأ.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٦/١.
(٣) في النسخ: فصار، والمثبت من أحكام القرآن للكيا ١/ ١٨٠ والكلام منه، وانظر أحكام القرآن
للجصاص ٣٩٧/١.

٨٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
وقد اختلف العلماء في الطلاق بعد الخُلع في العِدَّة، فقالت طائفة: إذا خالع
الرجلُ زوجتَه، ثم طلقَّها وهي في العِدَّة، لحقها الطلاق ما دامت في العِدَّة،
كذلك قال سعيد بن المسيب وشُريح وطاوس والنَّخَعيُّ والزُّهريُّ والحَكّم وحمَّاد
والثوريُّ وأصحاب الرأي. وفيه قولٌ ثان وهو أنَّ الطلاقَ لا يلزمُها، وهو قولُ
ابنِ عباس وابنِ الزبير وعكرمةً والحسنِ وجابر بنِ زيد والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ
وأبي ثور، وهو قولُ مالك؛ إلا أنَّ مالكاً قال: إن افتدت منه على أنْ يطلِّقَها [ثم
طلقها طلاقاً] ثلاثًا متابعًا نسقًا حین طلقّها، فذلك ثابتٌ علیه، وإن كان بين ذلك
صُمَاتٌ فما أتبعه بعد الصُّمات فليس بشيءٍ (١)، وإنما كان ذلك لأنَّ نسقَ الكلام
بعضه على بعض متصلاً يوجبُ له حكماً واحداً، وكذلك إذا اتصل الاستثناء
باليمين بالله أثَّر، وثبتَ له حكمُ الاستثناء، وإذا انفصل عنه لم يكنْ له تعلقٌ بما
تقدَّم من الكلام.
الثانية: المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ الطلقةُ الثالثة ﴿فَلَا تَجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى
تَنكِحَ زَوًا غیرہُ﴾. وهذا مجمعٌ علیه لا خلافَ فيه.
واختلفوا فيما يكفي من النكاح، وما الذي يُبيح التحليل، فقال سعيد بنُ المسيب
ومن وافقه: مجرَّدُ العقدٍ كافٍ، وقال الحسن بنُ أبي الحسن: لا يكفي مجرَّدُ الوطء
حتى يكونَ إنزال، وذهب الجمهورُ من العلماء والكافَّة من الفقهاء إلى أنَّ الوطءَ كافٍ
في ذلك، وهو التقاءُ الختانين الذي يوجبُ الحَّ والغسل، ويُفسِد الصَّومَ والحجّ،
ويُحصِّن الزوجين، ويوجبُ كمالَ الصَّداق(٢).
قال ابن العربيّ(٣): ما مرَّت بي في الفقه مسألةٌ أعسرُ منها، وذلك أنَّ في(٤)
أصول الفقه أنَّ الحكمَ هل يتعلَّقُ بأوائل الأسماءِ أو بأواخرها؟ فإنْ قلنا: إنَّ الحكم
(١) الإشراف ٢١٩/٤. وما سلف بين حاصرتين منه، وفيه: وإن كان بين ذلك صمت، فليس بشيء، بدل
قوله: وإن كان بين ذلك صُمات ... الخ.
(٢) انظر الاستذكار ١٥٦/١٦-١٥٧، والتمهيد ٢٣٠/٣.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٩٨/١ .
(٤) في (م): من.

٩٠
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
يتعلَّق بأوائل الأسماءِ؛ لزِمنا مذهبُ سعيدٍ (١) بنِ المسيب. وإنْ قلنا: إنَّ الحكمَ
يتعلَّق بأواخر الأسماءِ؛ لزمنا أنْ نشترط الإنزالَ مع مغِيب الحَشَفة في الإحلال،
لأنه آخرُ ذوقِ العُسَيْلة على ما قاله الحسن.
قال ابن المنذر: ومعنى ذَوقِ العُسيلةِ هو الوطء، وعلى هذا جماعةُ العلماء إلا
سعيد بن المسيب، فقال: أما الناس فيقولون: لا تحلُّ للأوَّل حتى يجامعَها الثاني،
وأنا أقول: إذا تزوَّجها تزويجاً (٢) صحيحاً لا يريد بذلك إحلالَها؛ فلا بأسَ أنْ
يتزوَّجها الأوَّل. وهذا قولٌ لا نعلم أحدًا وافقه عليه إلا طائفةٌ من الخوارج، والسنةُ
مستغنّى بها عما سواها(٣).
قلت: وقد قال بقول سعيد بن المسيب سعيد بن جبير؛ ذكره النَّحاس في كتاب
((معاني القرآن)) له(٤). قال: وأهلُ العلم على أنَّ النكاحَ هاهنا الجماع؛ لأنه قال:
﴿َزَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٥) فقد تقدَّمت الزوجية، فصار النكاحُ الجماع؛ إلا سعيد بن جبير،
فإنه قال: النكاح هاهنا التزوُّجُ الصحيح إذا لم يرد إحلالها .
قلت: وأظنُّهما لم يبلغْهما حديثُ العُسَيْلَة، أو لم يصحَّ عندهما، فأخذًا بظاهر
القرآن، وهو قولُه تعالى: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْبًا غَيْرَةُ﴾ والله أعلم(٦).
روى الأئمةُ واللفظ للدار قطنيّ عن عائشةَ قالت: قال رسول الله وَّ: ((إذا طلق
الرجل امرأته ثلاثاً لا تحلُّ له حتى تنكح زوجاً غيرَه، ويذوقَ كلُّ واحدٍ منهما عُسَيْلةً
(٧)
صاحبِه))(٧).
(١) في (د) و(ز) و(م): لزمنا أن نقول بقول سعيد، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لأحكام القرآن
لابن العربي.
(٢) كذا في النسخ والإشراف، وفي (م): تزوّجًا.
(٣) انظر الإشراف ١٩٩/٤- ٢٠٠.
(٤) ٢٠٦/١، وانظر تفسير الرازي ٦/ ١١٢.
(٥) لفظة: غيره، من (م).
(٦) انظر التمهيد ٢٣٠/١٣، والمحرر الوجيز ٣٠٩/١.
(٧) سنن الدارقطني ٣٢/٤-٣٣، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٤٦٥١) بنحوه. وأصل الحديث في صحيح
البخاري (٢٦٣٩)، ومسلم (١٤٣٣) ضمن قصة امرأة رفاعة.

٩١
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
قال بعضُ علماءِ الحنفية: من عقد على مذهب سعيد بن المسيب فللقاضي أنْ
يفسخّه، ولا يعتبر فيه خلافه؛ لأنه خارجٌ عن إجماع العلماء.
قال علماؤنا: ويُفهم من قوله عليه الصلاة والسلام: ((حتى يذوقَ كلُّ واحدٍ
منهما عُسَيلةَ صاحبِه)) استواؤُهما في إدراك لذَّةِ الجماع، وهو حجةٌ لأحد القولين
عندنا في أنه لو وطئها نائمةٌ أو مغمى عليها، لم تحلَّ لمطلِّقها؛ لأنها لم تذق
العُسَيْلَةَ؛ إذ لم تدركها .
الثالثة: روى النسائيُّ عن عبد الله قال: لعن رسولُ اللهِ وَ* الواشمةَ
والمستوشِمة، والواصلةَ والمستوصِلة، وآكل الربا ومؤكِله، والمحلِّلَ والمحلَّل له(١).
وروى الترمذيُّ عن عبد الله بن مسعود قال: لعن رسول الله وَّ المحلِّل
والمحلَّل له(٢). وقال: هذا حديثٌ حسن صحيح. وقد رُوي هذا الحديثُ عن
النبيِّي ◌َّه من غير وجه(٣)، والعملُ على هذا عندَ أهل العلم من أصحاب النبيِّ وَّ،
منهم عمر بنُ الخطاب وعثمان بنُ عفان وعبد الله بنُ عمرو (٤) وغيرهم، وهو قولُ
الفقهاء من التابعين، وبه يقول سفيان الثوريُّ وابنُ المبارك والشافعيُّ ومالكٌ وأحمدُ
وإسحاق، وسمعت الجارودَ يذكر عن وَكيع أنه قال بهذا(٥)، وقال: ينبغي أنْ يرمى
بهذا البابِ من قول أصحابِ الرأي. وقال سفيان: إذا تزوَّج الرجل المرأةَ ليُحلّها،
ثم بدا له أنْ يمسكّها فلا تَحِلُّ له حتى يتزوَّجها بنكاحٍ جدید.
قال أبو عمر بن عبد البَرّ (٦): اختلف العلماء في نكاح المحلِّل، فقال مالك:
(١) النسائي في المجتبى ١٤٩/٦، والكبرى (٥٥١١). وهو عند أحمد (٤٢٨٣).
(٢) سنن الترمذي (١١٢٠).
(٣) منها حديث علي رضي الله عنه أخرجه أحمد (٦٦٠)، وأبو داود (٢٠٧٧)، والترمذي (١١١٩) وابن
ما جه (١٩٣٥).
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه أحمد (٨٢٨٧)، والبيهقي ٢٠٨/٧.
وحديث ابن عباس، وعقبة بن عامر رضي الله عنهم أخرجهما ابن ماجه (١٩٣٤)، (١٩٣٦).
(٤) في (د) و(ز) و(م): عمر، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لسنن الترمذي ٤٢٩/٣.
(٥) في (خ) و(د) و(ز): هذا، والمثبت من (ظ) و(م)، وهامش (خ)، وهو الموافق لسنن الترمذي.
(٦) في التمهيد ٢٣٢/١٣-٢٣٣.

٩٢
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
المحلّل لا يقيم على نكاحه حتى يستقبل نكاحاً جديداً، فإن أصابها فلها مهرُ مثلها،
ولا تُحلُّها إصابتُه لزوجها الأوَّل، وسواء علِما أو لم يعلَما إذا تزوَّجها ليُحلَّها،
ولا يُقَرُّ على نكاحه ويُفسخ، وبه قال الثوريُّ والأوزاعيِّ.
وفيه قولٌ ثانٍ رُوي عن الثوري في نكاح الخيارِ والمحلِّل أنَّ النكاحَ جائزٌ
والشرط باطل، وهو قولُ ابنٍ أبي ليلى في ذلك وفي نكاح المتعة.
ورُوي عن الأوزاعيِّ في نكاح المحلل: بئس ما صنع، والنكاحُ جائز.
وقال أبو حنيفةً وأبو يوسف ومحمد: النكاح جائزٌ إذا(١) دخل بها، وله أنْ
يمسكّها إنْ شاء. وقال أبو حنيفة مرةً هو وأصحابُه: لا تحلُّ للأوَّل إنْ تزوَّجها
ليحلَّها، ومرةً قالوا: تحلُّ له بهذا النكاح إذا جامعها وطلَّقها. ولم يختلفوا أن(٢)
نكاح هذا الزوج صحيحٌ، وأنَّ له أن يقيمَ عليه.
وفيه قولٌ ثالث: قال الشافعيُّ: إذا قال: أتزوَّجك لأُحِلَّكِ، ثم لا نكاحَ بيننا
بعد ذلك فهذا ضربٌ من نكاح المتعة، وهو فاسدٌ لا يقرُّ عليه ويُفسخ، ولو وطئ
على هذا لم يكن تحليلاً. فإن تزوَّجها تزوُّجاً مطلقاً لم يشترط ولا اشترط عليه
التحليلُ، فللشافعيِّ في ذلك قولان في كتابه القديم: أحدُهما مثلُ قولٍ مالك،
والآخرُ مثلُ قولِ أبي حنيفة. ولم يختلف قولُه في كتابه الجديد المصريِّ أنَّ النكاح
صحیح إذا لم يشترط، وهو قولُ داود.
قلت: وحكى الماورديُّ عن الشافعيِّ أنه إن شُرط التحليلُ قبلَ العقد صحَّ
النكاحُ، وأحلَّها للأوَّل، وإن شرطاه في العقد بطل النكاح، ولم يحلّها للأوَّل،
قال: وهو قولُ الشافعيّ.
وقال الحسن وإبراهيم: إذا همَّ أحدُ الثلاثة بالتحليل فسد النكاح؛ وهذا
تشدید .
وقال سالم والقاسم: لا بأس أنْ يتزوَّجَها ليُحلَّها إذا لم يعلم الزوجان، وهو
(١) في (م): إنْ.
(٢) في (م): في أنَّ.

٩٣
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
مأجور؛ وبه قال ربيعة ويحيى بنُ سعيد، وقاله داود بنُ عليّ إذا لم يظهر ذلك في
اشتراطه في حين العقد(١).
الرابعة: مدارُ نكاح (٢) التحليل عند علمائنا على الزوج الناكح، وسواءٌ شرط
ذلك أو نواه، ومتى كان شيءٌ من ذلك فسد نكاحُه ولم يقرَّ عليه، ولم يحلِّلْ وطؤه
المرأةَ لزوجها. وعِلْمُ الزوج المطلِّق وجهلُه في ذلك سواء. وقد قيل: إنه ينبغي له
- إذا علم أنَّ الناكح لها لذلك تزوَّجها - أنْ يتنَّزه عن مراجعتها(٣)، ولا يُحلُّها عند
مالك إلا نكاحُ رغبةٍ لحاجته إليها، ولا يَقصِد به التحليل، ويكون وطؤه لها وَظْءًا
مباحاً؛ لا تكون صائمةً ولا مُحرِمة ولا في حيضتها، ويكونُ الزوج بالغاً مسلماً .
وقال الشافعيُّ: إذا أصابها بنكاح صحيحٍ وغَيَّبَ الحَشَفَةَ في فرجها، فقد ذاقا
العُسَيْلَة، وسواء في ذلك قويُّ النكاح وضعيفُه، وسواء أدخله بيده أم(٤) بيدها، وكان
[ذلك] من صبيٍّ أو مراهق أو مجبوبٍ بقي له ما يُغَيِّبه كما يغيِّب غيرُ الخَصِيِّ، وسواء
أصابها الزوج مُحرِمةً أو صائمة. وهذا كلَّه ـ على ما وصف الشافعي - قولُ أبي حنيفة
وأصحابِهِ والثوري والأوزاعي والحسن بنِ صالح، وقولُ بعضٍ أصحاب مالك(٥).
الخامسة: قال ابن حبيب: وإنْ تزوَّجها؛ فإنْ أعجبته أمسكها، وإلا؛ كان قد
احتسب في تحليلها الأجرَ، لم يجز، لِمَا خالط نكاحَه من نية التحليل، ولا تحلُّ
بذلك للأوّل(٦).
السادسة: وطء السيِّد لأَمَته التي قد بَتَّ زوجُها طلاقَها لا يُحلُّها؛ إذْ ليس
بزوج، رُوي عن علي بن أبي طالب(٧)، وهو قولُ عَبيدةَ ومسروق والشَّعبيِّ وإبراهيمَ
(١) انظر الاستذكار ١٦٠/١٦، والتمهيد ٢٣٣/١٣-٢٣٤، والكافي ٥٣٤/٢، والبيان والتحصيل ٣٨٥/٤،
ووقع فيه: وهو بعيد جداً، بدل: وهذا تشديد.
(٢) في (م): مدار جواز نكاح.
(٣) الكافي ٥٣٣/٢-٥٣٤.
(٤) في النسخ والتمهيد: أو، والمثبت من (م).
(٥) التمهيد ٢٢٩/١٣ -٢٣٠ وما بين حاصرتين منه، وانظر الاستذكار ١٥٧/١٦-١٥٨.
(٦) انظر النوادر والزيادات ٥٨٢/٤، والبيان والتحصيل ٣٨٦/٤.
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٠٤).

٩٤
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
وجابر بنِ زيد وسليمانَ بنِ يَسَار وحَمَّاد بنِ أبي سليمانَ وأبي الزِّناد، وعليه جماعةٌ
فقهاءِ الأمصار. ويُروى عن عثمانَ وزيد بنِ ثابت والزبير خلافُ ذلك، وأنه يُحُّها
إذا غَشِيَها سيدُها غِشياناً لا يريد بذلك مخادعةً ولا إحلالاً، وترجع إلى زوجها
بخِطبةٍ وصداق. والقول الأوَّلُ أصحُ؛ لقوله تعالى: ﴿حَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ والسيد
إنما تسلَّط بملك اليمينِ، وهذا واضح(١).
السابعة: في موطأ مالك(٢) أنه بلغه أنَّ سعيد بن المسيّب وسليمان بنَ يسار
سئلا عن رجل زوَّج عبداً له جارية له، فطلقَّها العبدُ البتة، ثم وهبها سيِّدُها له، هل
تحلُّ له بمِلك اليمين؟ فقالا: لا تحل له حتى تنكحَ زوجاً غيره.
الثامنة: رُوي عن(٣) مالك(٤) أنه سأل ابن شهاب عن رجل كانت تحته أمةٌ
مملوكة، فاشتراها وقد كان طلَّقها واحدة، فقال: تحلُّ له بمِلك يمينه ما لم يبثَّ
طلاقَها، فإن بثَّ طلاقَها فلا تحلُّ له بِملك يمينِه حتى تنكحَ زوجاً غيره. قال أبو
عمر(٥): وعلى هذا جماعةُ العلماء وأئمةُ الفتوى: مالكٌ والثوريُّ والأوزاعيُّ
والشافعيُّ وأبو حنيفة وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور. وكان ابن عباس وعطاءٌ وطاوس
والحسنُ يقولون: إذا اشتراها الذي بتَّ طلاقَها حلَّت له بِملك اليمين، على عموم
قوله عز وجل: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ [النساء: ٣]. قال أبو عمر: وهذا خطأٌ من
القول؛ لأنَّ قوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُكُمْ﴾ لا يبيح الأمهاتِ ولا الأخوات،
فكذلك سائرُ المحرَّمات.
التاسعة: إذا طلَّق المسلم زوجته(٦) الذمِّية ثلاثاً، فنكحها ذِميٌّ ودخل بها، ثم
طلَّقها؛ فقالت طائفة: الذميُّ زوجٌ لها، ولها أن ترجعَ إلى الأوَّل؛ هكذا قال
(١) انظر الاستذكار ٢٤٣/١٦-٢٤٧.
(٢) ٢ /٥٣٧ .
(٣) قوله: رُوي عن، ليس في النسخ الخطية
(٤) في الموطأ ٢/ ٥٣٨.
(٥) في الاستذكار ٢٤٢/١٦-٢٤٣ .
(٦) لفظة: زوجته، من (د) و(م).

٩٥
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
الحسن والزهري(١) وسفيان الثوريُّ والشافعيُّ وأبو عبيد وأصحابُ الرأي.
قال ابن المنذر(٢): وكذلك نقول؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾،
والنصرانيُّ زوج. وقال مالك وربيعة: لا يُحلُّها.
العاشرة: النكاح الفاسد لا يُحلُّ المطلقةَ ثلاثاً في قول الجمهور: مالكٍ
والثوريِّ والشافعيِّ والأوزاعيِّ وأصحابِ الرأي وأحمدَ وإسحاقَ وأبي عبيد؛ كلُّهم
يقولون: لا تحلُّ للزوج الأوَّل إلا بنكاحٍ صحيح؛ وكان الحكم يقول: هو زوج.
قال ابن المنذر(٣): ليس بزوج؛ لأنَّ أحكامَ الأزواج في الظهار والإيلاء
واللِّعان غيرُ ثابتةٍ (٤) بينهما. وأجمع كلٌّ من يُحفَظ عنه من أهل العلم أنَّ المرأةَ إذا
قالت للزوج الأوّل: قد تزوَّجت ودخل عليّ زوجي وصدَّقها أنها تحلُّ للأوّل. قال
الشافعيُّ: والوَرَع ألَّا يفعلَ إذا وقع في نفسه أنها كَذَبته.
الحادية عشرة: جاء عن عمرَ بنِ الخطاب في هذا الباب تغليظٌ شديد، وهو
قولُه: لا أُوتَى بمحلِّل ولا محلَّلٍ له(٥) إلا رجمتُهما. وقال ابن عمر: التحليل
سفاح؛ لا يزالان زانيين ولو أقاما عشرين سنة.
قال أبو عمر(٦): لا يحتمل قول عمر إلا التغليظَ؛ لأنه قد صحَّ عنه أنه وضع
الحدَّ عن الواطئ فرجًا حرامًا قد جهل تحريمَه، وعذَره بالجهالة؛ فالتأويل أولى
بذلك، ولا خلاف أنه لا رجم علیه.
قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا ◌ُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَجَعَآ إِن ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ
حُدُودُ اللَّهِ يُبَيُِّهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ :
فيه أربعُ مسائل:
(١) لفظة: الزهري ليست في (د) و(ز)، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق للإشراف.
(٢) في الإشراف ٢٠١/٤، وما قبله منه.
(٣) في الإشراف ٢٠١/٤ -٢٠٢، وما قبله منه.
(٤) في النسخ: ثابت، والمثبت من (م)، وهو الموافق للإشراف ٤/ ٢٠٢.
(٥) لفظة: له، ليست في النسخ الخطية، والمثبت من (م)، وهو الموافق للتمهيد ٢٣٥/١٣.
(٦) في التمهيد ٢٣٥/١٣، وما قبله منه، وأثر عمر أخرجه البيهقي ٢٠٨/٧، وانظر مصنف عبد الرزاق ٣٤٨/٦.

٩٦
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ يريد المتزوج(١) الثاني. ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾،
أي: المرأة والزوج الأوَّل؛ قاله ابن عباس، ولا خلافَ فيه.
قال ابن المنذر(٢): أجمع أهل العلم على أنَّ الحرَّ إذا طلَّق زوجته ثلاثاً، ثم
انقضت عدَّتها، ونكحت زوجًا آخرَ، ودخل بها، ثم فارقها وانقضت عدَّتُها، ثم
نكحها الأوَّل(٣) أنها تكون عندَه على ثلاث تطليقات.
واختلفوا في الرجل يطلق امرأته تطليقةً أو تطليقتين، ثم تتزوَّج غيرَه، ثم ترجع
إلى زوجها الأوَّل، فقالت طائفة: تكون على ما بقي من طلاقها، وكذلك قال
الأكابر من أصحاب رسولِ الله وَله: عمر بنُ الخطاب وعليُّ بن أبي طالب وأبيُّ بن
كعب وعمرانُ بن حُصين وأبو هريرة. ورُوي(٤) ذلك عن زيد بن ثابت ومُعاذ بنٍ
جبل وعبدِ الله بنِ عمرو بن العاص، وبه قال عَبيدة السَّلْمانيُّ وسعيد بن المسيب
والحسن البصريُّ ومالك وسفيانُ الثوريُّ وابن أبي ليلى والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ
وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بنُ الحسن وابن نصر.
وفيه قولٌ ثانٍ: وهو أنَّ النكاح جديدٌ والطلاقَ جديد، هذا قولُ ابنِ عمر وابنٍ
عباس، وبه قال عطاء والنَّخَعيُّ وشُريح والنعمان ويعقوب.
وذكر أبو بكر بنُ أبي شيبة(٥) قال: حدَّثنا أبو معاويةً ووكيع، عن الأعمش،
عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبدِ الله يقولون: أيهدِمُ الزوجُ الثلاثَ، ولا يهدِم
الواحدة والاثنتین!
قال: وحدَّثنا حفص، عن حجَّاج، عن طلحةَ، عن إبراهيم أنَّ أصحابٌ
عبدِ الله كانوا يقولون: يهدِم الزوجُ الواحدةَ والاثنتين كما يهدم الثلاث، إلا عَبيدةً،
فإنه قال: هي على ما بقي من طلاقها، ذكره أبو عمر(٦).
(١) في (م): الزوج.
(٢) في الإشراف ٤/ ٢٠٢-٢٠٣.
(٣) في (م): ثم نكحت زوجها الأول.
(٤) في (ز) و(م): ويُروى.
(٥) في المصنف ١٠٣/٥.
(٦) في الاستذكار ١٤٨/١٨-١٤٩ .

٩٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
وقال ابن المنذر(١): وبالقول الأوّلِ أقول. وفيه قولٌ ثالث وهو: إن كان دخلَ
بها الأخير فطلاقٌ جديد، ونكاحٌ جديد، وإنْ لم يكن دخل بها فعلى ما بقي؛ هذا
قولُ إبراهيمَ النخعيّ.
الثانية: قوله تعالى: ﴿إِن ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ شرط. قال طاوس(٢): إنْ ظنًّا
أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُحسن عِشرةً صاحبه. وقيل: حدود الله فرائضُه، أي: إذا علما
أنه يكون بينهما الصلاحُ بالنكاح الثاني، فمتى علم الزوج أنه يعجز عن نفقة زوجته
أو صَداقِها أو شيءٍ من حقوقها الواجبةِ عليه، فلا يحلُّ له أنْ يتزوَّجَها حتى يبيِّنَ
لها، أو يعلمَ من نفسِه القدرةَ على أداء حقوقها، وكذلك لو كانت به عِلَّةٌ تمنعُه من
الاستمتاع، كان عليه أن يبيِّنَ، كيلا يَغُرَّ المرأةَ من نفسه. وكذلك لا يجوز أنْ يَغُرَّها
بنسب يدَّعيه، ولا مالٍ(٣) ولا صناعةٍ يذكرها وهو كاذبٌ فيها. وكذلك يجب على
المرأة إذا علمت من نفسها العجزَ عن قيامها بحقوق الزوج، أو كان بها علةٌ تمنع
الاستمتاعَ من جنون أو جذامٍ أو برص، أو داء في الفرج، لم يجز لها أنْ تَغُرَّه،
وعليها أنْ تبينَ له ما بها من ذلك؛ كما يجب على بائع السِّلعة أنْ يبيِّنَ ما بسلعته
من العیوب. ومتی وجد أحدُ الزوجین بصاحبه عیبًا فله الردّ، فإنْ كان العيبُ
بالرجل فلها الصَّداقُ إنْ كان دخل بها، وإنْ لم يدخلْ بها فلها نصفُه. وإن كان
العيبُ بالمرأة ردَّها الزوجُ، وأخذَ ما كان أعطاها من الصَّداق، وقد رُويَ أنَّ
النبيَّ وَّهِ تزوَّج امرأةً من بني بَيَاضَةَ، فوجد بكَشْحِها بَرَصاً، فردَّها وقال: ((دلَّستم
عليَّ)) (٤).
(١) في الإشراف ٤/ ٢٠٣.
(٢) أورده النحاس في معاني القرآن ١/ ٢٠٧.
(٣) في (م): ولا مال له.
(٤) أخرجه أبو يعلى (٥٦٩٩)، وابن عدي في الكامل ٥٩٣/٢، والبيهقي ٢١٤/٧ من طريق جميل بن زيد
عن ابن عمر رضي الله عنهما وفيها أن هذه المرأة من بني غفار.
وأخرجه أحمد (١٦٠٣٢)، والبخاري في التاريخ الكبير ٢٢٣/٧، والطحاوي في شرح مشكل الآثار
(٦٤٦) من طريق جميل بن زيد عن كعب بن زيد رضي الله عنه بنحوه.
وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٧/ ٢٢٣ من طريق جميل بن زيد عن عبد الله بن كعب بنحوه وقال:
جميل بن زيد لم يصح حديثه وقال ابن عدي: جميل بن زيد يُعرف بهذا الحديث، واضطرب الرواة عنه=

٩٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
واختلفت الرواية عن مالك في امرأة العِنِّينِ إذا سلَّمت نفسَها، ثم فُرِّق بينهما
بالعُنَّة؛ فقال مرّة: لها جميعُ الصداق، وقال مرَّة: لها نصفُ الصَّداق؛ وهذا يَنبني
على اختلاف قوله بِم تستحِق الصداقَ بالتسليم أو بالدخول(١)؟ قولان(٢).
الثالثة: قال ابن خويزٍ منداد: واختلف أصحابنا؛ هل على الزوجة خِدْمةٌ أمْ
لا(٣)؟ فقال بعض أصحابِنا: ليس على الزوجة خدمةٌ؛ وذلك أنَّ العقدَ يتناولُ
الاستمتاع لا الخدمةَ؛ ألا ترى أنه ليس بعقد إجارةٍ ولا تملُّك رقبة، وإنما هو عقدٌ
على الاستمتاع، والمستحَقُّ بالعقد هو الاستمتاعُ دونَ غيره، فلا تُطالَب بأكثرَ منه،
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤].
وقال بعض أصحابنا: عليها خدمةُ مثلِها، فإن كانت شريفةَ المحلِّ ليَسار أُبوَّةٍ، أو
تَرقُّهِ، فعليها التدبيرُ للمنزل وأمرُ الخادم، وإن كانت متوسِّطةً الحالِ فعليها أنْ تَفرشَ
الفراشَ، ونحو ذلك، وإن كانت دونَ ذلك فعليها أنْ تَقُمَّ البيت، وتطبخَ وتَغسل.
وإن كانت من نساء الكُرْدِ والدَّيْلَم والجبلِ في بلدهن، كُلِّفت ما يكلَّفه نساؤهم،
وذلك أنَّ الله تعالى قال: ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِلْعُرِفِ﴾ .
وقد جرى عرفُ المسلمين في بلدانهم في قديم الأمرِ وحديثهِ بما ذكرنا، ألا
ترى أنَّ أزواج النبيِّ وَّهِ وأصحابه كانوا يتكلَّفون الطحينَ والخبيز والطبيخ وفرش
الفرش وتقريب الطعام وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأةً امتنعت من ذلك، ولا يسوغُ
لها الامتناع، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصَّرن في ذلك، ويأخذونهن
بالخدمة(٤)، فلولا أنها مستحقةٌ لما طالبوهنَّ ذلك.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ يُبَيُِّهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ حدود الله: ما منع
بهذا الحديث. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٧٧/٣: فيه اضطراب كثير على جميل بن زيد
=
راويه. ونقل الحافظ أيضاً في تعجيل المنفعة ٣٩٥/١ عن أبي القاسم البغوي قوله: الاضطراب في
حديث الغفارية منه.
(١) في (م): الدخول.
(٢) انظر الكافي ٢/ ٥٦٤.
(٣) في (م): أو.
(٤) في (خ) و(ز) و(ظ): يأخذونهم في الخدمة، وفي (د): يؤاخذونهم. والمثبت من (م).

٩٩
سورة البقرة : الآية ٢٣١
منه، والحدُّ مانعٌ من الاجتراء على الفواحش، وأحدَّت المرأة: امتنعت من الزينة،
ورجلٌ محدود: ممنوعٌ من الخير، والبؤَّاب حدَّاد، أي: مانع(١). وقد تقدَّم هذا
مستوفى(٢). وإنما قال: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لأنَّ الجاهلَ إذا كثر له أمره ونهيه، فإنه
لا يحفظُه ولا يتعاهدُه. والعالم يحفظُ ويتعاهد؛ فلهذا المعنى خاطبَ العلماء، ولم
يخاطب الجهال(٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَهُنَّ نَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِعْرُوفٍ
وَلَا تُسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِيَعْنَدُوَّأْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَ نَفْسَهُمٍ وَلَا تَتَّخِذُوَاْ ءَايَتِ اللَّهِ
هُزُوَأْ وَأَذْكُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِنَبِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِدٍّ
١٢٣١
وَأَتَّقُوا اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
فيه ست مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ معنى ((بَلَغْنَ)): قاربْن، بإجماع من
العلماء؛ ولأنَّ المعنى يضطرُّ إلى ذلك؛ لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيارَ له في
الإمساك (٤)، وهو في الآية التي بعدها بمعنى التناهي؛ لأنَّ المعنى يقتضي ذلك،
فهو حقيقةٌ في الثانية، مجازٌ في الأولى(٥) .
الثانية: قوله تعالى: ﴿لَفْسِكُنَ مِعْرُوفٍ﴾ الإمساك بالمعروف هو القيامُ بما
يجب لها من حقِّ على زوجها؛ ولذلك قال جماعة من العلماء: إنَّ من الإمساك
بالمعروف أنَّ الزوجَ إذا لم يجدْ ما ينفقُ على الزوجة أنْ يطلِّقَها؛ فإنْ لم يفعلْ خرج
عن حدِّ المعروف، فيطلِّق عليه الحاكمُ من أجل الضررِ اللاحقِ لها في بقائها(٦) عند
(١) معاني القرآن للنحاس ٢٠٥/١.
(٢) ٢٢١/٣-٢٢٢.
(٣) تفسير أبي الليث ٢٠٩/١.
(٤) المحرر الوجيز ٣٠٩/١.
(٥) انظر أحكام القرآن للجصاص ٣٩٨/١، ٣٩٩، وتفسير البغوي ٢٠٩/١-٢١٠، وأحكام القرآن للكيا
١٨١/١ و١٨٤.
(٦) في (م): من بقائها.

١٠٠
سورة البقرة : الآية ٢٣١
من لا يقدر على نفقتها(١)، والجوع لا صبرَ عليه، وبهذا قال مالكٌ والشافعيُّ
وأحمد وإسحاقُ وأبو ثور وأبو عبيد ويحيى القطّان وعبد الرحمن بنُ مهديّ، وقاله
من الصحابة عمرُ وعلي وأبو هريرة، ومن التابعين سعيد بنُ المسيّب وقال: إنَّ ذلك
سُنَّة. ورواه أبو هريرة عن النبيِّ وَلِينَ(٢).
وقالت طائفة: لا يفرّقُ بينهما، ويلزمُها الصبرُ عليه، وتتعلق النفقةُ بذمَّته بحكم
الحاكم؛ وهذا قولُ عطاء والزهريِّ، وإليه ذهب الكوفيون والثوريُّ، واحتجوا بقوله
تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَوْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وقال: ﴿وَأَنْكِحُواْ
الْأَيَمَى مِنكُمْ﴾ الآية [النور: ٣٢]؛ فندب تعالى إلى إنكاح الفقير، فلا يجوز أنْ يكونَ
الفقرُ سببًا للفُرقة، وهو مندوبٌ معه إلى النكاح. وأيضاً فالنكاح (٣) بين الزوجين قد
انعقد بإجماع، فلا يفرَّقُ بينهما إلا بإجماع مثلِه، أو بسُنّةٍ عن الرسول وَّل
لا معارضَ لها ؟٤).
والحجة للأوّل قولُهِمَ ﴿ في صحيح البخاريّ: ((تقول المرأة إما أن تطعمني وإما
أن تطلقني)»(٥)، فهذا نصٌّ في موضع الخلاف. والفُرقةُ بالإعسار عندنا طلقةٌ رجعية
خلافاً للشافعيِّ في قوله: إنها طلقةٌ بائنة؛ لأنَّ هذه فُرقةٌ بعد البناء لم يستكمل بها
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٢٠٠.
(٢) سيذكره المصنف قريباً، وفي رفع المصنف للحديث نظر.
(٣) في (م): فإن النكاح.
(٤) انظر الإشراف ١٤٣/٤-١٤٤، ومختصر اختلاف العلماء ٣٦٦/٢-٣٦٧.
(٥) صحيح البخاري (٥٣٥٥) وهو قطعة من حديث، وفي رفعها نظر، فهي من قول أبي هريرة رضي الله
عنه كما ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٥٠١/٩، وقد قال أبو هريرة ذلك بإثر روايته لحديث:
((أفضلُ الصدقة ما ترك غنّى، واليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)). تقول المرأة: إما
أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد ... الخ. وفي آخره: فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا
من رسول الله ◌َ؟ قال: لا. هذا من كِيس أبي هريرة. قال الحافظ: يعني من استنباطه ممّا فهمه
من الحديث المرفوع. وأكَّد الحافظ نسبة القول لأبي هريرة بما جاء مصرَّحاً به في روايةٍ
للإسماعيلي، وفيها: قال أبو هريرة: تقول امرأتك ... الخ، وذكر الحافظ أنه لا حجة في رواية
عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((المرأة تقول لزوجها أطعمني)). لأن في حفظ
عاصم شيئاً.