Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
سورة البقرة : الآية ١٩٥
أنه (١) يُقتل، ولكن سَيُنْكي نِكايةً، أو سيُبْلي، أو يؤثِّر أثراً يَنتفع به المسلمون،
فجائزٌ أيضاً .
وقد بلغني أنَّ عسكر المسلمين لمَّا لَقِيّ الفرسَ، نَفرَتْ خيلُ المسلمين من
الفِيَلة، فعَمَدَ رجلٌ منهم، فصنع فِيلاً من طين، وأَنَّسَ به فرسَه حتى أَلِفَه، فلمَّا
أصبحَ لم يَنْفِرِ فرسُه من الفيل، فحمَل على الفيل الذي كان يَقْدُمُها فقيل له: إنه
قاتلك. فقال: لا ضَيْرَ أنْ أُقْتَلَ ويُفتحَ للمسلمين.
وكذلك يومُ اليمامة؛ لما تحصَّنت بنو حنيفةً بالحديقة، قال رجلٌ من
المسلمين: ضعوني في الحجَفَة، وألقُوني إليهم، ففعلوا وقاتلَهم وحدَه، وفَتح
الباب(٢).
قلت: ومن هذا ما رُوِيَ أنَّ رجلاً قال للنبيِّ وَّهِ: أرأيتَ إنْ قُتِلتُ في سبيل الله
صابراً مُخْتَسِباً؟ قال: ((فلك الجنة)). فانغمسَ في العدوِّ حتى قُتِل(٣).
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أنَّ رسولَ الله وَّهِ أُفْرِدَ يومَ أُحُدٍ في سبعة
من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رَهِقُوه قال: ((مَنْ يَرُدُّهم عنَّا وله الجنة؟)) أو
((هو رفيقي في الجنة)). فتقدَّمَ رجل من الأنصار، فقاتل حتى قُتل، [ثم رَهِقُوه
أيضاً، فقال: ((مَن يَرُدُّهم عنَّا وله الجنة؟)) أو ((هو رفيقي في الجنة)). فتقدَّم رجلٌ من
الأنصار، فقاتلَ حتى قُتل]. فلم يزل كذلك حتى قُتل السبعةُ، فقال النبيُّ وَلّى: ((ما
أنصَفْنا أصحابَنا))(٤). هكذا الرواية ((أنصَفْنا)) بسكون الفاء، ((أصحابَنا)) بفتح الباء،
(١) في (خ) و(ز) و(ظ) و(م): أن، والمثبت من (د).
(٢) أخرجه خليفة بن خياط في تاريخه ص١٠٩، وابن عبد البر في الاستيعاب بهامش الإصابة ٢٨٧/١
والرجل المبهم في القصة هو البراء بن مالك رضي الله عنه، وقوله: الحجفة - بالتحريك - هو الترس
من الجلد بلا خشب ولا عَقَب. القاموس (حجف).
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٥٤٢)، ومسلم (١٨٨٥) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه بنحوه.
(٤) صحيح مسلم (١٧٨٩) وما بين حاصرتين منه، وأخرجه أيضاً أحمد (٤٤١٤) من حديث ابن مسعود
رضي الله عنه مطولاً، قوله: رهقوه: أي: غَشَوه ولحقوه. القاموس (رهق).

٢٦٢
سورة البقرة : الآية ١٩٥
أي: لم نُدِلْهُم (١) القتال(٢) حتى قتلوا. ورُوِي بفتح الفاء ورفع الباء، ووجهُها أنها
تَرجع لمن فَرَّ عنه من أصحابه، والله أعلم(٣) .
وقال محمد بنُ الحسن(٤): لو حمَل رجل واحدٌ على ألف رجلٍ من المشركين
وهو وحده، لم يكن بذلك بأسٌ إذا كان يطمع في نجاة أو نِكايةٍ في العدوِّ، فإن لم
يكن كذلك فهو مكروه؛ لأنه عرَّض نفسه للتَّلف في غير منفعة للمسلمين. فإن كان
قصدُه تجرِئةَ المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثلَ صنيعه، فلا يبعُد جوازُه، ولأنَّ فيه
منفعةً للمسلمين على بعض الوجوه. وإن كان قصدُه إرهابَ العدوِّ؛ ليعلم(٥) العدوّ
صلابة(٦) المسلمين في الدِّين فلا يبعُدُ جوازُه. وإذا كان فيه نفعٌ للمسلمين، فَتَلِفَتْ
نفسُه لإعزاز دينِ الله وتوهينِ الكفر، فهو المقامُ الشريفُ الذي مدحَ الله به المؤمنین
في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الآية، إِلى غيرها
من آيات المدحِ التي مدحَ الله بها مَن بذَلَ نفسه.
وعلى ذلك ينبغي أنْ يكونَ حكم الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر أنه متى
رَجَا نفعاً في الدِّين، فبَذَلَ نفسَه فيه حتى قُتل، كان في أعلى درجاتِ الشُّهداء،
قال الله تعالى: ﴿وَأَمُرْ بِلْمَعْرُوفِ وَأَنّهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرِ عَلَى مَّا أَصَابَكٌ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ
الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]. وقد رَوى عكرمةُ عن ابنِ عباس عن النبيِّ وَّ أنه قال:
((أفضلُ الشُّهداءِ حمزةُ بنُ عبدِ المطّلب، ورجلٌ تكلّم بكلمةٍ حقِّ عند سلطان جائرٍ
فقتله))(٧). وسيأتي القول في هذا في ((آل عمران)) إن شاء الله تعالى.
(١) في (د): تدلهم، وفي (ظ): يدلهم. ونُدِلْهم، منَ الدُّولة، أي: لم نأخذ عنهم العُقبةَ في القتال حتى
قُتِلوا. ينظر اللسان (دول).
(٢) في (م): للقتال.
(٣) ينظر إكمال المعلم ١٦٣/٦، وشرح صحيح مسلم للنووي ١٤٨/١٢، والمفهم ٦٤٩/٣.
(٤) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٢٦٢/١، ٢٦٣، وأحكام القرآن للكيا ٨٨/١، ٨٩.
(٥) في (د) و(م): وليعلم.
(٦) في (م): ليعلم صلابة.
(٧) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٠٩١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٦٨/٩: فيه ضعف.
وفي الباب عن جابر أخرجه الطبراني في الأوسط (٩٢٢)، والخطيب في تاريخ بغداد ٣٧٦/٦. قال
الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٦٨/٩: فيه حكيم بن زيد، قال الأزدي: فيه نظر، وبقية رجاله وُثقوا.

٢٦٣
سورة البقرة : الآية ١٩٦
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَحِنُواْ﴾، أي: في الإنفاق في الطّاعة، وأحسِنوا الظنَّ
بالله في إخلافِه عليكم. وقيل: ((أحسنوا)) في أعمالكم بامتثال الطاعات، رُويَ ذلك
عن بعض الصَّحابة(١).
قوله تعالى: ﴿وَأَيُِّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهُّ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ لََّا أَسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِّ وَلَا تَخْلِقُواْ
رُوسَكُمٍ خَّ ◌َلُغَ الْهَدْىُ تَحِلَّْ فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِضًا أَوْ بِ: أَذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَاءٍ
أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُكٍّ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَنَ تَمَنَعَ بِلْمُهْرَةِ إِلَى الْحَّ لَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْخَدِيَّ فَنَ لَّْ يَهِدْ
فَصِيَامُ ثَةٍ أَّامٍ فِي لَلَّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَمْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَمِلَّةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُ
حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
قوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْمُبْرَةَ لِلَّهِ﴾ فيه سبع مسائل:
الأولى: اختلف العلماءُ في المعنى المراد بإتمام الحج والعُمْرة لله، فقيل:
أداؤهما والإتيانُ بهما، كقوله: ﴿فَتَمَّهُنِّ﴾ [البقرة: ١٢٤]. وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِقُوْ اَلْضِيَامَ إِلَى
الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، أي: ائتوا بالصيام، وهذا على مذهب مَن أوجبَ العُمرة،
على ما يأتي(٢).
ومَن لم يُوجبها قال: المُراد تمامُهما بعد الشروع فيهما، فإنّ مَن أحرم بنُسُك
وجب عليه المُضِيُّ فيه، ولا يفسخه، قال معناه الشعبيّ وابن زيد (٣).
وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: إتمامُهما أنْ تُحرم بهما من دُوَيْرَة أهلك (٤).
ورُوِيَ ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وَقّاص(٥)، وفَعَلَه عمران بن
حُصين. وقال سفيان الثَّوْرِيُّ: إتمامُهما أنْ تخرجَ قاصداً لهما، لا لتجارة ولا لغير
ذلك، ويقوِّي هذا قولُه: (له))(٦).
(١) المحرر الوجيز ٢٦٥/١، وانظر تفسير الطبري ٣٢٦/٣، والنكت والعيون ٢٥٣/١.
(٢) في المسألة الرابعة.
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٢٦٥/١، وأخرج الطبري ٣٣١/٣-٣٣٢ قول ابن زيد.
(٤) أخرجه الطبري ٣٢٩/٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٠/٥.
(٥) قول عمر رضي الله عنه ذكره الشافعي في الأم ٧/ ٢٣٥، ولم نقف على من ذكر قول سعد رضي الله عنه.
(٦) المحرر الوجيز ٢٦٥/١، وقول سفيان أخرجه الطبري ٣٣١/٣.

٢٦٤
سورة البقرة : الآية ١٩٦
وقال عمر: إتمامُهما أن تُفرد(١) كلّ واحد منهما من غير تَمَتُّع وقِران(٢)، وقاله
ابن حبيب.
وقال مُقاتل: إتمامُهما ألّا تَستحِلُّوا فيهما ما لا ينبغي لكم، وذلك أنهم كانوا
يُشركون في إحرامهم فيقولون: لَبَيْكِ اللَّهُمّ لَبَيْك، لا شريكَ لك إلا شريكاً هو لك،
تَمْلكُه وما مَلَك. فقال: فأتِمُّوهما، ولا تَخْلِطوهما بشيءٍ آخرَ (٣).
قلت: أمّا ما رُوِيّ عن عليٍّ وفَعَلَه عِمرانُ بن حُصين في الإحرام قبل المواقيت
التي وقَّتها رسولُ اللهِ وَّهِ، فقد قال به عبدُ الله بن مسعود وجماعةٌ من السلف،
وثبتَ أنَّ ابن عمرَ (٤) أَهلَّ من إيلياء، وكان الأسودُ وعلقمةُ وعبد الرحمن وأبو
إسحاق(٥) يُحرمون من بيوتهم، ورَخّص فيه الشافعي(٦).
ورَوَى أبو داود والدّارَقُطْنِيُّ عن أُمّ سَلَمة قالت: قال رسول الله وَّ: ((مَنْ أحرمَ
من بيت المَقْدس بحجِّ أو عُمْرة كان من ذنوبه كيومَ(٧) وَلَدَتْه أُمُّه))، في رواية: ((غُفر
له ما تقدَّم مِن ذَنْبه وما تأخّر)»(٨). وخرّجه أبو داود وقال: يرحم اللهُ وَكيعاً، أَحرمَ
من بيت المَقْدس، يعني: إلى مكة. ففي هذا إجازةُ الإِحرام قبل الميقات.
وكّرِهَ مالكٌ رحمه الله أن يُحرِمَ أحدٌ قبل الميقات، ورُوِيَ(٩) ذلك عن عمر بن
(١) في (م): يفرد.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣٣٤/١، وأورده ابن عبد البر في الاستذكار ١٢٧/١١.
(٣) تفسير أبي الليث ١/ ١٩١.
(٤) في النسخ: عمر، وهو خطأ، والمثبت من المصادر، انظر الموطأ ٣٣١/١، والسنن الكبرى للبيهقي
٣٠/٥ ومعرفة السنن والآثار له ١٠٣/٧، والتمهيد ١٤٤/١٥، والمغني ٦٦/٥، والمجموع ٢٠١/٧،
وإيلياء: هو بيت المقدس.
(٥) هو عمرو بن عبد الله السَّبيعي، الهَمْداني، شيخ الكوفة وعالمها، توفي سنة (١٢٧هـ). السير ٣٩٢/٥.
(٦) انظر التمهيد ١٤٤/١٥-١٤٥، والاستذكار ٨٢/١١.
(٧) في النسخ: كهيئة يوم، والمثبت من سنن الدارقطني.
(٨) سنن أبي داود (١٧٤١)، وسنن الدارقطني ٢٨٣/٢ -٢٨٤ واللفظ له، وهو في مسند أحمد (٢٦٥٥٧).
قال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٢/ ٢٨٥: وقد اختلف في متنه وإسناده اختلافاً كثيراً، وقال ابن
القيم في زاد المعاد ٢٦٧/٣: حديث لا يثبت، وقد اضطرب فيه إسناداً ومتناً اضطراباً شديداً.
(٩) في (خ) و(ظ) و(م): ويروى.

٢٦٥
سورة البقرة : الآية ١٩٦
مسـ
الخطاب، وأنه أنكر على عمران بن حُصين إحرامَه من البصرة(١). وأنكر عثمانُ
على ابن عامر(٢) إحرامه قبل الميقات(٣).
وقال أحمد وإسحاق: وجهُ العمل المواقيت(٤).
ومن الحجة لهذا القول أنَّ رسول الله له وقَّت المواقيتَ وعَيّنها، فصارت بياناً
لمجمل الحجِّ، ولم يُحرمِ وَّ من بيته لحجّته، بل أحرمَ من ميقاته الذي وقَّته لأُمَّته، وما
فعله بَّه فهو الأفضلُ إن شاء الله. وكذلك صنع جمهورُ الصحابة والتابعين بعدهم.
واحتجَّ أهلُ المقالة الأُولى بأن(٥) ذلك أفضلُ بقول عائشة: ما خُيِّر رسولُ اللهِله
بين أمرين إلا اختار أَيْسرَهما(٦)، وبحديث أُمّ سَلَمة، مع ما ذُكر عن الصحابة في
ذلك، وقد شَهِدوا إحرامَ رسول الله ﴿﴿ في حجّته من ميقاته، وعَرَفوا مَغْزاه ومُرادَه،
وعلموا أنّ إحرامَه من ميقاته كان تيسيراً على أُمّته(٧).
الثانية: روى الأئمة أنّ رسول الله وَّله وَقَّتَ لأهل المدينة ذا الحُلَيْفة، ولأهل
الشام الجُحْفة، ولأهل نَجْد قَرْن، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، هُنَّ لهنَّ، ولمن أتى عليهنَّ
من غير أهلهنَّ ممن أراد الحجّ والعُمْرة، ومَن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى
أهْلُ مكةَ من مكة؛ يُهِلُّون منها (٨).
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣١/٥.
(٢) في النسخ: ابن عمر، وهو خطأ، والمثبت من المصادر، انظر السنن الكبرى للبيهقي ٣١/٥، والتمهيد
١٤٣/١٥، والمغني ٦٧/٥، وفتح الباري ٣/ ٤٢٠. وابن عامر: هو عبد الله، أبو عبد الرحمن
القرشي، العبشمي، الصحابي، ابن خال عثمان بن عفان رضي الله عنهما، وأبوه ابنُ عمّة
رسول الله الز، وهو الذي افتتح خراسان، وقُتل کسرى في ولايته، وأحرم من نيسابور شكراً لله، توفي
سنة (٥٩هـ). السير ١٨/٣.
(٣) قال البخاري في صحيحه في باب قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾: وكره عثمان رضي الله عنه أن
يُحرمَ من خراسان أو کرمان.
(٤) ينظر معالم السنن ١٤٩/٢ .
(٥) في النسخ: وأن، والمثبت من (م).
(٦) أخرجه أحمد (٢٥٧٥٦)، والبخاري (٦٧٨٦)، ومسلم (٢٣٢٧).
(٧) ينظر التمهيد ١٤٥/١٥-١٤٦.
(٨) أخرجه أحمد (٢١٢٨)، والبخاري (١٥٢٤)، ومسلم (١١٨١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، =

٢٦٦
سورة البقرة : الآية ١٩٦
وأجمعَ أهلُ العلم على القول بظاهر هذا الحديث واستعماله، لا يُخالفون
شيئاً منه.
واختلفوا في ميقات أهل العراق وفيمن وَقَّته، فرَوَى أبو داود والترمذي عن ابن
عباس أن النبيَّ وَّ﴿ وَقّت لأهل المَشْرق العَقِيق؛ قال الترمذيّ: هذا حديث حَسَن(١).
ورُوي أنّ عمر وَقّت لأهل العراق ذاتَ عِرْق(٢).
وفي كتاب أبي داود عن عائشةَ أن رسول الله وَ﴿ وَقّت لأهل العراق ذاتَ
عِرْق(٣)، وهذا هو الصحيح.
--- ٠
ومَن رَوى أنّ عمر وقَّته؛ لأنّ العراق في وقته افتُتِحت، فَغَفْلةٌ منه (٤)، بل وَقّته
رسولُ اللهِ وَ﴿ كما وَقّت لأهل الشام الجُحْفَة. والشامُ كلُّها يومئذ دارُ كفر كما
كانت العراق وغيرها يومئذ من البلدان(٥)، ولم تُفتح العراقُ ولا الشامُ إلا على عهد
عمر، وهذا مما(٦) لا خِلاف فيه بين أهل السِّيّر.
قال أبو عمر(٧): كلُّ عِراقيّ أو مَشْرِقِيّ أحرمَ من ذات عِرْق، فقد أحرمَ عند
الجميع من ميقاته، والعَقِيقُ أَخوطُ عندهم وأوْلى من ذات عِرْق، وذاتُ عِرْق
ميقاتُهم أيضاً بإجماع.
= وفي الباب عن عدد من الصحابة منهم ابن عمر وعبد الله بن عمرو وجابر رضي الله عنهم، عند أحمد
(٥٤٩٢) و(٦٦٩٧) و(١٤٥٧٢).
(١) سنن أبي داود (١٧٤٠)، وسنن الترمذي (٨٣٢)، وهو في مسند أحمد (٣٢٠٥). قال الحافظ ابن حجر
في الفتح ٣/ ٣٩٠: تفرد به یزید بن أبي یزید، وهو ضعيف.
(٢) أخرجه البخاري (١٥٣١) من حديث ابن عمر، عن عمر، رضي الله عنهما.
(٣) سنن أبي داود (١٧٣٩)، وفي الباب عن جابر رضي الله عنه، أخرجه أحمد (١٤٥٧٢)، ومسلم
(١١٨٣).
(٤) كذا في التمهيد والاستذكار، وفيه نظر، فالحديث في صحيح البخاري كما سلف، قال النووي في
المجموع ١٩٥/٧: يُحمل تحديد عمر رضي الله عنه باجتهاده على أنه لم يبلغه تحديد النبي ◌َّر،
فحدَّده باجتهاده، فوافق النصّ، وكذا قال الشافعي. وانظر المغني ٥٨/٥ .
(٥) التمهيد ١٤٣/١٥، والاستذكار ٧٩/١١، وقال ابن عبد البرّ بعد هذا: فوقَّت النبي والر المواقيت لأهل
النواحي؛ لأنه علم أنه سيفتح الله على أمته الشام والعراق وغيرهما من البلدان.
(٦) في (خ) و(ظ) و(م): ما.
(٧) التمهيد ١٤٣/١٥، والاستذكار ٧٩/١١.

٢٦٧
سورة البقرة : الآية ١٩٦
الثالثة: أجمع أهلُ العلم على أنَّ من أحرمَ قبل أن يأتيَ الميقاتَ أنه مُحْرِم(١)،
وإنما مَنَع مِن ذلك مَن رأى الإحرامَ عند الميقات أفضلَ؛ كراهيةَ أن يُضيِّق المرءُ
على نفسه ما قد وسَّع الله عليه، وأن يتعرَّض بما لا يُؤمن أن يحدثَ في إحرامه،
وكلُّهم ألزمه الإحرامَ إذا فعل ذلك، لأنه زاد ولم يَنْقُصْ.
الرابعة: في هذه الآية دليلٌ على وجوب العُمْرة؛ لأنه تعالى أمر بإتمامها كما
أمر بإتمام الحجّ. قال الصُّبَيُّ بن مَعْبد: أتيتُ عمرَ رضي الله عنه فقلت: إني كنتُ
نصرانيّاً فأسلمتُ، وإني وجدتُ الحجّ والعمرةَ مكتوبتين عليَّ، وإني أهللتُ بهما
جميعاً. فقال له عمر: هُدِيتَ لسُنَّة نبيِّك(٢).
قال ابن المنذر: ولم يُنكر عليه قولَه: وجدتُ الحجّ والعمرةَ مكتوبتين عليّ.
وبوجوبها(٣) قال عليّ بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس(٤).
ورَوى الدّارَقُطْنِيّ عن ابن جُريج قال: أخبرني نافع أن عبد الله بن عمر كان
يقول: ليس مِن خَلْق الله أحدٌ إلا عليه حَجّةٌ وعُمرةٌ واجبتان مَن استطاع إلى ذلك
سبيلاً، فمن زاد بعدهما(٥) شيئاً فهو خيرٌ وتطوّع. قال: ولم أَسمعه يقول في أهل
مكةَ شيئاً. قال ابن جُريج: وأُخبرتُ عن عكرمة أن ابن عباس قال: العمرةُ واجبةٌ
كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلاً(٦).
وممن ذهبَ إلى وجوبها من التابعين عطاءٌ وطاوسٌ ومجاهدٌ والحسنُ وابن
سِيرين والشَّعبيّ وسعيد بن جُبير وأبو بُردة ومسروق وعبد الله بن شدّاد(٧) والشافعي
(١) الإجماع لابن المنذر ص٤١.
(٢) أخرجه أحمد (٨٣)، وأبو داود (١٧٩٩)، والنسائي في المجتبى ١٤٦/٥-١٤٧، والصُّبّيّ بن معبد:
تغلبي كوفي.
(٣) في (خ) و(ظ) و(م): وبوجوبهما.
(٤) الاستذكار ٢٤٣/١١، وأخرج الطبري ٣٣٤/٣ قول علي رضي الله عنه.
(٥) في (خ) و(ظ) و(م): بعدها .
(٦) سنن الدار قطني ٢٨٥/٢.
(٧) أبو الوليد الليثي، المدني ثم الكوفي، الفقيه، أمه سلمى أخت أسماء بنت عُميس، وكانت تحت حمزة
رضي الله عنه، فلما استُشهد تزوجها شداد، فولدت له عبد الله في زمن النبي وَ ﴿، قُتل سنة (٨٢هـ).
السير ٤٨٨/٣.

٢٦٨
سورة البقرة : الآية ١٩٦
وأحمد وإسحاق وأبو عُبيد وابن الجَهْم من المالكيين . وقال الثوريُّ: سمعنا أنها
واجبة(١).
وسُئل زيد بن ثابت عن العمرة قبل الحج، فقال: صلاتان لا يضرُّك بأيِّهما
بدأتَ، ذكره الدّارَ قُظْنِيّ(٢).
ورَوَى مرفوعاً عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ملته:
(إنَّ الحجّ والعمرةَ فريضتان لا يضرُّك بأيّهما بدأتَ))(٣).
وكان مالكٌ يقول: العمرة سُنَّة، ولا نعلم أحداً أرخصَ في تركها (٤). وهو قول
النَّخَعِيِّ وأصحاب الرأي فيما حكى ابنُ المنذر(٥). وحكى بعض القرويين(٦)
والبغداديين عن أبي حنيفة أنه يُوجبها كالحج، وبأنها سنة(٧)؛ قاله ابن مسعود(٨)
وجابر بن عبد الله.
روى الدّار قطنيُّ: حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا، حدثنا محمد بن العلاء أبو
كُريب، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن حجَّاج، عن محمد بن المنكدر، عن
جابر بن عبد الله قال: سأل رجلٌ رسولَ الله وَّ ر عن الصلاة والزكاة والحج:
أواجب هو؟ قال: ((نعم)). فسأله عن العمرة: أواجبةٌ هي؟ قال: ((لا، وأن تعتمرَ
خيرٌ لك)). رواه يحيى بن أيوب(٩) عن حجّاج وابن جريج عن ابن المنكدر عن
(١) ينظر الاستذكار ٢٤١/١١-٢٤٢، والتمهيد ١٤/٢٠، والمجموع ٨/٧، وقول ابن الجهم ذكره ابن
عطية في المحرر الوجيز ٢٦٦/١.
(٢) في سننه ٢/ ٢٨٥ .
(٣) سنن الدارقطني ٢/ ٢٨٤.
(٤) الموطأ ٣٤٧/١، وانظر الاستذكار ٢٤١/١١، وقد ذكر الترمذي بعد الحديث (٩٣١) عن الشافعي مثل
قول مالك.
(٥) ينظر المحرر الوجيز ٢٦٦/١، وقول النخعي في الاستذكار ٢٤١/١١، والمجموع ٨/٧.
(٦) في (م): القزوينيين.
(٧) في (م): أنه كان يوجبها كالحج، وبأنها سنة ثابتة.
(٨) المحرر الوجيز ٢٦٦/١. ووقع في النسخ: قال ابن مسعود، والمثبت من (م).
(٩) في النسخ الخطية: محمد بن أيوب، وهو خطأ، والتصويب من سنن الدارقطني.

٢٦٩
سورة البقرة : الآية ١٩٦
جابر موقوفاً من قول جابر(١). فهذه حُجّة من لم يُوجبها من السُّنة ..
قالوا: وأما الآيةُ فلا حُجَّةَ فيها للوجوب؛ لأن الله سبحانه إنما قرّنها في
وجوب الإتمام، لا في الابتداء، فإنه ابتدأ الصلاة والزكاةَ، فقال: ﴿وَأَقِيمُواْ الْعَلَوَةَ
وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وابتدأ بإيجاب الحَجّ فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَ النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ﴾
[آل عمران: ٩٧]. ولما ذكر العُمرة أمر بإتمامها لا بابتدائها، فلو حَجَّ عَشْرَ حِجَج،
أو اعتمر عَشْر عُمَر لَزِمِ الإِتمامُ في جميعها، فإنما جاءت الآيةُ لإِلزام الإِتمام،
لا لإلزام الابتداء (٢)، والله أعلم.
واحتجّ المُخالِف من جهة النظر على وجوبها بأن قال: عِماد الحَجّ الوقوفُ
بعرفة، وليس في العمرة وقوف، فلو كانت كسُنّة(٣) الحج، لوجب أن تُسَاوِيَه في
أفعاله، كما أن سُنَّة الصلاة تُساوي فريضتَها في أفعالها.
الخامسة: قرأ الشَّعبيّ وأبو حَيْوَةَ برفع التاء في ((العُمرة)»(٤)، وهي تدلُّ على
عدم الوجوب. وقرأ الجماعة ((العمرةً)) بنصب التاء(٥)، وهي تدلّ على الوجوب.
وفي مصحف ابن مسعود: ((وأتِمُّوا الحجّ والعمرةَ إلى البيت لله)) ورُوي عنه:
(١) سنن الدار قطني ٢/ ٢٨٥. وأخرجه أحمد (١٤٣٩٧)، والترمذي (٩٣١) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قال الإمام النووي في المجموع ٦/٧: وأما قول الترمذي: إن هذا الحدیث حسن صحيح، فغیر
مقبول، ولا يُغترّ بكلام الترمذي في هذا، فقد اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف، ودليل ضعفه أن
مداره على الحجاج بن أرطاة، لا يُعرف إلا من جهته، والترمذي إنما رواه من جهته، والحجاج
ضعيف ومدلّس باتفاق الحفاظ.
وحديث جابر الموقوف الذي أشار إليه الدارقطني، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣٤٩/٤، ثم
قال: هذا هو المحفوظ عن جابر، موقوفٌ غير مرفوع.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١١٨/١-١١٩.
(٣) في (ظ): كشبه.
(٤) المحرر الوجيز ٢٦٦/١، وذكر قراءة الشعبي ابنُ خالويه في القراءات الشاذة ١٢/١ وزاد نسبتها لعلي
وابن مسعود رضي الله عنهما. قال ابن عبد البر في التمهيد ١٧/٢٠: لا أعلم أحداً من أئمة القراء تعلّق
بالشعبي في قراءته هذه ولا تابعه عليها ... وقراءة الشعبي ليست بصحيحة المعنى لأن الإتمام يجب في
العمرة كما يجب في الحج لمن دخل في واحد منهما بإجماع، ولو صحت قراءة الشعبي، كان فيها خلاف
الإجماع وما خالفه مردود، ومعلوم أن الحج لله كما العمرة لله، فلا وجه لقراءة الشعبي. والله أعلم.
(٥) انظر إيضاح الوقف والابتداء ص٥٤٥.
:

٢٧٠
سورة البقرة : الآية ١٩٦
((وأقيموا الحجّ والعُمرةَ إلى البيت))(١).
وفائدةُ التخصيص بذكر الله هنا أنَّ العربَ كانت تَقصِدُ الحَجَّ للاجتماع والتَّظاهر
والتّناضل(٢) والتّنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق، وكلُّ ذلك ليس لله فيه طاعةٌ
ولا حظّ يُقصد(٣)، ولا قُرْبَةٌ بمعتقَد(٤)، فأمر اللهُ سبحانه بالقَصْد إليه لأداء فَرْضه
وقضاء حقٌّه، ثم سامح في التجارة، على ما يأتي (٥).
السادسة: لا خلاف بين العلماء فيمن شَهِدَ مناسك الحجّ وهو لا ينوي حجًّا
ولا عُمرة - والقلم جارٍ له وعليه - أنّ شهودَها بغير نيَّة ولا قَصْد غير مُغْنٍ عنه، وأن
النية تجب فرضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِتُوا﴾. ومِن تمام العبادة حضورُ النية، وهي
فرضٌ كالإحرام عند الإِحرام؛ لقوله عليه السلام لما رَكِبَ راحلتَه: ((لَبَّيْكَ بحَجّةٍ
وعُمْرة معاً))(٦) على ما يأتي.
وذكر الرّبيع في كتاب البُوَيْطِي عن الشافعيّ قال: ولو لَّى رجلٌ ولم يَنْوِ حجًّا
ولا عُمرةً، لم یکن حاجًّا ولا مُعْتَمِرًا، ولو نوی ولم يُلَبِّ حتی قضی المناسكَ کان
حُّه تامًّا، واحتجَّ بحديث النبيّ وَّهِ: ((إنما الأعمالُ بالنّيات))(٧). قال: ومَن فعلَ
مِثْل ما فعَل عليٍّ حين أهلَّ على إهلال النبيِّ وَلَّ(٨) أجزأته(٩) تلك النية؛ لأنها
(١) المحرر الوجيز ٢٦٦/١، والرواية الثانية عن ابن مسعود أخرجها الطبري ٣٣٤/٣، وابن أبي داود في
المصاحف (١٧٥). وأورد الروايتين أبو حيان في بحره ١/ ٧٢ ثم قال: ينبغي أن يُحمل هذا كله على
التفسير لأنه مخالف لسواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون.
(٢) في نسخة في أحكام القرآن لابن العربي ١١٩/١ (والكلام منه): والتناصر.
(٣) في (خ) و(ظ) و(م): بقصد.
(٤) في أحكام القرآن لابن العربي: تعتقد.
(٥) في تفسير الآية (١٩٨) من هذه السورة.
(٦) أخرجه أحمد (١٣٣٤٩)، ومسلم (١٢٥١) من حديث أنس رضي الله عنه. وفي الباب عن الهِرْماس بن
زياد الباهلي وأبي طلحة الأنصاري وسُراقة بن مالك وأم سلمة رضي الله عنهم، عند أحمد (١٥٩٧١)
و(١/١٦٣٤٦) و(١٧٥٨٢) و(٢٦٥٤٩).
(٧) أخرجه أحمد (١٦٨)، والبخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر رضي الله عنه.
(٨) أخرجه أحمد (١٢٩٢٧)، والبخاري (١٥٥٨)، ومسلم (١٢٥٠) من حديث أنس رضي الله عنه
وسيذكره المصنف في المسألة التالية.
(٩) في (خ) و(م): أجزته.

٢٧١
سورة البقرة : الآية ١٩٦
وقعتْ على نيةٍ لغيره قد تقدَّمتْ، بخلاف الصلاة(١).
السابعة: واختلف العلماءُ في المُراهق والعبد يُحرِمان بالحجِّ، ثم يحتلم هذا
ويَعْتِق هذا قبل الوقوف بعرفة، فقال مالك: لا سبيلَ لهما إلى رَفْض الإحرام ولا
لأحد(٢)، مُتَمسِّكاً بقوله تعالى: ﴿وَنِتُواْ الْحَجَّ وَالْمُبْرَةَ لِلَّهُ﴾ ومَن رَفض إحرامَه، فلم(٣)
يتمَّ حَجُّه ولا ◌ُمرتُه.
:
وقال أبو حنيفة: جائزٌ للصبيّ إذا بلغ قبل الوقوف بعَرَفة أن يُجدِّد إحراماً،
فإنْ تمادَى على حجِّه ذلك لم يَجْزِهِ من حَجَّة الإِسلام، واحتجَّ بأنه لمَّا لم يكن
الحجّ يجزِي عنه، ولم یکن الفَرْضُ لازماً له حین أحرم بالحجّ، ثم لَزِمه حین
بلغ، استحال أن يشتغلَ(٤) عن فَرْض قد تعيَّن عليه بنافلة ويُعطِّلَ(٥) فَرْضَه، كمن
دخل في نافلة، وأُقيمتْ عليه المكتوبة وخَشِيَ فَوْتَها، قَطَعَ النافلةَ ودخّل في
المكتوبة.
وقال الشافعيّ: إذا أحرم الصبيُّ ثم بلغ قبل الوقوف بعَرَفة، فوقف بها مُحْرِماً
أجزأه من حَجَّة الإسلام، وكذلك العبد. قال: ولو عَتَق بمزدلفةَ، وبلغ الصبيُّ بها
فرجَعَا إلى عَرَفَةَ بعد العتق والبلوغ، فأدركا الوقوفَ بها قبل طلوع الفجر أجزأتْ(٦)
عنهما من حجَّة الإسلام، ولم يكن عليهما دمٌ، ولو احتاطًا فأهراقا دماً كان أحبَّ
إليّ، وليس ذلك بالبيِّن عندي.
واحتجَّ في إسقاط تجديد الإحرام بحديث عليٍّ رضي الله عنه إذ قال له
رسولُ اللهِ وَ﴿ حين أقبل من اليمن مُهِلَّا بالحج: ((بِم أَهْلَلْتَ؟)) قال: قلتُ: لَبَّيْكَ
(١) التمهيد ١١٤/١.
(٢) جاءت العبارة في التمهيد ١/ ١١٠، والاستذكار ٣٣٢/١٣ كما يلي: فقال مالك: لا سبيل إلى رفض
الإحرام لهذين، ولا لأحد، ويتماديان على إحرامهما، ولا يجزيهما حجّهما ذلك عن حجّة الإسلام.
(٣) في (م): فلا.
(٤) في (خ) و(ظ) و(م): يشغل.
(٥) في النسخ الخطية: وتعطل، والمثبت من (م) والتمهيد والاستذكار.
(٦) في (خ) و(م): أجزت.
:

٢٧٢
سورة البقرة : الآية ١٩٦
اللَّهُمّ بإهلالٍ كإهلال نبيِّك. فقال رسول اللهِ وَّه: «فإني أهللتُ بالحجِّ وسُقْتُ
الهَذْي)»(١).
قال الشافعيّ: ولم يُنكر عليه رسولُ اللهِ وَ﴿ مَقَالتَه، ولا أمرَه بتجديد نيةٍ
لإفرادٍ، أو تَمُع، أو قِرانٍ.
وقال مالك في النصرانيّ يُسلم عَشيّةَ عرفة فيُخرِم بالحجّ: أجزأه من حجّة
الإِسلام، وكذلك العبد يَعِق، والصبيُّ يبلغ، إذا لم يكونوا مُحرمين، ولا دَمَ على
واحد منهم، وإنما يلزم الدَّمُ من أراد الحجَّ، ولم يُحرم من الميقات.
وقال أبو حنيفة: يلزم العبدَ الدَّم، وهو كالحُرِّ عندهم في تجاوز الميقات،
بخلاف الصبيِّ والنَّصرانيِّ، فإنهما لا يَلْزمهما الإِحرامُ لدخول مكة لسقوط الفَرْض
عنهما. فإذا أسلم الكافرُ وبلغ الصبيُّ كان حُكمُهما حُكْمَ المَكيِّ، ولا شيء عليهما
في تَرْك الميقات(٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيِّ﴾ فيه اثنتا عشرة مسألة:
الأولى: قال ابن العربي (٣): هذه آيةٌ مُشكلة، عُضْلة من العُضَّل.
قلت: لا إشكالَ فيها، ونحن نُبِيِّنها غايةَ البيان فنقول: الإحصارُ: هو المنعُ من
الوجه الذي تَقْصِده بالعوائق جملةً، فـ ((جملة))(٤) أي: بأيِّ عُذْر كان، كان حَصْرَ
عدوٍّ، أو جورَ سلطان، أو مرض(٥) أو ما كان في معناه (٦).
(١) سلفت الإشارة إلى حديث علي رضي الله عنه وتخريجه في المسألة قبلها. والحديث روي أيضاً عن أبي
موسى الأشعري رضي الله عنه، أخرج أحمد (١٩٥٣٤)، والبخاري (١٧٩٥)، ومسلم (١٢٢١)،
واللفظ الذي ذكره المصنف - والذي نقله عن ابن عبد البر - أقرب إلى لفظ حديث أبي موسى منه إلى
حديث علي. ما عدا قول النبي ◌َّارٍ: ((فإني أهللت بالحج وسقت الهدي)) فهو ليس عند أحمد والبخاري
ومسلم.
(٢) تُنظر هذه المسألة في التمهيد ١١٠/١-١١٤، والاستذكار ٤٥/١٣-٤٧ ٣٣٢-٣٣٣.
(٣) في أحكام القرآن ١١٩/١.
(٤) في النسخ: بجملة، والمثبت من (م).
(٥) كذا في النسخ، والجادة: مرضاً.
(٦) قوله: في معناه، من (ظ).

٢٧٣
سورة البقرة : الآية ١٩٦
واختلف العلماءُ في تعيين المانع هنا على قولين:
الأوّل: قال علقمةُ وعُروة بن الزبير وغيرهما: هو المرض لا العدوّ(١).
وقيل: العدوّ خاصّة، قاله ابن عباس وابن عمر وأنس والشافعي.
قال ابن العربي(٢): وهو اختيارُ علمائنا. ورأيُ أكثرِ أهلِ اللغة ومُحصِّليها على
أنّ ((أُخْصِر)): عُرِّضَ للمرض، و((خُصِر)): نزل به العدوّ.
قلت: ما حكاه ابنُ العربي من أنه اختيارُ علمائنا فلم يقلْ به إلّا أشهب وحدَه،
وخالفه سائرُ أصحاب مالك في هذا وقالوا: الإحصار إنما هو المرض، وأما
العدوّ، فإنما يقال فيه: حُصِر حَضْراً، فهو محصور؛ قاله الباجي في ((المنتقَى))(٣).
وحكى أبو إسحاق الزَّجَّاج(٤) أنه كذلك عند جميع أهل اللغة، على ما يأتي. وقال
أبو عُبيدة والكسائي: ((أُخْصِر)) بالمرض، و((حُصِر)) بالعدوّ(٥). وفي ((المجمَّل)) لابن
فارس على العكس: حُصِر(٦) بالمرض، وأُخْصِر بالعدوّ(٧). وقالت طائفة: يقال:
أُحصِر فيهما جميعاً من الرباعي، حكاه أبو عمر (٨).
قلت: وهو يُشبه قولَ مالك حيث ترجم في ((مَوَّته)): ((أحصر)) فيهما(٩)؛ فتأمّله.
وقال الفرّاء(١٠): هما بمعنى واحدٍ في المرض والعدوّ.
قال القُشيري أبو نصر: وادّعتِ الشافعية أن الإحصارَ يُستعمل في العدوّ؛ فأما
المرض فيُستعمل فيه الحَضْر؛ والصحيح أنهما يُستعملان فيهما.
(١) ينظر المحرر الوجيز ٢٦٦/١.
(٢) في أحكام القرآن ١١٩/١، والكلام الذي قبله منه.
(٣) ٢٧٣/٢.
(٤) في معاني القرآن وإعرابه ٢٦٧/١.
(٥) ينظر مجاز القرآن ٦٩/١، والمنتقى ٢٧٣/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ١٢١/١.
(٦) في (د) و(ز) و(م): فحصر.
(٧) المجمل ٢٣٨/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٦٦/١.
(٨) في التمهيد ١٩٤/١٥ .
(٩) الموطأ ٣٦٠/١ و٣٦١.
(١٠) معاني القرآن ١١٨/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٦٦/١.

٢٧٤
سورة البقرة : الآية ١٩٦
قلت: ما ادّعتْه الشافعية قد نَصَّ الخليلُ بن أحمد وغيره على خِلافه؛ قال
الخليل: حَصرتُ الرجل حصراً، منعتُه وحبستُه، وأُخصِر الحاجُ عن بلوغ المناسك
من مرض أو نحوه. هكذا قال، جعل الأوّل ثُلاثيًّا من حَصَرت، والثاني في
المرض رباعيًّا. وعلى هذا خرج قول ابن عباس: لا حَصْرَ إلا حَصْرُ العدوّ (١).
وقال ابن السِّكِّيت(٢): أحصره المرضُ: إذا منعه من السفر أو مِن حاجة
يُريدها. وقد حَصَرِه العدوُّ يحصُرونه: إذا ضيَّقوا عليه، فأطافوا(٣) به، وحاصروه
محاصرةً وحصاراً. قال الأخفش(٤): حَصَرتُ الرجل، فهو محصور؛ أي: حبستُه.
قال: وأَحصرني بَوْلي، وأحصرني مرضي؛ أي: جعلني أحصُر نفسي. قال أبو
عمرو الشيباني: حصَرني الشيءُ وأحصَرني؛ أي: حَبسني (٥).
قلت: فالأكثر من أهل اللغة على أن ((حُصر)) في العدوّ، و((أُحصِر)) في
المرض، وقد قيل ذلك في قول الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وقال ابن مَيّادة (٦):
وما هجرُ لَیْلَی أن تكون تباعدٹ
عليكَ ولا أنْ أحْصَرَتْك شُغولُ
وقال الزَّجَّاج(٧): الإِحصار عند جميع أهل اللغة إنما هو من المرض، فأمّا من
العدوِّ، فلا يقال فيه إلا: حُصِر، يقال: حُصِر حَضْراً، وفي الأوّل: أُحصِر
إحصاراً؛ فدلَّ على ما ذكرناه.
وأصل الكلمة من الحبس؛ ومنه الحَصِير، للذي يَحبس نَفْسَه عن البَوْح بِسِرِّه.
(١) التمهيد ١٩٤/١٥، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٣٤٥/٣.
(٢) في إصلاح المنطق ص٢٥٦، ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح.
(٣) أي: أحاطوا، وبهذا اللفظ ورد في الصحاح.
(٤) في معاني القرآن ٣٥٥/١، ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح.
(٥) الصحاح (حصر).
(٦) في ديوانه ص١٨٧، وأورده ابن فارس في المجمل ٢٣٩/١. وابن ميادة: هو الرَّمَّاح بن أبرد، وميادة
أُمّه، يُكنى أبا شَراحيل، وهو من بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، توفي في خلافة المنصور في
حدود سنة (١٣٦ هـ). الشعر والشعراء ٧٧١/٢، وخزانة الأدب ١٦٠/١.
(٧) سلف قول الزجاج قريباً .

٢٧٥
سورة البقرة : الآية ١٩٦
والحَصِير: المَلِك؛ لأنه كالمحبوس من وراء الحجاب. والحَصِير: الذي يُجلَس
عليه؛ لانضمام بعض طاقات البَرْدِيّ(١) إلى بعض؛ كحبس الشيء مع غيره.
الثانية: ولمّا كان أصلُ الحَضْر الحبسَ؛ قالت الحنفيّة: المُخْصَر: مَن يصير
ممنوعاً من مكة بعد الإحرام بمرض، أو عدوٍّ، أو غير ذلك. واحتجُوا بمقتضى
الإحصار مطلقاً، قالوا: وذِكْرُ الأمن في آخر الآية لا يدلُّ على أنه لا يكون من
المرض، قال وَجَ: ((الزُّكامُ أمانٌ من الجُذام))(٢)، وقال: ((مَن سَبَق العاطسَ بالحمد
أَمِنَ من الشَّوْص، واللَّوْص، والعِلَّوْص)). الشَّوْص: وجع السِّن، واللَّوْص: وجع
الأذن، والعِلَّوْص: وجع البطن. أخرجه ابن ماجه في ((سُنته))(٣).
قالوا: وإنما جعلنا خَبْسَ العدوِّ حصاراً قیاساً على المرض إذا کان في حکمه،
لا بدلالة الظاهر (٤).
وقال ابن عمر وابن الزبير وابن عباس والشافعيّ وأهل المدينة: المراد بالآية
حَصْر العدوّ؛ لأن الآيةَ نزلتْ في سنة سِتّ في عُمْرة الحُدَيْبِيَة حين صدَّ المشركون
رسولَ الله ◌ِ ﴾ عن مكة(٥)، قال ابن عمر: خرجنا مع رسول الله وَّ، فحالَ كفارُ
قريش دون البيت، فتَحَرَ النبيُّ رَه هَذْيَه وحَلَقَ رأسَه(٦). ودَلَّ على هذا قولُه تعالى:
فَإِذَآ أَمِنْتُمْ﴾. ولم يقل: بَرأتم، والله أعلم.
الثالثة: جمهور الناس على أنَّ المُخْصَر بعدوِّ يَحِلُّ حيث أُخْصِرَ، ويَنْحَرُ هَذْيَه
(١) هو نبات كالقَصَب، تُصنع منه الحُصُر، وكان قدماء المصريين يصنعون منه ورقاً. المعجم الوسيط.
(٢) ذكره بهذا اللفظ الكاساني في بدائع الصنائع ١٨٦/٣، وأخرجه البيهقي في الشعب (٩٢١٢) من حديث
أنس رضي الله عنه ولفظه: (( ... ولا تكرهوا الزكام، فإنه يقطع عروق الجذام .. )) وهو حديث باطل
فیما ذكره الحافظ ابن حجر في لسان الميزان ٦/ ٢٥٥ .
(٣) لم نقف عليه في سنن ابن ماجه، وأورده بهذا اللفظ ابن الأثير في النهاية ٥٠٩/٢، والسخاوي في
المقاصد الحسنة (١١٣٠)، والزَّبيدي في إتحاف السادة المتقين ٢٨٦/٦، وضعّفاه.
(٤) انظر بدائع الصنائع ١٨٦/٣.
(٥) انظر أحكام القرآن لابن العربي ١١٩/١-١٢٠، وقول ابن الزبير - وهو عبد الله - أورده البغوي في
تفسيره ١٦٨/١.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٢١/١، والحديث أخرجه أحمد (٦٠٦٧)، والبخاري (١٨٠٧)، ومسلم
(١٢٣٠).

٢٧٦
سورة البقرة : الآية ١٩٦
إن كان ثَمَّ هَذْيٌ، ويَحْلِقُ رأسَه. وقال قتادة وإبراهيم: يبعث بهَدْيه إن أمكنه، فإذا
بلَغَ مَحِلَّهِ صار حلالاً (١).
وقال أبو حنيفة: دمُ الإحصار لا يتوقَّف على يوم النحر، بل يجوز ذبحه قبل
يوم النحر إذا بَلَغ مَحِلَّه، وخالفه صاحباه فقالا: يتوقَّف على يوم النحر، وإن نَحَر
قبلَه لم يَجْزِه(٢). وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان.
الرابعة: الأكثرُ من العلماء على أنَّ مَنْ أُخْصِر بعدوِّ كافر أو مسلم أو سلطان
حَبَسه في سجن أنّ عليه الهَذْيَ، وهو قولُ الشافعي، وبه قال أشهب. وكان ابن
القاسم يقول: ليس على مَن صُدَّ عن البيت في حجٍّ أو عُمْرة هَذيّ إلا أن يكون
ساقَّه معه، وهو قول مالك. ومن حُجَّتهما أنّ النبيَّ وَ﴿ إنما نَحَر يومَ الحُدَيْبِيَة هَذْياً
قد كان أشعره وقَلَّده حين أخْرم بعمرة، فلما لم يبلُغ ذلك الهَدْيُ مَحِلَّه؛ للصَّدِّ، أمر
به رسولُ اللهِ وَ﴿ فَنُحِر؛ لأنه كان هَذْياً وجب بالتقليد والإشعار، وخرج لله، فلم
يَجُزِ الرجوعُ فيه، ولم ينحره رسولُ الله ◌َلا من أجل الصدِّ، فلذلك لا يجب على
مَنْ صُدّ عن البيتِ هَذْيٌ.
واحتجَّ الجمهور بأنّ رسول الله وَ ل# لم يَحِلَّ يوم الحُدَنِيَة ولم يخلِقْ رأسه حتى
نحر الهَدْيَ، فَدَلَّ ذلك على أنّ مِن شَرْط إحلال المُحْصَر ذَبْحَ هَذْي إنْ كان عنده،
وإن كان فقيراً فمتى وجدَه وقَدَر عليه، لا يَحِلُّ إلا به، وهو مُقتضَى قوله: ﴿فَإِنّ
أُحْصِرْتُ لَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيِّ﴾.
وقد قيل: يَحِلّ ويُهْدِي إذا قَدَر عليه؛ والقولان للشافعي، وكذلك مَن لا يَجِدُ
هَذْياً يَشتريه، قولان(٣).
الخامسة: قال عطاء وغيره: المُخْصَر بمرض كالمُحْصّر بعدوّ(٤).
وقال مالك والشافعيّ وأصحابهما: مَن أحصره المرضُ فلا يُحلَّه إلا الطوافُ
(١) المحرر الوجيز ٢٦٦/١.
(٢) ينظر التمهيد ٢٠٥/١٥، وأحكام القرآن لابن العربي ١٢٤/١.
(٣) تنظر هذه المسألة في التمهيد ١٩٨/١٥ -١٩٩.
(٤) المحرر الوجيز ٢٦٧/١. وأخرجه الطبري ٣٤٢/٣-٣٤٣ بنحوه.

٢٧٧
سورة البقرة : الآية ١٩٦
بالبيت وإن أقام سنين حتى يُفيق. وكذلك من أخطأ العَدد، أو خَفِيَ عليه الهلال.
قال مالك: وأهلُ مكة في ذلك كأهل الآفاق. قال: وإن احتاج المريضُ إلى دواء،
تَداوَى به وافتدى، وبَقِيَ على إحرامه لا يَحِلُّ من شيء حتى يبرأ من مرضه، فإذا
بَرِئ من مرضه مضَى إلى البيت، فطاف به سبعاً، وسعى بين الصَّفَا والمَرْوة، وحلَّ
من حجّه (١) أو عُمرته. وهذا كلُّه قول الشافعي، وذهبا(٢) في ذلك إلى ما رُويَ عن
عمر، وابن عباس، وعائشة، وابن عمر، وابن الزبير أنهم قالوا في المُخصَر بمرض
أو خطأ العَدد: إنه لا يُحِلُّه إلا الطوافُ بالبيت(٣). وكذلك مَن أصابه كَسْر أو بطن
مُنخرق(٤). وحُكم من كانت هذه حالَه عند مالك وأصحابه أن يكون بالخيار؛ إذا
خاف فَوْتَ الوقوف بعَرَفة لمرضه، إن شاء مضى إذا أفاق إلى البيت، فطاف وتحلَّل
بعمرة، وإن شاء أقام على إحرامه إلى قابِل، وإن أقام على إحرامه ولم يُواقِعْ شيئاً
مما نُهيَ عنه الحاجُ فلا هَذْيَ عليه.
ومِن حُجَّته في ذلك الإِجماعُ من الصحابة على أن من أخطأ العَدد أن هذا
حُكْمُه، لا يُحِلُّه إلا الطوافُ بالبيت(٥).
وقال في المكيّ إذا بقي محصوراً حتى فَرَغَ الناس من حَجَّهم: فإنه يخرج إلى
الحِلّ، فيُلَِّّي ويفعل ما يفعلُه المعتمِرِ ويَحِلّ، فإذا كان قابلٌ حجَّ وأهدى.
وقال ابن شهاب الزُّهريُّ في إحصار مَن أُخْصِر بمكة من أهلها: لا بدَّ له من
أن يَقِفَ بعرفة وإن نُعِش نَعْشاً (٦). واختار هذا القول أبو بكر محمدُ بن أحمد بن
(١) في (م): حجّته.
(٢) أي: مالك والشافعي رحمهما الله، ووقع في (م): وذهب.
(٣) انظر هذه الأقوال في الموطأ ١/ ٣٦٢.
(٤) في النسخ: منحرق، والمثبت من (م)، قال الكاندهلوي في أوجز المسالك ٧٨/٧: اختلفت نسخ
الموطأ في هذا اللفظ، ففي بعضها بالنون والخاء المعجمة والراء المهملة، وفي بعضها بالتاء بدل النون
والباقي سواء، وفي بعضها بالتاء والحاء المهملتين، وفي نسخة الباجي [المنتقى ٢٧٩/٢]: بطن
مخوف، والمراد مُهْلك، والمقصود في كلها سواء: أي: إصابة إسهال متواتر.
(٥) التمهيد ١٩٥/١٥-١٩٧، وانظر الموطأ ٣٦١/١-٣٦٢.
(٦) أي: أُنْهِضَ وأُقِيمَ.

٢٧٨
سورة البقرة : الآية ١٩٦
عبد الله بن بكير المالكيّ، فقال: قول مالك في المُخْصَر المكيّ: إنّ عليه ما على
الآفاقيّ(١)؛ من إعادة الحجّ والهَذي خِلافُ(٢) ظاهر الكتاب؛ لقول الله عز وجل:
﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَنْ يَكُنْ أَهْلُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ اَلْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال: والقولُ عندي في
هذا قولُ الزهريّ في أن الإباحةَ من الله عز وجل لمن لم يكنْ أهلُه حاضِري
المسجد الحرام أن يُقيمَ لِبُعد المسافة يتعالج وإن فاته الحج، فأما من كان بينَه وبين
المسجد الحرام ما لا تُقصَر في مِثْله الصلاةُ؛ فإنه يحضُر المَشاهِدَ وإن نُعِشَ نَعْشًا
لقرب المسافة بالبيت(٣).
وقال أبو حنيفة وأصحابه: كلُّ مَن مُنع من الوصول إلى البيت بعدوِّ أو مرض
أو ذهابٍ نفقة أو إضلال راحلة أو لَدْغ هامَّة، فإنه يَقِفُ مكانَه على إحرامه، ويبعثُ
بهَذْيه أو بثمن هَذْبِهِ، فإذا نحرَ فقد حلَّ من إحرامه(٤). كذلك قال عروة وقتادة
والحسن وعطاء والنَّخَعِي ومجاهد وأهل العراق؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَّا
أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيِّ﴾ الآية(٥).
السادسة: قال مالك وأصحابه: لا ينفع المُخرِم الاشتراط في الحج إذا خاف
الحصر بمرض أو عدوّ؛ وهو قول الثوريّ وأبي حنيفة وأصحابهم. والاشتراط أن
يقول إذا أَهَلّ: لَيك اللَّهُمّ لَيك، ومَحِلِّي حيث حبستَتي من الأرض.
وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور: لا بأس أنْ يشترطَ وله
شَرْطه، وقاله غيرُ واحد من الصحابة والتابعين، وحجَّتهم حديثُ ضُباعة بنت
الزبير بن عبد المطلب (٦) أنها أَتتْ رسولَ الله ◌ِ وَ له فقالت: يا رسول الله، إني أردتُ
(١) في (ظ) و(م): الآفاق.
(٢) في الاستذكار: هذا خلاف.
(٣) الاستذكار ١٠٣/١٢-١٠٤.
(٤) انظر أحكام القرآن للجصاص ٢٦٨/١.
(٥) انظر تفسير البغوي ١٦٨/١.
(٦) الهاشمية، بنت عم النبي ◌َّر، من المهاجرات، كانت تحت المقداد بن الأسود، بقيت إلى بعد عام
أربعين. السير ٢/ ٢٧٤ .

٢٧٩
سورة البقرة : الآية ١٩٦
الحجَّ، أأشترط(١)؟ قال: ((نعم)). قالت: فكيف أقول؟ قال: ((قولي: لَبّيْكَ اللَّهُمّ
لَبّيْكَ، ومَحِلِّي من الأرض حيث حبستَني)). أخرجه أبو داود والدّارَقُظْنِيّ
وغيرهما(٢). قال الشافعيّ: لو ثبتَ حديثُ ضُبَاعة لم أَغْدُه، وكان مَحِلُّه حيث
حبسه الله(٣) .
قلت: قد صحَّحه غيرُ واحد، منهم أبو حاتم البُستي(٤) وابن المنذر، قال ابن
المنذر: ثبتَ أنَّ رسول الله وَّ قال لضُبَاعة بنتِ الزبير: حُجِّي واشترطي. وبه قال
الشافعيُّ إذ هو بالعراق، ثم وقف عنه بمصر(٥). قال ابن المنذر: وبالقول الأوّل
أقول. وذكره عبد الرزاق: أخبرنا ابنُ جُريج قال: أخبرني أبو الزبير أن طاوساً
وعكرمةَ أخبراه عن ابن عباس قال: جاءتْ ضُبَاعةُ بنت الزبير إلى رسول الله وَه
فقالت: إني امرأةٌ ثقيلةٌ وإني أُريد الحجَّ، فكيف تأمرني أن أُهِلَّ؟ قال: ((أَمِلْي
واشترطي أن مَحِلِّي حيث حبستني)). قال: فأدركتْ(٦). وهذا إسناد صحيح.
السابعة: واختلفت العلماء في وجوب القضاء على من أُحصِر؛ فقال مالك
والشافعيّ: مَن أُحصِرَ بعدوٌّ، فلا قضاءَ عليه لحجِّه ولا عُمْرته، إلّا أن يكون صَرُورةً
لم يكن حَجَّ(٧)، فيكون عليه الحجُّ على حسب وجوبه عليه، وكذلك العمرةُ عند من
أوجبها فرضًا.
وقال أبو حنيفة: المُخْصَر بمرض أو عدوّ عليه حَجَّةٌ وعمرة، وهو قول
الطبري. قال أصحاب الرأي: إن كان مُهِلًا بحجِّ قَضَى حجّةً وعمرة؛ لأن إحرامَه
(١) في النسخ: أشترط، والمثبت من (م).
(٢) سنن أبي داود (١٧٧٦)، وسنن الدارقطني ٢٣٥/٢، وهو في مسند أحمد (٢٧٠٣٠)، وفي الباب عن
ابن عباس أخرجه أحمد (٣١١٧)، ومسلم (١٢٠٨)، وعن عائشة أخرجه أحمد (٢٥٣٠٨)، والبخاري
(٥٠٨٩)، ومسلم (١٢٠٧) وعن أم سلمة أخرجه أحمد (٢٦٥٩٠).
(٣) التمهيد ١٩١/١٥-١٩٣.
(٤) صحيح ابن حبان (٣٧٧٣) و(٣٧٧٤) و(٣٧٧٥).
(٥) انظر المجموع ٢٥٢/٨، والمغني ٩٣/٥.
(٦) لم نقف عليه في مصنف عبد الرزاق ولا في تفسيره، وأخرجه من طريقه بهذا الإسناد الدار قطني ٢٣٥/٢،
وأخرجه أحمد (٣١١٧)، ومسلم (١٢٠٨) من طريق ابن جريج، به. وسلف ذكره قريباً في الحواشي.
(٧) الصرورة: الذي لم يحج قط، وأصله من الصَّرّ: الحبس والمنع. النهاية ٢٢/٣.

٢٨٠
سورة البقرة : الآية ١٩٦
بالحجِّ صار عمرة. وإن كان قارناً قضى حَجَّةٌ وعُمرتين. وإن كان مُهِلَّا بِعُمْرة قضى
عُمرة. وسواء عندهم المُخْصَر بمرض أو عدوّ، على ما تقدّم.
واحتجُوا بحديث ميمون بن مهران قال: خرجتُ معتمِراً عامَ حاصَر أهلُ الشام
ابنَ الزبير بمكة، وبعثَ معي رجالٌ من قومي بهَذْي، فلما انتهيتُ إلى أهل الشام
منعوني أن أدخلَ الحَرَم، فنحرتُ الهَذْيَ مكاني، ثم حَللتُ، ثم رَجَعتُ، فلما كان
من العام المُقبل خرجتُ لأقضيَ عمرتي، فأتيتُ ابنَ عباس فسألته، فقال: أَبْدِل
الهَذْيَ، فإن رسولَ اللهِ وَ ل﴿ أمر أصحابه أن يُبدلوا الهَديّ الذي نحروا عامَ الحُدَيْبِيَة
في عُمرة القضاء(١). واستدلوا بقوله عليه السلام: (مَن كُسِر، أو عَرِجَ، فقد خَلَّ،
وعليه حجَّةٌ أخرى أو عُمرةً أخرى)). رواه عِكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري
قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَله يقول: ((من عَرِجَ أو كُسِر، فقد حَلّ، وعليه حجَّة
أخرى»(٢).
قالوا: فاعتمارُ رسول الله وَ﴿ وأصحابه في العام المقبل بدلاً (٣) من عام
الحديبية إنما كان قضاءً لتلك العمرة، قالوا: ولذلك قيل لها: عمرة القضاء.
واحتجَّ مالك بأنّ رسول الله وَّ ر لم يأمر أحداً من أصحابه ولا ممن كان معه أن
يقضُوا شيئاً ولا أن يعودوا لشيء(٤)، ولا حُفِظ ذلك عنه بوجه من الوجوه، ولا قال
في العام المقبل: إن عمرتي هذه قضاءٌ عن العمرة التي حُصِرتُ فيها، ولم يُنقَلْ
ذلك عنه. قالوا: وعُمرة القضاء وعُمرة القضيّة سواء، وإنما قيل لها ذلك لأن
رسولَ الله وَّر قاضَى قريشاً وصالحَهم في ذلك العام على الرجوع عن البيت وقَصْدِه
من قابِل؛ فسُمِّيت بذلك عمرةَ القَضِيّة(٥).
الثامنة: لم يقلْ أحدٌ من الفقهاء فيمن كُسِر أو عَرِج أنه يحلّ مكانَه بنفس الكَسْر
(١) أخرجه أبو داود (١٨٦٤)، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد ٢٠٧/١٥-٢٠٨.
(٢) أخرجه أحمد (١٥٧٣١)، وأبو داود (١٨٦٢)، والترمذي (٩٤٠)، والنسائي في المجتبى ١٩٨/٥،
وابن ماجه (٣٠٧٧).
(٣) قوله: بدلاً، من (ظ).
(٤) الموطأ ١/ ٣٦٠، وأورد قول مالك البخاريُّ قبل الحديث (١٨١٣).
(٥) ينظر التمهيد ١٥١/١٢-١٥٢ و٢٠٦/١٥ و٢١١-٢١٢.