Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
قال أبو بكر بنُ عبد الرحمن: ما أدركنا أحداً من فقهائنا إلا يقولُ بقولِ عائشةً
في أنَّ الأقراءَ هي الأطهارُ(١).
فإذا طلَّقَ الرجلُ في طُهر لم يطأ فيه، اعتدَّت بما بقيَ منه ولو ساعةً ولو لحظةٌ،
ثم استقبلَتْ طُهراً ثانياً بعدَ حيضةٍ، ثم ثالثاً بعدَ حيضةٍ ثانيةٍ، فإذا رأَتِ الدَّمَ من
الحيضة الثالثة حلَّت للأزواج، وخرجت من العِدَّة. فإنْ طلَّق مُطلِّقٌ في ظُهر قد مسَّ
فيه، لَزِمَه الطَّلاقُ وقد أساءَ، واعتدَّت بما بقيَ من ذلك الظُّهر(٢).
وقال الزُّهريُّ في امرأة طُلِّقت في بعض طُهرها: إنها تعتدُّ بثلاثة أطهار سوى
بقيةٍ ذلك الظُّهر. قال أبو عمر (٣): لا أعلم أحداً ممن قال: الأقراءُ الأطهارُ؛ يقولُ
هذا غيرَ ابنِ شهابِ الزّهريِّ؛ فإنه قال: تُلغِي الظُّهرَ الذي طُلِّقت فيه، ثم تعتدُّ بثلاثة
أطهار؛ لأن اللهَ عزَّ وجَلَّ يقولُ: ((ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)).
قلت: فعلى قوله لا تحِلُّ المطلّقةُ حتى تدخلَ في الحيضة الرابعة، وقولُ ابنِ
القاسم ومالكٍ وجمهورٍ أصحابه والشافعيِّ وعلماءِ المدينة: إن المطلقة إذا رأت
أوَّلَ نقطة من الحيضة الثالثة خرجت من العِضْمة، وهو مذهبُ زيد بن ثابت(٤)
وعائشةَ وابنِ عمرَ، وبه قال أحمدُ بنُ حنبل، وإليه ذهبَ داودُ بنُ عليٍّ وأصحابُه.
والحجَّةُ على الزُّهريِّ أن النبيِ وَ﴿ أَذِنَ في طلاق الظّاهر من غير جماع، ولم
يُقُل أوَّلَ الظُّهر ولا آخِرَه (٥).
وقال أشهب(٦): لا تنقطعُ العِصمةُ والميراثُ حتى يتحققَ أنه دمُ حَيضٍ؛ لئلا
تكونَ دُفعةَ دمٍ من غير الخَيض.
احتجَّ الكوفيون بقوله عليه الصلاة والسلام لفاطمةً بنتِ أبي حُبَيْش حينَ شكّت
(١) الموطأ ٥٧٧/٢، وانظر الاستذكار ٣٠/١٨.
(٢) المحرر الوجيز ٣٠٤/١ -٣٠٥.
(٣) في الاستذكار ٣٣/١٨، وانظر التمهيد ٩٣/١٥.
(٤) المحرر الوجيز ٣٠٥/١.
(٥) التمهيد ٩٢/١٥-٩٣.
(٦) المحرر الوجيز ٣٠٥/١.

٤٢
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
إليه الدَّمَ: ((إنما ذلك عِرْقٌ، فانظُري، فإذا أتى قَرؤُكِ فلا تُصلِّي، وإذا مرَّ القَرءُ
فتطهري، ثم صلِّي من القَرْء إلى القَرْء))، وقال تعالى: ﴿وَلَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ
نِسَبِكُمْ إِنِ آَرْتَبْتُمُ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤](١). فجعل المأيوسَ منه
المحيضَ؛ فدلَّ على أنه هو العِدَّة، وجعلَ العِوضَ منه هو الأشهرَ إذا كان معدوماً.
وقال عمرُ بحضرة الصحابة: عِدَّةُ الأَمَةِ حَيضتان، نصفُ عِدَّة الحرَّة، ولو قدرتُ
على أن أجعلَها حيضةً ونِصْفاً لَفعلْتُ(٢)؛ ولم يُنكِر عليه أحدٌ. فدلَّ على أنه إجماعٌ
منهم؛ وهو قولُ عشَرةٍ من الصحابة، منهم الخلفاءُ الأربعةُ، وحسبُك ما قالوا!
وقولُه تعالى: ﴿وَالُْطَلَّقَتُ يَرَبِّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوَةٌ﴾ يدلُّ على ذلك؛ لأنَّ المعنى
يتربَّصْنَ ثلاثةَ أقراء، يريدُ كوامل، وهذا لا يمكنُ أن يكونَ إلا على قولنا بأنَّ
الأقراءَ الحِيَضُ؛ لأنَّ من يقولُ: إنه الطهرُ يُجوِّز أنْ تعتدَّ بطُهرين(٣) وبعضٍ آخَر؛
لأنَّه إذا طلَّق حالَ الظُّهر اعتدَّت عندَه ببقية ذلك الظُّهر قرءاً.
وعندَنا تستأنفُ من أوَّل الحَيض حتى يَصدُقَ الاسمُ، فإذا طلَّق الرجلُ المرأةَ
في طُهر لم يطأ فيه، استقبلت حيضةً ثم حيضةً ثم حيضةً؛ فإذا اغتسلت من الثالثة
خرجت من العِدَّةِ(٤).
قلت: هذا يردُّه قولُه تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَّهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةً أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]
فأثبتَ الهاءَ في ((ثمانية أيام))، لأنَّ اليومَ مُذكَّر، وكذلك القَرْءُ، فدلَّ على أنَّه
المرادُ.
ووافقَنا أبو حنيفةً على أنَّها إذا طُلِّقت حائضًا أنَّها لا تعتدُّ بالحيضة التي طُلِّقت
فيها، ولا بالطهر الذي بعدَها، وإنَّما تعتدُّ بالحيض الذي بعدَ الظُّهر.
وعندنا تَعتدُّ بالظُهر، على ما بيَّنَاهُ.
(١) التمهيد ٨٩/١٥-٩٠، والاستذكار ٤٠/١٨، وأخرج الحديث أحمد (٢٧٣٦٠) وانظر تفصيل القول
فيه .
(٢) أخرجه الشافعي في مسنده ٥٧/٢ (بترتيب السندي)، وعبد الرزاق (١٢٨٧١ -١٢٨٧٢) و(١٢٨٧٤)،
وسعيد بن منصور في سننه (١٢٧٠-١٢٧٢)، والبيهقي ٤٢٥/٧ و٤٢٥-٤٢٦.
(٣) في (خ) و(ظ) بقرأين.
(٤) المحرر الوجيز ٣٠٤/١.

٤٣
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
وقد استجاز أهلُ اللَّغَة أنْ يُعبِّروا عن البعض باسم الجميع؛ كما قال تعالى:
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والمرادُ به شهران وبعضُ الثالث، فكذلك
قوله: ((ثلاثةَ قُروء)). والله أعلم.
وقال بعضُ من يقولُ بالحيض: إذا طَهُرت من الثَّالثة، انقضَتِ العِدَّة بعدَ
الغُسل، وبَطلتِ الرَّجعةُ. قاله سعيد بن جبير وطاوس وابن شبرمة والأوزاعيُّ(١).
وقال شَريك: إذا فرَّطَتِ المرأةُ في الغُسل عشرينَ سنةً؛ فلِزوجها عليها الرَّجعةُ
ما لم تَغتسلُ(٢). ورُوي عن إسحاق بن راهَوَيْه أنه قال: إذا طَعنتِ المرأةُ في
الحيضة الثالثة، بانَت وانقطعت رَجعةُ الزوج، إلا أنَّها لا يَحِلُّ لها أنْ تتزوَّجَ حتى
تَعْتسلَ من حيضتها. ورُوي نحوهُ عن ابن عباس؛ وهو قول ضعيف، بدليل قول الله
تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيَّ أَنْفُسِهِنَّ﴾(٣) [البقرة: ٢٣٤]
على ما يأتي.
وأما ما ذكرهُ الشَّافعيُّ من أنَّ نفسَ الانتقال من الظُّهر إلى الحَيضة يُسمَّى قَرءًا؛
ففائدتُه تقصيرُ العِدَّة على المرأة، وذلك أنه إذا طلَّق المرأةَ في آخر ساعةٍ من ظُهرها
فدَخلَت في الحيض(٤) عَدَّتْه قَرءًا، وبنفس الانتقالِ من الظُّهر الثالث انقطعَتِ
العِضْمةُ وحلَّت. والله أعلم.
الخامسة: والجمهورُ من العلماء على أنَّ عِدَّةَ الأمَةِ التي تَحيضُ من طلاق
زوجها حیضتانِ.
ورُويَ عن ابن سيرين أنَّه قال: ما أرى عِدَّة الأمَةِ إِلَّ كِدَّة الحُرَّة، إلَّا أنْ تكونَ
مضت في ذلك سُنَّةٌ، فإنَّ السُّنةَ أحقُّ أنْ تُتَبعَ(٥).
(١) الاستذكار ٣٦/١٨ وعبارته: إذا انقطع الدم من الحيضة الثالثة فقد بانت وبطلت الرجعة، ولم يُعْتَبرِ
الغُسْلُ.
(٢) الاستذكار ٣٦/١٨ واعتبره قولاً شاذاً، وفيه: لو فرطت في الغسل عشر سنين.
(٣) الاستذكار ٣٦/١٨-٣٧.
(٤) في (م): الحيضة.
(٥) الإشراف لابن المنذر ٢٩١/٤، والاستذكار ١٩٢/١٨، وأخرجه عبد الرزاق (١٢٨٨٠).

٤٤
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
وقال الأصم عبدُ الرحمن بن كيسان وداودُ بن عليٍّ وجماعةُ أهل الظاهر: إنَّ
الآياتِ في عِدَّة الطَّلاق والوفاة بالأشهر والأقراء عامَّة في حقِّ الأمَة والحرَّة؛ فعدَّةٌ
الحرَّة والأمَةِ سواءٌ(١).
واحتجَّ الجمهورُ بقوله عليه الصلاة والسلام: («طلاقُ الأمة طلقتان(٢)، وعِدَّتُها
حيضتان)). رواه ابن جُريج عن مُظَاهر(٣) بن أسلم، عن أبيه، عن القاسم بن
محمد، عن عائشة قالت: قال رسول الله وَله: ((طَلاقُ الأَمَةِ تَطليقتانِ وقُرؤها
حَيضتانٍ))(٤) فأضافَ إليها الطَّلاقَ والعِدَّةَ جميعاً؛ إلَّا أنَّ مظاهرَ بنَ أسلم انفردَ بهذا
الحديث وهو ضعيفٌ. ورُويَ عن ابن عمرَ: أيُّهما رَقّ نقصَ طلاقُه؛ وقالت به فرقة
من العلماء(٥).
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَزْحَامِهِنَ﴾ فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اَللَّهُ فِىَ أَزْحَامِهِنَّ﴾ أي: من
الحيض؛ قالَه عكرمةُ والزُّهريُّ والنَّخعيُّ. وقيل: الحملُ؛ قالَه عمرُ وابنُ عباس.
وقال مجاهدٌ: الحيضُ والحملُ معاً؛ وهذا على أنَّ الحاملَ تَحيضُ(٦).
والمعنى المقصود من الآية أنَّه لمّا دارَ أمر العِدَّة على الحيض والأطهار
ولا اطلاعَ عليهما إلَّا من جهة النِّساء، جُعلُ القولُ قولها إذا ادَّعت انقضاءَ العِدَّة أو
عدَمها، وجعلَهُنَّ مُؤْتَمنَات على ذلك؛ وهو مُقتضى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَنَّ أَنْ
يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِيَ أَزْحَامِهِنَّ﴾. وقال سليمان بن يسار: ولم نُؤمر أنْ نفتحَ النِّساء
فننظرَ إلى فُروجِهنَّ، ولكنْ وُكِلَ ذلك إليهنَّ إذ كنَّ مُؤْتَمنَات.
(١) الاستذكار ٩٩/١٨.
(٢) في (م): تطليقتان.
(٣) في (د) و(م): رواه ابن جريج، عن عطاء، عن مظاهر، وزيادة عطاء بين ابن جريج ومظاهر خطأ .
(٤) أخرجه أبو داود (٢١٨٩)، والترمذي (١١٨٢)، وابن ماجه (٢٠٨٠). قال أبو داود: وهو حديث
مجهول، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر
لا نعرف له في العلم غير هذا الحديث، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي الفه
وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق.
(٥) الاستذكار ٩٨/١٨-٩٩، وأخرج أثر ابن عمر عبدُ الرزاق (١٢٩٥٧) - (١٢٩٥٩)، والدار قطني ٣٨/٤.
(٦) تفسير الماوردي ١/ ٢٩٢، وأخرج الآثار الطبري ١٠٥/٤-١١١.

٤٥
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
ومعنى النَّهي عن الكتمان النَّهيُ عن الإضرار بالزوج وإذْهَاب حقٌّه، فإذا قالت
المُطلَّقةُ: حِضْتُ؛ وهي لم تَحِض، ذهبَت بحقِّه من الارتجاع، وإذا قالت: لم
أحِض؛ وهي قد حاضَت، ألزمَتْه من النفقة ما لم يَلزمْه فأضرَّت به، أو تقصِدُ
بكذبها في نَفي الحَيض ألا تُرتَجع حتى تنقضيَ العِدَّةُ ويَقطعَ الشَّرِعُ حقَّه، وكذلك
الحاملُ تكتمُ الحملَ، لتقطعَ حقَّه من الارتجاع. قال قتادةُ: كانت عادتُهنَّ في
الجاهلية أنْ يكتمْنَ الحملَ ليُلحِقْنَ الولدَ بالزوج الجديد، ففي ذلك نزلت
الآية(١).
وحُكي أنَّ رجلاً من أشجع أتى رسولَ اللهِ وَّه فقال: يا رسولَ الله، إني طلَّقْتُ
امرأتي وهي حُبْلى، ولستُ آمَنُ أنْ تتزوَّجَ، فيصير ولدي لغيري؛ فأنزلَ الله الآية،
ورُدَّت امرأةٌ الأشجعيِّ عليه(٢).
الثانية: قال ابن المنذر(٣): وقال كلُّ من حَفِظتُ عنه من أهل العلم: إذا قالت
المرأةُ في عشَرةٍ أيام: قد حِضْتُ ثلاثَ حِيَضٍ وانقضت عدَّتي؛ إنها لا تُصدَّق
ولا يُقبلُ ذلك منها، إلّا أنْ تقولَ: قد أسقطت سِقطًا قد اسْتَبَان خلقُه.
واختلفوا في المدَّة التي تُصدَّقُ فيها المرأةُ؛ فقال مالك: إذا قالت: انقضت
عدَّتي في أمد تَنقضي في مثله العِدَّةُ؛ قُبِلَ قَولُها؛ فإنْ أخبرت بانقضاء العِدَّة في مُدَّة
تقع نادراً؛ فقولان: قال في المدوَّنة: إذا قالت: حِضْتُ ثلاثَ حِيَض في شهر،
صُدِّقَت إذا صدَّقها النِّساءُ، وبه قال شُرَيْح، وقال له عليُّ بن أبي طالب: قَالُون.
أي: أصبْتَ وأحسنْتَ. وقال في كتاب محمد: لا تُصدَّقُ إلَّا في شهر ونصفٍ(٤).
ونحوه قولُ أبي ثَور؛ قال أبو ثور: أقلُّ ما يكون ذلك في سبعة وأربعينَ يوماً،
وذلك أنَّ أقلَّ الظّهر خمسةَ عشَرَ يوماً، وأقلُّ الحَيض يومٌ. وقال النُّعمان: لا تُصدّق
في أقلَّ من ستين يوماً؛ وقال به الشافعيُّ(٥).
(١) المحرر الوجيز ٣٠٥/١، وأخرج قول قتادة الطبري ١١١/٤- ١١٢.
(٢) لم نقف عليه.
(٣) الإشراف ٤/ ٣٠٥.
(٤) في أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١٨٧ وعنه نقل المصنف: لا تُصدَّق في شهر، ولا في شهر ونصف.
(٥) في الإشراف ٣٠٤/٤ وعنه نقل المصنف: تُصدَّق في انقضاء عدتها في أكثر من اثنين وثلاثين يوماً .

٤٦
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
قوله تعالى: ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ هذا وَعيدٌ عظيم شديد لتأكيد
تحريم الكِتمان، وإيجابٌ لأداء الأمانة في الإخبار عن الرَّحِم بحقيقة ما فيه(١)،
أي: فُسبيلُ المؤمناتِ ألَّا يكتمْنَ الحقَّ؛ وليس قولُه: ((إنْ كُنّ يُؤمِنَ بالله)) على أنه
أُبِيحَ لمَن لا يؤمنُ أنْ يكتُمَ؛ لأنَّ ذلك لا يَحِلُّ لمن لا يُؤمِنُ، وإنَّما هو كقولك: إنْ
كُنتَ أخي فلا تَظلمْني، أي: فينبغي أنْ يحجُزَك الإيمانُ عنه؛ لأنَّ هذا ليس من
فعل أهل الإيمان.
قوله تعالى: ﴿وَبُوَلَُّنَّ أَحَقُّ بِرَرِهِنَ﴾ فيه إحدى عشرة مسألة:
الأولى: قولُه تعالى: ﴿وَبُعُولَُّنَّ﴾ البُعُولَةُ جمع البَعْلِ، وهو الزوج؛ سمِّي بَعْلاً
لعلوِّه على الزوجة بما قد مَلَكّه من زوجيَّتِها؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَدْعُونَ بَعْلًا﴾
[الصافات: ١٢٥] أي: رَبّاً، لعلوِّه في الربوبيَّة(٢)، يقال: بَعْل وبُعُولة، كما يقال في
جمع الذكر: ذَكّر وذُكورة، وفي جمع الفحل: فحل وفُحولة، وهذه الهاء زائدةٌ
مؤكّدة لتأنيث الجماعة، وهو شاذٍّ لا يُقاس عليه(٣)، ويعتبر فيها السَّماع؛ فلا يُقال
في لَعْبٍ: لُعُوبَةٌ. وقيل: هي هَاءُ تأنيثٍ دخلت على فُعُول. والبُعُولة أيضاً مصدر
البَعْل. وبعَلَ الرجل يبْعَل ـ مثل منَع يَمْنَع - بُعُولة، أي: صار بَعْلاً. والمُبَاعلة
والبِعال: الجِماع، ومنه قولُه عليه الصلاة والسلام لأيام التَّشْرِيقِ: ((إنَّها أيامُ أكْلٍ
وشُرْبٍ وبِعال))(٤) وقد تقدَّم. فالرجل بعل المرأة، والمرأة بَعْلتُه. وباعَلَ مُبَاعَلَة: إذا
باشرَها. وفلان بَعْلُ هذا؛ أي: مالِكُه ورَبُّه. ولَه محاملٌ كثيرةٌ تأتي إن شاء الله
(٥)
تعالى(٥).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٦/١.
(٢) النكت والعيون للماوردي ٢٩٢/١.
(٣) انظر معاني القرآن للزجاج ٣٠٦/١.
(٤) أخرجه أحمد (١٥٧٩٣) ومسلم (١١٤٢) بلفظ: ((أكل وشرب)) من حديث كعب بن مالك رضي الله
عنه، وأخرجه أحمد أيضاً (١٥٧٩٣) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: ((طعم وذكر)). أما
اللفظ الذي أورده المصنف فقد أخرجه ابن أبي شيبة ٢١/٤، والدارقطني ٢١٢/٢ و٢٨٣/٤،
والطبراني في الكبير (١١٥٨٧)، وأسانيد هذه الروايات ضعيفة. وقال المنذري في لفظة ((بعال)): هي
لفظ غريب. نقله عنه الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٤٨٥. وانظر التلخيص الحبير ١٩٦/٢-١٩٧.
(٥) في تفسير الآية ١٢٥ من سورة الصافات.

٤٧
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
الثانية: قوله تعالى: ﴿أَحَقُّ بِرِهِنَّ﴾ أي: بمُراجعتهنَّ؛ فالمراجعةُ على ضربين:
مراجعةٌ في العِدَّة على حديث ابن عمرَ (١)، ومراجعةٌ بعدَ العِدَّة على حديث
مَعْقِل(٢)، وإذا كان هذا فيكونُ في الآية دليلٌ على تخصيص ما شَمِلَه العمومُ في
المسمَّيات؛ لأنَّ قولَه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ فُرُوَّةٌ﴾ عامٌّ في
المطلقات ثلاثاً وفيما دُونَها، لا خلافَ فيه. ثم قوله: ﴿وَبُولَهُنَّ أَحَقٌّ﴾ حكمٌ خاصٌّ
فيمَن كانَ طلاقُها دونَ الثَّلاث. وأجمعَ العلماءُ على أنَّ الحُرَّ إذا طلَّقَ زوجته
الحرَّةَ، وكانت مَدْخولاً بها، تطليقةً أو تطليقتين، أنَّه أحقُّ برَجعتِها ما لم تَنْقَضِ
عِدَّتُها وإنْ كرِهَتِ (٣) المرأةُ، فإنْ لم يُراجعها المطلِّقُ حتى انقضت عِدَّتُها فهي أحقُّ
بنفسِها وتصيرُ أجنبيةً منه؛ لا تحلُّ له إلَّا بخِظْبَة ونكاحِ مُستأنَف (٤) بوليٍّ وإشهادٍ،
ليس على سُنة المراجعة، وهذا إجماع من العلماء.
قال المُهلَّبُ: وكلُّ مَنْ راجعَ في العِدَّة؛ فإنَّه لا يلزمُه شيءٌ من أحكام النكاح
غير الإشهاد على المراجعة فقط، وهذا إجماعٌ من العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَأَفْسِكُوُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍّ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُ﴾ [الطلاق: ٢].
فذكرَ الإِشهادَ في الرَّجعة، ولم يذكره في النِّكاح ولا في الطَّلاق.
قال ابن المنذر(٥): وفيما ذكرناه من كتاب الله مع إجماع أهل العلم كفايةٌ عن
ذكر ما رُوي عن الأوائل(٦) في هذا الباب؛ والله تعالى أعلم.
الثالثة: واختلفوا فيما يكونُ به الرَّجلُ مراجعاً في العِدَّة؛ فقال مالك: إذا
وَطِئْهَا في العِدَّة وهو يريدُ الرَّجعةَ، وجَهِلَ أنْ يُشهِدَ، فهي رَجْعَةٌ. ويَنبغي للمرأة أنْ
(١) سلف ص ٤٠ من هذا الجزء، وفيه: ((مره فليراجعها)).
(٢). وفيه أن أخت معقل طلقها زوجها حتى انقضت عدتها، فخطبها، فأبى معقل، فنزلت الآية ﴿فَلَا
تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ (البقرة: ٢٣٢) أخرجه البخاري (٤٥٢٩).
(٣) في (خ) و(ظ): كرهته.
(٤) في (ظ): مستأذن.
(٥) الإشراف ٣٠٢/٤.
(٦) في (ز) عن ذكرنا الأقاويل.

٤٨
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
تمنعَه الوَظْءَ حتى يُشهِدَ (١)، وبه قال إسحاق؛ لقوله عليه الصلاة والسلام(٢): ((إنَّما
الأعمال بالنيات، ولكلِّ (٣) امرئٍ ما نَوَى)). فإنْ وطِئَ في العِدَّة لا يَنوي الرَّجعةَ
فقال مالك: يراجع في العِدَّة، ولا يَطأُ حتى يَستبرئَها من مائه الفاسد.
قال ابن القاسم: فإن انقضت عِدَّتُها لم ينكِجها هو ولا غيرُه في بقية مُدَّة
الاستبراء؛ فإن فَعَلَ فُسِخَ نِكاحُه، ولا يَتأبَّد تحريمُها عليه؛ لأنَّ الماءَ ماؤه(٤).
وقالت طائفةٌ: إذا جامَعَها فقد راجعَها؛ هكذا قال سعيد بن المسيِّب والحسنُ
البَصريُّ وابنُ سِيرين والزُّهريُّ وعطاء وطاوس والثوري. قالوا(٥): ويُشهِد؛ وبه قالَ
أصحابُ الرأي والأوزاعيُّ وابن أبي ليلى، حكاه ابنُ المنذر. وقال أبو عمر: وقد
قيل: وَظؤُهُ مراجَعةٌ على كلِّ حالٍ، نواها أو لم يَنوِها، ويُروى ذلك عن طائفة من
أصحاب مالك، وإليه ذهبَ اللَّيثُ. ولم يختلفوا فيمَن باع جاريته بالخيار أنَّ له
وطأَها في مُدَّة الخيار، وأنه قد ارتجعَها بذلك إلى مِلْكِه، واختارَ نقضَ البيع بفعله
ذلك. وللمطلّقة الرجعية حكمٌ من هذا(٦). والله أعلم.
الرابعة: من قَبَّلَ أو باشرَ ينوي بذلك الرَّجعةَ؛ كانت رَجْعةً، وإن لم ينو بالقُبْلَةِ
والمباشرة الرَّجْعةَ؛ كانَ آثماً وليس بمُراجع. والسُّنَّة أن يُشهِدَ قَبْلَ أنْ يَطأَ، أو قَبْلَ
أنْ يُقَبِّلَ أو يُباشِرَ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إنْ وِئِهَا أو لَمَسَها بشهوة، أو نظرَ
إلى فَرْجِها بشهوة، فهي رَجْعةٌ؛ وهو قولُ الثَّوريِّ، ويَنْبغي أنْ يُشهِدَ. وفي قول
مالكٍ والشافعيِّ وإسحاقَ وأبي عُبَيْد وأبي ثور: لا يكونُ رجعة؛ قاله ابن المنذر(٧).
(١) الاستذكار ١٨/ ٦٢ .
(٢) أخرجه أحمد (١٦٨) والبخاري (١) ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
وسلف ٣/ ٢٧٠.
(٣) في (م): وإنما لكل.
(٤) المنتقى للباجي ١١٢/٤.
(٥) في النسخ: قال، والمثبت من الإشراف ٣٠٢/٤ والكلام منه.
(٦) الاستذكار ٦٣/١٨ من قوله: ولم يختلفوا.
(٧) في الإشراف ٣٠٢/٤-٣٠٣.

٤٩
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
وفي ((المُنتقى))(١) قال: ولا خلافَ في صِحَّة الارتجاع بالقول؛ فأما بالفعل،
نحوُ الجماعِ والقُبْلَةِ؛ فقال القاضي أبو محمد: يَصِحُّ بها ويسائر(٢) الاستمتاع للذّة.
قال ابن المؤَّاز: ومثل الجَسَّة للذَّة، أو أن يَنظُرَ إلى فَرْجِها، أو ما قارَبَ ذلك من
محاسنها إذا أراد بذلك الرَّجعةَ؛ خلافاً للشافعيِّ في قوله: لا تَصِحُّ الرَّجعةُ إلَّا
بالقول. وحكاه ابنُ المنذر عن أبي ثور وجابر بن زيد وأبي قلابة (٣).
الخامسة: قال الشافعي(٤): إنْ جامعَها يَنوي الرَّجعةَ، أو لا يَنويها، فليسَ
بَرَجْعَة، ولها عليه مهرُ مثلِها. وقال مالك(٥): لا شيء لها؛ لأنه لو ارتجعَها لم يكن
عليه مهرٌ، فلا يكون الوَظْءُ دونَ الرَّجعة أولى بالمهر من الرجعة. وقال أبو عمر(٦):
ولا أعلمُ أحداً أوجبّ عليه مهرَ المثل غيرَ الشافعيِّ، وليس قولُه بالقوِيِّ؛ لأنها في
حكم الزوجات، وتَرتُه ويَرثُها، فكيف يجبُ مهرُ المثل في وطء امرأةٍ حكمُها في أكثر
أحكامها حكمُ الزَّوجة؟ إلَّا أنَّ الشُّبهةَ في قول الشافعيّ قويةٌ(٧)؛ لأنَّها عليه محرَّمة إلَّا
برجعة لها. وقد أجمعوا على أنَّ الموطوءةَ بِشُبهة يجبُ لها المهرُ، وحسبُك بهذا.
السادسة: واختلفوا: هل يسافرُ بها قبلَ أنْ يرتَجعَها؟ فقال مالك والشَّافعيُّ:
لا يسافرُ بها حتى يراجعَها، وكذلك قال أبو حنيفةَ وأصحابُه إلَّا زُفَرَ؛ فإنه روى عنه
الحسنُ بن زياد (٨) أنَّ له أنْ يسافرَ بها قبلَ الرجعة، وروى عنه عمرو بن خالد(٩):
لا يسافرُ بها حتى يراجِعَ (١٠).
(١) ٤ /١١١.
(٢) في (ظ): وكسائر.
(٣) الإشراف ٤/ ٣٠٣.
(٤) الاستذكار ١٨/ ٦١ .
(٥) نقله عنه الباجي في المنتقى ٤/ ١١٢.
(٦) الاستذكار ١٨/ ٦٢.
(٧) تحرف قوله في الاستذكار: إلا أن الشبهة في قول الشافعي قوية. إلى: لأن الشبهة في قوله فرية.
(٨) الأنصاري، أبو علي، فقيه العراق، صاحب أبي حنيفة، نزل بغداد، وصنف، وتصدر للفقه، توفي سنة
(٢٤٠هـ). السير ٩/ ٥٤٣.
(٩) أبو الحسن التميمي، الحافظ، نزيل مصر، ثقة ثبت، مات سنة (٢٢٩هـ). السير ٤٢٧/١٠.
(١٠) الاستذكار ١٨/ ٦٣.

٥٠
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
السابعة: واختلفوا: هل له أنْ يدخلَ عليها ويرى شيئًا من محاسنها؟ وهل
تتزينُ له وَتَتَشَوَّف(١)؟ فقال مالك: لا يخلو معَها، ولا يدخل عليها إلَّ بإذن،
ولا ينظرُ إليها إلَّا وعلَيها ثيابُها، ولا ينظرُ إلى شعرها، ولا بأسَ أنْ يأكلَ معها إذا
كان معَهما غيرُهما، ولا يبيتُ معَها في بيت، وينتقلُ عنها(٢) .
وقال ابن القاسم: رجَعَ مالك عن ذلك، فقال: لا يدخلُ عليها ولا يَرَى شعرَها.
ولم يختلف أبو حنيفةً وأصحابُه في أنَّها تتزيّنُ له وتتطيَّبُ وتلبَسُ الحُلِيَّ
وَتَتَشَوَّف.
وعن سعيد بن المسيب قال: إذا طلَّقَ الرجلُ امرأتَه تطليقةً فإنه يستأذِنُ عليها،
وتلبَسُ ما شاءَت من الثياب والحُلِيّ؛ فإن لم يكن لَهما إلَّ بيتٌ واحدٌ؛ فليجعلا
بينَهما سِتراً، ويُسلِّمُ إذا دخلَ. ونحوُه عن قتادةَ، ويُشعِرُها إذا دخل بالتنخُّم
والتَّنحنُحِ.
وقال الشافعيُّ: المطلّقةُ طلاقًا يملك رجعتَها محرَّمةٌ على مطلِّقها تحريمَ
المبتوتةِ حتى يُراجِعَ، ولا يراجعُ إلَّا بالكلام؛ على ما تقدَّم (٣).
الثامنة: أجمع العلماء على أنَّ المطلِّقَ إذا قال بعدَ انقضاء العِدة: إني كنتُ
راجعتُكِ في العِدَّة. وأنكرَتْ؛ أنَّ القولَ قولُها مع يمينِها، ولا سبيلَ له إليها؛ غيرَ
أنَّ النُّعمانَ كان لا يرى يمينًا في النكاح ولا في الرَّجعةِ، وخالَفَه صاحباهُ، فقالا
كقول سائرٍ أَهْلِ العلم. وكذلك إذا كانت الزوجةُ أَمَةً، فاختلف (٤) المولى
والجارية، والزوج يدَّعي الرَّجعةَ في العدَّة بعد انقضاء العِدَّة وأنكرت، فالقولُ قولُ
الزَّوجةِ الأمَةِ وإِنْ كذَّبها مولاها؛ هذا قولُ الشافعيِّ وأبي ثورٍ والنُّعمانِ. وقال
يعقوبُ ومحمدٌ: القولُ قولُ المولى، وهو أحقُّ بها (٥).
(١) أي: تتطلع له وتتزيَّن، ووقع في (خ) و(د) و(ز) و(م): تتشرَّف (في الموضعين) وهو تحريف.
(٢) الاستذكار ٦٠/١٨، ووقع فيه: ولا ينتقل عنها، وهو خطأ، وانظر المدونة ٤٢٤/٢.
(٣) الاستذكار ٥٩/١٨-٦١.
(٤) في (د) و(م): واختلف.
(٥) الإشراف ٣٠٣/٤.

٥١
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
التاسعة: لفظ الردِّ يقتضي زوالَ العِضمةِ، إلّا أنَّ علماءَنا قالوا: إن الرَّجعيةَ
مُحرَّمُ الوَظْءِ، فيكون الردُّ عائداً إلى الحِلِّ.
وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ وأبو حنيفةً ومَنْ قال بقولِهما - في أنَّ الرجعيّةِ (١) محلِّلةُ
الوَظْء -: إنَّ الطلاقَ فائدتُه تنقيصُ العدَدِ الذي جُعل له [وهو الثلاثة] خاصةً، وأنَّ
أحكامَ الزوجيَّة باقيةٌ لم ينحلَّ منها شيء، قالوا: وأحكام الزوجيَّةِ وإنْ كانت باقيةً
فالمرأةُ ما دامَت في العِدَّة سائرةٌ في سبيل الزَّوال بانقضاء العِدَّة، فالرَّجعةُ ردٌّ عن
هذه السبيل التي(٢) أخذَتِ المرأةُ في سلوكِها، وهذا ردِّ مجازيٌّ، والردُّ الذي
حكمنا به ردِّ حقيقيٌّ، فإنَّ هناك زوالَ مستنجزٍ(٣) وهو تحريم الوَظْءِ، فوقع الردُّ عنه
حقيقةً، والله أعلم(٤) .
العاشرة: لفظ ((أَحَقُّ)) يُظْلَقُ عند تعارض حقَّين ويترجَّحُ أحدُهما، فالمعنى: حقُّ
الزوج في مدة التَّربُص أحقُّ من حقِّها بنفسِها؛ فإنَّها إنما تملِكُ نفسَها بعد انقضاء
العِدَّة، ومثل هذا قوله عليه الصلاة والسلام: ((الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها مِنْ وَلِيِّها)». وقد
.. (
تقدَّم(٥) .
الحادية عشرة: الرجلُ مندوبٌ إلى المراجعةِ، ولكنْ إذا قصدَ الإصلاحَ بإصلاحٍ
حالِهِ معَها، وإزالةَ الوَحشةِ بينَهما؛ فأمَّا إذا قصَدَ الإضرارَ وتطويلَ العِدَّةِ والقطعَ بها
عن الخلاصِ من رِبْقةِ النكاح فمحرَّم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمِكُهُنَّ ضِرَارًا لِّعْتَدُوَا﴾ ثم
مَنْ فعل ذلك فالرَّجعةُ صحيحة، وإن ارتكب النَّهيَ وظلمَ نفسَه؛ ولو علمنا نحن
ذلك المَقصِدَ طلَّقْنا عليه(٦).
قوله تعالى: ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِآمْعُوفِ﴾ فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَنَّ﴾ أي: لهنَّ من حقوق الزوجية على الرجل مثلُ ما
(١) في (د) و(ظ) و(م): الرجعة.
(٢) في النسخ: الذي، والمثبت من (م).
(٣) في (خ) و(ز) و(ظ): متنجز، والمثبت من (د) و(م).
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٧/١ وما بين حاصرتين منه.
(٥) ٤٦٤/٣.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٨/١.

٥٢
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
للرجال عليهنَّ؛ ولهذا قال ابن عباس: إني لأَتزيَّنُ لامرأتي كما تتزيَّنُ لي، وما
أُحِبُّ أنْ أستَنْظِفَ كلَّ حقِّي الذي لي عليها، فتستوجبَ حقَّها الذي لها عليّ؛ لأنَّ
اللهَ تعالى قال: ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْبِنَّ بِالْعُرُفِ﴾(١) أي: زينة من غيرِ مأثم.
وعنه أيضاً: أي لهنَّ من حُسن الصُّحبةِ والعِشْرة بالمعروف على أزواجهنَّ مثلُ
الذي عليهنَّ من الطّاعة فيما أوجبَه عليهنَّ لأزواجهنَّ. وقيل: إنَّ لَهنَّ على أزواجِهنَّ
تركَ مضارَّتِهِنَّ كما كان ذلك عليهِنَّ لأزواجِهن. قاله الطبريُّ (٢).
وقال ابنُ زيد: تتقونَ اللهَ فيهنَّ كما عليهنَّ أنْ يَتقينَ اللهَ عزَّ وجَلَّ فيكم(٣)؛
والمعنى متقاربٌ. والآيةُ تعمُّ جميعَ ذلك من حقوق الزَّوجيَّة.
الثانية: قول ابن عباس: ((إنّي لأتَزيَّنُ لامرأتي)) قال العلماء: أمَّا زينَةُ الرِّجال
فعلى تفاؤُتِ أحوالِهم؛ فإنَّهم يَعملونَ ذلك على اللَّبَق والوفاق، فربَّما كانت زينةٌ
تليقُ في وقت ولا تليقُ في وقت، وزينَةٌ تليقُ بالشَّباب، وزينةٌ تليقُ بالشُّيوخ ولا تَليقُ
بالشَّباب؛ ألا ترى أنَّ الشيخَ والكهلَ إذا حفَّ شاربَه لِيقَ به ذلك وزَانَه، والشَّابّ إذا
فعل ذلك سَمُج ومُقِت؛ لأنَّ اللِّحيةَ لم توفُرْ بعدُ، فإذا حَفَّ شاربَه في أوَّل ما خرجَ
وجهه سَمُج، وإذا وَفُرَت لحيتُه وحفَّ شاربَه زانَه ذلك. ورُوي عن رسول الله وَل
أنه قال: ((أمرني ربِّي أن أعفيَ لحيتي وأحفِيَ (٤) شاربي)).
وكذلك في شأن الكُسوة؛ ففي هذا كلِّه ابتغاءُ(٥) الحقوق؛ فإنما يعملُ على
اللَّبق والوِفَاق؛ ليكون عندَ امرأتِه في زينة تسرُّها، ويُعِفَّها عن غيرِه من الرجال.
(١) أخرجه الطبري ١٢٠/٤ و١٢٣، وقوله: أستنظف، أي: أستوفي.
(٢) في تفسيره ٤/ ١٢٠، وقال: هو أشبه بدلالة ظاهر التنزيل من غيره. وقد نقل المصنف كلام الطبري هذا
وما قبله بواسطة الماوردي في النكت والعيون ١/ ٢٩٢-٢٩٣ ونسب القول الأول للضحاك.
(٣) أخرجه الطبري ١١٩/٤.
(٤) في (ظ) (وأحف)، والحديث أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٤٤٩/١، وابن عبد البر في التمهيد
٢٠ / ٥٥.
وقد أخرج أحمد (٤٦٥٤)، والبخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩) من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((احفوا
الشوارب، واعفوا اللحى)).
(٥) في (ظ) انتفاء.

٥٣
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
وكذلك الكحلُ من الرجال منهم من يَليقُ به، ومنهم مَنْ لا يليقُ به. فأما الطَّيْبُ
والسِّواكُ والخِلالُ والرَّميُّ بالدَّرَن وفُضولِ الشَّعر والتطهيرُ وقَلْم الأظفار؛ فهو بَيِّن
موافقٌ للجميع. والخِضاب للشيوخ والخاتَمُ للجميع من الشباب والشيوخ زينةٌ؛
وهو حَلْيُ الرِّجال على ما يأتي بيانُه في سورة النَّحل(١). ثمّ عليه أنْ يَتَوَخَّى أوقاتَ
حاجتِها إلى الرجل؛ فيُعِفَّها ويُغنيّها عن التَّطلع إلى غيرِهِ. وإنْ رأى الرجلُ من نفسه
عَجْزاً عن إقامة حقّها في مضجعها أخذَ من الأدوية التي تَزيدُ في باهِه وتُقوِّي شهوتَه
حتى يُعقَّها .
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي: منزلة. ومَدْرَجَةُ الطَّريق:
قارعتُه؛ والأصل فيه الطيّ؛ يقال: دَرَجوا، أي: طَوَوْا عمرهم؛ ومنها الدَّرجة التي
يُرتَقى عليها. ويقال: رجل بين الرّجلة، أي: القوّة. وهو أرجل الرجلين، أي
أقواهما. وفرس رجيل، أي: قوِيّ، ومنه الرِّجْلُ، لقُوَّتها على المشي، فزيادةُ درجةٍ
الرَّجلِ بعقله(٢) وقوَّتهِ على الإنفاق، وبالدِّية والميراث والجهاد(٣).
وقال حميد: الدَّرجةُ اللِّحيةُ؛ وهذا إنْ صحَّ عنه؛ فهو ضعيف لا يقتضيهِ لفظُ
الآية ولا معناها (٤).
قال ابن العربيّ(٥): فطوبى لعبدٍ أمسك عمَّا لا يعلمُ، وخصوصاً في كتاب الله
تعالى؛ ولا يَخفى على لبيب فضلُ الرجال على النِّساء؛ ولو لم يكن إلَّا أنَّ المرأةَ
خُلقت من الرَّجل، فهو أصلُها. وله أنْ يمنعَها من التَّصرف إلّا بإذنه؛ فلا تَصومُ إلَّا
بإذنه، ولا تحجُّ إلَّا معَه.
وقيل: الدَّرجة الصَّداق، قالَه الشعبي(٦). وقيل: جوازُ الأدَب(٧).
(١) في تفسير الآية (١٤) منها .
(٢) في (د) بفعله.
(٣) أخرجه الطبري عن مجاهد ١٢١/٤.
(٤) المحرر الوجيز ٣٠٦/٢، وأخرجه الطبري ١٢٣/٤.
(٥) في أحكام القرآن ١٨٨/١-١٨٩.
(٦) أخرجه الطبري ١٢٢/٤ .
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٩/١.
.

٥٤
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
وعلى الجملة فدرجته (١) تَقتضي التَّفضيلَ، وتُشعر بأنَّ حقَّ الزوج عليها أوجبُ
من حقِّها عليه؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((ولو أمرتُ أحداً بالسُّجودِ لغير
اللهِ لأَمرْتُ المرأةَ أنْ تَسجُدَ لزوجِها))(٢).
وقال ابنُ عباس: الدَّرجة إشارةٌ إلى حَضِّ الرِّجال على حُسن العِشْرَة، والتَّوسع
للنِّساء في المال والخُلق، أي: إن الأفضلَ يَنبغي أنْ يَتَحامل على نفسه. قال ابنُ
عطيّة(٣): وهذا قول حسن بارع.
قال الماورديُّ: يُحتملُ أنَّها في حقوق النِّكاح؛ له رفعُ العقد دونَها؛ ويلزمُها
إجابتُه إلى الفراش، ولا يلزمُه إجابتُها .
قلت: ومن هذا قولُه عليه الصلاة والسَّلام: ((أيُّما امرأةٍ دعاها زوجُها إلى
فراشه فأبَتْ عليه، لعنتها الملائكةُ حتَّى تُضْبحَ))(٤).
أي: عالم مُصيبٌ
﴿وَاللهُ عِزُ﴾ أي: منیع السلطان لا معترض عليه.
فيما يفعلُ.
قوله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَنٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ
أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ الَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيَا
حُدُودَ اَللَّهِ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِّءُ تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَنَعَذَّ حُدُودَ
اللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِبُونَ
قوله تعالى: ﴿اَلَّلَقُ مَنَّنَانٍ فَإِسَاءً بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَسْرِيٌ پِإِحْسَنٍ﴾ فیه سبع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿اَلَّلَقُّ مَرَّتَانِ﴾ ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم
للطلاق عدد، وكانت عندهم العِدَّةُ معلومةً مقدَّرةً، وكان هذا في أوَّل الإسلام
(١) في (د) و(ز) و(م): فدرجة، والمثبت من (ظ).
(٢) أخرجه الترمذي (١١٥٩)، وابن حبان (٤١٦٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه أحمد
(١٢٦١٤) و(١٩٤٠٣) و(٢١٩٨٦) و(٢٤٤٧١) من حديث ابن أبي أوفى ومعاذ بن جبل وعائشة
رضي الله عنهم.
(٣) في المحرر الوجيز ٣٠٦/٢ وما قبله منه، وأخرج الطبري ١٢٣/٤-١٢٤ أثر ابن عباس.
(٤) أخرجه البخاري (٥١٩٣)، ومسلم (١٤٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

٥٥
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
برهةً، يطلِّق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق؛ فإذا كادت تَحِلُّ من طلاقه راجَعَها
ما شاء، فقال رجل لامرأته على عهد النبي وَله: لا آوِيكِ ولا أدَعُك تَحِلِّين،
قالت: وكيف؟ قال: أطلِّقُكِ، فإذا دنا مُضِيُّ عِدَّتِكِ راجعتُك. فشَكَت المرأة ذلك
إلى عائشة، فذكرت ذلك للنبي وَله، فأنزل الله تعالى هذه الآية بياناً لعدد الطلاق
الذي للمرء فيه أن یرْتَجع دون تجديد مهرٍ ووليٍّ، ونسخ ما كانوا عليه. قال معناه
عروة بنُ الزبير وقتادة وابن زيد وغيرهم(١).
وقال ابن مسعود وابن عباس ومجاهدٌ وغيرهم: المراد بالآية التعريفُ بسنَّة
الطلاق، أي: مَن طلَّق اثنتين فليتَّقِ الله في الثالثة، فإمّا تَرَكها غيرَ مظلومةٍ شيئاً من
حقِّها، وإمَّا أَمْسَكها مُحسِنًا عِشْرَتَها، والآية تتضمَّن هذين المعنيين(٢).
الثانية: الطلاق هو حَلُّ العِصمة المنعقدةِ بين الأزواج بألفاظٍ مخصوصة.
والطلاق مباحٌ بهذه الآية وبغيرها، وبقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن
عمر: ((فإن شاء أمسك وإن شاء طلَّق))(٣) وقد طلَّق رسول الله ◌ِ ﴿ حفصةً ثم
راجعها؛ خرَّجه ابن ماجه(٤).
وأجمع العلماء على أنَّ مَن طلَّق امرأته طاهراً في طهر لم يَمَسَّها فيه أنه مطلِّق
للسُّنة، وللعِدَّة التي أمر الله تعالى بها، وأن له الرجعةَ إذا كانت مدخولاً بها قبل أن
تنقضيَ عدَّتها؛ فإذا انقضت فهو خاطبٌ من الخُطَّاب. فدلَّ الكتاب والسُّنة وإجماعُ
(١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١٨٩/١، والمحرر الوجيز ٣٠٦/١، والخبر أخرجه الترمذي
(١١٩٢)، والحاكم ٢٧٩/٢ -٢٨٠ وصححه، من طريق يعلى بن شبيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة رضي الله عنها. وأخرجه مالك ٥٨٨/٢، والترمذي ١١٩٢، والطبري ١٢٥/٤ عن عروة
مرسلاً ولم يذكر عائشة، قال الترمذي: وهذا أصح من حديث يعلى بن شبيب. وانظر تفسير ابن كثير
عند هذه الآية، والتعليق على الحديث في حاشية تفسير الطبري ٤/ ٥٤٠-٥٤١ (طبعة الشيخ محمود
شاكر). وأخرج أقوال الأئمة المذكورين الطبري ١٢٦/٤ -١٢٧.
(٢) المحرر الوجيز ٣٠٦/١، وأخبار ابن مسعود وابن عباس ومجاهد أخرجها الطبري ١٢٨/٤ -١٢٩،
وخبر ابن مسعود أخرجه بنحوه ابن ماجه (٢٠٢١) والنسائي في المجتبى ٦/ ١٤٠ .
(٣) أخرجه البخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١٤٧١)، وأخرجه بنحوه أحمد (٥١٦٤).
(٤) سنن ابن ماجه (٢٠١٦)، وأخرجه أيضاً الحاكم ١٩٧/٢ وهو من حديث عمر رضي الله عنه. قال
الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

٥٦
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
الأمَّة على أن الطلاق مباح غيرُ محظور. قال ابن المنذر(١): وليس في النهي عن
الطلاق ولا في المنع منه خبرٌ يثبت(٢).
الثالثة: روى الدارقطنيُّ(٣): حدَّثني أبو العباس محمد بنُ موسى بن عليٍّ
الدُّولابيُّ ويعقوبُ بن إبراهيم، قالا: حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا إسماعيلُ بن
عيَّاش، عن (٤) حُميد بن مالك اللَّحْمِيِّ، عن مكحول، عن معاذ بن جبل قال: قال
لي رسول الله وسلم: ((يا معاذ، ما خلق الله شيئاً(٥) على وجه الأرض أحبَّ إليه من
العِتاق، ولا خلق الله تعالى شيئاً على وجه الأرض أبغضَ إليه من الطلاق، فإذا قال
الرجل لمملوكه: أنت حرٌّ إن شاء الله، فهو حرٍّ ولا استثناء له، وإذا قال(٦)
لامرأته: أنتِ طالقٌ إن شاء الله، فله استثناؤه ولا طلاقَ عليه)).
حدَّثنا محمد بن موسى بن عليٍّ، حدَّثنا حميد بن الربيع، حدَّثنا يزيد بن
هارون، أنبأنا إسماعيل بن عيَّاش بإسناده(٧) نحوه. قال حميد: قال لي يزيد بن
هارون: وأيّ حديث لو كان حميد بن مالك اللخميُّ معروفاً؟ قلت: هو جدِّي، قال
يزيد: سَرَرْتَني، الآن صار حديثًا(٨).
قال ابن المنذر: وممن رأى الاستثناء في الطلاق طاوسٌ وحماد والشافعيُّ وأبو
ثور وأصحابُ الرأي. ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالك والأوزاعيِّ،
(١) في الإشراف ٤/ ١٦٠، وينظر التمهيد ٦٩/١٥.
(٢) في (د) و(ز) و(م): وليس في المنع منه خبر يثبت، وفي (خ) و(ظ): وليس في المنع عن الطلاق ولا في
المنع منه خبر يثبت، والمثبت من الإشراف.
(٣) في سننه ٣٥/٤.
(٤) في (م): بن، وهو خطأ .
(٥) قوله: شيئاً، من (م)، وهو موافق لما في سنن الدار قطني.
(٦) في (م): قال الرجل.
(٧) قوله: بإسناده، من (م)، وهو موافق لما في سنن الدار قطني.
(٨) قال البيهقي في السنن ٧/ ٣٦١: حميد بن الربيع ضعيف جداً، نسبه يحيى بن معين إلى الكذب،
وحميد بن مالك مجهول، ومكحول عن معاذ بن جبل منقطع. وينظر التحقيق في أحاديث الخلاف
لابن الجوزي ٢٩٦/٢ .

٥٧
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
وهو قول الحسن وقتادة في الطلاق خاصَّة. قال: وبالقول الأول أقول(١).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ ابتداء، والخبر: أمثلُ، أو أحسن،
ويصحُّ أن يرتفع على خبرٍ ابتداءٍ محذوف؛ أي: فعليكم إمساكٌ بمعروف، أو:
فالواجبُ عليكم إمساكٌ بما يُعرف أنه الحق. ويجوز في غير القرآن ((فإمساكاً)) على
المصدر (٢) .
ومعنى ((بإحسان)): ألا(٣) يظلمها شيئًا من حقِّها، ولا يتعدَّى في قول.
والإمساك: خلافُ الإطلاق. والتسريحُ: إرسال الشيء، ومنه تسريح الشعر؛
ليخلِّص البعض من البعض. وسَرَّح الماشية: أرسلَها(٤).
والتسريح يحتمل لفظُه معنيين: أحدهما: تركُها حتى تُتمَّ العدَّة من الطلقة
الثانية، وتكون أَمْلَكَ بنفسها(٥)؛ وهذا قول السديِّ والضحاك.
والمعنى الآخَرُ: أن يطلِّقها ثالثةً فيسرِّحَها؛ هذا قول مجاهد وعطاء
وغيرهما (٦)، وهو أصحُ لوجوه ثلاثة:
أحدها: ما رواه الدار قطنِيُّ(٧) عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله، قال الله
تعالى: ﴿اَلِّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ فلِمَ صار ثلاثاً؟ قال: ((إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان -
في رواية - هي الثالثة)). ذكره ابن المنذر(٨).
(١) ينظر الإشراف ١٨٦/٤، ولم نقف فيه على قول ابن المنذر الأخير. وينظر أيضاً المحلى ٢١٧/١٠،
ومختصر اختلاف العلماء ٢/ ٤٤٠.
(٢) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣١٣/١، والمحرر الوجيز ٣٠٦/١.
(٣) في (د) و(م): أي لا، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٣٠٦/١ والكلام
منه .
(٤) ينظر تفسير الرازي ٦/ ١٠٤.
(٥) في (م): لنفسها.
(٦) المحرر الوجيز ٣٠٦/١، والأخبار المذكورة أخرجها الطبري ٤/ ١٣٠-١٣١.
(٧) في سنته ٤/٤.
(٨) الإشراف ١٥٩/٤. والحديث أخرجه الدارقطني من طريق إسماعيل بن سميع عن أنس رضي الله
عنه، وقال: كذا قال: عن أنس، والصواب عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين مرسلاً. اهـ. وقد:
أخرج المرسل أبو داود في المراسيل (٢٢٠)، وابن أبي شيبة ٢٥٩/٥، والطبري ١٣٠/٤. قال=

٥٨
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
الثاني: أن التسريح من ألفاظ الطلاق، ألا ترى أنه قد قُرئ: ((وإن (١) عزموا
السّراح)).
الثالث(٢): أن فَعَّل تَفْعيلاً يعطي أنه أحدَثَ فعلاً مكرَّراً على الطَّلْقة الثانية،
وليس في الترك إحداثُ فعل يعبّر عنه بالتفعيل(٣).
قال أبو عمر(٤): وأجمع العلماء على أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَشْرِيٌّ بِإِحْسَانٍ﴾ هي
الطَّلقةُ الثالثة بعد الطلقتين، وإياها عنَى بقوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ
حَتَّى تَنكِحَ زَوْبًا غَيْرَهُ﴾. وأجمعوا على أن مَن طلَّق امرأته طلقةً أو طلقتين فله
مراجعتُها؛ فإن طلَّقها الثالثةَ لم تحلَّ له حتى تنكح زوجاً غيره، وكان هذا من
مُحكّم القرآن الذي لم يُختلف في تأويله. وقد رُوي من أخبار [الآحاد] العدول مثلُ
ذلك أيضاً: حدَّثنا سعيد بن نصر قال: حدَّثنا قاسم بن أصبغ قال: حدَّثنا محمد بن
وَضَّاح قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدَّثنا أبو معاويةً، عن إسماعيل بن
سُمَيْع، عن أبي رَزِين قال: جاء رجل إلى النبيِّ وَ ل﴿ فقال: يا رسول الله، أرأيت
قولَ الله تعالى: ﴿الطّلَقُ مَنَّتَانِ فَإِسَالِكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فأين الثالثةُ؟ فقال
رسول الله وَله: ﴿فَإِمِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾. ورواه الثوريُّ(٥) وغيرُه عن
إسماعيل بن سُمیع عن أبي رَزِین مثله.
البيهقي ٧/ ٣٤٠: والصواب عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين عن النبي غير مرسلاً، كذلك رواه
=
جماعة من الثقات عن إسماعيل. وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٦٦/٩ أن المرفوع شاذ، وأن
المرسل هو المحفوظ. ورجح عبد الحق في الأحكام الوسطى ١٩٥/٣ المرسل أيضاً، وتعقبه ابن
القطان في بيان الوهم والإيهام ٣١٦/٢ بقوله: وعندي أن هذين الحديثين صحيحان. وسيذكر
المصنف الحديث المرسل لاحقاً نقلاً عن ابن عبد البر.
(١) في (م): إن، والقراءة لابن عباس، وقد ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٤.
(٢) في (م): الثالثة.
(٣) المحرر الوجيز ٣٠٦/١.
(٤) الاستذكار ١٥٨/١٨، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٥) في (د) و(ز): الترمذي، وهو خطأ، ورواية الثوري أخرجها أبو داود في المراسيل (٢٢٠)، والطبري
١٣٠/٤- ١٣١، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث آنفاً.

٥٩
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
قلت: وذكر الكِيا الطبريُ(١) هذا الخبر وقال: إنه غير ثابت من جهة النقل؛
ورجّح قولَ الضحاك والسدِّيِّ، وأن الطلقة الثالثة إنما هي مذكورة في مساق
الخطاب في قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَ تِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْبًا غَيْرَهُ﴾. فالثالثة
مذكورة في صلةٍ(٢) هذا الخطاب، مفيدةٌ للبَيْنُونة الموجِبَة للتحريم إلَّا بعد زوج؛
فوجب حملُ قوله: ﴿أَوْ تَتْرِيٌ بِإِحْسَنٍ﴾ على فائدة مجدَّدة، وهو وقوع البينونة
بالنِّنْتين عند انقضاء العدَّة، وعلى أن المقصد (٣) من الآية بيانُ عدد الطلاق الموجِبِ
للتحريم، ونسخُ ما كان جائزاً من إيقاع الطلاق بلا عددٍ محصور، فلو كان قوله:
﴿أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾ هو الثالثة لَمَا أبان عن المقصد في إيقاع التحريم بالثلاث؛ إذ
لو اقتصر عليه لمَا دل على وقوع البينونة المحرّمة لها إلَّا بعد زوج، وإنما عُلم
التحريم بقوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَِّلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. فوجب ألَّا
يكون معنى قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيٌّ بِإِحْسَانٍ﴾ الثالثةَ، ولو كان قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾
بمعنى الثالثة، كان قولُه عَقِيبَ ذلك: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ الرابعةَ؛ لأن الفاء للتعقيب،
قد (٤) اقتضى طلاقاً مستقبلاً بعد ما تقدَّم ذكره؛ فثبت بذلك أن قوله تعالى: ﴿أَوْ
تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾ هو تركُها حتى تنقضيّ عِدَّتها .
الخامسة: ترجم البخاريُّ على هذه الآية: باب من أجاز الطلاق الثلاثَ بقوله
تعالى: ﴿اَلِّلَقُّ مَنَّتَانٍّ فَإِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَشْرِيٌ ◌ِإِحْسَنٍ﴾(٥)، وهذا إشارة منه إلى أن
هذا التعديد إنما هو فُسْحَةٌ لهم؛ فمن ضيَّق على نفسه لزمه(٦). قال علماؤنا: واتَّفق
أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قولُ جمهور
(١) أحكام القرآن ١٧٣/١، وينظر أحكام القرآن للجصاص ٣٩٠/١.
(٢) في (خ) و(م): صلب، وفي أحكام القرآن للجصاص: صدر.
(٣) في (خ): القصد، وفي (د) و(ز) و(م): المقصود، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في أحكام القرآن
للکیا والجصاص.
(٤) في (د) و(م): وقد. والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في كتابي أحكام الكيا والجصاص
المذکورین.
(٥) كتاب الطلاق، باب: ٤ (فتح الباري ٩/ ٣٦١).
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٨٩/١.

٦٠
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
السلف، وشدَّ طاوسٌ وبعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع
واحدة، ويُروى هذا عن محمد بن إسحاق والحجَّاج بن أرطاة. وقيل عنهما:
لا يلزم منه شيء؛ وهو قولُ(١) مقاتل. ويُحكى عن داود أنه قال(٢): لا يقع.
والمشهورُ عن الحجّاج بن أرطاة وجمهورٍ السلف والأئمَّة أنه لازمٌ واقعٌ ثلاثاً،
ولا فرق بين أن يُوقع ثلاثاً مجتمعةً في كلمة، أو متفرّقةً في كلمات(٣).
فأمَّا مَن ذهب إلى أنه لا يلزم منه شيءٌ، فاحتج بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ
يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ فُرُوَةٍ﴾. وهذا يعُمُّ كلَّ مطلَّقةٍ إلَّا ما خُصَّ منه؛ وقد تقدَّم.
وقال: ﴿اَلْطَّلَقُ مَنَّتَانٍ﴾ والثالثة: ﴿فَإِسَالٌ بِعْرُوفٍ أَوْ نَشْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾. ومن طلَّق
ثلاثاً في كلمة فلا يلزم؛ إذ هو غيرُ مذكور في القرآن.
وأما مَن ذهب إلى أنه واقعٌ واحدةٌ فاستدلَّ بأحاديثَ ثلاثةٍ:
أحدها : حديثُ ابن عباس من رواية طاوس وأبي الصَّهْباء وعكرمة(٤).
وثانيها: حديث ابن عمر على رواية مَن رَوى أنه طلَّق امرأته ثلاثًا، وأنه عليه
الصلاة والسلام أمره برجعتها واحتسب له(٥) واحدة(٦).
وثالثها: أن رُكَانَةٍ(٧) طلَّق امرأته ثلاثاً، فأمره رسول الله وَّهِ بَرَجْعَتِها، والرَّجعةُ
(١) في (خ) و(ظ): مذهب.
(٢) قوله: قال، ليس في (ظ).
(٣) ينظر الاستذكار ٨/١٧-٢٠، والمنتقى ٣/٤، ومختصر اختلاف العلماء ٤٦٢/٢، وأحكام القرآن
للكيا الطبري ١ / ١٧٠.
(٤) أخرجه مسلم (١٤٧٢): (١٦) عن ابن طاوس، عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما
كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي * ** وأبي بكر وثلاثاً من إمارة عمر، فقال ابن عباس: نعم.
وأخرجه أحمد (٢٨٧٥)، ومسلم (١٤٧٢): (١٥) عن ابن عباس مثله، وليس فيه ذكر أبي الصهباء،
وسيذكره المصنف. أما رواية عكرمة عن ابن عباس فهي في حديث ركانة بن عبد يزيد، وستأتي. انظر
المحلى ١٦٨/١٠.
(٥) في (م): واحتسبت له، وفي (٥): واحتسب عليه.
(٦) أخرج هذه الرواية الدارقطني في سننه ٧/٤، وسيذكرها المصنف.
(٧) في (خ) و(ط): أن أبا رُكانة، والمثبت من باقي النسخ، ووقع أيضاً (أبو رُكانة)) في حديث أبي داود
(٢١٩٦) من راوية عكرمة، عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أمَّ ركانة ... ، قال=