Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ سورة البقرة : الآية ٢١٩ وجلدَه عمرُ الحدَّ عليها مراراً، ونفاه إلى جزيرة في البحر، فلحق بسعد، فكتب إليه عمر أنْ يحبسَه، فحبسَه، وكان أحد الشجعان البُهَم(١)، فلما كان من أمره في حرب القادسية ما هو معروفٌ حلَّ قيودَه، وقال: لا نجلدُك على الخمر أبداً. قال أبو مِحْجَن: وأنا والله لا أشربُها أبداً، فلم يشربْها بعد ذلك. في رواية: قد كنت أشربُها إذْ يقام عليَّ الحدُّ، [وأُطهّر منها](٢)، وأما إذْ بَهْرَ جْتَنِي(٣)، فلا والله (٤) لا أشربُها أبداً. وذكر الهيثمُ بنُ عدِيّ أنه أخبره مَنْ رأى قبرَ أبي مِحْجن بأذْرَبِیجان، أو قال: في نواحي جُرْجان، وقد نبتت عليه ثلاثة(٥) أصولٍ كَرْم، وقد طالت وأثمرت، وهي مُعَرِّشة(٦) على قبره، مكتوبٌ على قبره (٧): هذا قبرُ أبي مِحْجَن، قال: فجعلتُ أتعجّبُ وأذكر قولَه : إذا مِتُّ فاذْفِنِّي إلى جَنْب كَرْمةٍ ثم إنَّ الشاربَ يصير ضُحْكَةً للعقلاء، فيلعبُ ببوله وعَذِرَته، وربما يمسح وجهه، حتى رُؤي بعضُهم يمسح وجهه ببوله، ويقول(٨): اللهم اجعلني من التوّابین، واجعلني من المتطهّرین، ورُؤي بعضُهم والكلبُ يلحس وجهه، وهو يقول له: أكرمك الله. وأما القِمار فيورِث العداوةَ والبغضاء؛ لأنه أكلُ مالِ الغيرِ بالباطل. السابعة: قوله تعالى: ﴿وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ أما في الخمر فرِبحُ التِّجارة، فإنهم كانوا يجلبونها من الشام بُرُخْص، فيبيعونها في الحجاز بربح، وكانوا لا يَرون المماكسة(٩) الأغاني ٣٧٤/١٨، وابن الشجري في الأمالي ١/ ٣٨٧، والبغدادي في خزانة الأدب ٣٩٨/٨، قال = الهروي: رفع ((أن لا أذوقها)) أنها مخففة من الثقيلة أراد: أني لا أذوقها. (١) قوله: الْبُهَم جمع بُهْمَة، أي: الشجاع الذي لا يُهتدى من أين يؤتى. القاموس (بهم). (٢) ما بين حاصرتين من الاستيعاب. (٣) قوله: بهرجتني، أي: هَدَرْتني بإسقاط الحدّ عني. القاموس (بهرج). (٤) في (م): فوالله. (٥) في (م): ثلاث. (٦) في (م): معروشة. (٧) في (م): القبر. (٨) في النسخ: وقال، والمثبت من(م). (٩) أي انتقاص الثمن واستحطاطه، والمنابذة بين المتبايعين. النهاية (مكس). ٤٤٢ سورة البقرة : الآية ٢١٩ فيها، فيشتري طالبُ الخمرِ الخمرَ بالثمن الغالي. هذا أصحُّ ما قيل في منفعتها، وقد قيل في منافعها: إنها تهضِم الطعام، وتُقوِّي الضعف، وتعينُ على الباه، وتُسْخي البخيل، وتُشجّع الجبان، وتُصفِّي اللونَ، إلى غير ذلك من اللذة بها(١). وقد قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: ونَشربُها فتتركُنا ملوكًا وَأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا اللقاءُ(٢) إلى غير ذلك من أفراحها. وقال آخر: رَبُّ الخَوَرْنَقِ والسَّدِيرِ فإذا شرِبتُ فإنَّني ربُّ الشُّوَيْهةِ والبَعِيرِ(٣) وإذا صَحوْتُ فإنَّني ومنفعة الميسرِ مصيرُ الشَّيء إلى الإنسان في القمار بغير كَدٍّ ولا تعب، فكانوا يشترون الجَزُور، ويضربون بسهامهم، فمن خرج سهمُه أخذ نصيبه من اللحم، ولا يكون عليه من الثمن شيءٌ، ومن بقيَ سهمُه آخِرًا كان عليه ثمنُ الجزور كلِّه، ولا يكون له من اللحم شيء (٤). وقيل: منفعتُه التَّوسعةُ على المَحاويج، فإنَّ من قَمَر منهم كان لا يأكلُ من الجزور، وكان يُفرِّقه في المحتاجين(٥) . وسهامُ الميسرِ أحدَ عشرَ سهمًا، منها سبعةٌ لها حظوظٌ(٦)، وفيها فروضٌ على عدد الحظوظ، وهي: الفَذَّ (٧)، وفيه علامةٌ واحدة، وله نصيبٌ، وعليه نصيبٌ إنْ خاب. الثاني: التَّوْأَم، وفيه علامتان، وله وعليه نصيبان. الثالث: الرَّقِيب، وفيه (١) انظر أحكام القرآن لابن العربي ١٥١/١، وتفسير الرازي ٤٩/٦. (٢) ديوان حسان ص٨، وقوله: يُنَهنِهنا، يقال: نهنهه عن الأمر فتَنهنه، أي: كفَّه فكفَّ. القاموس (نهنه). (٣) قائل البيتين المنخَّل اليشكري، وهما في شرح ديوان الحماسة للتبريزي ٤٨/٢، والبيان والتبيين ٣٤٦/٣، والنكت والعيون ٢٢٧/١، ورواية البيت في شرح الديوان: فإذا انتشيت، وفي البيان: فإذا سكرت. وقوله: الخوَرنَق: اسم لقَصْر النعمان بن المنذر. القاموس (خرق)، والسَّدير: نهر بالحيرة، وأرض باليمن. القاموس (سدر)، والشُّوَيْهة: تصغير الشاة. (٤) تفسير أبي الليث ٢٠٣/١. (٥) تفسير الرازي ٦/ ٥٠. (٦) في (د) و(ز) و(ظ): خطوط، وكذلك في الموضع الآتي. (٧) في النسخ: القد، وهو خطأ، والمثبت من (م). ٤٤٣ سورة البقرة : الآية ٢١٩ ثلاثُ علاماتٍ على ما ذكرنا. الرابع: الحِلْس، وله أربع. الخامس: النافِر والنافِس(١) أيضاً، وله خمس. السادس: المُسْبَل، وله ستّ. السابع: المُعَلَّى، وله سبع. فذلك ثمانيةٌ وعشرون فرضاً. وأَنصباءُ الجزور كذلك في قول الأصمعيِّ. وبقيَ من السهام أربعةٌ، وهي الأغفالُ؛ لا فروضَ لها ولا أنصباءَ، وهي: المُصَدَّر، والمُضَغَّف، والمَنِيح، والسَّفِيح. وقيل: الباقية الأغفالُ الثلاثة: السَّفِيح، والمَنِيح، والوَغْد، تزاد هذه الثلاثةُ؛ لتكثرَ السِّهام على الذي يُجِيلُها(٢)، فلا يجدُ إلى المَيل مع أحدٍ سبيلاً. ويُسمَّى المُجِيلُ المُفيضَ، والضاربَ، والضَّرِيبَ، والجمع الضُّرَباء. وقيل: يُجعلُ خلفَه رقيبٌ؛ لئلا يُحابيّ أحدًا، ثم يجثُو الضريبُ على ركبتيه، ويلتحفُ بثوبٍ، ويُخرجُ رأسَه، ويُدخِلُ يدَه في الرِّبابة، فيخرج. وكانت عادة العربِ أنْ تضربَ الجَزُور بهذه السِّهام في الشَّتْوة وضِيقِ الوقت، وكَلَبِ الْبَرْد على الفقراء، يُشتَرَى الجَزورُ، ويَضمن الأيسارُ ثمنَها، ويُرضى صاحبُها من حقِّه، وكانوا يفتخرون بذلك، ويذمُّون من لم يفعل ذلك منهم، ويسمُّونه البَرَمَ(٣). قال متمِّم بن نُويرة: ولا بَرَمًا تُهدِي النساءُ لِعِرْسه إذا القَشْعُ مِن بَرْدِ الشتاء تَقَعْقَها (٤) ثم تُنحر، وتُقسم على عشرة أقسام. قال ابن عطية(٥): وأخطأ الأصمعيُّ في قسمة الجزور، فذكر أنها على قذر حظوظِ السهام ثمانيةٌ وعشرون قسمًا، وليس كذلك، ثم يضرب على العشرة، فمن فاز سهمُه بأنْ يخرجَ من الرِّبابة متقدِّماً، أخذَ أنصباءَه وأعطاها الفقراء، والرِّبابةُ - بكسر الراء -: شبيهةٌ بالكِنانة، تُجمع فيها سهامُ (١) أي: بالسين بدل الراء، كما ذكر الشوكاني في فتح القدير ٢٢١/١. (٢) قوله: يُجيلها من الإجالة، وهي الإدارة يقال في الميسر: أَجِل السهام. الصحاح (جول). (٣) انظر الكشاف ٣٥٩/١، والمحرر الوجيز ٢٩٣/١. (٤) البيت في المفضليات ص ٢٦٥، والمعاني الكبير لابن قتيبة ٢/ ١١٤٧، وجمهرة أشعار العرب ٧٤٨/٢. قوله: القَشْع: الجلد اليابس. المعاني الكبير. (٥) في المحرر الوجيز ٢٩٣/١. ٤٤٤ سورة البقرة : الآية ٢١٩ الميسر، وربَّما سَمَّوْا جميعَ السهامِ رِبابة(١)، قال أبو ذؤيب يصف الحِمار وأتُنَه: وكأنهنَّ رِبابةٌ وكأنه يَسَرٌ يُفيض على القِداح ويَصْدَعُ(٢) والرِّبابة أيضًا: العهدُ والميثاق؛ قال الشاعر: وقَبْلَكَ رَبَّتْنِي فضِعتُ رُبُوبُ(٣) وكنتُ امْرَأَ أَفضَتْ إليكَ رِبَابَتِي وفي أحيان ربما تقامروا لأنفسهم، ثم يغرَّم الثمن من لم يفُز سهمُه، كما تقدَّم. ويعيش بهذه السِّيرة فقراءُ الحيِّ، ومنه قولُ الأعشى: والجاعِلو القُوتِ على الياسِرٍ(٥) المطعِمو الضيفِ إذا ما شَتَوْا(٤) ومنه قول الآخر : بأيديهمُ مَقْرومةٌ ومَغَالِقٌ يعودُ بأرزاق العُفاةِ مَنِيحُها(٦) و ((المنيح)) في هذا البيتِ المستمنَح؛ لأنهم كانوا يستعيرون السَّهم الذي قد أملَسَ، وكثر فوزُه، فذلك المنيحُ الممدوح. وأما المنيح الذي هو أحدُ الأغفال، فذلك إنما يوصف بالكَرِّ، وإياه أراد الأخطل(٧) بقوله: ولقد عَطَفْنَ على فَزارةَ عَظْفةً كَرَّ المَنِيحِ وَجُلْنَ ثَمَّ مَجالًا (١) انظر الغريب المصنف لأبي عبيد ٤٢٩/٢، والجراثيم المنسوب لابن قتيبة ٣٧٧/٢. (٢) ديوان الهذليين ٦/١، والمفضليات ص٤٢٤، والصحاح (فيض). قال شارح الديوان: اليَسَر: الذي يضرب بالقداح، وهو المُفيض، ويَصدّع: يفرِّق ويصيح. (٣) قائله علقمة بن عبدة، وهو في ديوانه ص٤٣ (بشرح الشنتمري). والشطر الأول فيه: وأنت امرؤٌ أفضت إليك أمانتي، قال الشنتمري في شرحه: قوله: أفضت إليك أمانتي، أي: برزت نحوك وانتهت إليك، وقوله: وقبلك ربَّتْني، أي: ملكتني أرباب من الملوك، فضعت حتى سرت إليك، والرَّبوب جمع رب، وهو المالك. (٤) في النسخ: شتا، والمثبت من (م)، والديوان. (٥) ديوان الأعشى ص١١٨، وفيه: اللحم، بدل: الضيف. (٦) قائله عمرو بن قميئة، وهو في ديوانه ص ٣٠، وقوله: مقرومة من التقريم، وهو التَّعليم على الشيء، والقرمة علامة على سهام الميسر. القاموس (قرم). والمغالق: قداح الميسر، واحدها مِغْلق، أو هي من نعوت القداح التي يكون لها الفوز، وليست من أسمائها. انظر القاموس. (٧) في النسخ الخطية: جرير، وكذلك في المحرر الوجيز ٢٩٤/١، وعنه نقل المصنف، وهو وهم، والبيت للأخطل كما في ديوانه ص٤٨، وانظر المعاني الكبير ١١٥٦/٣ . ٤٤٥ سورة البقرة : الآية ٢١٩ وفي الصحاح(١): والمَنِيح سهمٌ من سهام الميسرِ مما لا نصيبَ له إلا أنْ يُمنحَ صاحبه شيئاً. ومن الميسر قولُ لَبِید: إذا يَسَروا لم يُورِثِ اليُسْرُ بينهمْ فواحشَ يُنعَى ذِكرُها بالمَصایِفِ(٢) فهذا كلُّه نفعُ الميسر، إلا أنه أكلُ المال بالباطل. الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ أَعلَمَ الله جلَّ وعزَّ أنَّ الإثمَ أكبرُ من النَّفع، وأَعْوَدُ بالضرر في الآخرة، فالإثم الكبيرُ بعد التحريم، والمنافعُ قبل التحریم. وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((كثير)) بالثاء المثلثة، وحجَّتهما أنَّ النَّبيَّ وَّ لعن الخمر، ولعن معها عشرة: بائعَها ومبتاعَها، والمشتراةَ له، وعاصرَها، والمعصورةَ له، وساقيها، وشاربَها، وحاملها والمحمولةَ له، وآكلَ ثمنها(٣). وأيضاً فَجَمْعُ المنافع يَحسُن معه جمعُ الآثام. و((كثير) بالثاء المثلثة يعطي ذلك. وقرأ باقي القرَّاء وجمهورُ الناس: ((كبير)» بالباء(٤) بواحدة، وحجتُها(٥) أنَّ الذَّنبَ في القِمار وشُربِ الخمر من الكبائر، فوصفُه بالكبير أليق. وأيضاً فاتفاقهم على ((أكبر)» حجةٌ لـ((كبير)) بالباء بواحدة. وأجمعوا على رفض ((أكثر)) بالثاء المثلَّثة، إلا في مصحف عبدِ الله بن مسعود فإنَّ فيه ((قل فيهما إثم كثير)) ((وإثمهما أكثر))(٦) بالثاء مثلَّثة في الحرفین. التاسعة: قال قوم من أهل النظر: حُرِّمت الخمرُ بهذه الآية؛ لأنَّ الله تعالى قد قال: ﴿قُلْ إِنََّا حَرَّمَ رَفِيَ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطْنَ وَآلْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فأخبر (١) مادة (منح). (٢) كذا نسبه المصنف رحمه الله للبيد، ومثله ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٩٤/١، وعنه نقل المصنف، ولم نجده في ديوانه، ونسبه المفضل الضبي في المفضليات ص٢٣٣ للمرقش الأكبر. : (٣) أخرجه أحمد (٤٧٨٧)، وأبو داود (٣٦٧٤)، وابن ماجه (٣٣٨٠) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه ابن السكن كما في التلخيص الحبير ٤/ ٧٣. (٤) انظر السبعة ص ١٨٢، والتيسير ص ٨٠. (٥) في (م): بالباء الموحدة، وحجتهم. (٦) انظر القراءات الشاذة ص ١٣. ٤٤٦ سورة البقرة : الآية ٢١٩ في هذه الآية أنَّ فيها إثماً، فهو حرام. قال ابن عطية(١): ليس هذا النظرُ بجيِّد؛ لأنَّ الإثمَ الذي فيها هو الحرام، لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر. قلت: وقال بعضهم: في هذه الآية ما دلَّ على تحريم الخمرٍ؛ لأنه سماه إثمًا، وقد حرَّم الإثمَ في آيةٍ أخرى، وهو قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَقَِّ اٌلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ﴾ وقال بعضهم: الإثم أراد به الخمر، بدليل قولِ الشاعر: شَرِبتُ الإثمَ حتى ضَلَّ عَقْلي كذاكَ الإئمُ يَذْهبُ بالعقولِ(٢) قلت: وهذا أيضاً ليس بجيِّد؛ لأنَّ الله تعالى لم يُسمِّ الخمر إثمًا في هذه الآية، وإنما قال: ﴿قُلّ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، ولم يقل: قل: هما إثمٌ كبير. وأما آيةٌ (الأعرافِ)) وبيتُ الشعرِ؛ فيأتي الكلام فيهما هناك مبيّنًا، إنْ شاء الله تعالى(٣). وقد قال قتادة(٤): إنما في هذه الآية ذَمُّ الخمر، فأما التحريمُ فُيُعلم بآيةٍ أخرى، وهي آيَةٌ المائدةِ(٥)، وعلى هذا أكثرُ المفسرين(٦). قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَّكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَّفَكَّرُونَ ﴿َ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾ فیه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوُّ﴾ قراءةُ الجمهور بالنصب. وقرأ أبو عمرو وحده بالرفع. واختلف فيه عن ابن كثير (٧). وبالرفع قراءةُ الحسنِ وقتادةَ وابٍ أبي إسحاق(٨). (١) المحرر الوجيز ٢٩٤/١، وما قبله منه. (٢) تفسير أبي الليث ٢٠٣/١، وورد البيت في تفسير البغوي ١٥٨/٢، ومجمع البيان ٢٠٦/٢، وزاد المسير ١٩١/٣، واللسان (أثم). (٣) عند تفسير الآية (٣٣) منها . (٤) أخرجه الطبري ٦٨٥/٣ بنحوه. (٥) الآية (٩٠) منها. (٦) انظر تفسير الطبري ٦٨٠/٣-٦٨٦، والنكت والعيون ٢٧٨/١، ومجمع البيان ٢٠٦/٢. (٧) المحرر الوجيز ٢٩٥/١، والقراءة المشهورة عن ابن كثير كقراءة الجمهور. انظر السبعة ص١٨٢، والتيسير ص ٨٠. (٨) انظر البغوي ١/ ١٩٣. ٤٤٧ سورة البقرة : الآية ٢١٩ قال النحاس(١) وغيره: إنْ جعلتَ ((ذا)) بمعنى الذي؛ كان الاختيارُ الرفع، على معنى: الذي ينفقون هو العفو، وجاز النصب. وإنْ جعلت ((ما)) و((ذا)) شيئًا واحدًا؛ كان الاختيارُ النصب، على معنى: قل: ينفقون العفو، وجاز الرفع. وحكى النحويون: ماذا تعلَّمت: أنحوًا أم شعرًا؟ بالنصب والرفع، على أنهما جيِّدان حَسَنان؛ إلا أنَّ التفسيرَ في الآية على النَّصب. الثانية: قال العلماء: لما كان السؤال في الآية المتقدِّمة في قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥] سؤالاً عن النفقة إلى مَنْ تُصرف، كما بيَّنَّاه ودلَّ عليه الجواب، والجواب خرج على وَفْق السؤال؛ كان السؤالُ الثاني في هذه الآية عن قَدْر الإنفاق، وهو في شأن عمرو بن الجموح - كما تقدَّم(٢) - فإنه لما نزل ﴿قُلْ مَآ أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَ لِدَيْنِ﴾ قال: كم أُنفق؟ فنزل: ﴿قُلِ الْمَفْوُّ﴾. والعفوُ: ما سهُل وتيسَّر وفَضَل، ولم يَشُقَّ على القلب إخراجُه، ومنه قولُ الشاعر: خُذِي العفوَ منِّي تستديمي موذَّتي ولا تَنْطِقي في سَوْرَتي حين أغضبُ (٣) فالمعنى: أَنفقوا ما فَضَل عن حوائجكم، ولم تُؤذوا فيه أنفسَكم فتكونوا عالة (٤)، هذا أوْلى ما قيل في تأويل الآية، وهو معنى قولِ الحسنِ وقتادةً وعطاءٍ والسُّدِّيِّ والقُرظيِّ محمدِ بنِ كعب وابنٍ أبي ليلى وغيرِهم، قالوا: العفو ما فَضَل عن العيال، ونحوُه عن ابن عباس. وقال مجاهد: صدقةٌ عن ظَهْرٍ غِنّى(٥)، وكذا قال عليه السلام: ((خيرُ الصَّدقة ما أنْفقت عن غِنّى)) (٦)، وفي حديث آخر: ((خيرُ الصَّدقة ما كان عن ظَهْرٍ غنّى))(٧). وقال قيس بنُ سعد(٨): هذه الزكاةُ المفروضة. (١) في إعراب القرآن ٣٠٩/١. (٢) ص ٤١٣ من هذا الجزء. (٣) سلف ص ٨٠ من هذا الجزء. (٤) المحرر الوجيز ٢٩٥/١. (٥) أورد هذه الآثار الطبري ٦٨٦/٣-٦٨٩، وابن أبي حاتم ٣٩٣/٢. (٦) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وانظر تخريج الحديث الآتي. (٧) هو قطعة من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٧٧٤١)، والبخاري (١٤٢٦). وأخرجه أحمد (١٥٣١٧)، والبخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤) من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه بنحوه. (٨) أخرجه الطبري ٣/ ٦٩٠ و٦٩٤-٦٩٥، وقيس بن سعد هو أبو عبد الملك المكّي الحبشي، خلف عطاء= ٤٤٨ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ وقال جمهور العلماء: بل هي نفقاتُ التطوُّع. وقيل: هي منسوخة. قال الكلبيُّ: كان الرجلُ بعد نزول هذه الآيةِ إذا كان له مالٌ من ذهب أو فضةٍ أو زرع أو ضَرْعٍ، نظر إلى ما يكفيه وعيالَه لنفقة سنةٍ أمسكه، وتصدَّق بسائره، وإنْ كان ممن يعملُ بيده أمسَكَ ما يكفيه وعيالَه يومًا، وتصدَّق بالباقي، حتى نزلت آيةُ الزكاةِ المفروضةِ، فنسخت هذه الآيةَ وكلَّ صدقة أُمِروا بها. وقال قوم: هي مُحْكّمةٌ، وفي المال حقٌّ سوى الزكاة(١). والظاهر يدلُّ على القول الأوَّل. الثالثة: قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ﴾ قال المفضَّلِ بنُ سَلَمة: أي: في أمر النفقة. ﴿لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ (٣) فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُّ﴾ فتَحبِسون من أموالكم ما يُصلِحكم في معاش الدنيا، وتنفقون الباقي فيما ينفعُكم في العُقْبَى. وقيل: في الكلام تقديمٌ وتأخير، أي: كذلك يبيِّن الله لكم الآياتِ في أمر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها، فتزهدون فيها، وفي إقبال الآخرةِ وبقائها، فترغبون فيها(٢). قوله تعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةُ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِّحْ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَأَعْنَتَكُمَّ إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّى﴾ إلى قوله: ﴿حَكِيمٌ﴾ فیه ثمان مسائل: الأولى: روى أبو داود والنَّسائيُّ عن ابن عباس قال: لما أنزل الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ أَلْيَقِيِ إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى ◌ُظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، الآية، انطلق مَنْ كان عنده يتيمٌ، فعزلَ طعامَه = في مجلسه، كان ثقة قليل الحديث، مات سنة (١١٧ هـ). تهذيب التهذيب ٤٤٩/٣. (١) المحرر الوجيز ٢٩٥/١، وانظر تفسير الطبري ٦٩٣/٣-٦٩٤. وسلف حديث: ((إن في المال حقاً سوى الزكاة)) ص ٥٩ من هذا الجزء، فانظره. (٢) تفسير البغوي ١٩٤/١. ٤٤٩ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ عن(١) طعامه، وشرابَه عن(٢) شرابه، فجعَل يَفْضُلُ من طعامه، فيُحبَسُ له، حتى يأكله أو يفسُدَ، فاشتدَّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله وَله، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّ قُلْ إِصْلَاٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ الآية، فخلطوا طعامَهم بطعامه وشرابهم بشرابه، لفظ أبي داود(٣). والآية متصلةٌ بما قبلُ؛ لأنه اقترن بذكر الأموالِ الأمرُ بحفظ أموال اليتامى. وقيل: إنَّ السَّائلَ عبدُ الله بنُ رَواحة. وقيل: كانت العرب تتشاءم بملابسة أموال اليتامى في مؤاكلتهم، فنزلت هذه الآية(٤). الثانية: لمَّا أَذِنَ الله جلَّ وعزَّ في مخالطة الأيتامِ مع قصد الإصلاحِ بالنظر إليهم وفيهم، كان ذلك دليلاً على جواز التصرُّفِ في مال اليتيم تَصرُّفَ الوَصِيِّ في البيع والقسمةِ وغير ذلك، على الإطلاق؛ لهذه الآية. فإذا كَفّل الرجلُ اليتيمَ وحازه، وكان في نظره، جاز عليه فعلُه، وإن لم يقدِّمه وَالٍ عليه؛ لأنَّ الآية مطلقةٌ، والكفالة ولايةٌ عامة. لم يُؤْثَر عن أحد من الخلفاء أنه قدَّم أحدًا على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم، وإنما کانوا یقتصِرون علی کونھم عندهم(٥). الثالثة: تواترت الآثارُ في دفعِ مالِ اليتيم مضاربةً والتجارةِ فيه. وفي جواز خَلْطِ مالِهِ بماله دلالةٌ على جواز التصرُّفِ في ماله بالبيع والشراء إذا وافق الصلاحَ، وجوازٍ دفعه مضاربةً (٦)، إلى غير ذلك؛ على ما نذكره مبيّناً. واختلف في عمله هو قِراضًا، فمنعه أشهب، وقاسه على منعه من أنْ يبيعَ لهم من نفسه أو يشتريّ لها. وقال غيره: إذا أخذه على جزء من الربح بنسبةٍ قراضٍ مثله فيه أُمضيَ؛ كشرائه شيئًا لليتيم بتعَقُّب، فيكون أحسنَ لليتيم. قال محمد بنُ عبد الحكم: وله أنْ يبيعَ له بالدَّين إن رأى ذلك نظرًا . (١) في (م): من. (٢) في (خ) و(ظ) و(م): من. (٣) سنن أبي داود (٢٨٧١)، والمجتبى ٢٥٦/٦، والكبرى (٦٤٦٣)، وهو عند أحمد (٣٠٠٠). (٤) انظر المحرر الوجيز ٢٩٦/١، وزاد المسير ٢٤٤/١. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١٥٥. (٦) أحكام القرآن للجصاص ٣٣٠/١، وأحكام القرآن للكا ١٢٧/١-١٢٨، وعنه نقل المصنف. ٤٥٠ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ قال ابن كنانة: وله أنْ يُنفقَ في عُرس اليتيم ما يَصلُح من صنيع وطِيب، ومصلحتُه بقَدر حالِه وحالٍ من يُزوَّج إليه، وبقَدْر كثرةٍ ماله. قال: وكذلك في خِتانه، فإنْ خَشْيَ أنْ يُنَّهمَ، رَفعَ ذلك إلى السلطان، فيأمره بالقصد(١)، وكلُّ ما فعله على وجه النَّظرِ فهو جائز، وما فعلَه على وجه المحاباةِ وسوءِ النَّظر فلا يجوز. ودلَّ الظاهرُ على أنَّ وَلِيَّ اليتيم يعلِّمُه أمرَ الدنيا والآخرة، ويستأجرُ له، ويؤاجرُه ممن يُعلِّمه الصناعة. وإذا وُهب لليتيم شيءٌ فللوصيٍّ أنْ يَقِضَه لما فيه من الإصلاح(٢). وسيأتي لهذا مزيدُ بين في ((النساء)) إن شاء الله تعالى(٣). الرابعة: ولِمَا ينفقُه الوَصِيُّ والكفيلُ من مال اليتيم حالتان: حالةٌ يمكنُه الإشهادُ عليه؛ فلا يُقبل قولُه إلا ببيِّنة. وحَالةٌ لا يمكنُه الإشهادُ عليه، فقولُه مقبول بغير بيِّنة، فمهما اشترى من العَقَار وما جرت العادة بالتَّوثق فيه، لم يُقبل قوله بغير بيِّنة. قال ابن خُوَيزِ مَنداد: ولذلك فَرَّقَ أصحابُنا بين أنْ يكونَ اليتيم في دار الوصيِّ يُنفِق عليه، فلا يُكلَّف الإشهادَ على نفقته وكسوته؛ لأنه يَتعذَّرُ عليه الإشهادُ على ما يأكلُه ويَلبسُه في كلِّ وقت، ولكن إذا قال: أنفقت نفقةً لسنةٍ قُبِل منه؛ وبين أنْ يكونَ عند أمِّه أو حاضنته، فيدَّعِي الوصيُّ أنه كان يُنفق عليه، أو كان يُعطِي الأمَّ أو الحاضنةَ النفقة والكسوةَ، فلا يُقبل قولُه على الأمِّ أو الحاضنةِ إلا ببيّنة أنها كانت تَقبِضُ ذلك له مشاهرةً أو مُساناةً(٤). الخامسة: واختلف العلماء في الرجل يُنكِحُ نفسَه من يتيمته، وهل له أن يشتريَ لنفسه من مال يتيمِه أو يتيمته؟ فقال مالك: ولايةُ النِّكاح بالكفالة والحضانة أقوى منها بالقرابة، حتى قال في الأعراب الذين يُسلمون أولادهم في أيام المجاعة: إنهم يُنكحونهم إنكاحَهم؛ فأما إنكاحُ الكافلِ والحاضنِ لنفسه فيأتي في ((النساء)» بيانه، إن شاء الله تعالى. وأما الشراء منه؛ فقال مالك: يشتري في مشهور الأقوال، وكذلك قال أبو حنيفة: له أنْ يشتريَ مالَ الطفل اليتيم لنفسه بأكثرَ من ثمن المِثْل؛ (١) انظر النوادر والزيادات ٢٩١/١١-٢٩٣. (٢) أحكام القرآن للجصاص ٣٣١/١، وأحكام القرآن للكيا ١٢٩/١، وعنه نقل المصنف. (٣) عند تفسير الآية (٦) منها . (٤) أي: بالشهر، أو بالسنة. ينظر القاموس (شهر) (سنه). ٤٥١ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ لأنه إصلاحٌ دلَّ عليه ظاهرُ القرآن. وقال الشافعيُّ: لا يجوزُ ذلك في النِّكاح ولا في البيع(١)؛ لأنه لم يُذكر في الآية التَّصرفُ، بل قال: ﴿إِصْلَاحٌ لَّمْ خَيْرٌ﴾ من غير أنْ يذكرَ فيه الذي يجوز له النَّظر. وأبو حنيفة يقول: إذا كان الإصلاح خيرًا فيجوز تزويجُه، ويجوز أنْ يُزوّجَ منه. والشافعيُّ لا يرى في التزويج إصلاحاً إلا من جهة دفع الحاجة، ولا حاجةً قبل البلوغ. وأحمد بنُ حَنْبل يُجوِّزُ للوصيِّ التزويجَ؛ لأنه إصلاح. والشافعيُّ يجوِّز للجدِّ التزويجَ مع الوصيِّ، وللأب في حقٌّ ولدهِ الذي ماتت أمُّه، لا بحكم هذه الآية. وأبو حنيفة يجوِّز للقاضي تزويجَ اليتيم بِظاهر القرآن. وهذه المذاهبُ نشأت من هذه الآية، فإنْ ثبت گَوْنُ التزويج إِصلاحًا فظاهرُ الآية يقتضي جوازَه. ويجوز أنْ يكونَ معنى قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّ﴾، أي: يسألك(٢) القُوَّامُ على اليتامى الكافلون لهم، وذلك مُجْمَلٌ لا يُعلم منه عَيْنُ(٣) الكافِلِ والقَيِّم وما يُشترَط فيه من الأوصاف. فإن قيل: يلزم تركُ مالكِ أصلَه في التُّهمة والذَّرائع؛ إذْ جوَّز له الشراء من يتيمه. فالجواب أنَّ ذلك لا يلزم، وإنما يكونُ ذلك ذريعةً فيما يؤدِّي من الأفعال المحظورةِ إلى محظورة منصوصٍ عليها؛ وأما هاهنا فقد أذن الله سبحانه في صورة المخالطة، ووَكَلَ الحاضنين في ذلك إلى أمانتهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِعْ﴾، وكُلُّ أمرٍ مَخُوف وَكَلَ الله سبحانه المكلَّف إلى أمانته لا يقال فيه: إنه يتذرَّع إلى محظور به، فيُمنع منه؛ كما جعل الله النساءَ مؤتَمناتٍ على فروجهنَّ، مع عظيم ما يترتَّب(٤) على قولهنَّ في ذلك من الأحكام، ويرتبطُ به من الحِلِّ والحُرْمةِ والأنساب؛ وإنْ جاز أنْ يَكْذِبْنَ(٥). (١) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١٥٥. (٢) في النسخ: يسألونك، والمثبت من (م). (٣) في (ظ) وأحكام القرآن للكيا ١٢٨/١ (والكلام منه): غير. (٤) في النسخ: يتركب، والمثبت من (م). (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٦/١. ٤٥٢ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ وكان طاوس إذا سئل عن شيءٍ من أمر اليتامى قرأ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِّ﴾. وكان ابنُ سيرين أحبُّ الأشياء إليه في مال اليتيم أنْ يجتمعَ نصحاؤه، فينظرون الذي هو خيرٌ له؛ ذكره البخاريُّ(١). وفي هذا دلالةٌ على جواز الشراءِ منه لنفسه؛ كما ذكرنا . والقول الآخر أنه لا ينبغي للوليّ أنْ يشتريَ مما تحت يده شيئاً؛ لما يلحقُه في ذلك من الثُّهمة إلا أنْ يكونَ البيع في ذلك بيعَ سلطانٍ في ملأ من الناس. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يشتري من التركة، ولا بأس أنْ يَدُسَّ من يشتري له منها إذا لم يُعلم أنه من قبله(٢) . السادسة: قوله تعالى: ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ هذه المخالطةُ كخلط المِثْل بالمِثْل، كالتمر بالتمر. وقال أبو عُبيد(٣): مخالطةُ اليتامى أنْ يكونَ لأحدهم المالُ، ويشقَّ على كافله أنْ يُفرِدَ طعامَه عنه، ولا يجدَ بُدًّا من خَلطه بعياله، فيأخذَ من مال اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتَّحرِّي، فيجعلَه مع نفقة أهلِه، وهذا قد يقع فيه الزيادةُ والنقصان، فجاءت هذه الآيةُ الناسخة بالرُّخصة فيه. قال أبو عبيد: وهذا عندي أصلٌ لما يفعلُه الرُّفَقاء في الأسفار، فإنهم يَتْخارجون النفقاتِ بينهم بالسويَّة، وقد يتفاوتون في قلَّة المطعم وكثرته، وليس كلُّ من قَلَّ مطعمُه تَطِيب نفسُه بالتفضُّل على رفيقه؛ فلما كان هذا في أموال اليتامى واسعًا، كان في غيرهم أوْسعَ، ولولا ذلك لخِفتُ أنْ يضيقَ فيه الأمرُ على الناس. السابعة: قوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمُّ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: فهم إخوانُكم، والفاء جواب الشرط. وقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِّجَّ﴾ تحذير، أي: يعلم المفسدَ لأموال اليتامى مِن المصلح لها؛ فيجازِي كلَّ على إصلاحه وإفسادٍ.(٤). (١) إثر حديث (٢٧٦٧). (٢) انظر النوادر والزيادات ٢٩٨/١١. (٣) في الناسخ والمنسوخ ص ٢٤٠. (٤) انظر المحرر الوجيز ٢٩٦/١. ٤٥٣ سورة البقرة : الآية ٢٢١ الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ روى الحَكَم عن مِقْسَم، عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَّكُمْ﴾؛ قال: لو شاء لجعلَ ما أَصبتُم من أموال اليتامى مُوِقًا(١). وقيل: ((لأعنتكم)»: لأهلَكَكم، عن الزجَّاج وأبي عُبيدة (٢). وقال القُتَبِيُّ(٣): لَضيَّقَ عليكم وشدَّدَ، ولكنه لم يشأ إلا التسهيلَ عليكم. وقيل: أي: لكلَّفكم ما يشتدُّ عليكم أداؤه، وأثَّمكم في مخالطتهم، كما فعلَ يمن كان قبلكم، ولكنه خفّف عنكم. والعَنَت: المشقّة، وقد عَنْتَ، وأَعْنَته غيرُه. ويقال للعَظم المجبورِ إذا أصابه شيءٌ، فهاضه: قد أغْنَتَه، فهو عَنْت(٤) ومُعْنَت. وعَنِتَت الذَّابَّةُ تعنَتُ عَنْتًا: إذا حدث في قوائمها كسرٌ بعد جَبْرٍ لا يمكنُها معه جريٌّ. وأَكَمَةٌ عَنُوت: شاقةُ المَصْعَد. وقال ابن الأنباريّ: أصلُ العَنَتِ التَّشديد، فإذا(٥) قالت العرب: فلانٌ يتعثَّت فلاناً ويُعْنِته، فمرادها يُشدِّدُ عليه، ويُلزِمُه ما يصعبُ عليه أداؤه، ثم نقلت إلى معنى الهلاك. والأصلُ ما وصفنا (٦). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، أي: لا يمتنع عليه شيء ﴿حَكِيمٌ﴾ يتصرَّف في ملكه بما يريدُ لا حَجْرَ عليه، جلَّ وتعالى عُلُوًّا كبيراً. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِعُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمُّ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌ مِّنِ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَاللهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنٌِ وَيُبَيِّنُ (٢٢) ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَُّونَ (١) أخرجه الطبري ٧٠٩/٣. (٢) معاني القرآن للزجاج ٢٩٤/١، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ٧٣/١ . (٣) في غريب القرآن ٨٣/١. (٤) في النسخ: عنيت، والمثبت من (م)، وهو الموافق للصحاح (عنت). (٥) في النسخ: إذا، والمثبت من (م). (٦) انظر تهذيب اللغة للأزهري ٢٧٣/٢-٢٧٥، والصحاح (عنت). ٤٥٤ سورة البقرة : الآية ٢٢١ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ وَلَأَمَّةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ فیه سبع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِعُوا﴾ قراءةُ الجمهور بفتح التاء. وقُرئتْ في الشاذ بالضم، كأنّ المعنى أنّ المتزوِّج لها أنكحها من نفسه. ونكّح: أصله الجِماع، ويستعمل في التزوُّج تجوّزًا واتّساعًا (١)، وسيأتي بيانُه إن شاء الله تعالى. الثانية: لما أذِن الله سبحانه وتعالى في مُخالطة الأيتام، وفي مخالطة النكاح بَيَّن أن مُناكحةً المشركين لا تصحّ. وقال مقاتل: نزلتْ هذه الآيةُ في أبي مَرْئَد الغَنَوِيّ - وقيل: في مَرْثد بن أبي مَرْئد(٢) - واسمه: كَنَّاز بن حُصين الغَنويّ؛ بعثَه رسولُ اللهِ وَ له إلى مكةَ سِرًّا لِيُخرِجَ رجلاً من أصحابه، وكانت له بمكة امرأةٌ يُحبها في الجاهلية يقال لها: عَناق، فجاءته، فقال لها: إنّ الإِسلام حرَّم ما كان في الجاهلية، قالت: فتزوَّجْني، قال: حتى أَستأذِنَ رسولَ الله ◌َّر، فأتى النبيَّ ◌َلَر فاستأذنه، فنهاه عن التزوُّج بها؛ لأنه كان مسلماً وهي مُشركة(٣). وسيأتي في ((النور))(٤) بيانه إن شاء الله تعالى. الثالثة: واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقالت طائفة: حرَّم الله نكاح (١) المحرر الوجيز ٢٩٦/١، وذكر القراءة الشاذة ابنُ خالويه في القراءات الشاذة ص١٣، ونسبها للأعمش. (٢) في النسخ الخطية: أبي مرثد بن أبي مرثد، والمثبت من (م)، وأبو مرثد الغنوي، وابنه مرثد صحابيان بدريان، حليفا حمزة بن عبد المطلب، قتل مرثد يوم الرجيع في حياة رسول الله ولي، أما أبو مرثد فمات سنة (١٢ هـ) في خلافة أبي بكر. الاستيعاب (بهامش الإصابة) ١٢/ ١٤٠ ٦٠/١٠. (٣) تفسير ابن أبي حاتم (٢١٠٠)، وأسباب النزول للواحدي ص٦٦ و٦٧، وذكر الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص١٨ أن نزولها في هذه القصة ليس بصحيح، وأن الآية التي نزلت هي قوله تعالى: ﴿اَلَِّ لَا يَنكِعُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] كما في سنن أبي داود (٢٠٥١)، وسنن الترمذي (٣١٧٧)، والسنن الكبرى للنسائي (٥٣١٩). (٤) في الآية (٣) منها. وجاءت العبارة في (خ) و(ز) و(ظ) مختصرة كما يلي: واسمه: كنّار بن حُصين، استأذن رسول الله* في نكاح عَنّاق، امرأة بمكة، وكانت مشركة، فنهي أبو مرثد عن التزوج بها، لأنه كان مسلماً. وسيأتي .. ٤٥٥ سورة البقرة : الآية ٢٢١ المشركات في سورة البقرة، ثم نسخ من هذه الجملة نساءَ أهل الكتاب، فأحلَّهنَّ في سورة المائدة(١). ورُويَ هذا القول عن ابن عباس رضي الله عنهما(٢)، وبه قال مالك بن أنس، وسفيانُ بن سعيد الثوريّ، وعبدُ الرحمن بنُ عمرو الأوزاعيّ(٣). وقال قتادة وسعيد بنُ جُبير: لفظُ الآية العمومُ في كل كافرة، والمرادُ بها الخصوصُ في الكتابيات، وبيَّنت الخصوصَ آيةُ ((المائدة))، ولم يتناول العمومُ قطّ الكتابياتِ، وهذا أحدُ قَوْلي الشافعيّ، وعلى القول الأوّل يتناولهنَّ العمومُ، ثم نَسخت آيةُ ((المائدة)) بعضَ العموم. وهذا مذهب مالك رحمه الله، ذكره ابنُ حبیب، وقال: ونكاحُ اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحلَّه الله تعالى مُستثقَل مذموم(٤). وقال إبراهيم بنُ إسحاق(٥) الحربيّ: ذهب قومٌ فجعلوا الآيةَ التي في ((البقرة)) هي الناسخةَ، والتي في ((المائدة)) هي المنسوخة؛ فحرَّموا نكاحَ كلِّ مشركة كتابية أو غير كتابية . قال النحاس: ومن الحجة لقائلِ هذا مما صحَّ سندُه ما حدَّثَناه محمد بنُ زَبَّان(٦) قال: حدّثنا محمد بنُ رُمْح قال: أخبرنا الليث، عن نافع أن عبد الله بنَ عمر كان إذا سُئل عن نكاح الرجل النصرانيةً أو اليهودية قال: حرَّم الله المشركاتِ على المؤمنين، ولا أعرف شيئًا من الإشراك أعظمَ من أن تقولَ المرأةُ: ربُّها عيسى، أو عبدٌ من عباد الله(٧) !. قال النحاس: وهذا قولٌ خارجٌ عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة؛ لأنه قد قال بتحليل نكاح نساء أهلِ الكتاب من الصحابة والتابعين جماعةٌ؛ منهم عثمانُ (١) الآية (٥). (٢) الإشراف ٩١/٤. وأخرجه الطبري ٧١٢/٣، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٤/٢. (٣) انظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥/٢. (٤) المحرر الوجيز ٢٩٦/١، وانظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٦/٢-٧. (٥) في النسخ الخطية و(م): إسحاق بن إبراهيم، وهو خطأ. والأثر أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٥/٢. (٦) في (د) و(ز) و(م): رَيّان، وهو خطأ. انظر سير أعلام النبلاء ١٤/ ٥١٩. (٧) الناسخ والمنسوخ ٦/٢، والأثر أخرجه البخاري (٥٢٨٥) من طريق قتيبة بن سعيد عن الليث، به، وفیه: وهو عبد من عباد الله، بدل: أو عبد من عباد الله. ٤٥٦ سورة البقرة : الآية ٢٢١ وطلحةُ وابنُ عباس وجابرٌ وحذيفةُ، ومن التابعين سعيدُ بنُ المسيِّب وسعيدُ بنُ جُبير والحسنُ ومجاهدٌ وطاوس وعكرمةُ والشَّعبيّ والضحاكُ، وفقهاءُ الأمصار عليه. وأيضاً فيمتنع أن تكونَ هذه الآيةُ من سورة البقرة ناسخةً للآية التي في سورة المائدة؛ لأنّ ((البقرة)) من أوَّل ما نزل بالمدينة، و((المائدةَ)) من آخر ما نزل. وإنما الآخِرُ يَنْسَخُ الأوّلَ، وأما حديثُ ابنِ عمرَ فلا حُجّةً فيه؛ لأن ابنَ عمرَ رحمه الله كان رجلاً متوقِّفاً، فلما سمع الآيتين؛ في واحدةٍ التحليلُ، وفي أُخرى التحريم، ولم يَبلُغْه النسخُ، توقَّف، ولم يُؤخَذْ عنه ذِكْر النسخ، وإنما تُؤُوِّل عليه، وليس يُؤخَّذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل(١). وذكر ابن عطية: وقال ابن عباس في بعض ما رُوِيّ عنه: إن الآيةَ عامةٌ في الوثنيَّات والمجوسيَّات والكتابيَّات، وكلّ مَن على غير الإسلام حرام (٢). فعلى هذا هي ناسخةٌ للآية التي في ((المائدة)) ويُنظر إلى هذا قولُ ابنِ عمرَ في ((الموطأ)»: ولا أعلم إشراكاً أعظمَ من أن تقول المرأةُ: ربُّها عيسى(٣). ورُوِيَ عن عمر أنه فرَّق بين طلحة بنِ عُبيد الله وحُذيفة بن اليَمَان وبين كتابيّتين وقالا: نُطَلِّقُ يا أميرَ المؤمنين ولا تغضَب، فقال: لو جاز طلاقُكما لجاز نكاحُكما، ولكن أُفرِّق بينكما صَغَرةً قمأة (٤) ٠ قال ابن عطية: وهذا لا يستند جيداً(٥)، وأسندُ منه: أنّ عمر أراد التفريقَ بينهما، فقال له حُذيفة: أَتزعُم أنها حرامٌ فأُخليَ سبيلَها يا أمير المؤمنين؟ فقال: (١) الناسخ والمنسوخ ٧/٢-٩، وانظر الأقوال السابقة في الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (١٤٦) و(١٤٩) و(١٥١) - (١٥٤)، ومصنف ابن أبي شيبة ١٥٨/٤، وتفسير الطبري ٧١١/٣-٧١٢. (٢) أخرجه الطبري بنحوه ٧١٤/٣، وأورده الحافظ ابن كثير وقال: حديث غريب جداً. (٣) انظر الاستذكار ٢٧٠/١٦. (٤) أخرجه الطبري ٧١٤/٣، وأورده ابن كثير في تفسير هذه الآية ثم قال: وهذا الأثر عن عمر غريب. قوله: صَغّرة، هو جمع صاغر، وهو الراضي بالذل، وقوله: قمأة، كذا في النسخ الخطية والمصادر، ولعلها: قِماء، وهو جمع قَمِيء، يعني الذليل الصاغر، كما ذكر الشيخ محمود شاكر في حاشيته على الطبري ٤/ ٣٦٥، وقال: إنْ صحَّ الخبر فهو إتباع لقوله: صَغّرة، ومثله كثير في كلامهم. (٥) في النسخ: جداً، والمثبت من (م) والمحرر الوجيز. ٤٥٧ سورة البقرة : الآية ٢٢١ لا أَزْعُم أنها حرام، ولكني أخافُ أنْ تَعاطَوُا المُومساتِ منهنّ. ورُوِيَ عن ابن عباس نحوُ هذا(١). وذكر ابن المنذر جوازَ نكاح الكتابيات عن عمر بن الخطاب، ومَن ذُكر من الصحابة والتابعين في قول النحاس. وقال في آخر كلامه: ولا يصحُّ عن أحدٍ من الأوائل أنه حرَّم ذلك(٢). وقال بعض العلماء: وأما الآيتان فلا تعارضَ بينهما، فإن ظاهر لفظ الشِّرك لا يتناول أهل الكتاب، لقوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا اَلُْشْرِكِينَ أَن يُغَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وقال: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] ففرّق بينهم في اللفظ، وظاهرُ العطف يقتضي مُغايرةً بين المعطوف والمعطوف عليه، وأيضًا فاسم الشِّرك عمومٌ وليس بنصّ، وقوله تعالى: ﴿وَاَلْحُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ بعد قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ﴾ [المائدة: ٥] نصٌّ، فلا تعارضَ بين المُحتمِل وبين ما لا يحتمِل. فإن قيل: أراد بقوله: ﴿وَالْحُصَنَكُّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبَلِكُمْ﴾ أي: أُوتوا الكتاب مِن قبلكم وأَسلموا، كقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآية. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَبِمَةٌ﴾ الآية [آل عمران: ١١٣]. قيل له: هذا خِلافُ نصّ الآية في قوله: ﴿وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْكِنَبَ مِن قَبّلِكُمْ﴾، وخلافُ ما قاله الجمهور، فإنه لا يُشكِل على أحدٍ جوازُ التزويج ممن أسلم وصار من أعيان المسلمين. فإنْ قالوا: فقد قال الله تعالى: ﴿أُوْلَكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ فجعل العلّة في تحريم نكاحِهنَّ الدعاءَ إلى النار. والجواب: أنّ ذلك علَّة لقوله تعالى: ﴿وَلَأَمَّةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ﴾ لأنّ (١) المحرر الوجيز ٢٩٦/١-٢٩٧، وأثر عمر رضي الله عنه أخرجه الطبري ٧١٦/٣. (٢) الإشراف على مذاهب العلماء ٩١/٤. ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح ٩/ ٤١٧ كلام ابن المنذر هذا وتعقّبه بقوله: لكن أخرج ابن أبي شيبة بسند حسن أن عطاء كره نكاح اليهوديات والنصرانيات، وقال: كان ذلك والمسلمات قليل. وهذا ظاهر في أنه خصّ الإباحة بحال دون حال. وانظر مصنف بن أبي شيبة ٤ /١٥٨ . ٤٥٨ سورة البقرة : الآية ٢٢١ المشرك يدعو إلى النار، وهذه العلة مُطَّرِدة في جميع الكفار، فالمسلمُ خيرٌ من الكافر مطلقاً، وهذا بيّن(١). الرابعة: وأما نكاحُ أهل الكتاب إذا كانوا حَرْباً فلا يَحِلُّ؛ وسُئل ابنُ عباس رضي الله عنهما عن ذلك فقال: لا يَحِلُّ، وتَلا قولَ الله تعالى: ﴿قَائِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ إلى قوله: ﴿صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. قال المحدِّث: حدَّثت بذلك إبراهيمَ النّخعيّ فأعجبه (٢). وكَرِهِ مالكٌ تزوج (٣) الحربيّات، لِعّة تركِ الولدِ في دار الحرب، ولِتصرُّفها في الخمر والخنزير (٤). الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَّةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ﴾ إخبارٌ بأنّ المؤمنةَ المملوكةَ خَيْرٌ من المشركة، وإن كانت ذاتَ الحسَب والمال. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ في الحُسن وغير ذلك؛ هذا قول الطبريّ وغيرِه(٥). ونزلتْ في خَنساءَ وَليدةٍ سوداءَ كانت لحذيفةَ بنِ اليمان، فقال لها حُذيفة: يا خنساءُ، قد ذُكِرْتِ في الملأ الأعلى مع سوادِكُ ودَمامَتِك، وأنزل الله تعالى ذِكْرَكِ في كتابه، فأعتقَها حُذيفةُ وتزوَّجَها(٦). وقال السُّدّيّ: نزلتْ في عبد الله بن رَواحةَ، كانت له أَمَةٌ سوداءُ، فَلطَمها في غضب ثم نّدِم، فأتى النبيَّ ◌َّ، فأخبره، فقال: ((ما هي يا عبدَ الله؟)) قال: تصوم وتُصلِّي، وتُحسِن الوضوءَ، وتَشهدُ الشهادتين، فقال رسول الله وَليقول: ((هذه مؤمنة)). فقال ابن رواحة: لأُعتِقِنَها ولأَتزوَّجتَّها، ففعل، فطعَن عليه ناسٌ من المسلمين (١) أحكام القرآن للكيا الهراسي ١٢٩/١-١٣١. (٢) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (١٥٩)، والطبري ١٤٦/٨، والجصاص في أحكام القرآن ٣٣٤/١، والمراد بالمحدث الحكم بن عُتيبة - وهو أحد رواة الحديث - كما في المصادر. (٣) في النسخ الخطية: تزويج، والمثبت من (م) والمحرر الوجيز. (٤) المحرر الوجيز ٢٩٦/١. (٥) المحرر الوجيز ٢٩٧/١، وانظر تفسير الطبري ٧١٧/٣. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٢١٠٣) عن مقاتل بنحوه، وأورد القصة ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة ٢/ ٧٧٢ . ٤٥٩ سورة البقرة : الآية ٢٢١ وقالوا: نكّحَ أَمَةً، وكانوا يرون(١) أن يَنكحوا إلى المشركين، وكانوا يُنكحونهم رغبةً في أحسابهم، فنزلتْ الآية (٢). والله أعلم. السادسة: واختلف العلماء في نكاح إماءِ أهلِ الكتاب، فقال مالكٌ: لا يجوز نكاحُ الأَمَة الكتابيّة. وقال أشهبُ في كتاب محمد، فيمن أسلم وتحته أَمَةٌ كتابية: إنه لا يُفرَّق بينهما. وقال أبو حنيفة وأصحابُه: يجوز نكاحُ إماءِ أهلِ الكتاب(٣). قال ابن العربيّ(٤): درَّسَنا الشيخُ أبو بكر الشاشيُّ بمدينة السلام قال: احتجّ أصحاب أبي حنيفة(٥) على جواز نكاح الأَمَة [الكتابية] بقوله تعالى: ﴿وَلَأَمَّةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيّرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ﴾. ووجهُ الدليل من الآية أنَّ الله سبحانه خايرَ بين نكاحِ الأَمَةِ المؤمنةِ والمشركة، فلولا أنّ نكاحَ الأمَّة المشركة جائزٌ لما خايرَ اللهُ تعالى بينهما(٦)؛ لأن المُخايرة إنما هي بين الجائزين، لا بين جائز وممتنع، ولا بين مُتضادین. والجوابُ أن المُخايرة بين الصِّدَّين تجوز لغةً وقرآنًا؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. وقال عمر في رسالته إلى أبي موسى (٧): الرّجوعُ إلى الحقِّ خيرٌ من التّمادي في الباطل(٨). جواب آخر: قوله تعالى: ((وَلَّأَمَةٌ)): لم يُرِدْ به الرِّقَّ(٩) المملوكَ، وإنما أراد به (١) في تفسير الطبري وتفسير ابن أبي حاتم وأسباب النزول للواحدي: يريدون. (٢) في (م): هذه الآية، والحديث أخرجه الطبري ٧١٧/٣، وابن أبي حاتم (٢١٠٢)، والواحدي في أسباب النزول ص٦٦، وانظر المحرر الوجيز ٢٩٧/١. (٣) المحرر الوجيز ٢٩٧/١، وانظر قول أشهب في النوادر والزيادات ٥٨٩/٤. (٤) أحكام القرآن ١٥٦/١، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٥) في أحكام القرآن: احتج أبو حنيفة. (٦) في النسخ الخطية: لما خاير بينهما، والمثبت من (م) وأحكام القرآن. (٧) في (٥) و(ز) و(م): لأبي موسى. (٨) أخرجه الدارقطني ٢٠٦/٤-٢٠٧، والبيهقي في السنن الكبرى ١١٩/١٠ مطولاً، وسيذكر المصنف قول عمر رضي الله عنه في تفسير الآية (٥٩) من سورة النساء في المسألة الثانية. (٩) في أحكام القرآن: الرقيق. ٤٦٠ سورة البقرة : الآية ٢٢١ الآدميَّة، والآدميَّات والآدميُّون بأجمعهم عَبيدُ الله وإماؤه، قاله القاضي بالبصرة أبو العباس الجُرجانيُّ(١). السابعة: واختلفوا في نكاح نساءِ المجوس، فمنع مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفة والأوزاعيُّ وإسحاقُ من ذلك. وقال ابن حنبل: لا يُعجبني. ورُوِيَ أن حُذَيفةً بن اليَمان تزوَّج مجوسية، وأن عمر قال له: طلِّقها(٢). وقال ابنُ القَصّار: قال بعض أصحابنا: يجب على أحد القولين : - إنّ لهم كتاباً - أن تجوزَ مُناكحتُهم. وروى ابن وَهْب عن مالك أن الأَمَةَ المجوسيَّة لا يجوز أن تُوطأ بمِلْك اليمين(٣)، وكذلك الوثنياتُ وغيرُهنّ من الكافرات، وعلى هذا جماعةُ العلماء، إلا ما رواه يحيى بنُ أيوبَ، عن ابنِ جُريج، عن عطاء وعَمرِو بن دينار أنهما سُئلا عن نكاح الإماءِ المجوسيات، فقالا: لا بأس بذلك(٤). وتأوَّلا قولَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾، فهذا عندهما على عقد النكاح؛ لا على الأَمَة المُشتراة، واحتجًّا بسَبْي أَوْطاس، وأنّ الصحابة نكحوا الإماءَ منهن بِمِلْك اليمين. قال النحاس(٥): وهذا قولٌ شاذٌّ؛ أما سَبْيُ أَوْطاس؛ فقد يجوز أنْ يكونَ الإماءُ أسلمنَ، فجاز نِكاحُهنّ، وأما الاحتجاجُ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِعُواْ الْمُشْرِكَتِ حَّى يُؤْمِنٌ﴾ فَغَلٌَ؛ لأنهم حملوا النكاحَ على العَقْد، والنكاح في اللغة يقع على العَقْد وعلى الوطء، فلما قال: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾ حَرَّم كلَّ نكاح يقع على المشركات من نكاحٍ وَوَظْء. وقال أبو عمر بن عبد البر(٢): وقال الأوزاعيّ: سألتُ الزُّهريَّ عن الرجل يشتري المجوسيَّة، أيطؤها؟ فقال: إذا شهدتْ أن لا إله إلا الله وَطِئَها. وعن يونس (١) هو أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، الشافعي، توفي سنة (٤٨٢ هـ). السير ٥٠١/١٨، وتاريخ جرجان ص١٠٠ . (٢) انظر الإشراف ٤/ ٩٢. (٣) المحرر الوجيز ٢٩٦/١ و٢٩٧. (٤) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (١٦٩). (٥) في الناسخ والمنسوخ ١٤/٢ -١٥، والكلام الذي قبله منه. (٦) في الاستذكار ٢٦٧/١٦ -٢٧٠، والكلام منه إلى آخر المسألة، وما بين حاصرتين منه. .: