Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ سورة البقرة : الآية ١٩٧ تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَيُّ﴾ [البقرة: ١٨٩](١) وقد تقدَّم القولُ فيها، وما ذهب إليه الشافعيُّ أصحُّ؛ لأن تلك عامةٌ، وهذه الآية خاصةٌ، ويحتمل أن يكون من باب النصّ على بعض أشخاص العموم، لفضل هذه الأشهر على غيرها، وعليه فيكون قولُ مالكٍ صحيحاً، والله أعلم. الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَ الْمَّ﴾ أي: ألزمَه نفسَه بالشروع فيه بالنية قصداً باطناً، وبالإحرام فعلاً ظاهراً، وبالتلبية نُطقاً مسموعاً، قاله ابنُ حبيب، وأبو حنيفةً في التلبية(٢). وليست التلبية عند الشافعي من أركان الحجِّ، وهو قول الحسن بن حَيٍّ. قال الشافعيُّ: تكفي النية في الإحرام بالحجِّ، وأوجب التلبية أهلُ الظاهر وغيرُهم (٣). وأصلُ الفرضِ في اللغة: الحَزُّ والقَطْع، ومنه فُرْضةُ القَوْس والنهر والجبلِ(٤). ففرضيَّةُ الحجِّ لازمةٌ للعبد الحرِّ كلزوم الحَزِّ للقِذْحِ(٥). وقيل: ((فَرَضَ)) أي: أبانَ، وهذا يرجع إلى القطع، لأن مَنْ قطع شيئاً، فقد أبانه عن غيره(٦). و(مَنْ)) رفعٌ بالابتداء ومعناها الشرطُ، والخبر قوله: ((فَرض))، لأن ((مَنْ)) ليست بموصولة، فكأنه قال: رجلٌ فَرْضٌ، وقال: ((فيهن)) ولم يقل: فيها، فقال قوم: هما سواء في الاستعمال، وقال المازنيُّ أبو عثمان: الجمعُ الكثيرُ لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنَّئة، والقليلُ ليس كذلك، تقول: الأجْذَاعُ انكسرن، والجذوع انكسرَتْ، ويؤيد ذلك قولُ الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ [التوبة: ٣٦] ثم قال: ((مِنْها))(٧). (١) انظر أحكام القرآن للجصاص ٣٠٠/١، ومصنف ابن أبي شيبة ٣٦١/٤ (نشرة العمروي)، والمحلى ٦٥/٧-٦٦. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٣/١. (٣) الاستذكار ٩٥/١١. (٤) فُرضة القوس: الحَزُّ الذي يقع فيه الوتر، وفُرضة النهر: تُلْمته التي منها يُستقى. الصحاح (فرض). (٥) في معجم متن اللغة: القِذْح: السهم إذا قُوِّم، وأَنَى له أن يُراش وينصل ... ومنه قِداح الميسر التي کانوا یستقسمون بها . (٦) تفسير الرازي ١٧٨/٥ . (٧) المحرر الوجيز ٢٧١/١-٢٧٢. ٣٢٢ سورة البقرة : الآية ١٩٧ السادسة: قوله تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ﴾ قال ابن عباس وابن جبير والسُّدِّي وقتادة والحسن وعكرمة والزُّهري ومجاهد ومالكٌ: الرَّفثُ: الجماع(١)، أي: فلا جماعَ لأنه يفسده. وأجمع العلماء على أنَّ الجماع قبل الوقوف بعرفةَ مفسدٌ للحجِّ، وعليه حجّ قابل والهَدْيُ(٢) . وقال عبد الله بنُ عمرَ وطاوس وعطاء وغيرُهم: الرفث: الإفحاشُ للمرأة بالكلام، كقوله(٣): إذا أحللنا، فعلنا بكِ كذا، من غير كناية، وقاله ابنُ عباس أيضاً، وأنشد وهو مُحرِمٌ: إنْ تَصدُقِ الظَّيرُ نَنِكْ لَمِیسَا وهُنَّ يمشينَ بنا هَمِيْسَا فقال له صاحبه حُصين بنُ قيس: أترفثُ وأنت مُحرِمٌ؟! فقال: إن الرَّفَثَ ما قيل عند النساء(٤). وقال قومٌ: الرَّفثُ: الإفحاشُ بذكر النساء، كان ذلك بحَضْرتِهِنَّ أم لا(٥). وقيل: الرَّفث كلمةٌ جامعةٌ لما يريده الرَّجلُ من أهله(٦). وقال أبو عبيدةَ: الرَّفث: اللَّغَا من الكلام، وأنشد: وَرَبِّ أسرابٍ حجيجٍ كُظّمٍ عن اللَّغَا وَرَفَثِ التكلُّمِ(٧) يقال: رَفَت يَرْفُث، بكسر الفاء وضمها . (١) المحرر الوجيز ٢٧٢/١، وأخرج الأقوال الطبري ٤٦٣/٣-٤٦٨. (٢) الإجماع لابن المنذر ص٤٢-٤٣ . (٣) في (ز) و(م): لقوله. (٤) أخرجه الطبري ٤٥٨/٣-٤٥٩ و٤٦٠، وانظر النكت والعيون ٢٥٩/١، والمحرر الوجيز ٢٧٣/١. (٥) المحرر الوجيز ٢٧٢/١. (٦) معاني القرآن للزجاج ١/ ٢٧٠. (٧) مجاز القرآن ٧٠/١، والمحرر الوجيز ٢٧٢/١ (وعنه نقل المصنف)، والرَّجز للعجَّاج، وهو في ديوانه ص ٢٨٣، وقد سلف ص ١٨٨ من هذا الجزء. ٣٢٣ سورة البقرة : الآية ١٩٧ وقرأ ابنُ مسعود: ((فلا رُفُوث)) على الجمع(١). قال ابنُ العربي(٢): المراد بقوله: ((فلا رفثَ)) نفيُه مشروعاً لا موجوداً، فإنَّا نجد الرَّفثَ فيه ونشاهده، وخبرُ الله سبحانه لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره، وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعاً لا إلى وجوده محسوساً، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ ثَثَةَ قُرُوَهْ﴾ [البقرة: ٢٢٨] معناه: مشروعاً(٣) لا حِسًّا، فإنَّا نجد المطلَّقاتِ لا يتربَّصْنَ؛ فعاد النفيُ إلى الحكم الشرعيِّ لا إلى الوجود الحسِّيّ، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَّا يَمَشُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] إذا قلنا: إنه وارد في الآدميين - وهو الصحيح - أنَّ معناه: لا يمسُه أحدٌ منهم شرعًا، فإن وُجد المَسُّ، فعلى خلاف حكم الشرع، وهذه الدقيقة هي التي فاتت العلماء فقالوا: إنَّ الخبر يكون بمعنى النهي، وما وُجد ذلك قطُ ولا يصحُّ أن يوجدَ، فإنهما يختلفان حقيقةً ويتضادان(٤) وصفاً. السابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ يعني: جميع المعاصي كلّها، قاله ابنُ عباس وعطاء والحسنُ، وكذلك قال ابنُ عمرَ وجماعةٌ: الفسوق إتيان معاصي الله عزَّ وجلَّ في حال إحرامه بالحجِّ، كقتل الصيد، وقصِّ الظفر، وأَخْذِ الشعر، وشبه ذلك. وقال ابنُ زيد ومالكٌ: الفسوق: الذبحُ للأصنام، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسْقًا أُهِلَ لِغَيْرِ اَللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وقال الضخَّاك: الفسوق: التَّنابزُ بالألقاب، ومنه قوله: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ﴾ [الحجرات: ١١]. وقال ابن عمرَ أيضاً: الفسوق: السِّباب، ومنه قوله عليه السلام: ((سِبابُ المسلم فسوقٌ، وقتالُه كفرٌ))(٥)، والقول الأول أصحُ؛ لأنه يتناول جميع الأقوال(٦). (١) المحرر الوجيز ٢٧٢/١. والقراءات الشاذة ص ١٢. (٢) أحكام القرآن ١٣٤/١. (٣) في (م) وأحكام القرآن: شرعاً . (٤) في (م): متضادان. (٥) أخرجه أحمد (٣٦٤٧)، والبخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. (٦) المحرر الوجيز ٢٧٢/١-٢٧٣، وأخرج الآثار السالفة الطبري ٣/ ٤٧٠-٤٧٦. ٣٢٤ سورة البقرة : الآية ١٩٧ قال ◌َ: ((مَنْ حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفسُقْ، رجع كيومَ ولدَتْه أمُّه))(١)، و((الحجُ المبرورُ ليس له جزاء إلا الجنَّةُ))، خرجه مسلم وغيره(٢). وجاء عنه ◌َّ﴿ أنه قال: ((والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عملٍ أفضلُ من الجهاد في سبيل الله، أو حَجَّةٍ مبرورةٍ لا رفَثَ فيها ولا فسوقَ ولا جدالَ))(٣). وقال الفقهاء: الحجُّ المبرور هو الذي لم يُعصَ الله تعالى فيه أثناء أدائه، وقال الفقراء(٤): هو الذي لم يُعصّ الله سبحانه بعده، ذكر القولين ابنُ العربي رحمه الله. قلت: الحجُّ المبرور: هو الذي لم يُعصّ الله سبحانه فيه ولا بعده. قال الحسن: الحجُّ المبرور: هو أن يرجع صاحبه زاهداً في الدنيا راغبًا في الآخرة، وقيل غير هذا، وسيأتي(٥). الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِ الْحَيْجُّ﴾ قُرِئ: ((فلا رَفث ولا فسوقٌ)) بالرفع والتنوين فيهما، وقرئا بالنصب بغير تنوين(٦)، وأجمعوا على الفتح في: ((ولا جدالَ))(٧)، وهو يُقوِّي قراءة النَّصب فيما قبله، ولأن المقصود النفيُ العام من الرَّفث والفسوق والجدال، وليكون الكلام على نظامٍ واحدٍ في عموم المنفيّ كلِّه، وعلى النصب أكثرُ القرَّاء. (١) أخرجه أحمد (٧١٣٦)، ومسلم (١٣٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) مسلم (١٣٤٩)، وهو في مسند أحمد (٧٣٥٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤٠١/١٠ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقال: حديث غريب. وأخرجه الأصبهاني في الترغيب - كما في الدر المنثور ٢٢٠/١ - عن سعيد بن المسيب مرسلاً، وأخرجه الخلال - كما في المغني ١٢/١٣ - عن الحسن مرسلاً. (٤) في (د) و(م): الفراء، وهو خطأ. وفي أحكام القرآن ١/ ١٣٥: الفقهاء، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ)، وهو الموافق لإحدى نسخ أحكام القرآن (كما في حواشيه). والمقصود بالفقراء: الصوفية. انظر الرسالة القشيرية ٢٢٩/٣. (٥) عند الآية (٩٧) من سورة آل عمران، المسألة الخامسة، ويرد تخريجه ثمة. (٦) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالرفع والتنوين، وقرأ الباقون بالنصب من غير تنوين، انظر السبعة ص ١٨٠، والتيسير ص ٨٠. (٧) قرأ أبو جعفر - من العشرة - بالرفع والتنوين، انظر النشر ٢١١/٢، وسيذكر المصنف قراءة أبي جعفر في الصفحة التالية. ٣٢٥ سورة البقرة : الآية ١٩٧ والأسماء الثلاثة في موضع رفع، كلُّ واحدٍ مع ((لا))، وقوله: ((في الحجّ) خبرٌ عن جميعها . ووجه قراءة الرفع أنَّ: ((لا)) بمعنى: ((ليس)) فارتفع الاسم بعدها؛ لأنه اسمُها، والخبر محذوفٌ تقديره: فليس رفثٌ ولا فسوقٌ في الحجِّ، دلَّ عليه ((في الحجِ)) الثاني الظاهرُ، وهو خبر ((لا جدال))(١). وقال أبو عمرو بن العلاء: الرفع بمعنى: فلا يكوننَّ رفثٌ ولا فسوقٌ، أي: شيء يُخرج من الحجّ، ثم ابتدأ النفيَ فقال: ولا جدال(٢). قلت: فيحتمل أن تكون كان تامةً، مثل قوله: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةِ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فلا تحتاج إلى خبر، ويحتمل أن تكون ناقصةً والخبر محذوفٌ، كما تقدم آنفاً. ويجوز أن يرفع ((رفثٌ وفسوقٌ)) بالابتداء، ((ولا)) للنفي، والخبر محذوفٌ أيضاً (٣). وقرأ أبو جعفر بنُ القَعْقاع بالرفع في الثلاثة، ورُويت عن عاصم في بعض الطرق(٤)، وعليه يكون ((في الحجِّ)) خبرَ الثلاثة، كما قلنا في قراءة النَّصب، وإنما لم يحسن أن يكون ((في الحجّ)) خبر عن الجميع مع اختلاف القراءة، لأن خبر (ليس)) منصوبٌ، وخبر ((ولا جدال)) مرفوعٌ؛ لأنَّ ((ولا جدال)) مقطوعٌ من الأول، وهو في موضع رفع بالابتداء، ولا يعمل عاملان في اسم واحد (٥). ويجوز ((فلا رَفَثَ ولا فسوقٌ)) يعطفه على الموضع، وأنشد النحويون: لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلَّةٌ اَنَّسعَ الخَرْقُ على الرَّاقِعِ(٦). (١) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٢٨٦/١. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٤/١. (٣) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٢٨٦/١. (٤) المحرر الوجيز ٢٧٢/١، وسلف ذكر قراءة أبي جعفر في الحاشية قريباً. (٥) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٢٨٦/١. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٥/١، والبيت لأنس بن العباس كما في الكتاب ٢٨٥/٢، وتحصيل عين الذهب ص٣٤٦، وهو دون نسبة في الكامل ص ٩٧٧. + ٣٢٦ سورة البقرة : الآية ١٩٧ ويجوز في الكلام: ((فلا رفثَ ولا فسوقاً ولا جدالاً في الحجِّ)) عطفًا على اللفظ على ما كان يجب في ((لا))، قال الفَرّاء (١): ومثله: فلا أبّ وابناً مثلَ مروانَ وابنه إذا هو بالمجدِ ارْتَدَى وتأزّرَا(٢) وقال(٣) أبو رجاء العطارديُّ: ((فلا رفثَ ولا فسوقَ)) بالنصب فيهما، ((ولا جدالٌ)) بالرفع والتنوين(٤)، وأنشد الأخفش: هذا وَجدّكمُ الصَّغَارُ بعينهِ لا أَمَّ لي إنْ كان ذاكَ ولا أبُ(٥) وقيل: إنَّ معنى ((فلا رفث ولا فسوق)) النهيُ، أي: لا ترفُثوا ولا تفسُقوا، ومعنى ((ولا جدال)) النفيُ، فلما اختلفا في المعنى خُولف بينهما في اللفظ. قال القشيري: وفيه نظرٌ إذا قيل: ((ولا جدالَ)) نهيّ أيضاً، أي: لا تجادلوا فلِمَ فرَّق بینھما؟ التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ الجدال وزنه: فِعال من المجادلة، وهي مشتقةٌ من الجَدْل وهو: الفَتْل؛ ومنه: زمامٌ مجدولٌ، وقيل: هي مشتقَّةٌ من الجَدَالة التي هي الأرض، فكأنَّ كلَّ واحدٍ من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه(٦)، فيكون كمَنْ ضرب به الجَدَالةَ، قال الشاعر: قد أركبُ الآلةَ بعد الآلَهْ وأترُكُ العاجزَ بالجَدَالهْ مُنْعَفِراً ليسَتْ لهُ مَحالَهْ(٧) (١) معاني القرآن له ١/ ١٢٠، وإعراب القرآن للنحاس ٢٩٥/١، وعنه نقل المصنف. (٢) الكتاب ٢/ ٢٨٥، وتحصيل عين الذهب ص٣٤٥، والخزانة ٤ / ٦٧ . (٣) في (خ) و(ظ): قرأ. (٤) لم نقف على هذه القراءة، وذكر أبو حيان في البحر المحيط ٨٨/٢، والسمين الحلبي في الدر المصون ٣٢٣/٢ أن قراءة أبي رجاء بالنصب والتنوين في الثلاثة. (٥) معاني القرآن للأخفش ١٧٧/١، ونسبه سيبويه في الكتاب ٢٩١/٢-٢٩٢ لرجل من مذحج، وانظر خزانة الأدب ٣٨/٢. (٦) من قوله: كل واحد ... تكرر في النسخ الخطية بعد قوله: زمام مجدول، والمثبت من (م)، وانظر تفسير الرازي ١٨١/٥، والمحرر الوجيز ٢٧٣/١ . (٧) الرجز للعجاج، وهو في الصحاح (جدل)، وأدب الكاتب ص٥٥. ٣٢٧ سورة البقرة : الآية ١٩٧ العاشرة: واختلف العلماء في المعنى المراد به هنا على أقوال ستةٍ: فقال ابنُ مسعود وابنُ عباس وعطاء: الجِدال هنا أن تُمارِيَ مسلمًا حتى تُغضبه، فينتهيَ إلى السِّباب، فأما مذاكرة العلم فلا نهيَ عنها. وقال قتادةُ: الجِدال السِّبابُ. وقال ابنُ زيد ومالك بنُ أنس: الجِدال هنا أن يختلفَ الناسُ أيُّهم صادف موقفَ إبراهيم عليه السلام، كما كانوا يفعلون في الجاهلية حين كانت قريش تقف في غير موقف سائرِ العرب، ثم يتجادلون بعد ذلك، فالمعنى على هذا التأويل: لا جدالَ في مواضعه. وقالت طائفةٌ: الجِدالُ هنا أن تقولَ طائفةٌ: الحجُّ اليوم، وتقول طائفةٌ: الحجُّ غدًا. وقال مجاهدٌ وطائفةٌ معه: الجدالُ: المماراةُ في الشهور حسب ما كانت عليه العرب من النَّسِيء، كانوا ربما جعلوا الحجّ في غير ذي الحِجَّة، ويقفُ بعضُهم بِجَمْعِ وبعضهم بعَرفةً، ويتمارَوْن في الصواب من ذلك(١). قلت: فعلى هذين التأويلين لا جدالَ في وقته ولا في موضعه، وهذان القولانِ أصحُّ ما قيل في تأويل قوله: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾، لقوله وَّ: ((إنَّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرضَ))(٢) الحديث - وسيأتي في ((براءة)) (٣) - يعني: رجع أمرُ الحجِّ كما كان، أي: عاد إلى يومه ووقته، وقال وَل﴿ لمَّا حجَّ: ((خذوا عنِّي مناسككم)) (٤) فبيَّن بهذا مواقفَ الحجِّ ومواضعَه. وقال محمد بن كعبِ القُرَِيّ: الجِدالُ أن تقول طائفةٌ: حَجُّنا أبَرُّ من حجِّكم، وتقول الأخرى(٥) مثل ذلك. وقيل: الجدالُ كان في الفخر بالآباء، والله أعلم(٦). (١) المحرر الوجيز ٢٧٣/١، وتفسير البغوي ١٧٣/١، وأخرج الآثار الطبري ٤٧٨/٣-٤٨٧. (٢) قطعة من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أخرجه أحمد (٢٠٣٨٦)، والبخاري (٤٦٦٢)، ومسلم (١٦٧٩). (٣) عند تفسير الآية (٣٦) منها . (٤) أخرجه أحمد (١٤٤١٩)، ومسلم (١٢٩٧) من حديث جابر رضي الله عنه، وسلف ١/ ٦٧ . (٥) في (م): ويقول الآخر. (٦) المحرر الوجيز ٢٧٣/١، وأخرج قول محمد بن كعب الطبريُّ ٤٨٣/٣. ٣٢٨ سورة البقرة : الآية ١٩٧ الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ شرطٌ وجوابه، والمعنى: إنَّ الله يجازيكم على أعمالكم، لأنَّ المجازاة إنما تقع من العالِم بالشيء، وقيل: هو تحريضٌ وحثٌّ على حُسن الكلام مكانَ الفُحش، وعلى البرِّ والتقوى في الأخلاق مكانَ الفسوق والجِدال، وقيل: جَعلُ فعلِ الخير عبارةٌ عن ضبط أنفُسِهم حتى لا يوجدَ ما نُهوا عنه (١). الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ﴾ أَمْرٌ باتِّخاذ الزاد، قال ابنُ عمر وعكرمة ومجاهد وقتادة وابنُ زيد: نزلت الآية في طائفةٍ من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضُهم: كيف نحجُ بيت الله ولا يُطعمنا، فكانوا يَبقَوْنَ عالَةً على الناس، فتُهوا عن ذلك، وأُمِروا بالزاد(٢). وقال عبد الله بنُ الزبير: كان الناس يتَّكلُ بعضُهم على بعضٍ بالزاد، فأُمروا بالزاد(٣)، وكان النبيِّ وَّرِ في مسيره راحلةٌ عليها زادٌ، وقَدِم عليه ثلاثُ مئة رجل من مُزَينةَ، فلما أرادوا أن ينصرفوا قال: يا عمرُ، زَوِّدِ القومَ(٤). وقال بعض الناس: تزوَّدوا الرفيقَ الصالح. وقال ابنُ عطيةً(٥): وهذا تخصيصٌ ضعيفٌ، والأَوْلى في معنى الآية: وتزوَّدوا لمعادكم من الأعمال الصالحة. قلت: القول الأول أصحُّ، فإنَّ المراد الزادُ المتَّخذُ في سفر الحجِّ المأكولُ حقيقةً كما ذكرنا، كما روى البخاريُّ(٦) عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجُّون ولا يتزوَّدون ويقولون: نحن المتوكّلون، فإذا قدموا مكةً سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىَّ﴾ وهذا نصّ فيما ذكرنا، وعليه أكثر المفسرين . (١) انظر الكشاف للزمخشري ٣٤٧/١. (٢) المحرر الوجيز ٢٧٣/١، وأخرج الآثار الطبري ٣/ ٤٩٤-٥٠٠. (٣) أخرجه الطبراني - كما في مجمع الزوائد ٣١٨/٦ - قال الهيثمي: وفيه أبو سعيد البقال وهو ضعيف. (٤) أخرجه أحمد (٢٣٧٤٦) من حديث النعمان بن مقرّن رضي الله عنه، وفيه قصة. (٥) المحرر الوجيز ٢٧٣/١، والكلام الذي قبله منه. (٦) صحيح البخاري (١٥٢٣). ٣٢٩ سورة البقرة : الآية ١٩٧ قال الشعبيُّ: الزاد: التمر والسَّوِيقُ. ابنُ جبيرٍ: الكعك والسَّرِيقُ(١). قال ابنُ العربيّ(٢): أمَرَ الله تعالى بالتزوُّد لمَنْ كان له مالٌ، ومَنْ لم يكن له مالٌ: فإن كان ذا حِرفةٍ تَنْفُق في الطريق، أو سائلاً، فلا خطابَ عليه، وإنما خاطب الله أهلَ الأموال الذين كانوا يَتركون أموالهم، ويخرجون بغیر زاد، ويقولون: نحن المتوكّلون، والتوكُّلُ له شروطٌ، مَنْ قام بها خرج بغير زادٍ، ولا يدخل في الخطاب، فإنه خرج على الأغلب من الخلق وهم المقصِّرون عن درجة التوكل، الغافلونَ عن حقائقه، والله عزَّ وجلَّ أعلم. قال أبو الفرج الجَوْزِيُّ(٣): وقد لَبَّس إبليسُ على قومٍ يدَّعون التوكلَ، فخرجوا بلا زاد، وظنُّوا أنَّ هذا هو التوكلُ، وهم على غايةِ الخطأ؛ قال رجلٌ لأحمدَ بنِ حنبل: أريد أن أخرجَ إلى مكَّةَ على التوكل بغير زاد، فقال له أحمد: اخرُجْ في غير القافلة. فقال: لا، إلا معهم. قال: فعلى جُرُب(٤) الناس توگّلتَ! الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَإِنَ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَ﴾ أخبر تعالى أنَّ خير الزاد اتِّقاءُ المنهيَّاتِ، فأمَرَهم أن يضموا إلى التزوُّد التقوى، وجاء قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَ﴾ محمولاً على المعنى؛ لأن معنى: ((وَتَزَوَّدُوا)): اتقوا الله في اتّباع ما أمركم به من الخروج بالزّاد. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى: فإنَّ خيرَ الزَّاد ما اتَّقى به المسافر من الهَلَكة، أو الحاجة إلى السؤال والتكفُّفِ. وقيل: فیه تنبيه على أنَّ هذه الدار ليست بدار قرار. قال أهل الإشارات: ذكَّرهم الله تعالى سَفَرَ الآخرة، وحثَّهم على تزوُّد التقوى، فإنَّ التقوى زادُ الآخرة(٥) قال الأعشى(٦): (١) أخرجه الطبري ٤٩٥/٣ . (٢) أحكام القرآن ١/ ١٣٥. (٣) في تلبيس إبليس ص١٤١ . (٤) جمع جِراب، وهو وعاء يحفظ فيه الزادُ ونحوه. المعجم الوسيط. (٥) انظر تفسير الرازي ١٨٤/٥-١٨٥. (٦) ديوانه ص ١٨٧ . ٣٣٠ سورة البقرة : الآية ١٩٨ ولاقَيْتَ بعد الموتِ مَنْ قد تَزوَّدا إذا أنتَ لم تَرْحل بزادٍ من التُّقى وأنَّكَ لم تُرْصِدْ كما كانَ أرْصدَا نَدِمتَ على ألَّ تكونَ كمثلِهِ وقال آخر: تذهب فيه حيلةُ السَّابِحِ الموتُ بحرٌ طامحٌ مَوجُهُ مَقالةً مِنْ مُشفِقٍ ناصحٍ يا نفسُ إِنِّي قائلٌ فاسمعي غيرُ الثُّقَى والعملِ الصالحِ(١) لا يصحَبُ الإنسانَ في قبرهٍ الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾ خصَّ أُولي الألباب بالخطاب - وإن كان الأمرُ يعمُّ الكلَّ - لأنهم الذين قامت عليهم حجَّةُ الله، وهم قابلو أوامرِه والناهضون بها(٢). والألباب: جمع لُبِّ؛ ولُبُّ كلِّ شيءٍ: خالصُه، ولذلك قيل للعقل: لُبُّ. قال النخَّاس(٣): سمعتُ أبا إسحاقَ يقول: قال لي أحمد بنُ يحيى ثعلب: أتعرف في كلام العرب شيئاً من المضاعف جاء على فَعُلَ؟ قلتُ: نعم، حكى سيبويه (٤) عن يونس: لَيْتَ تَلُبُّ، فاستحسنه وقال: ما أعرف له نظيراً. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمَّ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَّاءِ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا ١٩٨ هَدَدُكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ، لَمِنَ الضَّالِينَ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿جُنَاعُ﴾، أي: إثم، وهو اسمُ ليس. ﴿أَن تَبْتَغُوا﴾ (١) لم نقف على هذه الأبيات، وأورد ابن عساكر في تاريخه ٣٢/ ٤٨٠ (طبعة دار الفكر) نحو البيتين الأول والثالث منها، وذكر أنهما رُئيا على قبر عبد الله بن المبارك. (٢) المحرر الوجيز ٢٧٣/١-٢٧٤. (٣) إعراب القرآن ٢٩٥/١-٢٩٦. (٤) الكتاب ٣٧/٤، وإعراب القرآن للنحاس، وعنه نقل المصنف. ٣٣١ سورة البقرة : الآية ١٩٨ في موضع نصب خبر ليس، أي: في أنْ تبتغوا. وعلى قول الخليلِ والكسائيّ أنَّها في موضع خفض(١). ولما أمر الله تعالى بتنزيه الحجِّ عن الرَّفَث والفُسوقِ والجِدال، رخّص في التجارة، المعنى: لا جناحَ عليكم في أن تبتغوا فضلَ الله. وابتغاءُ الفضلِ وَرَد في القرآن بمعنى التجارة، قال الله تعالى: ﴿فَأَنْتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَأَبْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. والدليل على صحة هذا ما رواه البخاريُّ عن ابن عباس قال: كانت عُكَاظ ومَجَنَّة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثَّموا أنْ يتَّجروا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن زَيِّكُمْ﴾ في مواسم الحج(٢). الثانية: إذا ثبت هذا؛ ففي الآية دليلٌ على جواز التجارةِ في الحج للحاجِّ مع أداء العبادة، وأنَّ القصدَ إلى ذلك لا يكون شِرْكاً، ولا يخرجُ به المكلَّف عن رسم الإخلاصِ المفترضِ عليه، خلافاً للفقراء. أمّا إنَّ الحجَّ دون تجارةٍ أفضل(٣)؛ لُعُرُوِّها عن شوائب الدنيا وتعلُّقِ القلب بغيرها. روى الدَّارَقُطْنِيُّ في سننه عن أبي أُمامةَ الثَّمِيِّ قال: قلت لابن عمر: إنِّي رجلٌ أُكْرَى(٤) في هذا الوجه، وإنَّ ناساً يقولون: إنه لا حجَّ لك. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى رسول الله وَلير، فسأله مثلَ هذا الذي(٥) سألتني، فسكتَ حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِن رَّبِّكُمْ﴾ فقال رسول الله وَلّه : ((إنَّ لك حَجًّا))(٦). (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٩٦/١. (٢) صحيح البخاري (٢٠٥٠)، وقوله: في مواسم الحج هي قراءة ابن عباس كما ذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٢ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٦/١، وقوله: الفقراء يريد بهم الصوفية. وسلف هذا اللفظ ص ٣٢٤ من هذا الجزء. وانظر الرسالة القشيرية ٢٢٩/٣. (٤) في (ظ): أکترى. (٥) في النسخ: مثل الذي، والمثبت من (م)، وهو الموافق لسنن الدارقطني. (٦) سنن الدارقطني ٢٩٢/٢، وأبو أمامة ويقال: أبو أميمة التيمي الكوفي ثقة لا يعرف اسمه، من رجال أبي داود. تهذيب الكمال ٥٢/٣٣. ٣٣٢ سورة البقرة : الآية ١٩٨ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ، لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ فيه خمس عشرةً مسألة(١). الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم﴾، أي: اندفعتم. ويقال: فاض الإناء إذا امتلأ حتى ينصبَّ عن نواحيه. ورجل فَيَّاض، أي: مندَفقٌ بالعطاء(٢)؛ قال زُهیر: وأَبْيَضَ فَيَّاضِ يداه غمامةٌ على مُعْتَفِيه ما تُغِبُّ فواضلُه(٣) وحديث مستفيضٌ، أي: شائع. الثانية: قوله تعالى: ﴿مِّنْ عَرَفَتٍ﴾ قراءةُ الجماعة: ((عرفاتٍ)) بالتنوین، وكذا(٤) لو سُمِّت امرأةٌ بمسلمات؛ لأنَّ التنوين هنا ليس فرقًا بين ما ينصرفُ وما لا ينصرف فتحذفَه، وإنما هو بمنزلة النونِ في مسلمين. قال النحاس(٥): هذا الجيِّد، وحكى سيبويه(٦) عن العرب حذفَ التنوينٍ من ((عرفات))، يقول: هذه عرفاتٌ يا هذا، ورأيت عرفاتٍ يا هذا، بكسر التاء وبغير تنوين، قال: لما جعلوها معرفةً حذفوا التَّنوين. وحكى الأخفش(٧) والكوفيون فتحَ التاء، تشبيهًا بتاء فاطمةً وطلحة، وأنشدوا : تَنَوّرْتُها من أذرعاتَ وأهلُها بيَثْرِبَ أذْنَى دارِها نَظَرٌ عَالٍ(٨) (١) في (م): ست عشرة مسألة، وبلغ عدد المسائل التي ذكرها المصنف ثمانية عشرة مسألة. (٢) انظر تهذيب اللغة للأزهري ١٢/ ٧٧ . (٣) ديوان زُهير ص١٣٩، قال شارحه: يداه غمامة: تُمطر بالإعطاء كما تمطر الغمامة، والمُعتّفون: هم الذين يأتونه يطلبون ما عنده، يقال: عفاه واعتفَاه: إذا أتاه، ما تُغبُّ فواضله أي: عطاياه دائمة لا تنقطع. (٤) في (م): وكذلك، وفي (ظ): فكذا. (٥) في إعراب القرآن ٢٩٦/١، وما قبله منه. (٦) الكتاب ٢٣٣/٣. (٧) في معاني القرآن ٣٥٨/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٩٦/١، وعنه نقل المصنف. (٨) البيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص٣١، والكتاب ٢٣٣/٣. ٣٣٣ سورة البقرة : الآية ١٩٨ والقول الأوَّل أحسن، وأنَّ التنوينَ فيه على حدِّه في مسلماتٍ، الكسرةُ مقابلة للياءِ في مسلمين، والتنوينُ مقابل للنون(١). وعرفات: اسم عَلَم، سُمِّيَ بجَمْع كأذرعات. وقيل: سُمِّيَ بما حوله، كأرضٍ سباسِب(٢). وقيل: سُمِّيَتْ تلك البُقْعةُ عرفات؛ لأنَّ الناس يتعارفون بها. وقيل: لأن آدم لما هبط وقع بالهند، وحوَّاء بجُدَّة، فاجتمعا بعد طول الطلبِ بعرفاتٍ يومَ عَرفة وتعارفًا؛ فسُمِّيَ اليومُ عرفة، والموضعُ عرفات؛ قاله الضَّحاك(٣). وقيل غيرُ هذا مما (٤) تقدَّم ذكره عند قولِه تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكُنَا﴾ [الآية: ١٢٨]. قال ابن عطية(٥): والظاهر أنه اسمٌ (٦) مرتجلٌ كسائر أسماءِ البقاع. وعرفة هي نَعمانُ الأراك، وفيها يقول الشاعر: تزوَّدتُ من نَعْمانَ عُودَ أراكةٍ لهِنْدٍ ولكنْ مَنْ يُبَلِّغُهُ هِنْدا(٧) وقيل: هي مأخوذةٌ من العَرْف، وهو الطّيب، قال الله تعالى: ﴿عَرَّفَهَا لَمْ﴾ [محمد: ٦]، أي: طَيِّها، فهي طيبةٌ، بخلاف مِنّى التي فيها الفُرُوثُ والدِّماء، فلذلك سُمِّيتْ عرفات، ويوم الوقوف يوم عرفة (٨). وقال بعضُهم: أصلُ هذين الاسمين من الصبر، يقال: رجل عارف، إذا كان صابراً خاشعاً. ويقال في المَثَل: النَّفْسُ عَرُوفٌ، وما حَمَّلْتَها تتحمَّل(٩). قال: (١) المحرر الوجيز ٢٧٤/١. (٢) ينظر تفسير الطبري ٥١٢/٣، وقوله: السباسب جمع سبسب، وهي المفازة، أو الأرض المستوية البعيدة. القاموس (سبب). (٣) أورده البغوي ١/ ١٧٤ . (٤) في (م): لما. (٥) في المحرر الوجيز ٢٧٤/١ . (٦) في (م): أن اسمه. (٧) نُسب البيت في الحماسة البصرية ٢/ ١٨٤ لورد بن ورد الجعدي، ونسبه أبو الفرج في الأغاني ٣٤٩/١١ للمرقش الأكبر، وأورده الجاحظ في البيان والتبيين ٣/ ٧٠ من غير نسبة، وعندهم: تخيَّرتُ، بدل تزودتُ. قوله: نَعْمان، کسَخْبان، وادٍ وراء عرفة. القاموس (نعم). (٨) تفسير البغوي ١٧٤/١ . (٩) تهذيب اللغة ٣٤٤/٢. ٣٣٤ سورة البقرة : الآية ١٩٨ فصَبَرْتُ عارفةً لذلك حُرّةً(١) أي: نفسٌ صابرة. وقال ذو الرُّمة (٢) : عَرُوفٌ لِمَا خَظَّت عليه المقادِرُ أي: صبورٌ على قضاء الله، فسُمِّيَ بهذا الاسم؛ لِخضوع الحاجِّ وتذلُّلِهم، وصبرِهم على الدُّعاء وأنواعِ البلاء، واحتمالِ الشَّدائد؛ لإقامة هذه العبادة. الثالثة: أجمع أهل العلم على أنَّ مَنْ وقف بعرفةَ يومَ عَرفةً قبل الزَّوال، ثم أفاض منها قبل الزوال؛ أنه لا يُعتَدُّ بوقوفه ذلك قبلَ الزوال. وأجمعوا على تمام حَجِّ مَن وقف بعرفةً بعد الزوال وأفاض نهاراً قبل الليل، إلا مالك بنَ أنس؛ فإنه قال: لا بدَّ أنْ يأخذَ من الليل شيئاً. وأمَّا مَن وقف بعرفةً بالليل، فإنه لا خلافَ بين الأمة(٣) في تمام حجّه(٤). والحجَّة للجمهور مطلقُ قولهِ تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ ولم يخصّ ليلاً من نهار، وحديثُ عُرْوةَ بنِ مُضَرِّس قال: أتيتُ(٥) النبيَّ وَّ وهو في الموقف من جَمْع، فقلت: يا رسول الله، جئتُك من جَبَلَيْ طَيِّئ، أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي، وأتعبتُ نفْسي، واللهِ إنْ تركتُ من حَبْلٍ (٦) إلَّا وقفتُ عليه، فهل لي مِن حَجِّ يا رسول الله؟ فقال رسول الله وس﴾: ((مَنْ صلَّى معنا صلاةَ الغَداة بجَمْع وقد أتى عرفاتَ قبلَ ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد قَضَى تَفَثَه، وتَمَّ حجُّه)). أخرجه غيرُ واحدٍ من (١) قائله عنترة، وهو في ديوانه ص ٤٩، وقد سلف ٢/ ٦٥ . (٢) في ديوانه ١٠٤٩/٢، وصدر البيت: إذا خاف شيئاً وقَّرتْه طبيعةٌ (٣) في (ظ): الأئمة. (٤) الاستذكار ٢٩/١٣. وانظر التمهيد ٩/ ٧٢-٧٥ ,٢٠/١٠-٢٢. (٥) في النسخ: لقيت، والمثبت من (م)، وهو الموافق لمصادر التخريج. (٦) في (د) و(ز): جبل، والمثبت من (خ) و(ظ) و(م). وقد قيَّدها بالحاء المهملة ابنُ الأثير في النهاية (حبل)، والسيوطي والسندي في شرحهما لسنن النسائي ٣٦٥/٥. ٣٣٥ سورة البقرة : الآية ١٩٨ الأئمة، منهم أبو داود، والنسائي، والدارَقُظْنيُّ واللفظُ له. وقال الترمذي: حديث حسنٌ صحيح(١). وقال أبو عمر(٢): حديث عُرْوةَ بنِ مُضَرِّس الطائيّ حديثٌ ثابت صحيح، رواه جماعة من أصحاب الشَّعبيِّ الثقاتِ عن الشَّعبيِّ عن عروةً بنِ مضرِّس، منهم إسماعيل بنُ أبي خالد، وداود بن أبي هند، وزكريا بنُ أبي زائدةً، وعبد الله بنُ أبي السَّفَر ومُطَرِّف، كلُّهم عن الشَّعبيِّ، عن عروةَ بن مضرِّس بنِ أوسٍ بنِ حارثةَ بنِ لام. وحجَّةُ مالك من السُّنة الثابتة حديثُ جابرٍ الطويلُ، خرَّجه مسلم، وفيه: فلم يزلْ واقفًا حتى غَرَبت الشَّمس، وذهبت الصُّفرةُ قليلاً حتى غاب القُرص(٣). وأفعالُه على الوجوب، لا سِيَّمَا في الحجّ وقد قال: ((خذوا عنِّي مناسككم))(٤). الرابعة: واختلف الجمهور فيمن أفاض قبلَ غروبِ الشَّمس، ولم يرجعْ؛ ماذا عليه مع صحة الحج، فقال عطاء وسفيانُ الثوريُّ والشافعيُّ وأحمد وأبو ثورٍ وأصحابُ الرأي وغيرُهم: عليه دَمّ. وقال الحسن البصري: عليه هَذْيٌّ. وقال ابن جُرَيْج: عليه بَدَنة. وقال مالك: عليه حجٌّ قابلٌ، والهَذْيُ ينحره في حجّ قابل، وهو كمن فاته الحج. فإنْ عاد إلى عرفةً حتى يَدْفعَ بعد مغيب الشَّمسِ، فقال الشافعيُّ: لا شيءَ عليه، وهو قولُ أحمدَ وإسحاقَ وداود، وبه قال الطبري. وقال أبو حنيفةً قال ابن الأثير : الحبل: المستطيل من الرَّمل، وقيل: الضخم منه وجمعه حبال، وقيل: الحبال في الرمل كالجبال في غير الرَّمل. (١) سنن أبي داود (١٩٥٠)، والمجتبى ٢٦٣/٥، وسنن الدار قطني ٢٣٩/٢، وسنن الترمذي (٨٩١)، وابن ماجه (٣٠١٦)، وهو عند أحمد (١٦٢٠٨). وعروة بن مضرِّس الطائيّ كان من بيت الرِّياسة في قومه، وکان یُباري عديَّ بن حاتم في الرياسة، شارك في حروب الردة مع خالد حين بعثه أبو بكر رضي الله عنه، الإصابة ٤١٨/٦. وقوله: جمع، أي: مزدلفة، سميت بذلك للجمع فيها بين العشاءين. إكمال المعلم ٢٧٥/٤. والتَّفث: هو ما يفعله المحرم بالحجّ إذا حلَّ، كقصِّ الشارب والأظفار، ونتفٍ الإبط، وحلقِ العانة، وقيل: هو إذهاب الشعث والدَّرن والوسخ مطلقاً. النهاية (تفت). (٢) الاستذكار ٣٠/١٣. (٣) صحيح مسلم (١٢١٨)، وهو عند أحمد (١٤٤٤٠) دون قوله: فلم يزل واقفاً ... (٤) أخرجه أحمد (١٤٤١٩)، ومسلم (١٢٩٧) من حديث جابر رضي الله عنه، وسلف ١/ ٦٧ . ٣٣٦ سورة البقرة : الآية ١٩٨ وأصحابُه والثَّوريُّ: لا يسقط عنه الدَّمُ وإِنْ رجع بعدَ غروب الشمس، وبذلك قال أبو ثور(١). الخامسة: ولا خلاف بين العلماء في أنَّ الوقوف بعرفةَ راكباً لمن قَدر عليه أفضلُ؛ لأنَّ النبيَّ وَّ ر كذلك وقف إلى أنْ دَفع منها بعد غروبِ الشَّمس، وأردف أسامةَ بن زيدٍ، وهذا محفوظٌ في حديث جابرِ الطويلِ وحديثٍ عليٍّ(٢)، وفي حديث ابنِ عباس(٣) أيضًا. قال جابر: ثم ركب رسول الله ول﴿ حتى أتى الموقف، فجعلَ بَطَنَ ناقتِهِ القَصْواء إلى الصَّخَرات، وجعل حَبْلَ(٤) المُشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزلْ واقفًا حتى غَرَبت الشمس، وذهبت الصُّفرة قليلاً حتى غاب القُرص، وأردف أسامةً بن زيدٍ خلفَه، الحديث(٥). فإنْ لم يقدر على الركوب وقف قائماً على رجليه داعياً، ما دام يقدِر، ولا حرجَ عليه في الجلوس إذا لم يقدرْ على الوقوف، وفي الوقوف راكباً مباهاةٌ وتعظيمٌ للحجِّ ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. قال ابن وهب في مُؤَطّئه: قال لي مالك: الوقوف بعَرَفَةَ على الدوابِّ والإبلِ أحبُّ إليَّ من أنْ أقفَ قائمًا، قال: ومن وقف قائمًا فلا بأس أن يستريح(٦). السادسة: ثبت في صحيح مسلم وغيرِه عن أسامةَ بنِ زيد أنه وَل# كان إذا أفاض من عَرَفةَ يسير العَنَق، فإذا وَجد فَّجْوَةً نَصَّ. قال هشام بنُ عروة: والنَّصُّ فوق العَنَقِ(٧) . (١) انظر الاستذكار ٣٠،٢٩/١٣. (٢) أخرجه أحمد (٥٦٢)، والترمذي (٨٨٥)، وسلف ذكر حديث جابر قريباً. (٣) أخرجه أحمد (٢٢٦٥)، والبخاري (١٥٤٤)، ومسلم (١٢٨٦)، وليس عندهم أنه دفع بعد غروب الشمس. (٤) في (خ) و(د) و(ظ): جبل، والمثبت من (ز) و(م)، وصحيح مسلم (١٢١٨). (٥) تقدم تخريجه، وقوله: وجعل حبل المشاة بين يديه؛ أي: طريقَهم الذي يسلكونه في الرمل، وقيل: أراد صفَّهم ومجتمعهم في مشيهم تشبيهاً بحبل الرَّمل. النهاية (حبل). (٦) الاستذكار ٢٤/١٣-٢٥. (٧) صحيح مسلم (١٢٨٦): (٢٨٣) (٢٨٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢١٨٣٣)، والبخاري (١٦٦٦)، قوله: العَنّق: هو ضرب من سير الدابة والإبل. الصحاح (عنق). ٣٣٧ سورة البقرة : الآية ١٩٨ وهكذا ينبغي على أئمة الحاجِّ فمَن دونَهم؛ لأنَّ في استعجال السَّيرِ إلى المزدلفة استعجالَ الصلاة بها، ومعلوم أنَّ المغرب لا تُصلَّى تلك الليلةَ إلا مع العشاء بالمزدلفة، وتلك سُنَّتُها (١)؛ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى(٢). السابعة: ظاهر عموم القرآن والسُّنةِ الثابتةِ يدلُّ على أنَّ عرفة كلَّها مَوْقفٌ، قال ﴿﴿: ((ووقفتُ هاهنا، وَعَرَفُ كلُّها موقف)). رواه مسلم وغيره من حديثٍ جابرٍ الطويل(٣). وفي موطأ مالك(٤) أنه بلغه أنَّ رسول الله وَ ◌ّهِ قال: «عَرَفُ كلُّها مَوْقِف، وارتَفِعُوا عن بطنِ عُرَنَةَ، والمزدلفةُ كلُّها مَوْقِف، وارتفعوا عن بطن مُحَسِّر)). قال ابن عبد البر(٥): هذا الحديثُ يتَّصلُ من حديث جابر بنِ عبد الله، ومن حديث ابنِ عباس، ومن حديث عليٍّ بنِ أبي طالب(٦)، وأكثرُ الآثار ليس فيها استثناء بطنِ عُرنَةَ من عَرَفة، وبطنٍ مُحَسِّر من المزدلفة؛ وكذلك نقلها الحفاظ الثِّقاتُ الأثبات من أهل الحديثِ في حديث جعفرٍ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابر. قال أبو عمر: واختلف الفقهاء فيمن وقف بعرفةً بعُرَنة، فقال مالك فيما ذكر ابن المنذر عنه: يُهْرِيق دماً، وحُّه تام. وهذه روايةٌ رواها خالد بنُ نزار(٧)، عن مالك. وذكر أبو المصعب(٨) أنه كمن لم يقف، وحُّه فائتٌ، وعليه الحجُّ من قابلٍ إذا وقف ببطنِ عُرَنة. ورُويَ عن ابنِ عباس قال: من أفاض من عُرَنةَ فلا حجَّ له. (١) الاستذكار ٦٩/١٣. (٢) عند المسألة الثانية عشرة. (٣) برقم (١٢١٨)، وسلف ذكره غير مرة. (٤) ٣٨٨/١. (٥) التمهيد ٤١٧/٢٤-٤٢٢، والاستذكار ٩/١٣-١٣. (٦) حديث جابر تقدم تخريجه، وحديث ابن عباس أخرجه ابن خزيمة (٢٨١٦)، والحاكم ٤٦٢/١، والبيهقي ١١٥/٥، وحديث علي أخرجه أحمد (٥٦٢)، وليس في حديثه وحديثٍ جابر أنه استثنى عُرنة من عَرفة، ووادي محسّر من المزدلفة. (٧) أبو يزيد الأيلي الغساني، روى عن مالك الموطأ، ذكره ابن حبان في الثقات مات سنة (٢٢٢هـ) تهذيب التهذيب ٥٣٤/١. (٨) هو أحمد بن أبي بكر الزبيري، روى عن مالك الموطأ، له كتاب مختصر في قول مالك، ولي قضاء المدينة، اشتهر بكنيته كان من أعلم أهل المدينة، مات سنة (٢٤٢ هـ). السير ٤٣٦/١١. ٣٣٨ سورة البقرة : الآية ١٩٨ وهو قولُ ابنِ القاسم وسالم، وذكر ابن المنذر هذا القولَ عن الشَّافعيِّ، قال: وبه أقول، لا يجزيه أنْ يقف بمكانٍ أمر رسولُ اللهِ وَلِّ أَلَّا يوقفَ به. قال ابن عبد البر: الاستثناء ببطن عُرَنةَ من عرفة لم يجئ مجيئاً تلزم حُجَّتُه، لا من جهة النقلٍ ولا من جهة الإجماع. وحُجة مَن ذهب مذهبَ أبي المصعب أنَّ الوقوف بعرفةً فرضٌ مجمعٌ عليه في موضع معيَّن، فلا يجوز أداؤه إلا بيقين، ولا يقينَ مع الاختلاف. وبطنُ عُرَنة يقال: بفتح الراء، وضمِّها، وهو بغربيّ مسجدٍ عَرَفة، حتى لقد قال بعضُ العلماء: إنَّ الجدار الغربيَّ من مسجد عرفةً لو سَقط، سقَط في بطن عرنة. وحكى الباجي(١) عن ابن حبيبٍ أنَّ عرفةَ في الحِلِّ، وعُرنةَ في الحَرَم. قال أبو عمر (٢): وأما بطن مُحَسِّر فذكر وَكِيع: حدَّثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر أنَّ النبيَّ وَّهِ أَوْضَعَ في بطن مُحَسِّر (٣). الثامنة: ولا بأسَ بالتَّعريف في المساجد يومَ عَرَفة بغير عرفةً، تشبيهاً بأهل عرفة. روى شعبةُ، عن قتادة، عن الحسن قال: أوَّلُ من صنع ذلك ابنُ عباس بالبصرة. يعني اجتماع الناس يومَ عرفة في المسجد بالبصرة. وقال موسى بنُ أبي عائشة: رأيتُ عَمرو(٤) بنَ حُرَيْث يخطب يومَ عرفة وقد اجتمع الناس إليه(٥). وقال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن التَّعريف في الأمصار، يجتمعون يومَ عرفة، (١) المنتقى ١٧/٣. (٢) التمهيد ٤٢٢/٢٤. (٣) أخرجه أحمد (١٤٢١٨)، والترمذي (٨٨٦). وقوله: أوضع، أي: أسرع. الصحاح (وضع)، ومُحَسِّر: هو موضع ما بين مكة وعرفة، وقيل: بين منّى وعرفة، وقيل: بين منى والمزدلفة وليس من منی ولا المزدلفة. معجم البلدان ٥/ ٦٢ . (٤) في (م): عمر، وهو خطأ . (٥) أخرج الخبرين ابنُ أبي شيبة ٣١٠/٤، ٣١١ (نشرة العمروي). وموسى بن أبي عائشة هو الهَمْداني الكوفي أحد العبَّاد، وعمرو بن حُريث: وُلد قبل الهجرة، ودعا له النبي ◌َّ، ومسحَ على رأسه، نزل الكوفة، ووليها لزياد بن أبيه، مات سنة (٨٥هـ). السير ١٥٠/٦، ٤١٧/٣. ٣٣٩ سورة البقرة : الآية ١٩٨ فقال: أرجو ألا يكونَ به بأسٌ، قد فعله غيرُ واحد: الحسنُ وبكر وثابت ومحمد بنُ واسع، كانوا يَشهدون المسجدَ يومَ عرفة(١). التاسعة: في فضل يومٍ عَرَفة: يومُ عَرَفةَ فضلهُ عظيمٌ، وثوابه جسيم، يكفِّر الله فيه الذنوبَ العظام، ويُضاعِفُ فيه الصالحَ من الأعمال، قال ◌َِّ: ((صومُ يومٍ عرفةَ يكفِّر السَّنةَ الماضية والباقية)). أخرجه الصحيح(٢). وقال ◌َّ: ((أفضلُ الدعاء دعاءُ يوم عرفَة، وأفضلُ ما قلتُ أنا والنبيُّون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له)) (٣). وروى الدَّارَقُظْنِيُّ عن عائشة أنَّ رسول اللهِ ◌ّ قال: ((ما من يوم أكثر أنْ يُعتِقَ الله فيه عددًا من النار من يوم عرفةَ، وإنه ليدنو عزَّ وجلَّ، ثم يُبَاهِي بهم الملائكةَ يقول: ما أراد هؤلاء))(٤). وفي الموطأ عن [طلحة بن] عبيد الله بن كَرِيز أنَّ رسولَ الله وَّرِ قال: ((ما رُؤيَ الشيطانُ يوماً هو فيه أصغرُ ولا أَحْقرُ ولا أَذْحَر ولا أغيظُ منه في يوم عرفةً، وما ذاك إلا لِما رأى من تنزُّلِ الرحمة وتجاوُزِ الله عن الذُّنوبِ العظام إِلا ما رأى يومَ بدر)». قيل: وما رأى [يوم بدر] يا رسولَ الله؟ فقال: ((أمَا إِنَّه رأى(٥) جبريلَ يَزَع الملائكة»(٦) قال أبو عمر (٧): روى هذا الحديثَ أبو النَّضر إسماعيل بنُ إبراهيمَ العِجْليُّ، (١) ينظر المغني ٢٩٥/٣، والمجموع ١١٦/٨، ١١٧. (٢) أخرجه أحمد (٢٢٥١٧)، ومسلم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه. (٣) أخرجه مالك في الموطأ ٢١٤/١-٢١٥ من حديث طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز مرسلاً، وأخرجه موصولاً الترمذي (٣٥٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بنحوه، وفي إسناده محمد بن أبي حميد؛ قال الترمذي فيه: ليس بالقوي عند أهل الحديث. وانظر التمهيد ٣٨/٦، والترغيب والترهيب ٤١٩/٢، والتلخيص الحبير ٢٥٤/٢. (٤) سنن الدارقطني ٣٠١/٢، وأخرجه أيضاً مسلم (١٣٤٨). (٥) في (م): قد رأى. (٦) الموطأ ٤٢٢/١، وما بين حاصرتين منه، وقوله: يَزّع: يرتِّبُ ويُسوي صفوفهم للحرب. النهاية (وزع). (٧) التمهيد ١١٥/١. ٣٤٠ سورة البقرة : الآية ١٩٨ عن مالك، عن إبراهيمَ بنِ أبي عَبْلَة، عن طلحة بنِ عُبيد الله بن كَرِيز، عن أبيه، ولم يقلْ في هذا الحديث عن أبيه غيرُه، وليس بشيء، والصواب ما في الموطأ. وذكر الترمذيُّ الحكيم في ((نوادر الأصول)): حدَّثنا حاتم بنُ نُعيم التميميُّ أبو رَوْح قال: حدَّثنا هشام بنُ عبد الملك أبو الوليد الطيالسيُّ قال: حدَّثنا عبد القاهر بنُ السَّرِيِّ السُّلمي قال: حدَّثني ابنٌ لِكنانةَ بنِ عباس بن مِرْداس، عن أبيه، عن جدِّه عباس بنٍ مِرْداس، أنَّ رسول اللهِ وَّرِ دعا لأمَّته عشيَّةً عرفةَ بالمغفرة والرحمة، وأكثرَ الدعاءَ، فأجابه: إنِّي قد فعلتُ، إلا ◌ُظُلْمَ بعضِهم بعضًا، فأمَّا ذنوبُهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتُها. قال: ((يا رب إنك قادر أنْ تثيبَ هذا المظلومَ خيراً من مظلمته، وتغفرَ لهذا الظالم)) فلم يجبه تلك العشِيَّةَ، فلما كان الغداة غداة المزدلفة، اجتهد في الدعاء، فأجابه: إنِّي قد غفرتُ لهم، فتبسَّم رسول الله وَّ، فقيل له: تبسمْتَ يا رسول الله في ساعة لم تكنْ تتبسّم فيها؟ فقال: ((تبسَّمتُ من عدوّ الله إبليسَ؛ إنه لمَّا عَلم أنَّ الله قد استجاب لي في أمتي، أهوى يدعو بالويل والثُّبور، ويَحْثِي الترابَ على رأسه ويَفِرّ))(١). وذكر أبو عبد الغني الحسن(٢) بنُ علي: حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعراج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَطاهر: ((إذا كان يومُ عرفةَ غفر الله للحاجِّ الخالص، وإذا كان ليلةُ المزدلفة غفر الله للتجار، وإذا كان يومُ منّى غفر الله للجمالين، وإذا كان يومُ جمرة العقبةِ غفر الله للسُّؤَال، ولا يَشهَدُ ذلك الموقفَ خلقٌ ممن قال: لا إله إلا الله إلا غفر له))(٣). (١) نوادر الأصول ٢٠٣/١، وأخرجه أيضاً أحمد (١٦٢٠٧)، والبخاري في التاريخ ٢/٧-٣، وأبو داود (٥٢٣٤)، وابن ماجه (٣٠١٣) من طريق عبد القاهر بن السَّريّ، به، وضعَّف الحديثَ البخاريُّ وابن حبان في المجروحين ٢٣٩/٢، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ١٢٥/٢، وتعقبه الحافظ في القول المسدد ص ٣٥-٣٨، وانظر تمام الكلام عليه في مسند أحمد. (٢) في النسخ: الحسين، وهو خطأ . (٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين ١/ ٢٤٠، وابن عبد البر في التمهيد ١٢٦/١ من طريق أبي عبد الغني الحسن بن علي. قال فيه ابن حبان: يروي عن مالك وغيره من الثقات ويضع عليهم، لا تحل كتابة حديثه ولا الرواية عنه بحال. وانظر لسان الميزان ٢٢٧،٢٢٦/٢.