Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
سورة البقرة : الآية ١٩٠
اتقوا الله في الذُّرِّية، والفلاحين الذين لا يَنْصبون لكم الحرب(١). وكان عمر بنُ
عبد العزيز لا يَقتل حرَّاثاً. ذكره ابنُ المنذر.
الثانية: رَوى أشهبُ عن مالك أنَّ المرادَ بقوله: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ
يُقَتِلُونَكُ﴾ أهلُ المدينة(٢) أُمروا بقتال مَنْ قاتَلهم. والصَّحيح أنه خطابٌ لجميع
المسلمين، أُمِرَ كلُّ أحدٍ أنْ يقاتلَ مَن قاتلَه؛ إذْ لا يُمكن سواه. ألا تراه كيف بيَّنها
في سورة براءة بقوله: ﴿قَدِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، وذلك
أنَّ المقصودَ أوَّلاً كان أهل مكة، فتعيَّنت البُداءةُ بهم، فلما فتح الله مكةً كان القتالُ
لمن يلي ممن كان يُؤذي حتى تَعُمَّ الدعوةُ، وتبلغَ الكلمة جميعَ الآفاق، ولا يبقى
أحدٌ من الكَفَّرة، وذلك باقٍ متمادٍ إلى يوم القيامة، ممتدٌّ إلى غايةٍ هي قولُه عليه
السلام: ((الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة؛ الأَجْرُ والمَغْنَم))(٣).
وقيل: غايته نزولُ عيسى بنِ مريمَ عليه السَّلام، وهو موافقٌ للحديث الذي قبله؛
لأنَّ نزولَه من أشراط الساعة(٤).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوَأْ﴾ قيل في تأويله ما قدَّمناه، فهي مُحْكَمةٌ(٥).
فأما المرتدُّون فليس إلا القتلُ أو الثَّوبة، وكذلك أهلُ الزَّيغ والضَّلالِ؛ ليس إلا
السيفُ أو الثَّوبة. ومن أَسرَّ الاعتقادَ بالباطل(٦)، ثم ظهر عليه، فهو كالزِّنديق يُقتلُ
ولا يُستتاب.
وأما الخوارج على أئمة العدلِ فيجبُ قتالُهم حتى يرجعوا إلى الحقِّ. وقال
قوم: المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجهِ الله، كالحمِيَّة وكسبِ الذِّكر، بل قاتلوا
في سبيل الله الذين يقاتلونكم، يعني دِيناً وإظهاراً للكلمة.
(١) أخرجه سعيد بن منصور (٢٦٢٥)، والبيهقي ٩/ ٩١.
(٢) في (م): الحديبية.
(٣) أخرجه أحمد (٥١٠٢)، والبخاري (٨٩٩)، ومسلم (٤٤٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١٠٢، ١٠٣.
(٥) انظر تفسير البغوي ١/ ١٦١، وزاد المسير ١٩٧/١ .
(٦) في النسخ الخطية: الباطن، والمثبت من (م).
:

٢٤٢
سورة البقرة : الآيتان ١٩١، ١٩٢
وقيل: ((لا تعتدوا))، أي: لا تُقاتلوا من لم يقاتل. فعلى هذا تكون الآية
منسوخةً بالأمر بالقتالِ لجميع الكفار، والله أعلم(١) .
قوله تعالى: ﴿وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَفِفْئُهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ
اَلْقَتْلِّ وَلَا نُقَئِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيَّةٍ فَإِن قَلُوكُمْ فَأَقْتُلُهُمْ كَذَلِكَ
(١٩٢)
جَزَآءُ الْكَفِرِينَ (٧) فَإِ أَنَهَوْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
فیه خمس مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿نَفِفْتُهُمْ﴾ يقال: ثَقِفَ يَثْقَفُ ثَقْفاً وثَقَّفاً، ورجلٌ ثَقْفٌ
لَقْفٌ: إذا كانَ مُحْكِماً لما يتناولُه من الأمور. وفي هذا دليلٌ على قتل الأسيرِ (٢)،
وسيأتي بيان هذا في ((الأنفال)) إن شاء الله تعالى(٣).
﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَبُوكُمْ﴾ أي: مكةَ. قال الطبري(٤): الخطاب للمهاجرين،
والضمير لكفار قريش.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِّ﴾ أي: الفتنة التي حملُوكم عليها،
ورامُوا رجوعَكم بها إلى الكفر، أشدُّ من القتل. قال مجاهد(٥): أي: مِن أنْ يُقتل
المؤمن، فالقتل أخفُّ عليه من الفتنة. وقال غيره: أي: شركُهم بالله وكفرُهم به
أعظمُ جُرْماً وأشدُّ من القتل الذي عيَّروكم به. وهذا دليلٌ(٦) على أنَّ الآيةَ نزلت في
شأن عمرو بنِ الحَضْرِمِيِّ حين قتله واقد بنُ عبد الله التميميُّ(٧) في آخر يوم من
(١) انظر المحرر الوجيز ٢٦٢/١.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٦/١، والمحرر الوجيز ٢٦٢/١.
(٣) عند تفسير الآية: ٥٧ و٦٧ منها.
(٤) في تفسيره ٢٩٣/٣، والمحرر الوجيز ٢٦٢/١ وعنه نقل المصنف.
(٥) أخرجه الطبري ٢٩٤/٣.
(٦) قوله: دليل، من (م).
(٧) هو أول من قَتلَ قتيلاً بالإسلام من المشركين، شهد بدراً، وفيه نزلت ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، مات
في أول خلافة عمر. الإصابة ٢٩٣/١٠، والاستيعاب بهامش الإصابة ١٥/١١.

٢٤٣
سورة البقرة : الآيتان ١٩١، ١٩٢
رجب الشهرِ الحرام، حسب ما هو مذكور في سَرِيَّة عبد الله بنِ جَحْش(١)، على ما
يأتي(٢). قاله الطبري وغيره(٣).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَدِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْمَرَامِ حَتَّى يُقَدِلُوَكُمْ فِيَّةٍ﴾ الآية.
للعلماء في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها منسوخةٌ، والثاني: أنها مُحْكّمة.
قال مجاهد(٤): الآية مُحْكَمةٌ، ولا يجوز قتالُ أحدٍ في المسجد الحرامِ إلا بعد
أنْ يُقاتِل، وبه قال طاوس، وهو الذي يقتضيه نصُّ الآية، وهو الصَّحيح من
القولين، وإليه ذهب أبو حنيفةً وأصحابُه(٥). وفي الصحيح(٦) عن ابن عباس قال:
قال رسول الله وَ﴿ يومَ فتح مكة: ((إنَّ هذا البلد حرامٌ(٧)؛ حَرَّمَه الله يومَ خلق
السَّمواتِ والأرضَ، فهو حرامٌ بحُرْمة اللهِ تعالى إلى يوم القيامةِ، وإنه لم يَحِلَّ
القتالُ فيه لأحدٍ قبلي، ولم يَحِلَّ لي إلا ساعةً من نهار، فهو حرامٌ بُحرْمة اللهِ إلى
يوم القيامة)).
وقال قتادة(٨): الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ
اُلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدَّتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقال مُقاتل: نَسخها قولُه تعالى: ﴿وَقْتُلُهُمْ
(١) هو أحد السابقين وممن هاجر إلى الحبشة وشهد بدراً وأول من عُقدت له راية في الإسلام، استشهد في
أحد ودُفن هو وحمزة في قبر واحد. الإصابة ٣٤/٦. وانظر السيرة النبوية ١ / ٦٠١ - ٦٠٢، وتفسير
الطبري ٣/ ٦٥٠ -٦٦٠.
(٢) في (م): على ما يأتي بيانه.
(٣) كذا قال المصنف رحمه الله، والذي ذكره الطبري ٣٠٤/٣-٣٠٩ وغيره من المفسرين أن هذه الآية
نزلت في عمرة الحديبية، وذكر الطبري ٣/ ٦٥٠- ٦٦٠ أن الآية التي نزلت في شأن عمرو بن الحضرمي
هي قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ فِثَالٍ فِيهِ﴾ وقال الطبري: ولا خلاف بين أهل التأويل جميعاً
أن هذه الآية - ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ - نزلت على رسول الله عليه في سبب قتل ابن الحضرمي
وقاتِله، وسيذكره المصنف أيضاً عند تفسير الآية المذكور.
(٤) أخرجه الطبري ٢٩٦/٣-٢٩٧.
(٥) انظر أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١٠٧.
(٦) صحيح البخاري (٣١٨٩)، وصحيح مسلم (١٣٥٣)، وهو في مسند أحمد (٢٢٧٩).
(٧) لفظة: حرام، ليست في (م).
(٨) أخرجه الطبري ٢٩٨/٣.

٢٤٤
سورة البقرة : الآيتان ١٩١، ١٩٢
حَيْثُ تَفِقْتُهُمْ﴾ ثم نَسخ هذا قولُه: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١) [التوبة: ٥].
فيجوز الابتداءُ بالقتال في الحَرَم.
ومما احتجُّوا به أنَّ ((براءة)) نزلت بعد سورة البقرة بسنتين، وأنَّ النبيَّ ◌َل # دخل
مكةَ وعليه المِغْفَرِ، فقيل: إنَّ ابنَ خَطَل متعلِّقٌ بأستار الكعبة، فقال: ((اقتلوه))(٢).
وقال ابن خُوَيْزِ مَنداد: ﴿وَلَا نُقَدِلُوهُمْ عِندَ اٌلْمَسْجِدِ لَْرَامِ﴾ منسوخةٌ؛ لأنَّ الإجماعَ
قد تقرَّر بأنَّ عَدُوًّا لو استولَى على مكةَ، وقال: لا أقاتلُكم(٣)، وأمنعكم من الحج،
ولا أبرحُ من مكة، لوجَب قتالُه وإنْ لم يبدأ بالقتال، فمكةُ وغيرها من البلاد سواء.
وإنما قيل فيها: هي حرامٌ تعظيماً لها، ألا ترى أنَّ رسول الله وَلَه بعثَ خالد بنَ
الوليد يومَ الفتح، وقال: ((إِخْصِدْهم بالسَّيف حتى تلقاني على الصَّفَا)) حتى جاء
العباس، فقال: يا رسول الله، ذهبت قريش، فلا قريشَ بعد اليوم(٤). ألا ترى أنه
قال في تعظيمها: ((وَلَا يَلْتَقِطْ لُقَطَتَها إلّا مُنْشِد))(٥). واللَّقَطة بها وبغيرها سواء.
ويجوز أنْ تكون منسوخة بقوله: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣].
قال ابن العربي(٦): حضرتُ في بيت المقدس - طهّره الله - بمدرسة أبي عُقْبة
الحنفيّ، والقاضي الزَّنجانيُّ يُلقي علينا الدرسَ في يوم جمعة، فبينا نحن كذلك إذ
دخل علينا رجل بَهِيُّ المَنْظَرِ على ظهره أطمار، فسلَّم سلامَ العلماء، وتصدّر في
صدر المجلس بمدارع (٧) الرِّعاء، فقال القاضي الزَّنجاني: مَن السَّيِّد؟ فقال: رجل
(١) كذا نقل المصنف رحمه الله عن مقاتل، ومثلُه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص٨٣، والذي ذكره
البغوي ١٦٢/١ عنه أنَّ قوله تعالى: ﴿وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَيْكُمْ﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَدِلُوهُمْ عِنْدَ
اَْسْجِدِ الْمَرَامِ﴾ ثم نسخت هذه بآية السيف في براءة.
(٢) أخرجه أحمد (١٢٠٦٨)، والبخاري (١٨٤٦)، ومسلم (١٣٥٧) من حديث أنس رضي الله عنه. قوله:
المِغْفَر، كمنبر: زَرْدٌ من الدِّرع، يُلبس تحت القلنْسُوة، أو حَلَقٌ يتقنع بها المستّح. القاموس (غفر).
(٣) في (م): لأقاتلكم.
(٤) أخرجه أحمد (١٠٩٤٨)، ومسلم (١٧٨٠)، والنسائي في الكبرى (١١٢٣٤)، وابن حبان (٤٧٦٠) من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه مطولاً. وعندهم أنَّ رسول اللهِ ﴾ قال للأنصار: ((احصدوهم حصداً
حتى توافوني بالصفا))، وعندهم أيضاً أن الذي قال لرسول الله وفض له: ذهبت قريش ... هو أبو سفيان،
ولیس العباس.
(٥) هو جزء من حديث ابن عباس مرفوعاً: ((إن هذا البلد حرام ... )) وسلف قريباً.
(٦) في أحكام القرآن ١/ ١٠٧.
(٧) المدارع جمع مِذْرعة، وهي ثوب لا يكون إلا من صوف. القاموس (درع).

٢٤٥
سورة البقرة : الآيتان ١٩١، ١٩٢
سَلَبه الشُّطَّار(١) أمسٍٍ، وكان مقصدِي هذا الحَرَمَ المقدَّس، وأنا رجل من أهل
صاغان(٢) من طلبة العلم. فقال القاضي مبادراً: سَلُوه - على العادة في إكرام
العلماء بمبادرة أسئلتهم(٣) - ووقعت القُرعة على مسألة الكافرِ إذا التجأ إلى الحَرَم
هل يُقتل أم لا؟ فأفتى بأنه لا يُقتل. فسُئل عن الدليل، فقال: قوله تعالى: ﴿وَلَا
تُقَتِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ حَّى يُقَدِلُوكُمْ فِةٍ﴾ قُرئ: ((ولا تقتلوهم، ولا تقاتلوهم))(٤) فإنْ
قُرئ ((ولا تقتلوهم)) فالمسألة نصٌّ، وإنْ قرئ ((ولا تقاتلوهم)) فهو تنبيهٌ؛ لأنه إذا نَهى
عن القتال الذي هو سببُ القتلِ، كان دليلاً بَيِّناً ظاهراً على النهي عن القتل.
فاعترض عليه القاضي منتصراً للشافعيِّ ومالك، وإنْ لم ير مذهبَهما، على العادة،
فقال: هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فقال له
الصَّاغاني: هذا لا يليقُ بمَنْصِب القاضي وعلمِه؛ فإنَّ هذه الآيةَ التي اعترضتَ بها
عامةٌ في الأماكن، والتي احتججتُ بها خاصَّةٌ، ولا يجوز لأحد أنْ يقول: إنَّ العامَّ
يَنْسَخ الخاصَّ، فبهت(٥) القاضي الزَّنجاني، وهذا من بديع الكلام.
قال ابنُ العربي(٦): فإنْ لجأ إليه كافرٌ فلا سبيلَ إليه، لنصِّ الآيةِ والسُّنةِ
الثابتة(٧) بالنَّهي عن القتال فيها(٨). وأما الزاني والقاتلُ فلا بدَّ من إقامة الحدِّ عليه،
إلا أنْ يبتدئَ الكافرُ بالقتال فيُقْتلَ بنصِّ القرآن.
قلت: وأما ما احتجُّوا به من قَتل ابنِ خَطَل وأصحابِهِ فلا حجةً فيه، فإنَّ ذلك
(١) الشّار جمع شاطر، وهو من أعيا أهله خبثاً، القاموس (شطر)، والمراد هنا قطاع الطرق.
(٢) قرية بمرو. معجم البلدان ٣٨٩/٣. ومرو من بلاد تركمانستان. انظر أطلس تاريخ العالم للدكتور
حسين مؤنس.
(٣) في (م): سؤالهم.
(٤) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر: ((ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم
فيه فإن قاتلوكم)) كلها بالألف، من القتال، وقرأ حمزة والكسائي: ((ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام
حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم» كلها بغير ألف، من القتل. السبعة ص١٧٩، والتيسير ص ٨٠.
(٥) في النسخ الخطية وأحكام القرآن: فأبهت، والمثبت من (م).
(٦) في أحكام القرآن ١٠٨/١.
(٧) هو حديث ابن عباس في تحريم مكة المتقدم.
(٨) في (م): فيه.
:

٢٤٦
سورة البقرة : الآية ١٩٣
كان في الوقت الذي أُحِلَّت له مكةُ وهي دارُ حَرْبٍ وكُفْر، وكان له أنْ يُريقَ دماءَ مَن
شاء من أهلها في الساعة التي أُحِلَّ له فيها القتال. فثبت وصحَّ أنَّ القول الأوَّلَ
أصُ، والله أعلم.
الرابعة: قال بعض العلماء: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ الباغيَ على الإمام
بخلاف الكافر، فالكافرُ يُقتلُ إذا قاتل بكلِّ حال، والباغي إذا قاتل يقاتَل بنية
الدَّفع. ولا يُتْبَعُ مُذْبِرٌ ولا يُجْهَز على جريح. على ما يأتي بيانه من أحكام الباغين
في ((الحجرات)) إن شاء الله تعالى(١) .
الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَإِنِ أَنَهُواْ﴾ أي: عن قتالكم بالإِيمان، فإنَّ الله يغفر لهم
جميعَ ما تقدَّم، ويرحمُ كلّ منهم بالعفو عما اجتَرم (٢)؛ نظيرهُ قوله تعالى: ﴿قُل
لِلَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدّ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وسيأتي.
قوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِثْنَةٌ وَيَكُونَ أَلْدِيْنُ لِلّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْا فَلَ عُدْوَانَ إِلَّا
(١٩٣)
عَلَى الَّلِينَ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ﴾ أمرٌ بالقتال لكلِّ مشركٍ في كلِّ موضع، على
من رآها ناسخةً. ومن رآها غيرَ ناسخةٍ قال: المعنى: قاتلوا هؤلاء الذين قال الله
فيهم: ﴿فَإِنْ قَلُوكُمْ﴾، والأوَّل أظهرُ، وهو أَمْرٌ بقتالٍ مطلَقٍ لا بشرطِ أنْ يبدأَ
الكفار. دليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَيَكُونَ الذِينُ لِلْهِ﴾(٣)، وقال عليه السلام: ((أُمِرْتُ
أنْ أقاتلَ النَّاسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله))(٤). فدلَّت الآية والحديثُ على أنَّ
سببَ القتال هو الكفر؛ لأنه قال: ﴿حَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، أي: كفر، فجعل الغايةً
عدمَ الكفر، وهذا ظاهر. قال ابن عباس وقتادةُ والرّبيع والسُّدِّيُّ وغيرهم: الفتنة
(١) عند تفسير الآية (٩) منها .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٨/١.
(٣) المحرر الوجيز ٢٦٣/١.
(٤) هو قطعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه أحمد (٦٧)، والبخاري (٦٩٢٤)، ومسلم (٢٠).

٢٤٧
سورة البقرة : الآية ١٩٤
هنا (١) الشّركُ وما تابعه من أذَى المؤمنين(٢).
وأصل الفتنة: الاختبارُ والامتحان، مأخوذٌ من فتَنْتُ الفضَّة: إذا أدخلتَها في
النار لتُميِّز رديئها من جيِّدها(٣). وسيأتي بيانُ محاملِها إنْ شاء الله تعالى.
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَإِنِ أَنَهَوَا﴾ أي: عن الكفر، إما بالإسلام كما تقدَّم في
الآية قبلُ، أو بأداء الجِزْيةِ في حقِّ أهل الكتاب، على ما يأتي بيانهُ في ((براءة))(٤)
وإلا قوتلوا وهم الظالمون، لا عدوان إلا عليهم. وسُمَِّ ما يُصنع بالظالمين عُدواناً
من حيث هو جزاءُ عدوان، إذ الظلم يتضمَّن العدوانَ، فسُمِّيَ جزاءُ العدوانِ
عدواناً، كقوله: ﴿وَجَزَّوَاْ سِنَْفِى سَفِئَةٌ مِثْلُهَ﴾ [الشورى: ٤٠]، والظالمون هم على أحد
التأويلين: من بدأ بقتال، وعلى التأويل الآخر: من بقي على كُفْر وفتنة(٥).
قوله تعالى: ﴿الشَّهُ الْحَرَّمُ بِالشَّهْرِ الْخَرَِّ وَالْخُرُمَتُ قِصَاصُنَّ فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ
عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
فيه عشر مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿الشَّهُ الْحَرَُّ﴾ قد تقدَّم اشتقاق الشهر(٦).
وسبب نزولها ما رُوِيّ عن ابن عباس وقتادةَ ومجاهد ومِقْسَم والسُّدِّيِّ والرَّبيع
والضحاك وغيرِهم قالوا: نزلت في عُمْرة القضيَّة وعامَ الحُدَيْبِيَة، وذلك أنَّ
رسول الله وَِّ خرج مُعْتَمِراً حتى بلغ الحديبية في ذي القَعدة سنةً ستٍّ، فصدَّه
المشركون كفار قريش عن البيت فانصرف، ووعدَه الله سبحانه أنه سيدخله، فدخلَه
سنةَ سبع، وقضى نُسُكَه، فنزلت هذه الآية(٧).
(١) في (م): هناك.
(٢) المحرر الوجيز ٢٦٣/١، وأخرج هذه الآثار الطبري ٢٩٩/٣ -٣٠٠.
(٣) الصحاح (فتن).
(٤) عند تفسير الآية (٢٩٠) منها .
(٥) المحرر الوجيز ٢٦٣/١.
(٦) في الصفحة ١٥٠ من هذا الجزء.
(٧) المحرر الوجيز ٢٦٣/١، وأورد هذه الآثار الطبري ٣٠٥/٣-٣٠٩.

٢٤٨
سورة البقرة : الآية ١٩٤
ورُوِيّ عن الحسن أنَّ المشركين قالوا للنَّبِيِّ ◌َِّ: أَنَّهِيتَ يا محمد عن القتال في
الشهر الحرام؟ قال: ((نعم)). فأرادوا قتالَه، فنزلت الآية.
المعنى: إن استحلُّوا ذلك فيه فقاتِلْهم، فأباح الله بالآية مدافعتَهم، والقولُ
الأوَّل أشهر، وعليه الأكثر(١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالْرُمَتُ قِصَاصَّ﴾ الحُرُمات جمع حُرْمة، كالظُّلُمات جمع
ظُلْمة، والحُجُرات جمع حُجْرة. وإنما جُمعت الحُرُمات؛ لأنه أراد حُرْمةَ(٢) الشهر
الحرام وحُرْمةً (٥) البلد الحرام، وحُرْمةَ الإحرام(٣). والحُرْمة: ما مُنِعْتَ من انتهاكه.
والقصاص المساواة، أي: اقتصصتُ لكم منهم إذْ صدُّوكم سنةَ سِتِّ، فقضيتم
العُمْرة سنةَ سبع. فـ ((الحُرُمات قصاصٌ)) على هذا مثَّصلٌ بما قبله ومتعلِّقٌ به.
وقيل: هو مقطوع منه. وهو ابتداءُ أمرٍ كان في أوَّل الإسلام: أنَّ مَنِ انتهكَ
حُرْمتَك، نِلْتَ منه مثلَ ما اعتدَى عليك، ثم نُسخ ذلك بالقتال(٤).
وقالت طائفة: ما تناولت الآيةُ من التعدِّي بين أمة محمدٍ زَل# والجنايات
ونحوِها لم يُنسخ، وجاز لمن تُعُدِّيَ عليه في مال أو جرحٍ أنْ يَتعدَّى بمثل ما تُعُدِّيَّ
به عليه إذا خفي(٥) له ذلك، وليس بينه وبين الله تعالى في ذلك شيءٌ؛ قاله الشافعيُّ
وغيره، وهي روايةٌ في مذهب مالك. وقالت طائفة من أصحاب مالك: ليس ذلك
له، وأمورُ القصاص وَقْفٌ على الحكام. والأموالُ يتناولها قوله وَلِّ: («أدّ الأمانةَ
إلى مَن الْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خانك))(٦). خرَّجه الدَّارقطنيّ وغيره(٧).
(١) المحرر الوجيز ٢٦٣/١، ٢٦٤، وأورد قول الحسن الجصاصُ في أحكام القرآن ٢٦١/١، والماوردي
في النكت والعیون ٢٥٢/١.
(٢) قوله: حرمة من (م).
(٣) ينظر تفسير البغوي ١٦٣/١.
(٤) ينظر المحرر الوجيز ٢٦٤/١.
(٥) قوله: خفي، أي: ظهر، وهو من الأضداد، انظر الأضداد لأبي الطيب اللغوي ص٢٣٧ .
(٦) المحرر الوجيز ٢٦٤/١، وانظر أحكام القرآن لابن العربي ١١١/١، ١١٢.
(٧) سنن الدارقطني ٣٥/٣ وهو من حديث أبي بن كعب وأبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهم.
وأخرجه أيضاً أحمد (١٥٤٢٤)، وأبو داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤).

٢٤٩
سورة البقرة : الآية ١٩٤
من ائتمنّه مَن خانَه فلا يجوز له أنْ يخونَه ويصلَ إلى حقِّه مما ائتمنه عليه، وهو
المشهور من المذهب، وبه قال أبو حنيفة تمسُّكاً بهذا الحديث، وقولهِ تعالى: ﴿إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَن تُؤَدُّواْ اَلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وهو قولُ عطاء الخُراسانيِّ. قال
قُدَامةُ بنُ الهَيْثَم: سألت عطاء بنَ مَيْسرة الخراسانيَّ، فقلت له: لي على رجل حقٌّ،
وقد جَحَدني به وقد أعيا عليَّ البيِّنة، أفأقتصُّ من ماله؟ قال: أرأيت لو وَقع
بجاريتك، فعلمتَ، ما كنتَ صانعاً!(١)
قلت: والصحيح جوازُ ذلك كيفما توصَّل إلى أخذ حقّه ما لم يُعَدَّ سارقاً، وهو
مذهب الشافعيِّ، وحكاه الدَّاوديُّ عن مالك، وقال به ابن المنذر، واختاره ابن
العربي (٢)، وأنَّ ذلك ليس خيانةً، وإنما هو وصول إلى حقٍّ. وقال رسول الله وَلّى:
(انصُرْ أخاك ظالماً أو مظلوماً))(٣) وأخذُ الحقِّ من الظالم نَصْرٌ له. وقال ◌ِِّ لِهِنْدِ
بنتِ عُثْبة امرأةٍ أبي سُفيان لمَّا قالت له: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شَحيح، لا يعطيني من
النفقة ما يكفيني ويكفي بَنيَّ إلا ما أخذتُ من ماله بغير علمه، فهل عليَّ جُناحٌ؟ فقال
رسول الله وَّهُ: ((خُذِي ما يَكفيكِ ويَكْفِي وَلَدَكِ بالمعروف))(٤). فأباح لها الأخذَ وألَّا
تأخذ إلا القذْرَ الذي يجبُ لها. وهذا كله ثابتٌ في الصحيح، وقولُه تعالى: ﴿فَمَّنِ
اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ قاطعٌ في موضع الخلاف.
الثالثة: واختلفوا إذا ظَفِرَ له بمال من غير(٥) جنس مالِه، فقيل: لا يأخذ إلا بحُكم
الحاكم. وللشافعيّ قولان، أصحّهما الأخذُ، قياساً على ما لو ظَفِر له من جنس ماله.
والقولُ الثاني لا يأخذ؛ لأنه خلافُ الجنس. ومنهم من قال: يتحرّى قيمةً ما له عليه،
ويأخذ مقدار ذلك. وهذا هو الصحيح لما بيَّناه من الدليل، والله أعلم (٦).
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٥/ ١٩٧ .
(٢) أحكام القرآن ١١٢/١، وانظر الأم ٩٢/٥-٩٤، ومختصر اختلاف العلماء ١٧١/٤ - ١٧٢،
والتمهيد ١٥٩/٢٠، ١٦٠، والمحلَّى ١٨٠/٨-١٨٢، والمغني ٣٤٠/١٤ -٣٤١.
(٣) أخرجه أحمد (١١٩٤٩)، والبخاري (٢٤٤٣) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(٤) أخرجه أحمد (٢٤٢٣١)، والبخاري (٣٨٣١)، ومسلم (١٧١٤) من حديث عائشة رضي الله عنها .
(٥) في النسخ: بمال غير، والمثبت من (م).
(٦) انظر أحكام القرآن لابن العربي ١/ ١١٢، والمحلَّى ١٨٠/٨.

٢٥٠
سورة البقرة : الآية ١٩٤
الرابعة: وإذا فرَّعنا على الأخذ؛ فهل يعتبرُ ما عليه من الدُّيون وغير ذلك، فقال
الشافعيُّ: لا، بل يأخذُ مالَه عليه. وقال مالك: يعتبر ما يحصُل له مع الغرماء في
الفَلَس، وهو القياس، والله أعلم.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾
عموم متَّفقٌ عليه، إمَّا بالمباشرة إن أمكن، وإمَّا بالحُكَّام.
واختلف الناس في المكافأة هل تُسمَّى عُدواناً أم لا، فمن قال: ليس في
القرآن مجازٌ، قال: المقابلةُ عدوان، وهو عدوانٌ مباح، كما أنَّ المجاز في كلام
العرب كذبٌ مباح؛ لأنَّ قول القائل:
فقالت له العينانِ سمعاً وطاعة(١)
و كذلك:
امتلأ الحوضُ وقال قَظْنِي(٢)
وكذلك
شكا إليَّ جملي طُولَ السُّرَى(٣)
ومعلوم أنَّ هذه الأشياءَ لا تَنطِق. وحدُّ الكذب: إخبارٌ عن الشَّيء على خلاف
ما هو به.
ومن قال: في القرآن مجازٌ، سَمَّى هذا عدواناً على طريق المجازِ ومقابلةٍ
الكلام بمثله(٤)، كما قال عمرو بن كلثوم:
ألَا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا
فنجهلَ فوقَ جَهْلِ الجاهلينا(٥)
(١) لم نقف على قائله، وتمامه: وحدَّرتا كالدُّرِّ لمَّا يُثقَّبٍ، وهو في الخصائص لابن جني ٢٢/١، وأمالي
ابن الشجري ٢/ ٥١، واللسان (قول).
(٢) تقدم عند تفسير الآية: ٩٣ من هذه السورة ٢٥٥/٢ .
(٣) قائله أبو النجم، وهو في الكتاب ٣٢١/١، وأمالي المرتضى ١٠٧/١، وسقط الزند ص ٦٢٠ .
(٤) انظر معاني القرآن للزجاج ٢٦٥/١، وأحكام القرآن للجصاص ٢٦١/١، ومجمع البيان ١٤٥/٢،
١٤٦، وأحكام القرآن لابن العربي ١١٣/١.
(٥) تقدم ٣١٤/١.

٢٥١
سورة البقرة : الآية ١٩٤
وقال الآخر(١):
ولي فرسٌ للجهل بالجهل مُسْرَجُ
ولِي فَرَسٌ للحِلم بالحلم مُلْجَمٌ
ومن رام تعويجي فإني مُعَوَُّ
فمن(٢) رامَ تقويمي فإني مُقَوَّمٌ
يريد: أكافئُ الجاهلَ والمُعْوَجَّ، لا أنه امتدح بالجهل والاعوجاج.
السادسة: واختلف العلماء فيمن استَهلك أو أفسدَ شيئاً من الحيوان أو
العُرُوضِ التي لا تُكال ولا توزنُ؛ فقال الشافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابُهما وجماعةٌ
من العلماء: عليه في ذلك المِثْل، ولا يُعدَلُ إلى القيمة إلا عند عدم المثل(٣)؛
لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وقولِه تعالى:
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوِبْتُم بٌِّ﴾ [النحل: ١٢٦].
قالوا: وهذا عمومٌ في جميع الأشياء كلِّها، وعَضَدُوا هذا بأنَّ النبيَّ وَّر حبس
القَصعةَ المكسورةَ في بيت التي كسرتْها، ودفع الصحيحةَ، وقال: ((إناءٌ بإناء،
وطعامٌ بطعام)) خرّجه أبو داود قال: حدَّثنا مسدَّد، حدّثنا يحيى (ح) وحدَّثنا
محمد بن المثنى، حدَّثنا خالد، عن حُميد، عن أنس، أنَّ رسولَ الله ◌ُ لو كان عند
بعض نسائه، فأرسلتْ إحدى أمّهاتِ المؤمنين مع خادم بقَصعة (٤) فيها طعام، قال:
فضَربتْ بيدها، فكسرت القصعة. قال ابن المثنَّى: فَأخذ النبيُّ وَِّ الكسرتين، فضمَّ
إحداهما إلى الأخرى، فجعل يجمعُ فيها الطّعامَ ويقول: ((غارَتْ أمُّكم)). زاد ابن
المثنَّى: ((كُلُوا))، فأكلوا حتى جاءت قصعتُها التي في بيتها. ثم رجعنا إلى لفظ
حديث مُسدّد قال: ((كُلُوا)) وحبسَ الرسولَ والقصعةَ حتى فرغوا، فدفع القصعةَ
الصحيحةَ إلى الرسول، وحبسَ المكسورةَ في بيته (٥) .
حدَّثنا أبو داود قال: حدَّثنا مسدَّد، حدَّثنا يحيى، عن سفيان قال: وحدّثنا فُلَيْتُ
(١) هو الأحنف بن قيس، والبيتان في روضة العقلاء ص ١٢٠ .
(٢) في (م): ومن.
(٣) ينظر أحكام القرآن للجصاص ٣٦١/١، ٣٦٢، والتمهيد ٢٨٦/١٤، ٢٨٧.
(٤) في (م): قصعة.
(٥) سنن أبي داود (٣٥٦٧)، وأخرجه أيضاً البخاري (٥٢٢٥)، وهو عند أحمد (١٢٠٢٧).

٢٥٢
سورة البقرة : الآية ١٩٤
العامريُّ - قال أبو داود: وهو أَفْلَت بن خليفة - عن جَسْرةَ بنتِ دَجاجةً قالت: قالت
عائشة رضي الله عنها: ما رأيتُ صانعاً طعاماً مثلَ صَفِيَّة، صنعتْ لرسول الله وَّل
طعاماً، فبعثتْ به، فأخذني أَفْكَلٌ، فكسرتُ الإناء، فقلت: يا رسول الله، ما كفارةٌ
ما صنعتُ؟ قال: ((إناءٌ مثل إناء، وطعامٌ مثلُ طعام))(١).
وقال مالك وأصحابُه: عليه في الحيوان والعُروض التي لا تُكال ولا تُوزن
القيمةُ لا المِثْل؛ بدليل تضمينِ النبيِّ وَّ﴿ الذي أعتقَ نصفَ عبدِه قيمةً نصفٍ شریکه،
ولم يضمِّنْه مثلَ نصفِ عبده. ولا خلاف بين العلماء على تضمين المِثْلِ في
المطعومات والمشروبات والموزونات؛ لقوله عليه السلام: ((طعامٌ بطعام))(٢).
السابعة: لا خلاف بين العلماء أنَّ هذه الآيةَ أصلٌ في المُماثلة في القصاص،
فمن قَتلَ بشيءٍ قُتِلَ بمثل ما قَتَلَ به، وهو قولُ الجمهور، ما لم يقتله بفسقٍ،
كاللُّوطية، وإسقاءِ الخمر، فيُقتلُ بالسَّيف. وللشافعية قول: إنه يُقتل بذلك، فيُتَّخذُ
عودٌ على تلك الصِّفةِ ويُطعنُ به في دُبُره حتى يموت، ويُسقى عن الخمر ماءً حتى
يموت. وقال ابن الماجِشون: إنَّ من قَتل بالثَّار أو بالسُّمِّ لا يُقتل به؛ لقول
النبيِّ وَله: ((لا يعذِّب بالنار إلا الله))(٣). والسمُّ نارٌ باطنة. وذهب الجمهور إلى أنه
يُقتلُ بذلك؛ لعموم الآية(٤).
الثامنة: وأما القَوَد بالعصا، فقال مالك في إحدى الروايتين: إنه إنْ كان في
القتل بالعصا تطويلٌ وتعذيب، قُتِل بالسيف، رواه عنه ابن وهب، وقاله ابن
القاسم. وفي الأخرى: يُقتلُ بها وإنْ كان فيه ذلك، وهو قولُ الشافعي. وروى
أشهب وابنُ نافع عن مالك في الحجر والعصا أنه يُقتلُ بهما إذا كانت الضَّرْبةُ
(١) سنن أبي داود (٣٥٦٨)، وهو عند أحمد (٢٦٣٦٦)، وحسَّن إسناده الحافظ في الفتح ١٢٥/٥، ولم
يرد هذا الحديث في (د) و(ز). قوله: أفْكُلٌ، أي: رِغدة، وهي تكون من البرد أو الخوف. النهاية
(فكل).
(٢) ينظر التمهيد ٢٨٦/١٤-٢٨٨.
(٣) أخرجه أحمد (٨٠٦٨)، والبخاري (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه، وفيه قصة.
(٤) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١١٣/١، والبيان والتحصيل ٦٢/١٦، والمبسوط للسَّرخسي ١٢٥/٢٦،
والمحلّى ٣٥٨/١١.

٢٥٣
سورة البقرة : الآية ١٩٤
مُجْهِزةً؛ فأمَّا أنْ يُضربَ ضرباتٍ، فلا. وعليه لا يُرْمَى بالنَّبل ولا بالحجارة؛ لأنه
من التعذيب، وقاله عبد الملك.
قال ابن العربي(١): والصحيح من أقوال علمائنا أنَّ المماثلة واجبة، إلا أنْ
تدخلَ (٢) في حدِّ التعذيبِ، فلتُرك إلى السَّيف. واتَّفق علماؤنا على أنه إذا قطع يدَه
ورجلَه وفقاً عينَه قَصْدَ التعذيب، فُعِل به ذلك كما فَعلَ النبيُّ وَلِ بِقَتَلَةِ الرِّعاء(٣).
وإنْ كان في مدافعةٍ أو مضاربة قُتل بالسَّيف.
وذهبت طائفة إلى خلاف هذا كلِّه، فقالوا: لا قَوَد إلَّا بالسيف، وهو مذهبُ
أبي حنيفةَ والشَّعبيِّ والنَّخَعيِّ(٤).
واحتجُّوا على ذلك بما رُوِيَ عن النبيِّ وَّه قال: ((لا قَوَدَ إلا بحديدة))(٥)،
وبالنهي عن المُثْلَةَ (٦)، وقوله: ((لا يُعذِّب بالنار إلَّا رَبُّ النار))(٧).
والصحيحُ ما ذهب إليه الجمهور؛ لِما رواه الأئمة عن أنس بنِ مالك أنَّ جاريةً
وُجِدَ رأسُها قد رُضَّ بين حَجَرين، فسألوها: مَنْ صَنع هذا بك! أفلان، أفلان؟
(١) أحكام القرآن ١١٣/١، ١١٤.
(٢) في النسخ: يدخل، والمثبت من (م).
(٣) قوله: الرعاء: جمع راع، وقتلة الرِّعاء هم العُرنيُّون، وسلف تخريج حديثهم ص ٤٤ من هذا الجزء.
(٤) انظر النوادر والزيادات ٢٩/١٤-٣١، والاستذكار ٢٤٦/٢٥-٢٤٧.
(٥) أخرجه ابن ماجه (٢٦٦٨)، والبزار ٩/ ١١٥ من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، وضعفه الحافظ في
الفتح ٢٠٠/١٢، وابن الملقن في خلاصة البدر المنير ٢/ ٢٦٥ .
وأخرجه أحمد (١٨٣٩٥) بنحوه، وابن ماجه (٢٦٦٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه،
وضعفه ابن الملقّن في خلاصة البدر المنير ٢٦٥/٢، وابن حجر في التلخيص الحبير ١٩/٤،
والبوصيري في مصباح الزجاجة ١٢٩/٣ .
وأخرجه ابن أبي عاصم في الديات (١٢٩)، وابن عدي في الكامل ١٩٧٨/٥ من حديث ابن مسعود
رضي الله عنه، وضعفه الحافظ في الدراية ٢٦٥/٢.
وأخرجه ابن عدي ١١٠٢/٣، والبيهقي ٦٣/٨ من حديث أبي هريرة، وضعفه.
وأخرجه الدار قطني ٨٧/٣ من حديث علي رضي الله عنه، وضعفه هو والبيهقي.
وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٥٤ عن الحسن مرسلاً.
(٦) أخرجه أحمد (١٨١٥٢)، والبخاري في التاريخ الكبير ٣١٦/٧ من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
(٧) سلف في المسألة قبلها بلفظ: ((لا يعذب بالنار إلا الله)).

٢٥٤
سورة البقرة : الآية ١٩٤
حتى ذكروا يهوديًّا، فأَوْمأت برأسها، فأُخِذَ اليهوديُّ، فَأَقَرَّ، فأمَر به رسولُ الله وَل
أنْ يُرَضَّ(١) رأسُه بالحجارة. وفي رواية: فقتله رسولُ اللهِ وَّ بِينَ حَجَريْن(٢). وهذا
نصِّ صريحٌ صحيحٌ، وهو مقتضى قولهِ تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم
بِهٌِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله: ﴿فَأَغْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ .
وأمَّا ما استدلُّوا به من حديث جابرٍ(٣) فحديثٌ ضعيف عند المحدِّثين، لا يُرْوَى
من طريقٍ صحيح، ولو صحَّ قلنا بموجبه، وأنه إذا قَتل بحديدة قُتِلَ بها؛ يدلُّ على
ذلك حديثُ أنس: أنَّ يهوديًّا رَضَّ رأسَ جاريةٍ بين حَجَرَيْن، فَرضَّ رسولُ اللهِ وَلـ
رأسَه بين حَجَرَيْن. وأمَّا النَّهيُ عن المُثْلة فنقول أيضاً بموجبها إذا لم يُمَثِّلْ، فإذا
مَثَّلَ مَثَّلْنا به؛ يدلُّ على ذلك حديثُ العُرَنِيِّين، وهو صحيحٌ أخرجه الأئمة(٤).
وقولُه: ((لا يُعذِّبُ بالنار إلَّا ربُّ النار)) صحيحٌ إذا لم يَحرِق، فإنْ حَرَقَ حُرِقَ؛ يدلُّ
عليه عمومُ القرآن. قال الشافعيُّ: إنْ طرحه في النار عمداً، طُرح في النار حتى
يموت، وذكره الوَفَّار(٥) في مختصره عن مالك، وهو قولُ محمد بنِ عبد الحكم.
قال ابن المنذر: وقولُ كثيرٍ من أهل العلم في الرجل يَخنُق الرجلَ: عليه
القَوَد، وخالفَ في ذلك محمد بنُ الحسن، فقال: لو خَنَقَه حتى مات، أو طرَحه
في بئر، فمات، أو ألقاه من جبل أو سطح، فمات، لم يكن عليه قِصاصٌ، وكان
على عاقلَتِهِ الدِّيّة؛ فإنْ كان معروفاً بذلك - قد خَنق غيرَ واحدٍ - فعليه القتل.
قال ابن المنذر: ولما أقاد النبيُّ وَّ من اليهوديِّ الذي رَضَّ رأس الجارية
بالحَجر، كان هذا في معناه، فلا معنى لقوله(٦).
(١) في (م): ترض.
(٢) أخرجه أحمد (١٢٧٤٨)، والبخاري (٢٤١٣). ومسلم (١٦٧٢).
(٣) لعله الجُعفي الراوي عن أبي عازب، عن النعمان بن بشير، وسلف ذكره في التعليق على حديث:
«لا قود إلا بحدیدة».
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٤ من هذا الجزء.
(٥) هو أبو بكر محمد بن أبي يحيى زكريا الوَقّار، له مختصران في الفقه، وأهل القيروان يفضلون مختصره
على مختصر ابن عبد الحكم. توفي سنة (٢٦٩هـ). ترتيب المدارك ٢/ ٩١.
(٦) ينظر المبسوط للسرخسي ٢٦/ ١٥٢.

٢٥٥
سورة البقرة : الآية ١٩٤
قلت: وحكى هذا القولَ غيرُه عن أبي حنيفةً، فقال: وقد شذَّ أبو حنيفة، فقال
فيمن قَتل بخَْق أو بسُمٍّ أو تَرديةٍ من جبلٍ أو في بئرٍ (١) أو بخشبة: إنه لا يُقتل ولا
يُقتصُّ منه، إلا إذا قَتل بمحدَّدٍ: حديدٍ أو حجر أو خشب، أو كان معروفاً بالخنق
والتَّردية، وكان على عاقلته الدِّية (٢). وهذا منه ردِّ للكتاب والسُّنة، وإحداثُ ما لم
يكن عليه أمرُ الأمَّة، وذَرِيعةٌ إلى رفع القصاصِ الذي شرعَه الله للنفوس، فليس عنه
مناص.
3
التاسعة: واختلفوا فيمن حَبس رجلاً، وقتله آخر، فقال عطاء(٣): يُقتلُ القاتل
ويُخْبَسُ الحابس حتى يموتَ. وقال مالك(٤): إنْ كان حبسه وهو يرى أنه يريدُ قتلَه
قُتلا جميعاً، وفي قولِ الشافعيّ وأبي ثور والنُّعمان: يُعاقَبُ الحابس. واختاره ابن
المنذر (٥).
قلت: قول عطاءٍ صحيحٌ، وهو مقتضى التنزيل. وروى الدَّارَقُطْنِيُّ عن ابن عمرَ
عن النبيِّ وَِّ قال: ((إذا أمسَك الرجلُ الرجلَ، وقتلَه الآخر يُقتلُ القاتل، ويُحبس
الذي أمسكه)). رواه سفيان الثوريُّ، عن إِسماعيل بنٍ أُميَّةَ، عن نافع عن ابن
عمر(٦)، ورواه معمر وابنُ جُريج، عن إسماعيلَ مُرسَلاً(٧).
العاشرة: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى﴾ الاعتداء هو التجاوزُ؛ قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ يَنَعَذَّ حُدُودَ الَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي: يتجاوزها، فمَنْ ظلمك فخذْ حقَّك منه بقَدْر
مظلمتِك، ومن شتمَك فرُدَّ عليه مثلَ قوله، ومن أَخذ عِرْضَك فخذْ عِرضَه؛ لا تتعدَّ
إلى أبويه، ولا إلى ابنه، أو قريبه، وليس لك أنْ تَكذِب عليه وإنْ كذب عليك، فإنَّ
المعصيةً لا تُقابَل بالمعصية، فلو قال لك مثلاً: يا كافر، جاز لك أنْ تقولَ له: أنت
(١) في (م): أو بئر.
(٢) ينظر المحلى ٣٨٦/١٠.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٧٨٩٣) عن ابن جريج، عن عطاء، عن عليٍّ رضي الله عنه.
(٤) في الموطأ ٨٧٣/٢.
(٥) ينظر مختصر اختلاف العلماء ١٢١/٥، والاستذكار ٢٥٧/٢٥، والمغني ٥٩٦/١١.
(٦) سنن الدارقطني ٣/ ١٤٠، وأخرجه أيضاً البيهقي ٨/ ٥٠.
(٧) أخرجه عبد الرزاق ٩/ ٤٢٧، والدار قطني ٣/ ١٤٠ بنحوه.

٢٥٦
سورة البقرة : الآية ١٩٥
الكافر. وإنْ قال لك: يا زان، فقصاصُك أنْ تقولَ له: يا كذَّابُ یا شاهدَ زُور. ولو
قلتَ له: يا زانٍ، كنت كاذباً، وأثِمتَ في الكذب. وإنْ مَطَلك وهو غنيٌّ دون عُذرٍ
فقل: يا ظالم، يا آكلَ أموالِ الناس، قال النبيُّ وَّهِ: ((لَيُّ الواجدِ يُحِلُّ عِرْضَه
وعقوبَتَّه)). أمَّا عِرْضُه فبما فسَّرناه، وأمَّا عقوبتُه فالسجنُ يُحبس فيه (١).
وقال ابن عباس(٢): نزل هذا قبلَ أنْ يَقْوَى الإِسلام؛ فأمَر مَن أُوذِيَ من
المسلمين أنْ يُجازِيّ بمثل ما أُوذِيَ به، أو يَصبرَ أو يعفوَ؛ ثم نُسِخ ذلك بقوله:
﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةٌ﴾ [التوبة: ٣٦]. وقيل: نُسخ ذلك بتصييره إلى السُّلطان.
ولا يَحِلُّ لأحدٍ أنْ يقتصَّ من أحد إلا بإذن السلطان.
قوله تعالى: ﴿وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَّْكَةِ وَأَحْسِنُوَّا إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
فيه ثلاثُ مسائل :
الأولى: روى البخاريُ(٣) عن حذيفة: ﴿وَأَنِفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُ إِلَى
الََّكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة.
وروى يزيد بنُ أبي حَبيب، عن أسلمَ أبي عمرانَ قال: غَزَوْنا القُسْطَنْطِينِيَّة،
وعلى الجماعة عبد الرحمن [بن خالد بن الوليد، والرُّومُ مُلْصِقُو ظهورِهم بحائط
المدينة، فحمَل رجلٌ على العدوِّ، فقال الناس: مَهْ مَهْ! لا إله إلا الله، يُلقي بيديه
إلى الثَّهلكة! فقال أبو أيوب: سبحان الله! أُنزلت هذه الآيةُ فينا معاشرَ الأنصارِ لمَّا
نصر الله نبيَّه، وأظهرَ دينه؛ قلنا: هَلُمَّ نقيم في أموالنا ونُصلحها، فأنزل الله عز وجلّ:
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١١٢/١، والحديث علقه البخاري إثر الحديث (٢٤٠٠)، وأخرجه أحمد
(١٧٩٤٦)، وأبو داود (٣٦٢٨)، والنسائي ٣١٦/٧، وابن ماجه (٢٤٢٧) من حديث الشريد بن سويد
رضي الله عنه .
وأخرجه أحمد (٨٩٣٧)، والبخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤) من حديث أبي هريرة بنحوه. قوله:
لَيُّ الواجد، أي: مَظْلُه. النھایة (لوا).
(٢) أخرجه الطبري ٣/ ٣١٠ بنحوه، وانظر نواسخ القرآن لابن الجوزي ص٧٦.
(٣) رقم (٤٥١٦).

٢٥٧
سورة البقرة : الآية ١٩٥
﴿وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. والإلقاءُ باليد إلى الثَّهْلُكة أنْ نقيمَ في أموالنا،
ونصلحها، وندعَ الجهاد. فلم يزل أبو أيوب مجاهداً في سبيل الله حتی دُفن
بالقسطنطينية، فقبرُه هناك. فأخبر (١) أبو أيوب أنَّ الإِلقاءَ باليد إلى التهلكة هو تركُ
الجهادِ في سبيل الله، وأنَّ الآيةَ نزلت في ذلك. ورُويَ مثلُه عن حذيفةَ والحسنِ
وقتادةً ومجاهد والضحاك (٢)
قلت: وروى الترمذيُّ عن يزيدَ بنِ أبي حبيب، عن أسلم أبي عمرانَ هذا الخبرَ
بمعناه فقال: كنَّا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفًّا عظيماً من الروم، فخرج إليهم
من المسلمين مثلُهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عُقبة بنُ عامر(٣)، وعلى الجماعة
فَضالةُ بن عُبيد(٤)، فحمَل رجل من المسلمين على صَفِّ الرومِ حتى دَخلَ فيهم،
فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله! يُلقي بيديه إلى التَّهلُكة. فقام أبو أيوب
الأنصاريُّ فقال: يا أيها الناس، إنكم تتأوَّلون هذه الآيةَ هذا التأويلَ، فإنما
نزلت(٥) هذه الآيةُ فينا معشرَ (٦) الأنصارِ لمَّا أعزَّ الله الإسلامَ وكثُر ناصروه، فقال
بعضُنا لبعض سِرّاً دون رسولِ الله وَله: إنَّ أموالنا قد ضاعت، وإنَّ الله قد أعزَّ
الإسلام وكَثُر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلَحْنا ما ضاع منها؛ فأنزلَ الله
على نبيِّهِ وَل﴿ يردُّ علينا(٧) ما قلنا: ﴿وَأَنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ الَّهِ وَلَا تُلَّقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى الَّلْكَةِ﴾
فكانت التَّهلكة الإقامةً على الأموال وإصلاحَها وَتَرْكَنا الغزو، فما زالَ أبو أيوب
(١) في (م): فأخبرنا.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٢٦٢/١، وأحكام القرآن للكيا الطبري ٨٧/١، وما بين حاصرتين منه،
والخبر أخرجه الطبري ٣٢٢/٣ بنحوه.
(٣) هو أبو عَبْس الصحابي، كان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وكان من أصحاب الصّفّة، شهِد صفين
مع عليَّ، مات سنة (٥٨هـ) السير ٢/ ٤٦٧.
(٤) أبو محمد الأنصاري القاضي الفقيه، من أهل بيعة الرضوان، شهد المشاهد كلّها مع رسول الله وَّت، ثم
خرج إلى الشام ووليَ قضاء دمشق ودُفن بها سنة (٥٣هـ). السير ١١٣/٣.
(٥) في (م): وإنما أنزلت.
(٦) في (د) و(م): معاشر. والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ)، وهو موافق لسنن الترمذي.
(٧) في (م): عليه.

٢٥٨
سورة البقرة : الآية ١٩٥
شاخصاً في سبيل الله حتى دُفن بأرض الروم(١). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن
غریب صحیح.
وقال حُذيفة بنُ الیمان وابن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهورُ الناس:
المعنى لا تُلقُوا بأيديكم بأن تتركوا النَّفقةَ في سبيل الله، وتخافوا العَيْلَة، فيقول
الرجل: ليس عندي ما أنفقه(٢).
وإلى هذا المعنى ذهب البخاريُّ إذْ لم يذكر غيره(٣)، والله أعلم.
قال ابن عباس: أَنفقْ في سبيل الله، وإنْ لم يكن لك إلا سَهمٌ أو مِشْقَص، ولا
يقولنَّ أحدُكم: لا أجدُ شيئاً. ونحوُه عن السُّدِّيّ: أَنفقْ ولو عِقالاً، ولا تُلقي بيديك
إلى التهلكة فتقولَ: ليس عندي شيءٌ(٤).
وقول ثالثٌ قاله ابن عباس، وذلك أنَّ رسول الله ﴿ لَمَّا أمرَ الناسَ بالخروج
إلى الجهاد قام إليه أناسٌ من الأعراب حاضرين بالمدينة، فقالوا: بماذا نتجهّزُ؟
فوالله ما لنا زادٌ، ولا يُطعِمُنا أحدٌ، فنزل قولُه تعالى: ﴿وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني:
تصدَّقوا يا أهلَ المَيْسرةِ في سبيل الله، يعني في طاعة الله ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُ إِلَى
الَّلْكَةِ﴾ يعني: ولا تمسكوا بأيديكم عن الصَّدقة، فتهلَكُوا؛ وهكذا قال مقاتل.
ومعنى قولِ ابنِ عباس: ولا تُمسِكوا عن الصدقة فتهلَكوا، أي: لا تُمسِكوا عن
النَّفقة على الضعفاء، فإنهم إذا تخلَّفوا عنكم غَلبكم العدوُّ فتهلِكوا(٥).
وقول رابعٌ؛ قيل للبراء بن عازبٍ في هذه الآية: أهو الرجلُ يَحمِلُ على
الكتيبة؟ فقال: لا، ولكنه الرجلُ يصيب الذَّنبَ، فيُلقي بيديه، ويقول: قد بالغتُ في
المعاصي ولا فائدةَ في التوبة، فييأسُ من الله، فيَنهمِكُ بعد ذلك في المعاصي.
(١) سنن الترمذي (٢٩٧٢). وأخرجه أيضاً أبو داود (٢٥١٢)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٦٢).
(٢) المحرر الوجيز ٢٦٥/١، وأخرج هذه الأقوال الطبري ٣١٣/٣-٣١٨.
(٣) يعني حديث حذيفة عنده (٤٥١٦)، وسلف ذكره قريباً.
(٤) أخرج قول ابن عباس والسُّدي الطبريُّ ٣١٣/٣، ٣١٦، قوله: مِشْقَص: أي: نصل عريض، أو سهم
فيه ذلك يُرمى به الوحش. القاموس (شقص).
(٥) تفسير أبي الليث ١٩٠/١، وقول مقاتل أورده ابن الجوزي في زاد المسير ٢٠٣/١.

٢٥٩
سورة البقرة : الآية ١٩٥
فالهلاك: اليأسُ من الله؛ وقاله عَبيدة السَّلْماني.
وقال زيد بن أسلم: المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد(١)؛ وقد كان فعلَ
ذلك قومٌ، فأدَّاهم ذلك إِلى الانقطاع في الطريق، أو يكون عالةً على الناس.
فهذه خمسةُ أقوال.
و(سبيل الله)) هنا: الجهادُ، واللفظُ يتناول بَعدُ جميعَ سُبُله. والباء في ((بأيديكم»
زائدةٌ، التقدير: تُلْقُوا أيديكم(٢). ونظيره: ﴿أَّ يَعْلَم ◌َنَّ الَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤].
وقال المبرِّد: ((بأيدكم))، أي: بأنفسكم؛ فعبَّر بالبعض عن الكلّ(٣)، كقوله:
﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ (٤) [الحج: ١٠].
وقيل: هذا ضَرْبُ مَثَل؛ تقول: فلان أَلقَى بيده في أمر كذا: إذا استسلم؛ لأنَّ
المستسلمَ في القتال يُلقي سلاحَه بيديه، فكذلك فعلُ كلِّ عاجزٍ في أيِّ فعلٍ كان،
ومنه قولُ عبدِ المطلب: واللهِ إنَّ إلقاءنا بأيدينا للموت لَعَجْزٌ(٥).
وقال قوم: التقدير: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم، كما تقول: لا تفسِدْ حالَك
برأيك.
والتَّهْلُكة - بضم اللام - مصدرٌ من هَلَك(٦) يَهْلِكُ هلاكاً وهُلْكاً وتَهْلُكَةً، أي: لا
تأخُذوا فيما يُهْلِكُكم؛ قاله الزجاج(٧) وغيره، أي: إنْ لم تُنفقوا عصيتمُ الله
وهلكتُم. وقيل: إنَّ معنى الآية: لا تُمسِكُوا أموالكم، فيرثَها منكم غيرُكم، فتَهْلِكُوا
بحرمان منفعةٍ أموالِكم. ومعنى آخر: ولا تُمسِكوا، فيذهبَ عنكم الخلَفُ في الدنيا
والثَّوابُ في الآخرة.
(١) أخرج أقوال البراء وعَبيدة السَّلماني وزيد بن أسلم: الطبريُّ ٣١٨/٣-٣٢٢.
(٢) المحرر الوجيز ٢٦٤/١.
(٣) انظر زاد المسير ٢٠٣/١.
(٤) في النسخ: بما كسبت يداك، وهو خطأ .
(٥) سيرة ابن هشام ١٤٤/١.
(٦) المحرر الوجيز ٢٦٤/١-٢٦٥.
(٧) في معاني القرآن ٢٦٩/١، وانظر الوسيط ٢٦٦/١.

٢٦٠
سورة البقرة : الآية ١٩٥
ويقال: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بَِدِيكُ إِلَى النَُّكَةِ﴾ يعني: لا تنفقوا من حرام، فيُرَدَّ عليكم
فتَهلِكُوا. ونحوُه عن عكرمةَ قال: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَبِيَكُمْ لِلَى الَُّلْكَةِ﴾ قال: ﴿وَلَا تَيَعَّمُوا
الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ (١) [البقرة: ٢٦٧].
وقال الطبريّ (٢): قوله ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُ إِلَى الَّلْكَةِ﴾ عامٌّ في جميع ما ذُكر
لدخوله فيه، إذ اللفظُ يحتملُه.
الثانية: اختلف العلماء في اقتحام الرَّجلِ في الحرب وحَمْلِه على العدوّ وحدَه،
فقال القاسم بنُ مُخَيْمِرَة والقاسم بنُ محمد وعبدُ الملك من علمائنا: لا بأس أنْ
يحمل الرجلُ وحدَه على الجيش العظيم إِذا كان فيه قوّةٌ، وكان لله بنيَّةٍ خالصة، فإنْ
لم تكنْ فيه قوةٌ؛ فذلك من التَّهلُكة.
وقيل: إِذا طلب الشهادةَ وخلصت النيةُ، فلْيَحْمِل، لأنَّ مقصوده واحدٌ منهم،
وذلك بَيِّنٌ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اَللَّهِ﴾(٣)
[البقرة: ٢٠٧].
وقال ابنُ خُوَيْزِ مَنداد: فأمَّا أنْ يحمل الرجل على مئة، أو على جملة العسكر،
أو جماعةِ اللصوص والمحاربين والخوارج، فلذلك(٤) حالتان: إن عَلم وغلب على
ظنِّه أنه(٥) سيقتلُ مَن حَمل عليه وينجوَ، فحسَنٌ، وكذلك لو عَلم وغلب على ظنّه
(١) أورده عن عكرمة ابن حجر في العجاب في بيان الأسباب ٤٨٣/١، وعزاه الطبري في تفسيره، ولم
نقف عليه فيه.
(٢) في تفسيره ٣/ ٣٢٥ بنحوه.
(٣) ينظر النوادر والزيادات ٣/ ٥٠، ٥٣، والبيان والتحصيل ٥٦٤/٢، ٥٦٦، والقاسم بن مُخَيْمِرةٍ: هو أبو
عروة الهمداني الكوفي، نزيلُ دمشق، ومات فيها في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة (١٠٠هـ). السير
٢٠١/٥، والقاسم بن محمد لعلَّه أبو محمد الأندلسي البياني أدرك بقية أصحاب مالك، وبه تفقّه علماء
قرطبة، كان يذهب إلى ترك التقليد، وألف كتاب ((الإيضاح)) في الردّ على المقلدين، مات سنة
(٢٧٦ هـ). السير ٣٢٧/١٣.
(٤) في (خ): فذلك.
(٥) في (خ) و(ز) و(م): أنْ.