Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
سورة البقرة : الآية ١٨٥
في بيت العِزَّة في سماء الدنيا، ثم كان جبريل وَّهِ ينزلُ به نَجْمَا نَجْماً في الأوامر
والنواهي والأسباب، وذلك في عشرين سنة(١).
وقال ابن عباس: أُنزل القرآن من اللَّوح المحفوظ جملةً واحدة إلى الكُتَبة في
سماء الدنيا، ثم نزل به جبريلُ عليه السلام نجوماً - يعني الآية والآيتين - في أوقات
مختلفةٍ في إحدى وعشرين سنةً.
وقال مقاتل في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ قال: أُنزل
من اللَّوح المحفوظ كلَّ عام في ليلة القدر إلى سماء الدُّنيا، ثم نزل إلى السَّفَرة من
اللوح المحفوظ في عشرين شهراً، ونزلَ به جبريلُ في عشرين سنة(٢).
قلت: وقولُ مُقاتل هذا خلافُ ما نُقل من الإجماع أنَّ القرآن أُنزل جملةً واحدةً
والله أعلم.
وروى وَاثِلة بنُ الأَسْقع عن النبيِّ وََّ أنه قال: أنزلت صحفُ إبراهيم أوَّلَ ليلة
من شهر رمضانَ، والتوراةُ لِستُّ مَضَيْنَ منه، والإنجيلُ لثلاثَ عشرةَ، والقرآنُ لأربعِ
وعشرين(٣).
قلت: وفي هذا الحديثِ دلالةٌ على ما يقولُه الحسن أنَّ ليلةَ القدر تكون ليلةً
أربع وعشرين(٤). وسيأتي إن شاء الله تعالى بيانُ هذا(٥).
التاسعة: قوله تعالى: ﴿اَلْقُرْءَانُ﴾ ((القرآن)»: اسمٌ لكلام الله تعالى، وهو بمعنى
المقروء، كالمشروب يُسمَّى شراباً، والمكتوب يُسمَّى كتاباً، وعلى هذا قيل: هو
مصدر قرأ يقرأ قراءةً وقرآناً بمعنَّى. قال(٦):
(١) انظر تفسير البغوي ١/ ١٥١، والمحرر الوجيز ٢٥٤/١.
(٢) تفسير أبي الليث ١/ ١٨٤. قوله: السفرة، أي: الملائكة.
(٣) أخرجه أحمد (١٦٩٨٤)، والطبري ١٨٩/٣، والطبراني في الكبير ١٨٥/٢٢، والأوسط (٣٧٥٢)
والبيهقي ١٨٨/٩ .
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: فيه عمران القطّان، ضعفه يحيى، ووثقه ابن حبان، وقال أحمد: أرجو
أن يكون صالحَ الحديث، وبقيةُ رجاله ثقات.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٧٦٩٨).
(٥) في سورة القدر.
(٦) في (م): ((قال الشاعر)).

١٦٢
سورة البقرة : الآية ١٨٥
يُقَطِّعُ اللَّيلَ تسبيحاً وقُرْآنَاً(١)
ضَخَّوْا بأشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِهِ
أي: قراءةً.
وفي صحيح مسلم (٢) عن عبد الله بن عَمرو (٣)، أنَّ في البحر شياطينَ مسجونةً
أَوْثَقَها سليمانُ عليه السلام يُوشِك أنْ تخرجَ، فتقرأ على الناس قرآناً، أي: قراءةً.
وفي التنزيل: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ اٌلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]،
أي: قراءةً الفجر.
ويُسمَّى المقروء قرآناً على عادة العرب في تسميتها المفعول باسم المصدر،
كتسميتهم للمعلوم علماً، وللمضروب ضرباً، وللمشروب شرباً، كما ذكرنا، ثم
اشتهر الاستعمال في هذا واقترَن به العُرْف الشرعي، فصارَ القرآنُ اسماً
لكلام الله (٤)، حتى إذا قيل: القرآن غيرُ مخلوق، يراد به المقروء لا القراءة(٥).
وقد يُسمَّى المصحف الذي يُكتب فيه كلامُ الله قرآناً تَوَسُّعاً؛ وقد قال وَى: ((لا
تسافروا بالقرآن إلى أرض العدوِ))(٦) أراد به المصحف، وهو مشتقٌّ من قرأت الشَّيءَ
جمعته .
وقيل: هو اسمُ عَلم لكتاب الله، غيرُ مشتقٍّ كالتوراة والإنجيل، وهذا يُحكى
عن الشافعيِّ (٧). والصحيح الاشتقاقُ في الجميع، وسيأتي.
العاشرة: قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلِنَّاسِ﴾ ((هُدَى)) في موضع نصبٍ على الحال
من القرآن، أي: هادياً لهم. ﴿وَبَيِّنَةٍ﴾ عطفٌ عليه، و﴿اَلْهُدَى﴾ الإرشاد
والبيان، كما تقدَّم(٨)، أي: بياناً لهم وإرشاداً. والمرادُ القرآنُ بجملته من مُحْكّمٍ
(١) البيت لحسان بن ثابت، وهو في ديوانه ص٢٤٨، وسلف ٢٤/١.
(٢) ١٢/١ في مقدمة الصحيح، وسلف الكلام عليه ٢٤/١.
(٣) في (د) و(م): عمر، وهو خطأ .
(٤) ينظر تفسير الرازي ٩٤/٥.
(٥) في (م): ((القراءة لذلك)).
(٦) أخرجه أحمد (٤٥٠٧)، ومسلم (١٨٦٩) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٧) ينظر تفسير البغوي ١٥١/١، والرزاي ٩٤/٥ .
(٨) ٢٤٧/١.

١٦٣
سورة البقرة : الآية ١٨٥
ومُتشابه، وناسخ ومنسوخ، ثم شرف بالذكر والتخصيص البيّنات منه، يعني الحلال
والحرام، والمواعظَ والأحكام.
و(بَيِّئَات)) جمع بيِّنة، من بان الشَّيءُ يَبينُ: إذا وضح.
و (الفُرْقان)) ما فَرَقَ بين الحقِّ والباطل، أي: فصل(١)، وقد تقدَّم(٢).
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلَيَصُمَّةٌ﴾ قراءةُ العامة بجزم
اللام، وقرأ الحسن والأعرج بكسر اللام(٣)، وهي لام الأمر، وحَقُّها الكسر إذا
أُفردت، فإذا وُصلت بشيء ففيها وجهان: الجزم والكسر. وإنما تُوصل بثلاثة
أحرف: بالفاء كقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ [قريش: ٣]. والواو كقوله:
﴿وَلْيُوفُوا﴾ [الحج: ٢٩]. وثُمَّ كقوله: ﴿ثُمّ لْيَقْضُوا﴾ [الحج: ٢٩].
و(شَهِد)) بمعنى حَضَر، وفيه إضمار، أي: من شهد منكم المِصرَ في الشَّهر
عاقلاً بالغاً صحيحاً مقيماً، فليصُمْه، وهو يقال عامّ، فيخصَّصُ بقوله: ﴿وَمَن كَانَ
مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية. وليس ((الشهر)) بمفعول، وإنما هو ظرفُ زمان.
وقد اختلف العلماء في تأويل هذا، فقال عليُّ بنُ أبي طالب وابنُ عباس
وسُوَيد بنُ غَفَلَةٍ وعائشة - أربعةٌ من الصَّحابة - وأبو مِجْلَز لاحقُ بنُ حُميد وعَبيدة
السَّلْمانِيُّ: مَنْ شَهِدَ، أي: مَنْ حَضَرَ دخولَ الشَّهر وكان مقيماً في أوَّله في بلده
وأهلِهِ، فليُكْمِلْ صيامَه، سافرَ بعد ذلك أو أقام، وإنما يُقطر في السَّفر من دخل عليه
رمضانُ وهو في سفر، والمعنى عندهم: مَنْ أدركَه رمضان مسافراً أفطر، وعليه عِدَّةٌ
من أيام أُخَرَ، ومن أدركه حاضراً فليصُمْه.
وقال جمهور الأمة: مَنْ شهد أوَّلَ الشهر وآخِرَه فليصُمْ ما دامَ مُقيماً، فإنْ سافر
أفطر(٤)، وهذا هو الصحيح، وعليه تدلُّ الأخبار الثابتة.
(١) المحرر الوجيز ٢٥٥/١، والنكت والعيون ٢٤٠/١.
(٢) ٨٩/٢.
(٣) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٢ لعلي، ونسبها النحاس في إعراب القرآن ٢٨٨/١، وابن
عطية في المحرر الوجيز ٢٥٤/١ للحسن، ولم نقف على نسبتها للأعرج.
(٤) ينظر تفسير الطبري ١٩٢/٣ - ١٩٧، والاستذكار ٧٢/١٠-٧٣، والمحرر الوجيز ٢٥٤/١.

١٦٤
سورة البقرة : الآية ١٨٥
وقد ترجم البخاريُّ رحمه الله ردًّا على القول الأوَّل: باب إذا صام أياماً من
رمضانَ ثم سافر: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسف قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب،
عن عُبيد الله بنِ عبد الله بن عُثْبة، عن ابن عباس أنَّ رسول الله وَّل خرج إلى مكةً
في رمضان، فصام حتى بلغَ الكَدِيد، أفطر فأفطر الناس. قال أبو عبد الله: والكَدِيد
ما بين عُسْفان وقُدَيْد(١).
قلت: قد يحتمل أنْ يُحملَ قولُ عليٍّ رضي الله عنه ومَنْ وافقه على السَّفر
المندوب كزيارة الإخوان من الفضلاء والصالحين أو المباح في طلب الرِّزقِ الزائدِ
على الكفاية. وأمَّا السفر الواجبُ في طلب القوتِ الضروريِّ، أو فتح بلد إذا تحقَّق
ذلك، أو دفع عدوّ، فالمرءُ فيه مخيّر، ولا يجب عليه الإمساك، بل الفطرُ فيه أفضلُ
للتَّقوِّي؛ وإنْ كان شَهِدَ الشَّهر في بلده، وصام بعضه فيه؛ لحديث ابنِ عباس
وغيره، ولا يكونُ في هذا خلافٌ إن شاء الله، والله أعلم.
وقال أبو حنيفة وأصحابُه: مَنْ شَهِدَ الشَّهرَ بشروط التكليفِ غيرَ مجنونٍ ولا
مُغْمَى عليه، فليصُمْه، ومن دخلَ عليه رمضان وهو مجنونٌ وتمادَى به طُولَ الشَّهرِ،
فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يشهد الشَّهرَ بصفةٍ يجبُ بها الصيام، ومن جُنَّ أوَّلَ الشهر
وآخرَه فإنه يقضي أيَّامَ جنونه. ونَصْبُ الشَّهرِ على هذا التأويلِ هو على المفعول
الصَّريح بـ ((شهد))(٢).
الثانية عشرة: قد تقرَّر أنَّ فرضَ الصَّوم مستحَقٌ بالإِسلام والبلوغ، والعلم
بالشهر، فإذا أسلمَ الكافر، أو بلغ الصَّبيُّ قبلَ الفجر، لزمهما الصَّومُ صبيحةَ اليوم،
وإنْ كان بعد الفجر استُحِبَّ لهما الإمساك، وليس عليهما قضاءُ الماضي من الشهر
ولا اليوم الذي بلغ فيه أو أسلم.
وقد اختلف العلماء في الكافر يُسلم في آخر يومٍ من رمضان، هل يجبُ عليه
(١) صحيح البخاري (١٩٤٤)، وأخرجه أيضاً مسلم (١١١٣)، وهو عند أحمد (٣٠٩٠). قوله: عُسفان:
منهلة من مناهل الطريق بين الجُحفة ومكة، وقيل: قرية بها نخيل ومزارع على ستة وثلاثين ميلاً من
مكة، وقُدید: اسم موضع قرب مكة. معجم البلدان.
(٢) المحرر الوجيز ٢٥٤/١-٢٥٥ .

١٦٥
سورة البقرة : الآية ١٨٥
قضاءُ رمضانَ كلِّه أو لا؟ وهل يجب عليه قضاءُ اليوم الذي أسلم فيه؟ فقال الإمام
مالك والجمهور: ليس عليه قضاءُ ما مضى؛ لأنه إنما شَهِدَ الشَّهر من حين إِسلامِه.
قال مالك: وأَحَبُّ إليَّ أنْ يقضيَ اليومَ الذي أسلم فيه.
وقال عطاء والحسن(١): يصوم ما بقي، ويقضي ما مضى. وقال عبد الملك بنُ
الماجِشُون: يكفُّ عن الأكل في ذلك اليوم، ويقضيه، وقال أحمد (٢) وإسحاق
مثلَه. وقال ابن المنذر: ليس عليه أنْ يقضيَ ما مضى من الشَّهر، ولا ذلك اليومَ.
وقال الباجيُّ(٣): من قال من أصحابنا إنَّ الكفار مخاطبون بشرائع الإسلام - وهو
مقتضى قولِ مالك وأكثرٍ أصحابه - أَوجَبَ عليه الإمساكَ في بقيَّة يومه. ورواه في
المدنية(٤) ابنُّ نافع عن مالك، وقاله الشيخ أبو القاسم. ومن قال من أصحابنا
ليسوا مخاطبين قال: لا يلزمه الإمساكُ في بقية يومِه، وهو مقتضى قول أشهبَ
وعبدِ الملك بنِ الماجِشُون، وقاله ابن القاسم.
قلت: وهو الصحيح لقوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ فخاطب المؤمنين دونَ
غيرهم، وهذا واضح، فلا يجبُ عليه الإمساكُ في بقية اليوم، ولا قضاءُ ما مضى.
وتقدَّم الكلام في معنى قوله: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ
أَبَّامٍ أُخَرُّ﴾ والحمد لله(٥).
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيَسْرَ﴾ قراءةُ جماعة: ((الْيُسُرَ))
بضمِّ السِّين لغتان، وكذلك ((الْعُسُر))(٦).
قال مجاهد والضَّحاك(٧): ((اليُسر)) الفطر في السَّفر، و((العُسر)) الصَّوم في السَّفر.
(١) أخرجه عنهما عبد الرزاق ٤/ ١٧٠ -١٧١.
(٢) ينظر الاستذكار ١٩٢/١٠-١٩٣، والنوادر والزيادات، ٣٠/٢. والإفصاح عن معاني الصحاح ٢١٦/١.
(٣) في المنتقى ٦٧/٢ .
(٤) في (د) و(ز) و(م): المدونة، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو موافق لما في المنتقى.
(٥) ص ١٢٧ فما بعدها من هذا الجزء.
(٦) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٨٨/١، والمحرر الوجيز ٢٥٥/١. والقراءة المذكورة هي قراءة أبي
جعفر من العشرة. انظر النشر ٢٢٦/٢.
(٧) أخرجه عنهما الطبري ٢١٨/٣ -٢١٩.
:

١٦٦
سورة البقرة : الآية ١٨٥
والوجه عمومُ اللفظ في جميع أمورِ الدِّين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي
اُلِّنِ مِنْ حَرَجَ﴾ [الحج: ٧٨](١)، ورُوي عن النبيِّ وَلّ: ((دين الله يُسر))(٢)، وقال وَلّى:
(يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا))(٣) .
واليُسر من السُّهولة، ومنه اليَسارُ للغِنَى. وسُمِّيت اليدُ اليسرى تفاؤلاً، أو لأنه
يَسهُلُ له الأمرُ بمعاونتها لليمنى، قولان(٤) .
وقوله: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ هو بمعنى قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾
فكرّر تأكيداً .
الرابعة عشرة: دلَّت الآية على أنَّ الله سبحانه مريدٌ بإرادة قديمةٍ أزليَّةً زائدة على
الذَّات. هذا مذهبُ أهلِ السُّنة؛ كما أنه عالمٌ بعلم، قادرٌ بقدرة، حيٍّ بحياة، سميعٌ
بسمع، بصيرٌ ببصر؛ متكلمٌ بكلام(٥). وهذه كلّها معانٍ وجوديةٌ أزليةٌ زائدة على الذَّات.
وذهب الفلاسفة والشّيعة إلى نَفْيِها، تعالى الله عن قول الزائغين وإبطالٍ
المُبْطِلين، والذي يَقطعُ دابرَ أهلِ التَّعطيل أنْ يقال: لو لم يَصْدُق كونُه ذا إرادةٍ
لصَدَق أنه ليس بذي إرادة، ولو صحَّ ذلك لكان كلُّ ما ليس بذي إرادةٍ ناقصاً بالنّسبة
إلى مَنْ له إرادة، فإنَّ مَن كانت له الصِّفاتُ الإرادية فله أنْ يخَصِّصَ الشَّيءَ، وله ألا
يخصِّصَه، فالعقل السّليمُ يقضي بأنَّ ذلك كمالٌ له وليس بنُقصان، حتى إنه لو قُدِّر
بالوهم سَلْبُ ذلك الأمرِ عنه لقد كان حالُه أوَّلاً أكملَ بالنّسبة إلى حاله ثانياً، فلم
يَبق إلا أنْ يكونَ ما لم يتَّصف أنقصَ مما هو منَّصفٌ به، ولا يخفى ما فيه من
المحال، فإنه كيف يُتصوَّرُ أنْ يكونَ المخلوق أكملَ من الخالق، والخالقُ أنقصَ
(١) المحرر الوجيز ٢٥٥/١.
(٢) هو قطعة من حديث أبي هريرة؛ أخرجه البخاري (٣٩) بلفظ: ((إنَّ هذا الدين يُسر ... )). وأخرجه
أحمد (٢٠٦٦٩) من حديث عروة الفُقَيمي بلفظ: ((إنَّ دينَ الله في يُسر)) وفيه قصة، ومن حديث أنس بن
مالك (١٣٠٥٢) بلفظ: ((إن هذا الدين متين، فأوْغِلُوا فيه برِفْق .. )).
(٣) قطعة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أخرجه أحمد (١٢٣٣٣)، والبخاري (٦٩)، ومسلم
(١٧٣٤).
(٤) تفسير الرازي ١٠٠/٥ .
(٥) الذي عليه السلف رضي الله عنهم إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه وأثبته له رسوله وَ له من الأسماء
والصفات، من غير زيادة عليه، ولا إضافة إليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه ولا تحريف، ولا تبديل
ولا تغيير، وعدم الاقتصار على الصفات السبع التي ذكرها المصنف رحمه الله دون غيرها مما ثبت.

١٦٧
سورة البقرة : الآية ١٨٥
منه، والبديهةُ تقضي بردِّه وإبطالِه. وقد وصف نفسَه جلَّ جلاله وتقدَّستْ أسماؤه بأنه
مريدٌ، فقال تعالى: ﴿فَعَالٌ لِمَا يُرِيدٌ﴾ [البروج: ١٦]، وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ
اٌلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]،
[وقال]: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يُس: ٨٢](١).
ثم إنَّ هذا العَالَمَ على غاية من الحكمة والإتقان والانتظام والإِحكام، وهو مع
ذلك جائزٌ وجودُه وجائزٌ عدمُه، فالذي خصَّصه بالوجود يجب أنْ يكون مريداً له،
قادراً عليه، عالماً به؛ فإنْ لم يكن عالماً قادراً؛ لم(٢) يصحَّ منه صدورُ شيءٍ؛ ومنْ
لم يكن عالماً وإنْ كان قادراً لم يكنْ ما صدر منه على نظام الحكمةِ والإتقان، ومنْ
لم يكنْ مريداً لم يكنْ تخصيصُ بعضِ الجائزات بأحوال وأوقاتٍ دون البعض بأوْلى
من العكس؛ إذ نسبتُها إليه نسبةٌ واحدة.
قالوا: وإذا ثبت كونُه قادراً مريداً وجب أن يكون حيًّا؛ إذ الحياة شرطُ هذه
الصفات، ويلزمُ من كونه حيًّا أنْ يكونَ سميعاً بصيراً متكلِّمًا؛ فإنَّ من لم (٣) تثبت له
هذه الصِّفاتُ فإنه لا محالةَ متَّصفٌ بأضدادها، كالعَمَى والطَّرَش والخرَس على ما
عُرف في الشاهد، والبارئُ سبحانه وتعالى يتقدَّس عن أنْ يتَّصفَ بما يوجبُ في ذاته
نقصاً .
الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْمِدَّةَ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: إكمالُ عِدَّةِ الأداء لمن أفطر في سفره أو مرضه.
الثاني: عِدَّة الهلال سواءٌ كانت (٤) تسعاً وعشرين أو ثلاثين(٥).
قال جابر بنُ عبد الله: قال النبيُّ وَّهِ: ((إنَّ الشَّهرَ يكون تسعاً وعشرين))(٦).
(١) في الأصل: إذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون، وصواب الآية فيها: ﴿إِذَا قَفَقَ﴾ كما في آل عمران
(٤٧) وغيرها، ولعل الآية المثتبة أعلاه هي مراد المصنف، فإن فيها لفظة ((أراد)).
(٢) في (د) و(ز) و(م): لا .
(٣) في (خ) و(د) و(م): فإنْ لم.
(٤) في (خ) و(ز) و(ظ): كان.
(٥) تفسير أبي الليث ١٨٥/١، وتفسير البغوي ١٥٣/١.
(٦) أخرجه أحمد (١٤٦٧٠)، ومسلم (١٠٨٤) (٢٤)، وفيه قصة.

١٦٨
سورة البقرة : الآية ١٨٥
وفي هذا رَدِّ لتأويل من تأوَّل قولَه وَلِهِ: ((شَهْرا عِيدٍ لا ينقُصان: رمضانُ وذو الحجة)
أنهما لا ينقصان عن (١) ثلاثين يوماً، أخرجه أبو داود(٢). وتأوَّله جمهورُ العلماء
على معنى أنهما لا ينقصان في الأجر وتكفيرِ الخطايا، سواء كانا من تسع وعشرين
(٣)
أو ثلاثين(٣).
السادسة عشرة: ولا اعتبارَ برؤية هلالٍ شؤَّال يومَ الثَّلاثين من رمضان نهاراً،
بل هو للَّيلة التي تأتي، هذا هو الصحيح.
وقد اختلفت الرواية (٤) عن عمرَ في هذه المسألةِ، فروى الدَّارَقُطْنِي عن شقيق
قال: جاءنا كتاب عمرَ ونحن بخانِقِين، وقال(٥) في كتابه: إنَّ الأهِلَّة بعضُها أكبرُ
من بعض، فإذا رأيتمُ الهلال نهاراً؛ فلا تُفطروا حتى يشهدَ شاهدان أنهما رأياه
بالأمس(٦).
وذكره أبو عمر (٧) من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن أبي
وائل قال: كتب إلينا عمر (٨) ... ؛ فذكره.
قال أبو عمر: ورُوي عن عليٍّ بنِ أبي طالب مثلُ ذلك. ذكره(٩) عبد الرزاق
أيضاً (١٠)، وهو قولُ ابنٍ مسعود وابن عمر وأنس بنِ مالك، وبه قال مالك
(١) في النسخ: من، والمثبت من (م).
(٢) في سننه (٢٣٢٣)، وأخرجه أيضاً البخاري (١٩١٢)، ومسلم (١٠٨٩) من حديث أبي بكرة نُفيع بن
الحارث، وهو عند أحمد (٢٠٣٩٩).
(٣) التمهيد ٤٥/٢-٤٦ .
(٤) في (م): وقد اختلف الرواة.
(٥) في (م): قال.
(٦) الدارقطني ١٦٨/٢، ١٦٩، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق ٢٦٢/٤، والبيهقي ٢٤٨/٤، وابن عبد البر في
الاستذكار ٢٤/١٠. قال البيهقي: هذا أثر صحيح عن عمر. وصحَّحه أيضاً ابنُ الملقن في خلاصة
البدر المنير ٣٣٢/١، وابن حجر في التلخيص الحبير ٢١١/٢. وخانِقِين: بلدة بسواد بغداد، وبلدة
بالكوفة أيضاً. معجم البلدان ٢/ ٣٤٠.
(٧) التمهيد ٤٢/٢-٤٤.
(٨) مصنف عبد الرزاق (٧٣٣١). أبو وائل: هو شَقِيق بنُ سَلَمة السالف ذكره.
(٩) في (م): مثل ما ذكره.
(١٠) كذا ذكر المصنف رحمه الله أن رواية علي رضي الله عنه عند عبد الرزاق مثلُ رواية عمر رضي الله عنه، =

١٦٩
سورة البقرة : الآية ١٨٥
والشافعيُّ وأبو حنيفةَ ومحمد بن الحسن واللَّيث والأوزاعيّ، وبه قال أحمد
وإسحاق.
وقال سفيان الثَّوريُّ وأبو يوسف: إن رُؤي بعد الزوال فهو لليلة التي تأتي، وإنْ
رُؤي قبل الزوالِ فهو للَّيلة الماضية، ورُوي مثلُ ذلك عن عمر، ذكره عبد الرزاق
عن الثوري، عن مُغيرة، عن شِبَاك، عن إبراهيم قال: كتب عمر إلى عُتبةً بن فَرْقَد:
إذا رأيتُم الهلالَ نهاراً قبل أنْ تزولَ الشَّمس لتمام ثلاثين، فأفطروا، وإذا رأيتموه
بعد ما تزولُ الشمس، فلا تُفطروا حتى تُمسوا(١)، وروي عن عليٍّ مثله(٢). ولا
يصحُّ في هذه المسألة شيءٌ من جهة الإسناد عن عليّ.
ورُوي عن سلمان(٣) بنِ ربيعةً مثلُ قولِ الثوريِّ، وإليه ذهب عبد الملك بنُ
حبيب، وبه كان يُفتي بقُرْطبة. واختلف عن عمر بن عبد العزيز في هذه المسألة.
قال أبو عمر: والحديث عن عمر بمعنى ما ذهب إليه مالك والشافعيُّ وأبو
حنيفة مثَّصل، والحديثُ الذي رُوِيَ عنه بمذهب الثَّوري منقطع، والمصير إلى
المتَّصل أوْلَى.
وقد احتجَّ من ذهب مذهبَ الثَّوريِّ بأنْ قال: حديث الأعمش مُجمَلٌ لم يخصَّ
فيه قبلَ الزوال ولا بعدَه، وحديثُ إبراهيم مفسّر، فهو أوْلى أنْ يقال به(٤).
قلت: قد رُوِيّ مرفوعاً معنی ما رُوي عن عمر متصلاً موقوفاً؛ روته عائشة زوجُ
= نقله عن ابن عبد البر في التمهيد ٤٣/٢، والذي في مصنف عبد الرزاق (٧٣٣٣) عن عليٍّ رضي الله عنه
قال: إذا رأيتم الهلال أول النهار فأفطروا، وإذا رأيتموه في آخر النهار، فلا تفطروا، فإن الشمس تميل
عنه، أو تزیغ عنه.
وقد ذكر ابن عبد البر بعد ذلك رواية عن الحارث أن هلال الفطر رُؤي نهاراً، فلم يأمر علي بن أبي
طالب الناسَ أن يفطروا من يومهم ذلك. وهي رواية موافقة لرواية عمر المذكورة، وليست هي في
مصنف عبد الرزاق.
(١) مصنف عبد الرزاق (٧٣٣٢) وأخرجه من طريقه البيهقي ٢١٣/٤، وأعلَّه بالانقطاع.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٧٣٣٣)، وقد ذكرناه قبل تعليق.
(٣) في (د) و(م): سليمان، وهو خطأ، وهو سلمان الخيل، أبو عبد الله الباهلي، يقال: إن له صحبة.
انظر تهذيب الكمال ٢٤٠/١١-٢٤١.
(٤) التمهيد ٤٤/٤، والاستذكار ٢٤/١٠.

١٧٠
سورة البقرة : الآية ١٨٥
النبيِّ نٍَّ قالت: أصبح رسول الله وَّر صائماً صُبحَ ثلاثين يوماً، فرأى هلالَ شؤَّال
نهاراً، فلم يُفطر حتى أمسى. أخرجه الدَّارَقُطْنيُّ من حديث الواقدي، وقال: قال
الواقديُّ: حدَّثنا معاذ بنُ محمد الأنصاري قال: سألتُ الزُّهريَّ عن هلال شؤَّال إذا
رؤيَ باكراً، قال: سمعتُ سعيد بنَ المسيِّب يقول: إنْ رُؤيَ هلالُ شؤَّال بعد أنْ
طلع الفجر إلى العصر، أو إلى أنْ تغربَ الشَّمس، فهو من الليلة التي تجيء، قال
أبو عبد الله: وهذا مجمع عليه(١).
السابعة عشرة: روى الدَّارَقُطْنِيُّ عن رِبْعِيٌّ بن حِراش، عن رجل من أصحاب
النَّبِيِّ وَِّ قال: اختلف الناس في آخر يوم من رمضانَ، فقدِمِ أعرابيَّانِ؛ فشهدا عند
النَّبِيِّ وَّهِ بِالله لِأَهَلًا الهلالَ أمسٍ عَشِيَّة، فأمر رسول الله وَ ◌ّ [الناس] أن يُفطروا،
وأن يغدُوا إلى مُصَلَّاهم. قال الدَّارَقُطْنِيّ: هذا إسنادٌ حسن ثابت(٢).
قال أبو عمر: لا خلافَ عن مالك وأصحابهِ أنه لا تُصلَّى صلاةُ العيد في غير
يوم العيد ولا في يوم العيدِ بعد الزوال، وحُكيَ عن أبي حنيفة. واختلَف قولُ
الشافعيِّ في هذه المسألة(٣)، فمرَّةً قال بقول مالك، واختاره المزنِيُّ، وقال: إذا لم
يجز أنْ تُصلَّى في يوم العيدِ بعد الزوال؛ فاليومُ الثاني أبعدُ من وقتها وأخْرَى ألا
تُصلَّى فيه. وعن الشافعي روايةٌ أخرى أنها تُصَلَّى في اليوم الثاني ضُحِّى. وقال
الُوَيْطِي: لا تصلَّی إلا أنْ يثُتَ في ذلك حديث.
قال أبو عمر: لو قُضيت صلاةُ العيد بعد خروج وقتها لأشبهت الفرائض، وقد
أجمعوا في سائر السنن أنها لا تُقضى، فهذه مثلُها. وقال الثَّوريُّ والأوزاعي
وأحمد بن حنبل: يخرجون من الغد، وقاله أبو يوسف في الإملاء. وقال الحسن بنُ
(١) سنن الدارقطني ٢/ ١٧٣، والواقدي متروك، كما في التقريب ص٤٣٣، وأبو عبد الله كنيته.
(٢) الدراقطني ١٦٩/٢ وما بين حاصرتين منه. وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (٧٣٣٥)، والبيهقي ٢٤٨/٤.
والرجل الذي يَروي عنه ربعي بنُّ حراش هو أبو مسعود البدري كما أتى مُبيِّناً في رواية البيهقي، ورِبْعي
هو أبو مريم الغطفاني الكوفي المعمَّر، زعم قومُه أنه لم يكذب قط، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز
سنة (٨١هـ). السير ٣٥٩/٤، وقوله في الحديث: أهلًا، أي: رأيًا .
(٣) انظر الأم ٢٠٣/١.

١٧١
سورة البقرة : الآية ١٨٥
صالح بن حَيّ: لا يخرجون في الفطر، ويخرجون في الأضحى. قال أبو يوسف:
وأما في الأضحى فيصليها بهم في اليوم الثالث.
قال أبو عمر: لأنَّ الأضحى أيامُ عيدٍ، وهي صلاةُ عيد، وليس الفطر يوم عيد
إلا يوم واحد، فإذا لم تُصلَّ فيه، لم تُقْضَ في غيره؛ لأنها ليست بفريضة فتُقْضَى.
وقال الليث بن سعد: يخرجون في الفطر والأضحى من الغد(١).
قلت: والقول بالخروج إن شاء الله أصحّ؛ للسنَّة الثابتة في ذلك(٢)، ولا يَمتِعُ
أنْ يستثنيَ الشارعُ من السنن ما شاء، فيأمُرَ بقضائه بعد خروج وقتِه. وقد رَوى
الترمذيُّ عن أبي هريرةً قال: قال رسول الله وَّهِ: ((مَن لم يُصَلِّ ركعتَي الفجرِ،
فليصلِّهما بعد ما تطلعُ الشمس))(٣). صحَّحَه أبو محمد (٤). قال الترمذيّ(٥):
والعملُ على هذا عند بعض أهلِ العلم، وبه يقول سفيان الثوريُّ والشافعيُّ وأحمد
وإسحاق وابنُ المبارك، ورُوي عن ابن عمر (٦) أنه فعله.
قلت: وقد قال علماؤنا: من ضاقَ عليه الوقت وصلَّى الصبحَ وتركَ ركعتي الفجر،
فإنه يصلِّيهما بعد طلوع الشمس إن شاء. وقيل: لا يصلِّيهما حينئذ. ثم إذا قلنا:
يصلِّيهما؛ فهل ما يفعلُه قضاءٌ، أو ركعتانٍ ينوبُ له ثوابُهما عن ثواب ركعتي الفجر،
قال الشيخ أبو بكر: وهذا الجاري على أصل المذهب، وذِكْر القضاء تجوُّز(٧).
قلت: ولا يبعدُ أنْ يكونَ حكمُ صلاة الفطرِ في اليوم الثاني على هذا الأصل،
لاسيَّما مع كونها مرّةً واحدة في السَّنَة مع ما ثبت من السُّنَّة؛ روى النَّسائيُّ قال:
(١) الاستذكار ٣١/١٠-٣٣، وانظر التمهيد ٣٥٩/١٤.
(٢) سيذكر المصنف الدليل قريباً.
(٣) سنن الترمذي (٤٢٣)، وأخرجه أيضاً الحاكم ٢٧٤/١، والبيهقي ٤٨٤/٢، وابن الجوزي في التحقيق
٤٤٤/١.
(٤) في الأحكام الصغرى ٢٨٩/١.
(٥) في سننه بإثر الحديث المذكور (٤٢٣).
(٦) في النسخ: عن عمر؛ سقطت منها لفظة ((ابن))، والتصويب من سنن الترمذي، وقد أخرج أثر ابن عمر
المذكور الإمامُ مالك في الموطأ ١٢٨/١ بلاغاً.
(٧) عقد الجواهر الثمينة ١٨٨/١.

١٧٢
سورة البقرة : الآية ١٨٥
أخبرني عمرو بنُ عليّ قال: حدَّثنا يحيى قال: حدَّثنا شعبة قال: حدّثني أبو بِشْر،
عن أبي عُمير بنٍ أنس، عن عمومة له: أنَّ قوماً رأَوُا الهلال، فأَتَوُا النبيَّ ◌َُِّ،
فأمرَهم أنْ يُفطروا بعد ما ارتَفع النهار، وأنْ يخرجوا إلى العيد من الغد. في رواية:
ويخرجوا لمصلَّاهم من الغد(١).
الثامنة عشرة: قرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو - في بعض ما رُويَ
عنه (٢) - والحسنُ وقتادة والأعرج: ((ولِتُكَمِّلُوا العِدّة)) بالتشديد. والباقون بالتخفيف.
واختار الكسائي التخفيف؛ لقوله(٣) عزَّ وجلَّ: ﴿اٌلْيَوْمَ أَكَمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
[المائدة: ٣].
قال النحاس(٤): وهما لغتان بمعنَى واحد، كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿فَهِّلِ الْكَفِرِينَ
أَمْهِلَهُمْ رُوَّدْ﴾ [الطارق: ١٧]، ولا يجوز ((ولْتكملوا)) بإسكان اللام، والفرق بين هذا
وبين ما تقدَّم أنَّ التقدير: ويريد لأنْ تُكْملوا، ولا يجوز حذفُ ((أنْ)) والكسرة، هذا
قولُ البصريين، ونحوُه قول كُثَيِّر أبي صخر(٥):
أريدُ لأنسى ذِكْرها (٦)
أي: لأنْ أنسى، وهذه اللامُ هي الداخلةُ على المفعول، كالتي في قولك:
ضربت لزيد، المعنى: ويريدُ إكمالَ العِدَّة. وقيل: هي متعلقة بفعل مضمرٍ بعدُ،
(١) المجتبى ١٨٠/١، والسنن الكبرى (١٧٦٨)، وأخرجه أيضاً أبو داود (١١٥٦) من طريق شعبة، وابن
ماجه (١٦٥٣) من طريق هُشيم، كلاهما عن أبي بِشْر، به، وهو عند أحمد (٢٠٥٧٩).
وصحح إسنادَه البيهقي ٣١٦/٣، وتعقبَّه ابن التركماني بأن في إسناده أبا عمير بنَ أنس، وهو مجهول،
قال ابن عبد البر في التمهيد ١٤/ ٣٦٠: أبو عمير يقال: إنه ابنُ أنس بن مالك، واسمه عبد الله، لم يرو
عنه غير أبي بِشر، ومن كان هكذا فهو مجهول لا يحتجُ به. ووثقه الحافظ في التقريب ص٥٨٣.
وصحح حديثه ابن حزم في المحلی ٩٢/٥.
(٢) المحرر الوجيز ٢٥٥/١، وانظر السبعة ص١٧٦. وقراءة أبي عمرو المشهورة عنه كقراءة الجماعة.
انظر التيسير ص ٧٩ .
(٣) في (م): كقوله.
(٤) إعراب القرآن ٢٩٨/١، وما قبله منه. وقراءة الحسن ذكرها البنا في إتحاف فضلاء البشر ص ٢٠٠.
(٥) في (م): أبو صخر.
(٦) ديوان كُثيرٌ ص٢٧٦ وتمامه: فكأنما تَمثَّلُ لي ليلى بكلِّ سبيلٍ.

١٧٣
سورة البقرة : الآية ١٨٥
تقديره: ولأنْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ رَخَّص لكم هذه الرخصةَ. وهذا قول الكوفيين(١)،
وحكاه النحاس عن الفرَّاء(٢).
قال النحاس(٣): وهذا قولٌ حسن، ومثلُه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىَ إِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ
الشَمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، أي: وليكونَ من الموقنين فعلنا
ذلك، وقيل: الواو مُفْحَمة.
وقيل: يَحتمِلُ أنْ تكونَ هذه اللامِ لاَ الأمر، والواوُ عاطفةً جملةَ كلامٍ على
جملة كلام(٤).
وقال أبو إسحاق إبراهيم بنُ السَّرِيّ(٥): هو محمولٌ على المعنى، والتقدير:
فعل الله ذلك ليسهِّل عليكم، ولتكملوا العِدَّة، قال: ومثله ما أنشد (٦) سيبويه(٧):
إلا رَوَاكِدَ جَمْرُهنَّ هَباءُ
بادَتْ وغيّر آيَهنَّ مع البِلَى
فَبَدَا وغيَّر(٩) سارَه(١٠) المَعْزَاءُ(١١)
ومُشَجَّجْ أمَّا سوادُ(٨) قَذَالِه
(١) المحرر الوجيز ٢٥٥/١.
(٢) في معاني القرآن ١/ ١١٣.
(٣) في إعراب القرآن ٢٨٨/١.
(٤) المحرر الوجيز ٢٥٥/١.
(٥) هو الزجَّاج، وكلامه هذا في معاني القرآن له ١/ ٢٥٤، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن
للنحاس ٢٨٨/١.
(٦) في (د) و(م): أنشده.
(٧) في الكتاب ١٧٣/١، ١٧٤.
(٨) في (م): سواءُ.
(٩) في (م): وغيَّب.
(١٠) في (د) و(ظ): شاده، وهو تصحيف، وفي (ز): لونه، ولم تجوَّد اللفظة في (خ)، فوقع فيها: شاوه،
والمثبت من مصادر الشعر.
(١١) قائل البيتين ذو الرمة، وهما في ملحقات ديوانه ص١٨٤١، وهما من غير نسبة في إعراب القرآن
للنحاس ٢٨٩/١، وخزانة الأدب ١٤٧/٥، ونسب البيت الثاني للشماخ الزمخشريُّ في أساس البلاغة
(معز)، وهما في ملحق ديوانه ص٤٢٧، ٤٢٨، قال الشنتمري في تحصيل عين الذهب ص١٤٤ : أراد
بالرواكد الأثافيَّ، وركودُها ثبوتُها، ووصف الجمر بالهباء لقدمه وانسحاقه، والهباء: الغبار، وأراد
بالمشجّج وتداً من أوتاد الخباء، وتشجیجُه: ضرب رأسه لیثبت، وسواد قذاله: شخصُه، ويُروى :=

١٧٤
سورة البقرة : الآية ١٨٥
لأن معنى(١) ((بادت إلا رواكدَ)): بها رواكدُ، فكأنه قال: وبها مُشَجَّجٌ أو: ثَمَّ
مُشَجَّج(٢).
التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ﴾ عطفٌ عليه، ومعناه الحضُّ على
التكبير في آخر رمضانَ في قول جمهورِ أهلِ التأويل.
واختلف الناس في حدِّه، فقال الشافعيُّ: رُويَ عن سعيد بنِ المسيِّب وعُرْوةَ
وأبي سلمة أنهم كانوا يكبِّرون ليلة الفطر ويحمدون، قال: وتشبه ليلة النحر بها(٣).
وقال ابن عباس: حَقٌّ على المسلمين إذا رأَوا هلال شؤَّال أنْ يكبِّروا. ورُويَ
عنه: يكبِّر المرءُ من رؤية الهلالِ إلى انقضاء الخُطبة، ويُمسكُ وقتَ خروج الإمام،
ويكبِّر بتكبيره.
وقال قوم: يكبِّر من رؤية الهلالِ إلى خروج الإمامِ الصَّلاة.
وقال سفيان: هو التكبير يوم الفطر.
زيد بن أسلم: يكبرون(٤) إذا خرجوا إلى المُصَلَّى، فإذا انقضت الصلاةُ انقضى
العيد(٥).
وهذا مذهبُ مالك؛ قال مالك: هو من حينٍ يخرجُ من داره إلى أنْ يخرجَ
الإمام.
سواءُ قذالِه، أي: وسَطُه، وأراد بالقذال أعلاه، وقوله: غيَّر سَارَه؛ أراد: غيَّر سائره، ونظيرُه: هارٍ،
=
بمعنى هائر، والمَعزاءُ: أرض صلبة ذاتُ حصّى، ومعنى بادت: تغيرت، وأضمر الفاعل في ((غيَّر))
لدلالة ((بادت)) عليه، والمعنى: وغيِّر بيودُهن آيَهنَّ، والآيُ جمع آية، وهي علامات الديار، والبِلى:
تقادم العهد.
(١) في (خ) و(ظ) و(م): معناه، وهو خطأ. وقد وقع في (ظ) و(م) قبل هذه اللفظة (بعد البيتين) ما نصّه:
(شاده يشيده شيداً جصَّصه)) وأُشير إليها بنسخة في (خ)، ولم ترد هذه العبارة في (د) و(ز)، ولا في
إعراب القرآن للنحاس ٢٨٩/١، والكلام منه، ولعلها من تصرف أحد النُّسَّاخ أو المُلَّاك؛ ليشرح لفظة
(«شاده) المصحّفة.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٨٩/١.
(٣) انظر الأم: ٢٠٥/١.
(٤) في النسخ: يكبروا، والمثبت من (م).
(٥) أخرج الآثار المذكورة الطبريُّ ٢٢١/٣-٢٢٢.

١٧٥
سورة البقرة : الآية ١٨٥
وروى ابنُ القاسم وعليُّ بنُ زياد (١): أنه إنْ خرج قبلَ طلوع الشمسٍ فلا يكبّر
في طريقه ولا جلوسِه حتى تطلُعَ الشمس، وإنْ غدا بعد الطلوع فلْيُكبِّر في طريقه
إلى المُصلَّى وإذا جلس حتى يخرج الإِمام. والفِظْرُ والأضحى في ذلك سواءٌ عند
مالك(٢)، وبه قال الشافعي(٣)، وقال أبو حنيفة: يُكبِّر في الأضحى ولا يُكبِّر في
الفِطْر (٤).
والدليلُ عليه قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَتِرُوا اللَّهَ﴾، ولأنَّ هذا يومُ عيدٍ لا يتكرر في
العام، فسُنَّ التّكبير في الخروج إليه كالأضحى.
وروى الدَّارَ قُطْنِيُّ عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيِّ قال: كانوا في التكبير في الفطر
أشدَّ منهم في الأضحى(٥) .
ورَوَى عن ابن عمر: أنَّ رسول الله وَّهِ كان يكبِّرِ يومَ الفطر من حينٍ يخرجُ من
بيته حتى يأتيّ المُصلَّى(٦).
ورَوَى عن ابن عمر: أنه كان إذا غدا يومَ الأضحى ويومَ الفطر يجهرُ بالتكبير
حتى يأتيَ المُصَلَّى، ثم يكبِّر حتى يأتيَ الإمام(٧).
وأكثرُ أهلِ العلم على التكبير في عيد الفطرِ من أصحاب النبي ◌َِّ وغيرِهم فيما
ذكر ابن المنذر؛ قال(٨): وحَكَى ذلك الأوزاعيُّ عن الناس(٩).
وكان الشافعيُّ يقولُ: إذا رأى هلالَ شؤَّال أحببت أنْ يكبِّرَ الناس جماعةً
(١) هو أبو الحسن التونسي العبسي الثقة، لم يكن في عصره بإفريقية مثله، روى عن مالك الموطأ، وهو
أول من أدخل الموطأ إلى المغرب، مات سنة (١٨٣هـ). الديباج المذهَّب ص١٩٢ .
(٢) ينظر المدونة ١٦٧/١-١٦٨، والنوادر والزيادات ٥٠٠/١، والبيان والتحصيل ٣٦٨/١.
(٣) الأم ٢٠٥/١ و٢١٣.
(٤) أحكام القرآن ٢٢٤/١، ومختصر اختلاف العلماء للجصاص ٣٧٦/١-٣٧٧.
(٥) سنن الدارقطني ٤٤/٢، وأخرجه أيضاً الحاكم ٢٩٨/١، والبيهقي ٢٧٩/٣.
(٦) سنن الدارقطني ٤٤/٢. وأخرجه أيضاً ابن خزيمة (١٤٣١)، والحاكم ٢٩٧/١، والبيهقي ٢٧٩/٣
وضعفه، ورجح أنه موقوف على ابن عمر، وضعفه أيضاً ابن القطان كما في نصب الراية ٢٠٩/٢، ٢١٠.
(٧) سنن الدارقطني ٤٤/٢، وأخرجه أيضاً الحاكم ٢٩٨/١، والبيهقي ٢٧٩/٣.
(٨) الأوسط ٤/ ٢٥١.
(٩) في (م): إلياس، وهو تصحيف.

١٧٦
سورة البقرة : الآية ١٨٥
وفرادى، ولا يزالون يكبِّرون ويُظهرون التكبيرَ حتى يغدوا إلى المصلَّى وحينَ يخرجُ
الإمام إلى الصلاة، وكذلك أُحبُّ ليلةَ الأضحى لمن لم يحجّ(١). وسيأتي حكم
صلاةِ العيدَيْن والتكبيرِ فيهما في ﴿سَيْحٍ أَسْمَ رَيْكَ الْأَعْلَى ﴾﴾ و((الكوثر)) إنْ شاء الله
تعالی.
الموفية عشرين: ولفظُ التكبير عند مالك وجماعةٍ من العلماء: الله أكبر،
الله أكبر، الله أكبر، ثلاثاً(٢)، ورُويَ عن جابر بنِ عبد الله(٣).
ومن العلماء من يكبِّر ويُهَلِّل ويُسَبِّح أثناءَ التكبير، ومنهم من يقول: الله أكبر
كبيراً، والحمدُ لله كثيراً، وسبحان الله بُكرةً وأصيلاً.
وكان ابن المبارك يقول إذا خرج من يوم الفطر: الله أكبر الله أكبر، لا إله
إلا الله، والله أكبر ولله الحمد(٤)، الله أكبر على ما هدانا. قال ابن المنذر: وكان
مالك لا يَحُدُّ فيه حدّاً (٥). وقال أحمد (٦): هو واسع.
قال ابن العربيّ(٧): واختار علماؤنا التكبير المطلق، وهو ظاهرُ القرآن، وإليه
أميل.
الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا هَدَنْكُمْ﴾ قيل: لما ضِلَّ فيه
النصارى من تبديل صيامِهم. وقيل: بدلاً عمَّا كانت الجاهليةُ تفعلُه من التفاخر
بالآباءِ والتظاهرِ بالأحساب وتعديدِ المناقب. وقيل: لتعظّموه على ما أرشَدكم إليه
من الشَّرائع، فهو عامٌّ(٨). وتقدَّم معنى: ((ولعلكم تشكرون)(٩).
(١) الأم ١/ ٢٠٥، وانظر الأوسط ٢٤٩/٤.
(٢) المدونة ١٧١/١، والنوادر والزيادات ٥٠٦/١.
(٣) رواه عنه البيهقي في معرفة السنن والآثار ١٠٩/٥ .
(٤) في الأوسط ٢٥١/٤ (والخبر فيه): والله أكبر والله أكبر ولله الحمد، وانظر مسائل أبي داود ص٦١.
(٥) الأوسط ٤/ ٢٥٢، وانظر المدونة ١٦٨/١، والنوادر والزيادات ٥٠٦/١.
(٦) مسائل أبي داود ص٦١.
(٧) في أحكام القرآن ٨٩/١.
(٨) تفسير أبي الليث ١٨٥/١، والوسيط ٢٨٣/١، والمحرر الوجيز ٢٥٥/١.
(٩) ١٠٤/٢.

١٧٧
سورة البقرة : الآية ١٨٦
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا
دَعَانٍّ فَلَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ المعنى: وإذا سألوك عن المعبود،
فأخْبِرْهم أنه قريبٌ، يثيبُ على الطاعة، ويجيبُ الداعيَ، ويعلمُ ما يفعلُه العبدُ من
صومٍ وصلاةٍ وغيرِ ذلك.
واختلف في سبب نزولها، فقال مقاتل: إن عمر رضي الله عنه واقعَ امرأتَه
بعدما صلَّى العشاء، فندم على ذلك وبكى، وجاء إلى رسول الله وَلقه، فأخبره بذلك
ورجع مُغتَمًّا - وكان ذلك قبلَ الرُّخصةِ(١) - فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى
عَنِى فَإِ قَرِيبٌ﴾(٢).
وقيل: لمَّا وجب عليهم في الابتداء تركُ الأكل بعد النوم، فأكل بعضُهم ثم
ندم، فنزلت هذه الآية في قَبولِ التوبة، ونَسْخِ ذلك الحكم(٣)، على ما يأتي
بيانه(٤).
وروى الكلبيُّ عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: قالت اليهود: كيف يسمعُ
ربُّنا دعاءَنا؛ وأنت تزعُم أن بيننا وبين السماء خمسَ مئة عام، وغِلَظُ كلِّ سماءٍ مثلُ
ذلك؟ فنزلت هذه الآية(٥).
وقال الحسن: سَبَبُها أن قوماً قالوا للنبيِّ وَّهِ: أقريبٌ ربُّنا فنُناجِيَه، أم بعيدٌ
فننادِیه؟ فنزلت.
(١) في (م) قبل نزول الرخصة.
(٢) تفسير أبي الليث ١/ ١٨٥، وهو في تفسير مقاتل كما ذكر الحافظ ابن حجر في العجاب في بيان
الأسباب ٤٣٥/١.
(٣) ينظر تفسير الرازي ١٠٤/٥ .
(٤) في تفسير الآية التي تليها .
(٥) تفسير البغوي ١٥٥/١، وزاد المسير ١٨٩/١.

١٧٨
سورة البقرة : الآية ١٨٦
[غافر: ٦٠]
وقال عطاء وقتادة: لمَّا نزلت: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
قال قوم: في أيِّ ساعةٍ ندعوه؟ فنزلت(١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَإِنِّ قَرِيبٌ﴾ أي: بالإِجابة، وقيل: بالعلم، وقيل:
قريبٌ من أوليائي بالإفضالِ والإنعام(٢).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ أي: أقبلُ عبادةَ من عَبدَني،
فالدعاءُ بمعنى العبادة، والإجابةُ بمعنى القَبول، دليلُه ما رواه أبو داود(٣) عن
النُّعمان بن بشير، عن النبيِّ وَّرَ قال: ((الدعاءُ هو العبادة، قال ربكم: ﴿أَدْعُونِيّ
أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فسَمَّى الدعاءَ عبادةً، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكْتُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أي: دُعائي(٤)، فأمر
تعالى بالدعاء، وحضَّ عليه، وسمَّاه عبادةٌ، ووعدَ بأنْ يستجيبَ لهم.
روى لَيث عن شَهر بن حَوْشَب، عن عُبادة بن الصَّامت قال: سمعتُ
رسول الله وَ﴾ يقول: ((أُعْطِيَتْ أمتي ثلاثاً لم تُعْطَ إلا الأنبياءَ: كان الله إذا بعث نبِيّاً
قال: ادعُني أستجبْ لك، وقال لهذه الأمة: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]
وكان الله إذا بعث النبيَّ قال له: ما جعل عليك في الدين من حرج، وقال لهذه
الأمة ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجَ﴾ [الحج: ٧٨]، وكان الله إذا بعثَ النبيَّ،
جعلَه شهيداً على قومه، وجعل هذه الأمة شُهداءَ على الناس))(٥).
وكان خالد الرَّبَعيُّ(٦) يقول: عجبتُ لهذه الأمة في ﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[غافر: ٦٠] أمرَهم بالدعاء، ووعدَهم بالإِجابة، وليس بينهما شَرْط! قال له قائل:
(١) المحرر الوجيز ٢٥٥/١، وأخرج الآثار المذكورة الطبري ٢٢٣/٣ - ٢٢٤.
(٢) النكت والعيون ٢٤٣/١، والوسيط للواحدي ٢٨٤/١، وتفسير البغوي ١٥٥/١، والمحرر الوجيز
٢٥٥/١.
(٣) في سنته (١٤٧٩)، وهو في مسند أحمد (١٨٣٥٢).
(٤) في (ز): أي: عن دعائي.
(٥) سلف تخريجه ٤٣٦/٢ .
(٦) هو خالد بن باب الرَّبَعي، قال ابن أبي حاتم: ترك أبو زرعة حديثه، وقال ابن معين: ضعيف، وذكره
ابن حبان في الثقات. لسان الميزان ٣١٧/٣.

١٧٩
سورة البقرة : الآية ١٨٦
مثلُ ماذا؟ قال: مثلُ قولِه: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَلِحَتِ﴾ [البقرة: ٢٥]،
فهاهنا شَرْط، وقوله: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]. فليس
فيه(١) شَرْطُ العمل، ومثلُ قوله: ﴿فَأَدْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]، فهاهنا
شَرط، وقوله: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ليس فيه(٢) شَرْطٌ، وكانت الأممُ
تَفْزِعُ إلى أنبيائها في حوائجهم؛ حتى تسألَ الأنبياءُ لهم ذلك(٣).
فإن قيل: فما للدَّاعي قد يدعو فلا يُجاب؟
فالجواب: أن يُعلمَ أنَّ قولَه الحقَّ في الآيتين ((أُجِيب)) ((أُسْتَجِبْ)) لا يقتضي
الاستجابةَ مطلقاً لكلِّ داع على التفصيل، ولا بكلِّ مطلوبٍ على التفصيل، فقد قال
ربُّنا تبارك وتعالى في آية أخرى: ﴿أَدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَُّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
[الأعراف: ٥٥]، وكلُّ مُصِرٍّ على كبيرةٍ عالماً بها أو جاهلاً، فهو مُعْتدٍ، وقد أخبرَ أنه
لا یحبُّ المعتَدین، فکیف یستجيبُ له؟!
وأنواع الاعتداء كثيرةٌ، يأتي بيانها هنا وفي ((الأعراف)) إِن شاء الله تعالى.
وقال بعضُ العلماء: أجيب إن شئتُ، كما قال: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾
[الأنعام: ٤١]، فيكونُ هذا من باب المُطلَق والمُقِيَّد(٤). وقد دعا النبيُّ وَِّ فِي ثلاثٍ،
فأُعْطِيَ اثنتين، ومُنع واحدة، على ما يأتي بيانه في ((الأنعام)) إن شاء الله تعالى(٥).
وقيل: إنما مقصودُ هذا الإخبارِ تعريفُ جميع المؤمنين أن هذا وصفُ ربِّهم
سبحانه؛ أنه يجيب دعاءَ الدَّاعين في الجملة، وأنه قريبٌ من العبد يسمعُ دعاءه،
ويعلمُ اضطرارَه، فيجيبهُ بما شاء وكيف شاء ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَنْ لَّا
يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ الآية [الأحقاف: ٥].
وقد يُجيب السيِّدُ عبدَه والوالدُ ولدَه، ثم لا يعطيه سُؤْلَه. فالإجابةُ كانت حاصلةً
(١) في (د) و(ز): ههنا، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في نوادر الأصول ص٣٩١ (وعنه نقل المصنف).
(٢) في (د): ليس فيه هنا، وفي (ز): ليس هنا.
(٣) من قوله: روى ليث عن شهر ... إلى هذا الموضع ليس في (خ) و(ظ).
(٤) ينظر تفسير الرازي ١٠٩/٥ .
(٥) في تفسير الآية (٦٥) منها.

١٨٠
سورة البقرة : الآية ١٨٦
لا محالةً عند وجودِ الدعوة؛ لأن ((أُجيبُ)) و((أَسْتَجِبْ)) خبرٌ لا يُنسخ، فيصير المخِرُ
كذَّاباً؛ يدلُّ على هذا التأويل ما رَوَى ابنُ عمر عن النبيِّ وَّ قال: ((مَنْ فُتِحَ له في
الدعاء، فُتحت له أبوابُ الإجابة)»(١).
وأوحى الله تعالى إلى داود: أنْ قل للظّلَمة من عبادي لا يدعوني؛ فإني أوْجبتُ
على نفسي أن أُجيبَ مَنْ دعاني، وإني إذا أجبتُ الَّلَمة لعنتُهم(٢).
وقال قوم: إن الله يُجيبُ كلَّ الدعاء، فإما أن تظهرَ الإجابةُ في الدنيا، وإما أن
يُكَفِّرَ عنه، وإما أن يدَّخِرَ له في الآخرة؛ لما رواه أبو سعيد الخُذْرِيُّ قال: قال
رسول الله وَله: ((ما من مسلم يدعُو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رَحِمٍ، إلا
أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يُعجِّلَ له دعوتَه، وإما أن يدَّخِر له، وإما أن
يَكُفَّ عنه من السوء بمثلها)». قالوا: إذاً نُكثر؟ قال: ((الله أكثر)). خرَّجه أبو عمر بنُ
عبد البر، وصححه أبو محمد عبد الحق، وهو في ((الموطأ)) منقطعُ السَّنَد (٣).
قال أبو عمر(٤): وهذا الحديث يُخرَّج في التفسير المُسنَد لقول الله تعالى
﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهذا كلُّه من الإِجابة.
وقال ابن عباس: کلُّ عبدٍ دعا استجیب له، فإن كان الذي يدعو به رزقاً له في
الدنيا أعطيَه، وإن لم يكن رزقاً له في الدنيا ذُخِرَ له (٥).
قلت: وحديث أبي سعيد الخُذْرِي وإن كان إذْناً(٦) بالإجابة في إحدى ثلاث،
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٠٠/١٠، والترمذي (٣٥٤٨)، والحاكم ٤٩٨/١، قال الترمذي: هذا حديث
لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، وهو ضعيف في الحديث، ضعّفه بعضُ أهل
العلم من قبل حفظه .
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٥٨/١١ و٢٠١/١٣، وأحمد في الزهد ص٩٢، وهناد في الزهد (٧٨٧)،
والبيهقي في شعب الإيمان (٧٤٨٣) من كلام ابن عباس رضي الله عنه.
(٣) التمهيد ٣٤٣/٥-٣٤٥، والأحكام الصغرى ٨٩٣/٢ -٨٩٤، والأحكام الوسطى ٣٢١/٤ ولم يذكر
فيهما تصحيحاً ولا تضعيفاً، والموطأ ٢١٩/١، وهو في المسند (١١١٣٣).
(٤) التمهيد ٣٤٥/٥.
(٥) في (خ): ادخره، وفي (د): ادخر.
(٦) في النسخ الخطية: إذن، والمثبت من (م).