Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة البقرة : الآية ١٧٣
ظهر ذلك؛ وإنْ لم يظهر حَدَدْناه ظاهراً، وسَلِمَ من العقوبة عند الله تعالى باطناً. ثم
إذا وجد المضطرُّ ميتةً وخنزيراً ولحمَ ابنِ آدم، أكل الميتة، لأنها حلالٌ في حال.
والخنزيرُ وابنُ آدم لا يحلُّ بحال. والتحريمُ المخفَّف أوْلى أن يُقتحم من التحريم
المثقّل؛ كما لو أُكره أن يطأ أخته أو أجنبية، وَطِئَ الأجنبيةَ لأنها تحلُّ له بحال.
وهذا هو الضابط لهذه الأحكام، ولا يأكلُ ابنَ آدم ولو مات؛ قاله علماؤنا(١)، وبه
قال أحمدُ وداود. احتجَّ أحمد بقوله عليه السلام: «كُسْرُ عَظْم الميِّتِ ككسره
حَيّاً))(٢). وقال الشافعيُّ: يأكلُ لحمَ ابنِ آدم، ولا يجوزُ له أنْ يقتلَ ذِمِّيّاً؛ لأنه
محترمُ الدَّم، ولا مُسلماً، ولا أسِيراً؛ لأنه مالُ الغير؛ فإنْ كان حربيًّا أو زانياً
مُحْصَّناً، جازَ قتلُه والأكلُ منه(٣).
وشنَّعَ داود على المُزَنيّ بأنْ قال: قد أبحت أكل لحوم الأنبياء! فغلبَ عليه ابنُ
شُريح بأنْ قال: فأنت قد تعرَّضتَ لقتل الأنبياء إذْ منعتَهم من أكل الكافر. قال ابن
العربي(٤): الصحيحُ عندي ألَّا يأكلَ الآدميَّ إلا إذا تحقَّق أنَّ ذلك يُنجيه ويُحييه،
والله أعلم.
السابعة والعشرون: سُئل مالكٌ عن المضطرِّ إلى أكل الميتةِ وهو يجدُ مالَ الغير
تمراً أو زرعاً أو غَنَماً، فقال: إنْ أمِنَ الضَّررَ على بدنه بحيث لا يُعدُّ سارقاً، ويُصَدَّقُ في
قوله، أكلَ من أيِّ ذلك وَجَدَ ما يردُّ جوعَه ولا يحملُ منه شيئاً، وذلك أحبُّ إليَّ من أنْ
يأكلَ الميتة، وقد تقدَّم هذا المعنى مستوفّى (٥). وإنْ هو خَشِيَ ألا يصدِّقوه وأنْ يَعُدُّوه
سارقاً؛ فإنَّ أكل الميتة أجوزُ عندي، وله في أكل الميتة على هذه المنزلة سَعة (٦).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٥٨/١ .
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٣٠٨)، وأبو داود (٣٢٠٧)، وابن ماجه (١٦١٦) من حديث عائشة رضي الله عنها،
وصحَّح إسناده النووي في المجموع ٢٦٧/٥، وابنُ القطان كما في التلخيص الحبير ٥٤/٣، واختُلف
في رفعه ووقفه، انظر تفصيل ذلك في المسند.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٥٨/١، والوسيط للغزالي ١٦٩/٧ - ١٧٠، والشرح الكبير للرافعي
١٦١/١٢، والمغني لابن قدامة ٣٣٩/١٣.
(٤) أحكام القرآن ١/ ٥٨.
(٥) في المسألة الثانية والعشرين ص ٣٥.
(٦) الاستذكار ٣٥٧/١٥.

٤٢
سورة البقرة : الآية ١٧٣
الثامنة والعشرون: روى أبو داود قال: حدثنا موسى بنُ إسماعيل قال: حدَّثنا
حماد، عن سِمَاك بن حَرب، عن جابر بن سَمُرة أنَّ رجلاً نزلَ الحَرَّةَ ومعه أهلُه
وولدُه، فقال رجل: إنَّ ناقةً لي ضَلَّتْ، فإنْ وجدتَها فأمسِكُها، فوجدَها، فلم يجدْ
صاحبَها فمرضتْ، فقالت المرأة (١): انحرها، فأبى، فَنَفَقَّت. فقالت: إِسْلَخْها حتى
نُقَدِّد لحمها وشحمها ونأكلَه؛ فقال: حتى أسألَ رسول الله وَلته، فأتاه فسأله، فقال:
((هل عندك غِنَّى يُغنيك)) قال: لا، قال: ((فكلوها)) قال: فجاء صاحبُها، فأخبره
الخبرَ، فقال: هلَّا كنتَ نحرتَها! فقال: استحييتُ منك(٢).
قال ابن خويزمنداد: في هذا الحديث دليلان:
أحدهما: أنَّ المضطر يأكلُ من الميتة، وإنْ لم يخَف التَّلَفَ؛ لأنه سأله عن
الغنی، ولم يسأله عن خوفه علی نفسه.
والثاني: يأكل ويشبع ويدَّخر ويتزوَّد؛ لأنه أباحه(٣) الادِّخارَ، ولم يشترط عليه
ألَّا يشبعَ.
قال أبو داود: وحدَّثنا هارون بنُ عبد الله قال: حدَّثنا الفضل بنُ دُكين قال:
أنبأنا عقبة بنُ وهب بنِ عقبةَ العامريُّ قال: سمعت أبي يحدِّث عن الفُجَيع العامريِّ
أنه أتى رسول الله وَ له، فقال: ما يحلُّ لنا الميتة(٤)؟ قال: ((ما طعامكم؟)) قلنا:
نَغْتَبِقُ ونَصطِح - قال أبو نُعيم: فَسَّرَه لي عُقبة: قَدَحْ غُدْوَةً وقَدَحٌ عَشِيَّةً - قال:
((ذاك - وأبي - الجوعُ))(٥). قال: فأحلَّ لهم الميتة على هذه الحال. قال أبو داود:
الغبوق من آخر النهار، والصَّبوح من أوَّل النهار(٦).
(١) في (م): امرأته.
(٢) سنن أبي داود (٣٨١٦)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٠٩٠٣) من طريق حماد بن سلمة، به. وسِمَاك بن
حَرب؛ قال النسائي: إذا انفرد بأصل لم يكن حجة؛ لأنه كان يُلقّن، فيتلقَّن. تهذيب التهذيب ٢/ ١١٥.
(٣) في (د) و(ز): أباح.
(٤) في سنن أبي داود: من الميتة.
(٥) في (ظ): من الجوع.
(٦) سنن أبي داود (٣٨١٧)، وأخرجه أيضاً البخاري في التاريخ الكبير ١٣٧/٧، وابن سعد ٤٦/٦،
والطبراني في الكبير ٣٢١/١٨، والبيهقي ٩/ ٣٥٧ من طريق أبي نُعيم الفضل بن دُكَين به، قال الحافظ
في الإصابة ٨/ ٨٢: إسناد لا بأس به.

٤٣
سورة البقرة : الآية ١٧٣
وقال الخطابي(١): الغَبوق العَشاء، والصَّبُوح الغداء، والقَدَح من اللبن بالغداة
والقَدَح بالعشيِّ يمسك الرَّمَقَ، ويُقيمُ النفس، وإنْ كان لا يَغْذُو(٢) البدن، ولا يُشبعُ
الشِّبع التَّامّ، وقد أباح لهم مع ذلك تناولَ الميتة؛ فكان دلالتُه أنَّ تناول الميتة مباحٌ
إلى أنْ تأخذَ النفْس حاجتها من القُوت.
وإلى هذا ذهب مالك وهو أحد قولَي الشافعي. قال ابن خويز منداد: إذا جاز
أنْ يصطبحوا ويغتبقوا جاز أنْ يشبعوا ويتزوَّدوا. وقال أبو حنيفة والشافعيُّ في القول
الآخر: لا يجوز له أنْ يتناول من الميتة إلا قَدْرَ ما يُمسِك رمقَه، وإليه ذهب
المزنيُّ. قالوا: لأنه لو كان في الابتداء بهذه الحال لم يجز له أنْ يأكل منها شيئاً،
فكذلك إذا بلغها بعد تناولها. ورُوي نحوه عن الحسن. وقال قتادة: لا يتضلَّع منها
بشيء. وقال مقاتل بنُ حَيَّان: لا يزداد على ثلاث لُقَم. والصحيح خلاف هذا،
كما تقدَّم.
التاسعة والعشرون: وأما التَّداوي بها؛ فلا يخلُو أنْ يحتاجَ إلى استعمالها قائمةً
العينِ أو مُحرقة، فإن تغيَّرت بالإحراق؛ فقال ابنُ حبيب: يجوزُ التداوي بها
والصلاة. وخفّفه ابن الماجشون بناءً على أنَّ الحَرْق تطهيرٌ؛ لتغيُّر الصفات. وفي
العُْبِيَّة من رواية مالك في المَرْتَك يُصنع من عظام الميتة إذا وضعه في جرحه لا
يصلِّي به حتى يغسلَه. وإنْ كانت الميتة قائمةً بعينها فقد قال سُحْنُون: لا يُتداوى بها
بحال ولا بالخنزير؛ لأنَّ منها عوضاً حلالاً؛ بخلاف المجاعة، ولو وُجد منها
عوض في المجاعة لم تؤكل(٣).
وكذلك الخمر لا يُتداوَى بها، قاله مالك، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وهو
اختيارُ ابنٍ أبي هريرة (٤) من أصحابه. وقال أبو حنيفة: يجوز شربُها للتداوي دون
(١) في معالم السنن ٢٥٣/٤ -٢٥٤، والكلام منه إلى آخر هذه المسألة دون قول ابن خويز منداد وقول
مقاتل الآتيين.
(٢) في (خ) و(م): يغذي.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٥٩/١، وانظر المنتقى للباجي ١/ ١٤١، قوله: المرتك: ضرب من الأدوية.
(٤) هو أبو علي الحَسن بن الحُسين البغدادي، انتهت إليه رئاسة المذهب الشافعي، صنّف شرحاً لمختصر
المزني، توفي سنة (٣٤٥هـ). السير ٤٣٠/١٥.

٤٤
سورة البقرة : الآية ١٧٣
العطش(١)، وهو اختيار القاضي الطبري(٢) من أصحاب الشافعي، وهو قول
الثوري. وقال بعض البغداديين من الشافعية: يجوز شربها للعطش دون التداوي،
لأنَّ ضرر العطش عاجلٌ بخلاف التدَّاوي. وقيل: يجوز شربها للأمرين جميعاً.
ومنعَ بعضُ أصحابِ الشافعيّ التداويَ بكلِّ محرَّم إلا بأبوال الإبلِ خاصة(٣)؛
لحديث العُرَنِيِّين(٤). ومنع بعضُهم التَّداويَ بكل محرَّم؛ لقوله عليه السلام: ((إن الله
لم يجعلْ شفاء أمَّتي فيما حرَّمَ عليهم))(٥)، ولقوله عليه السلام لطارق بن سُويد وقد
سأله عن الخمر، فنهاه، أو كرِه أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: ((إنه
ليس بدواء، ولكنه داء». رواه مسلم في الصحيح(٦). وهذا يحتمل أنْ يقيَّد بحالة
الاضطرار، فإنه يجوز التَّداوي بالسُّمِّ، ولا يجوز شربُه، والله أعلم.
الموفية ثلاثين: قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغِ﴾ ((غير)) نصب على الحال، وقيل: على
الاستثناء. وإذا رأيت ((غير)) يصلح في موضعها ((في)) فهي حال، وإذا صلح موضعَها
((إلا)) فهي استثناء (٧)، فقس عليه. و((باغ)) أصله: باغيّ، ثقُلت الضَّمة على الياء،
فسكنت والتنوين ساكن، فحذفت الياء، والكسرة تدُلُّ عليها. والمعنى فيما (٨) قال
(١) المفهم ٤٥٦/٤، والشرح الكبير للرافعي ١٢/ ١٦١، والتحقيق لابن الجوزي ٣٧٧/١.
(٢) هو طاهر بن عبد الله أبو الطيب، فقيه بغداد، ولي قضاء الكَرْخ، مات صحيح العقل ثابت الفهم سنة
(٤٥٠ هـ) وله مئة وسنتان. السير ١٧/ ٦٦٨.
(٣) المهذب للشيرازي ٢٥٨/١، والتهذيب للبغوي ٢٨/٢، والشرح الكبير للرافعي ١٦٢/١٢ - ١٦٤،
والمجموع للنووي ٩/ ٥٠،٤٩.
(٤) أخرجه أحمد (١٢٠٤٢)، والبخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١) من حديث أنس رضي الله عنه.
(٥) أخرجه أحمد في الأشربة (١٥٩)، وأبو يعلى (٦٩٦٦)، وابن حبان (١٣٩١)، والبيهقي ٥/١٠ من
حديث أم سلمة رضي الله عنها .
وعلقه البخاري قبل الحديث (٥٦١٤) من قول ابن مسعود رضي الله عنه، ووصله عبد الرزاق ٩/ ٢٥١،
والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٠٨/١، والطبراني في الكبير (٩٧١٤) وصححه الحافظ في الفتح
٧٩/١٠.
(٦) رقم (١٩٨٤)، وهو عند أحمد. (١٨٨٦٢).
(٧) كذا قال المصنف رحمه الله، والذي قاله البغوي في تفسيره ١/ ١٤٠ (والكلام منه): وإذا رأيت ((غير))
لا يصلح في موضعها ((إلا))، فهي حال، وإذا صلح في موضعها ((إلا))، فهي استثناء.
(٨) في النسخ: فيها، والمثبت من (م).

٤٥
سورة البقرة : الآية ١٧٣
قتادة والحسن والربيع وابن زيد وعكرمة: غير باغ في أكله فوق حاجته، ولا عادٍ بأنْ
يجدَ عن هذه المحرَّماتِ مندوحةً ويأكلها. وقال السدِّي: غير باغ في أكلها شهوةً
وتلذُّذاً، ولا عادٍ باستيفاء الأكل إلى حدِّ الشِّبَع. وقال مجاهد وابنُ جبير وغيرهما:
المعنى: غير باغ على المسلمين، ولا عادٍ عليهم، فيدخل في الباغي والعادي قُطَّاعُ
الطريق، والخارجُ على السلطان، والمسافرُ في قطع الرحم، والغارةُ على المسلمين
وما شاکله(١).
وهذا صحيح، فإنَّ أصلَ البغي في اللغة قصدُ الفساد، يقال: بَغَت المرأة تبغي
بِغَاءً إذا فَجَرت، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣]. وربّما
استُعمل البغيُّ في طلب غيرِ الفساد.
والعربُ تقول: خرج الرجل في بُغاء إبلٍ له، أي: في طلبها، ومنه قول
الشاعر :
ءِ الخير تَعْقادُ الثَّمائم (٢)
لا يمنَعنَّك من بُغا
مِنِ والأيامنَ كالأشائم(٣)
إنَّ الأَشائمَ كالأيَا
الحادية والثلاثون: قوله تعالى: ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أصل ((عاد)) عائد، فهو من
المقلوب، كشاكي السِّلاح وهَارٍ ولَاثٍ (٤). والأصل: شائك، وهائر، ولائث؛
من: لُثْتُ العِمامة(٥). فأباحَ الله في حالة الاضطرار أكل جميع المحرَّماتِ لعجزه
عن جميع المباحات كما بينًا، فصار عدمُ المباح شرطاً في استباحة المحرَّم.
(١) النكت والعيون ٢٢٢/١، ٢٢٣، والمحرر الوجيز ٢٤٠/١، وأخرج الأخبار السالفة الطبري ٥٩/٣-٦٢.
(٢) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): الرتائم، والمثبت من (خ)، وهو الموافق لمصادر التخريج.
(٣) النكت والعيون ٢٢٣/١، وانظر معاني القرآن للزجاج ٢٤٤/١، والبيتان للمرقّش، وهما في مجمع
البيان ٨٢/٢، والصحاح (يمن)، واللسان (بغى) و(يمن).
(٤) في النسخ: ولات، والمثبت من (م)، وهو موافق للمحرر الوجيز ١/ ٢٤٠، والكلام منه. وقد ردًّ أبو
حيان في البحر ١/ ٤٦٠ هذا الكلام وقال: ((عادٍ)) اسم فاعل من ((عدا))، وليس اسم فاعل من ((عاذَ))
فيكون مقلوباً ... لأن القلب لا ينقاس ولا نصيرُ إليه إلا لموجب، ولا موجب هنا لادّعاء القلب.
وانظر الدرّ المصون ٢٤٠/٢.
(٥) أي: عصبتُها .

٤٦
سورة البقرة : الآية ١٧٣
الثانية والثلاثون: واختلف العلماء إذا اقترنَ بضرورته معصيةٌ، بقطع طريق،
وإخافة سبيل، فحَظَرها عليه مالك والشافعيُّ في أحد قوليه لأجل معصيته؛ لأنَّ الله
سبحانه أباح ذلك عوناً، والعاصي لا يحلُّ أنْ يُعان، فإنْ أراد الأكل فليَتُب
وليأكل. وأباحها له أبو حنيفة والشافعيُّ في القول الآخر له، وسؤَّيا في استباحته
بين طاعته ومعصيته(١).
قال ابنُ العربيّ(٢): وَعَجباً ممن يُبيحُ له ذلك مع التَّمادي على المعصية، ما
أظنُّ أحداً يقوله، فإنْ قاله فهو مخطئٌ قطعاً .
قلت: الصحيح خلاف هذا، فإنَّ إتلاف المرءِ نفسَه في سفر المعصية أشدُّ
معصيةً مما هو فيه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وهذا عامّ،
ولعلَّه يتوبُ في ثاني حال، فتمحو التوبةُ عنه ما كان. وقد قال مسروق(٣): من
اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، فلم يأكل حتى مات، دخلَ النار، إلا
أنْ يعفوَ الله عنه. قال أبو الحسن الطبريُّ المعروف بالكِيا(٤): وليس أكلُ الميتة عند
الضرورة رُخصةً، بل هو عزيمةٌ واجبةٌ، ولو امتنعَ من أكل الميتة كان عاصياً، وليس
[تناولُ] الميتةِ من رُخَص السفر، أو متعلِّقاً بالسفر، بل هو من نتائج الضرورة سفراً
[كان] أو حَضَراً، وهو كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضاً، وكالتيمّم للعاصي
المسافر عند عدم الماء. قال: وهو الصحيح عندنا .
قلت: واختلفت الروايات عن مالك في ذلك؛ فالمشهور من مذهبه فيما ذكره
الباجي في المنتقى: أنه يجوزُ له الأكلُ في سفر المعصية(٥)، ولا يجوزُ له القَصرُ
والفِطْر.
وقال ابن خُوَيز مَنداد: فأما الأكلُ عند الاضطرار فالطائع والعاصي فيه سواء؛
(١) أحكام القرآن للجصاص ١٢٦/١، وأحكام القرآن للكيا ١/ ٤١.
(٢) في أحكام القرآن ١/ ٥٨ .
(٣) أخرج قوله عبد الرزاق ١٠/ ٤١٣.
(٤) أحكام القرآن له ٤٢/١، وما بین حاصرتين منه.
(٥) وكذلك نقل عن الباجي ابنُ شاس في عقد الجواهر الثمينة ١/ ٦٠٥، والذي في المنتقى ١٤٠/٣: أن
المشهور من مذهب مالك عدم جواز الأكل من الميتة في السفر المحرم.

٤٧
سورة البقرة : الآية ١٧٣
لأنَّ الميتةَ يجوز تناولُها في السفر والحضر، وليس بخروج الخارج إلى المعاصي
يُسقِط عنه حكمَ المقيم، بل أسوأُ حالة من(١) أنْ يكون مقيماً، وليس كذلك الفِطرُ
والقَصر؛ لأنهما رخصتان متعلِّقتان بالسفر. فمتى كان السفر سفرَ معصية لم يجز أنْ
يَقْصُر فيه؛ لأنَّ هذه الرخصةَ تختصُّ بالسفر، ولذلك قلنا: إنه يتيمَّم إذا عدم الماء
في سفر المعصية؛ لأنَّ التيمُّم في الحضر والسفر سواء. وكيف يجوز منعُه من أكل
الميتة والتيمُّم لأجل معصيةٍ ارتكبها(٢)، وفي تركه الأكلَ تلفُ نفسِه، وتلك أكبرُ
المعاصي، وفي تركه التيممَ إضاعةٌ للصَّلاة. أيجوزُ أنْ يقال له: ارتكَبتَ معصيةً
فارْتكِبْ أخرى؟! أيجوز أن يقال لشارب الخمر: ازْنٍ، وللزاني: اكفر؟! أو يقال
لهما: ضيِّعا الصَّلاةَ؟! ذكر هذا كلَّه في ((أحكام القرآن)) له، ولم يذكر خلافاً عن
مالك ولا عن أحد من أصحابه.
وقال الباجي(٣): وروى زياد بنُ عبد الرحمن الأندلسي(٤) أنَّ العاصيّ بسفره
يَقصُر الصَّلاة، ويُفطرُ في رمضان، فسؤَّى بين ذلك كلِّه، وهو قولُ أبي حنيفة (٥).
ولا خلافَ أنه لا يجوزُ له قتلُ نفسه بالإمساك عن الأكل، وأنه مأمورٌ بالأكل على
وجه الوجوب، ومن كان في سفر معصية لا تَسقط عنه الفروضُ والواجبات من
الصيام والصلاة، بل يلزَمُه الإتيانُ بها، فكذلك ما ذكرناه.
وجه القول الأوّلِ أنَّ هذه المعانيَ إنما أُبيحت في الأسفار لحاجة الناس إليها،
فلا يُباح له أنْ يستعينَ بها على المعاصي وله سبيل إلى ألَّا يقتُل نفسَه(٦)؛ قال ابن
حبيب: وذلك بأنْ يتوب، ثم يتناوَلَ لحم الميتةِ بعد توبته. وتعلَّق ابنُ حبيب في
(١) لفظة ((من))، من (م).
(٢) في النسخ: ركبها، والمثبت من (م).
(٣) في المنتقى ١٤١/٣.
(٤) أبو عبد الله القرطبي الملقب بشَبطون، سمع الموطأ من مالك، وله عنه كتاب سماع في الفتاوى. أول
من أدخل موطأ مالك إلى الأندلس، توفي سنة ١٩٣هـ. الديباج المذهب ص١١٨ .
(٥) انظر أحكام القرآن للجصاص ١٢٦/١-١٢٧.
· (٦) هذا وجه من قال بتحريم أكل الميتة من ضرورة في سفر المعصية، وهو قول ابن حبيب، كما في
المنتقى ١٤١/٣، ولم يذكره المصنف وقد نقل عنه بسياق مختلف، فانظره.

٤٨
سورة البقرة : الآية ١٧٤
ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَضْطَرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ فاشترط في إباحة الميتة للضرورة
ألَّ يكونَ باغياً، والمسافرُ على وجه الحِرابة أو القطع، أو في قطع رَحِم أو طالبٍ
إثم: باغٍ ومعتدٍ، فلم توجد فيه شروط الإباحة، والله أعلم.
قلت: هذا استدلال بمفهوم الخطاب، وهو مختلف فيه بين الأصوليين.
ومنظومُ الآية أنَّ المضطرَّ غيرَ باغ ولا عادٍ لا إثمَ عليه، وغيره مسكوتٌ عنه،
والأصلُ عمومُ الخطاب، فمن ادَّعى زوالَه لأمرٍ ما، فعليه الدَّليل.
الرابعة والثلاثون(١): قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ﴾ أي: يغفر المعاصي،"
فأَوْلى ألَّ يؤاخِذَ بما رخّص فيه، ومن رحمته أنه رخّص.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُونَ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ الْكِتَبٍ وَيَشْتَُّونَ بِهِ، ثَمَنَاَ
قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُونَ فِىِ بُطُونِهِمْ إِلَّ النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَلَا
يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُِّ ◌َا﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ﴾ يعني علماءَ اليهود؛
كتَموا ما أنزلَ الله في التوراة من صفة محمدٍ وَل ﴿ وصحةٍ رسالته.
ومعنى ((أنزل)): أظهَر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اُلَهُ﴾
[الأنعام: ٩٣] أي: سأُظهر. وقيل: هو على بابه من النُّزول، أي: ما أنزلَ به ملائكته
على رسله. ﴿وَشْتَرُونَ بِهِ﴾ أي: بالمكتوم ﴿ثمنَا قَلِيلًا﴾ يعني أخذَ الرُّشا(٢).
وسمّاه قليلاً لانقطاع مدَّته وسُوءٍ عاقبته. وقيل: لأنَّ ما كانوا يأخذونه من الرُّشا
كان قليلاً(٣).
قلت: وهذه الآيةُ وإنْ كانت في الأحبار (٤)، فإنها تتناول من المسلمين مَن كتَم
(١) كذا في بعض النسخ، وقد اختلف عدّ المسائل في النسخ، والمثبت من بعضها، وهو موافق لما جاء
في تعدادها في أولها .
(٢) في (م): الرشاء، وهو خطأ. والرُّشا جمع رشوة.
(٣) النكت والعيون ٢٢٣/١.
(٤) في (د) و(ز) و(م): الأخبار، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو موافق للمحرر الوجيز ٢٤١/١، والكلام منه.

٤٩
سورة البقرة : الآية ١٧٤
الحقَّ مختاراً لذلك بسبب دُنيا يصيبها، وقد تقدَّم هذا المعنى(١).
قوله تعالى: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ ذكر البطونَ دَلالةً وتأكيداً على حقيقة الأكل، إذْ قد
يُستعمل مجازاً في مثل: أكل فلانٌ أرضِي، ونحوِهِ. وفي ذِكْر البطون أيضاً تنبيهٌ
على جَشَعِهم وأنهم باعُوا آخرتَهم بحظّهم من المَطْعَم الذي لا خطرَ له(٢).
ومعنى ((إلَّا النَّارَ)) أي: إنه حرامٌ يعذِّبهم الله عليه بالنار؛ فسمَّى ما أكلُوه من
الرُّشا(٣) ناراً؛ لأنه يؤدِّيهم إلى النار؛ هكذا قال أكثرُ المفسرين. وقيل: أي إنه
يعاقبُهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقةً. فأخبر عن المآل بالحال(٤)؛ كما
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِىِ بُطُونِهِمْ نَارًا﴾
[النساء: ١٠] أي: إنَّ عاقبتَه تَؤُولُ إلى ذلك، ومنه قولهُم:
لِدُوا للموت وابنُوا للخَرابِ(٥)
قال :
فلِلْموتِ ما تَلِدُ الوالدَهُ (٦)
(١) ١١/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٢٤١/١.
(٣) في (م): الرشاء، وهو خطأ.
(٤) ينظر النكت والعيون ٢٢٣/١، والمحرر الوجيز ٢٤١/١.
(٥) صدر بيت لأبي العتاهية، وعجزه: فكلكم يصير إلى تراب، وهو في ديوانه ص ٣٣، والخزانة ٥٣١/٩.
وهو في الديوان المنسوب إلى علي رضي الله عنه ص١٦، والخزانة ٩/ ٥٣٠ برواية:
له مَلَكٌّ ينادي كلَّ يومٍ
لِدُوا للموت وابْنُوا للخرابِ
وروي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه كما في العظمة لأبي الشيخ (٥١٩)، وشعب الإيمان (١٠٧٣٠)،
وقال عنه الإمام أحمد: هو مما يدور في الأسواق، ولا أصل له. وانظر كشف الخفاء ١/ ١٨٣ - ١٨٤.
(٦) نسبه الزجاجي في اللامات ص١٢٧، والبغدادي في الخزانة ٩/ ٥٣٤، والميداني في مجمع الأمثال
١٢٨/١ لِسمّاك بن عمرو، وهو شاعر جاهلي، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٢٢٣/١ بدون
نسبة، وروايته عندهم:
فللموت ما تلد الوالده
فأمَّ سِمَاكٍ فلا تجزعي
ونقل البغدادي في الخزانة ٩/ ٥٣٣ عن ابن الأعرابي أنه نسبه لنهيكة بن الحارث المازني، وصدره:
فإن يكن القتلُ أفناهمُ. ونسبه ياقوت في معجم البلدان ١٩٨/٤ والبغدادي في الخزانة ٩/ ٥٣٤ لعبيد بن
الأبرص وصدره: فلا تجزعوا لحمام دنا .

٥٠
سورة البقرة : الآية ١٧٤
د
آخر :
ودُورُنا لخراب الدَّهرِ نَبْنِيها(١)
وهو في القرآن والشعر كثير.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ عبارة عن الغضب عليهم وإزالةِ الرضا
عنهم (٢)؛ يقال: فلانٌ لا يكلِّم فلاناً: إذا غضب عليه.
وقال الطبري(٣): المعنى: ولا يكلمُهم بما يحبُّونه. وفي التنزيل: ﴿أَخْسَثُواْ فِيَهَا
وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. وقيل: المعنى: ولا يرسلُ إليهم الملائكة بالتحية.
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي: لا يُضْلِح أعمالَهم الخبيثةَ فيطهِّرَهم. وقال الزَّجَّاج(٤):
لا يُثْني عليهم خيراً ولا يسمِّيهم أَزْكِياء. و﴿أَلِيمُ﴾ بمعنى مُؤْلم؛ وقد تقدَّم (٥).
وفي صحيح مسلم(٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلّه:
(«ثلاثةٌ لا يكلِّمُهم اللهُ يومَ القيامة، ولا يُزَكِيْهِم، ولا ينظرُ إليهم، ولهم عذابٌ أليم:
شيخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كذَّاب، وعائلٌ مُسْتَكْبِر)).
وإنما خُصَّ هؤلاء بأليم العذابِ وشدَّةِ العقوبةِ لمحض المعاندة والاستخفافِ(٧)
الحامِلِ لهم على تلك المعاصي؛ إذ لم يحملهم على ذلك حاجةٌ، ولا دَعَتْهم إليه
ضرورةٌ كما تدعو مَنْ لم يكن مثلَهم. ومعنى ((لا يَنْظُرُ إليهم)): لا يرحمُهم ولا يعطفُ
عليهم. وسيأتي في (آل عمران))(٨) إن شاء الله تعالى.
(١) نسبه الزَّجَّاجي في كتاب اللامات ص١٢٧ لسابق بن عبد الله البربري من شعراء العصر الأموي، وهو
في الديوان المنسوب لعلي رضي الله عنه ص ١٠٢، وذكره أيضاً ابن حبان في روضة العقلاء ص٢٨٦،
وهو عجز بيت وصدرُه: أموالنا لذوي الميراث نجمعها .
(٢) الذي عليه السلف رضي الله عنهم إثبات صفة التكليم الله عزَّ وجلَّ على ما يليق بجلاله وعظمته من غير
تكييف ولا تشبيه ولا تمثیل.
(٣) في تفسيره ٦٧/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٤١/١.
(٤) ينظر معاني القرآن له ٢٤٥/١، والمحرر الوجيز ٢٤١/١.
(٥) ٣٠١/١.
(٦) برقم (١٠٧)، وهو عند أحمد (١٠٢٢٧).
(٧) في النسخ: الاستحقاق، والمثبت من (م).
(٨) في تفسير الآية (٧٧) منها .

٥١
سورة البقرة : الآية ١٧٥
قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةٍ فَمَآ
١٧٥)
أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوَأْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةَ﴾ تقدَّم
القول فيه(١). ولمَّا كان العذابُ تابعاً للضلالة، وكانت المغفرةُ تابعةً للهدَى الذي
اطّرحوه، دخلا في تجوُّز الشراء(٢).
قوله تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ مذهبُ الجمهور - منهم الحسنُ
ومجاهدٌ - أن ((ما)) معناه التعجُّب، وهو مردودٌ إلى المخلوقين، كأنه قال: إِعجبوا من
صَبْرِهم على النار ومُكثِهم فيها. وفي التنزيل: ﴿قُئِلَ اَلْإِنسَنُ مَآ أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]،
و﴿أَسَمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨]، وبهذا المعنى صدر أبو علي(٣).
قال الحسنُ وقتادةُ وابنُ جبير والربيع: ما لهم واللهِ عليها من صبر، ولكنْ ما
أجرأهم على النار(٤)! وهي لغةٌ يَمَنِيَّة معروفة؛ قال الفرَّاء(٥): أخبرني الكسائي
قال: أخبرني قاضي اليمنِ أن خصمين اختَصما إليه، فوجبت اليمينُ على أحدهما
فحلفَ، فقال له صاحبه: ما أصبركَ على الله! أي: ما أجرأكَ عليه. والمعنى: ما
أشجعَهُم على النار؛ إذ يعملون عملاً يؤدِّي إليها(٦).
وحكى الزجاجُ(٧) أن المعنى: ما أبقاهم على النار، من قولهم: ما أصْبَرَ فلاناً
على الحَبْس! أي: ما أبقاه فيه.
وقيل: المعنى: فما أقلَّ جزعَهم من النار، فجعل قلَّةَ الجَزَع صبراً.
وقال الكسائيُّ وُظْرُب: أي: ما أدْوَمَهُم على عمل أهلِ النار(٨).
(١) ٣١٨/١.
(٢) المحرر الوجيز ٢٤٢/١.
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٢٤٢/١.
(٤) أخرج هذه الأخبار الطبريُّ ٦٨/٣_٦٩، واللفظ المذكور للحسن.
(٥) معاني القرآن له ١/ ١٠٣، وانظر الوسيط ٢٦٠/١.
(٦) المحرر الوجيز ٢٤٢/١.
(٧) معاني القرآن له ٢٤٥/١، وهو في النكت والعيون ٢٢٤/١.
(٨) مجمع البيان ٨٨/٢.

٥٢
سورة البقرة : الآية ١٧٦
وقيل: ((ما)) استفهام معناه التوبيخُ؛ قاله ابنُ عباس(١) والسُّدِّي وعطاء وأبو
عبيدةَ مَعْمَر بنُ المُثَنَّى، ومعناه: أيُّ(٢) شيءٍ صَبَّرهم على عمل أهلِ النار(٣)؟!
وقيل: هذا على وجه الاستهانة بهم والاستخفافِ بأمرهم.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ أَخْتَلَفُواْ فِ اَلْكِتَبِ
لِ شِقَّاقِ ◌َعِيدٍ
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ «ذلك)» في موضع رَفْع، وهو إشارةٌ إلى الحُكم، كأنه
قال: ذلك الحكمُ بالنار(٤). وقال الزجَّاج: تقديرُه: الأمرُ ذلك، أو ذلك الأمرُ(٥)،
أو ذلك العذابُ لهم.
قال الأخفش(٦): وخبرُ ((ذلك)) مُضْمَرٌ، معناه: ذلك معلومٌ لهم.
وقيل: محلُّه نصبٌ، معناه: فَعَلْنا ذلك بهم(٧).
﴿يَأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَبَ﴾ يعني القرآن في هذا الموضع ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق.
وقيل: بالحُجَّة.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُخْتَلَفُواْ فِ اَلْكِتَابِ﴾ يعني التوراة؛ فادَّعى النصارى أنَّ فيها صفةً
عيسى، وأَنكر اليهود صفته، وقيل: خالَفوا آباءَهم وسَلَفَهم في التمسُّك بها. وقيل:
خالفوا ما في التَّوراة من صفة محمدٍ نَِّ واختلفُوا فيها(٨).
وقيل: المراد القرآن، والذين اختلفوا كفارُ قريش؛ يقول بعضُهم: هو سحرٌ،
(١) كذا في النسخ، وأخرجه الطبري ٦٩/٣-٧٠ عن ابن عياش، وهو أبو بكر.
(٢) في (خ) و(د) و(م): ومعناه: أي أيُّ ....
(٣) مجاز القرآن ١/ ٦٤، وانظر تفسير الطبري ٦٩/٣-٧٠، ومجمع البيان ٨٨/٢، وتفسير الرازي ٣١/٥،
وعندهم: أي شيء صبَّرهم على النار. ورجح ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٤٢/١ معنى التعجب على
معنى الاستفهام.
(٤) ذكر هذا القول الطبرسي في مجمع البيان ٨٩/٢ ونسبه للحسن.
(٥) معاني القرآن له ٢٤٦/١، وتتمة كلامه: فـ((ذلك)) مرفوع بالابتداء، أو بخبر الابتداء.
(٦) معاني القرآن له ١/ ٣٤٧.
(٧) تفسير البغوي ١/ ١٤٢ .
(٨) زاد المسير ١٧٧/١

٥٣
سورة البقرة : الآية ١٧٧
وبعضُهم يقول: أساطير(١)، وبعضُهم: مفترّى، إلى غير ذلك. وقد تقدَّم القول في
معنى الشِّقاق(٢)، والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلْبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَِّئْنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ
وَأَلْيَتَعَىِ وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآِينَ وَفِى الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ
وَأْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِيْنَ اَلْبَأْسِنَّ أُوْلَكَ الَّذِينَ
صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ
فيه ثمان مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ اختُلِفَ مَن المرادُ بهذا الخطاب؛ فقال
قتادةُ: ذُكِر لنا أن رجلاً سأل نبيَّ الله ◌َّه عن البِرِّ، فأنزلَ الله هذه الآيةَ؛ قال: وقد
كان الرجلُ قبل الفرائض إذا شهدَ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأن محمداً عبدُه ورسولُه، ثم
مات على ذلك، وَجَبَتْ له الجنةُ، فأنزل الله هذه الآية(٣).
وقال الربيع وقتادةُ أيضاً: الخطابُ لليهود والنصارى؛ لأنهم اختلفوا في التوجُّه
والتَّولِّي، فاليهودُ إلى المغرب قِبَل بيت المقدس، والنصارى إلى المَشْرِق مَظْلِع
الشمس، وتكلَّموا في تحويل القبلة، وفضَّلتْ كلُّ فرقةٍ تَوْليتَها، فقيل لهم: ليس البِرُّ
ما أنتم فيه، ولكنَّ البرَّ مَن آمن بالله (٤).
الثانية: قرأ حمزةُ وحفصٌ: ((البِرَّ)) بالنصب(٥)؛ لأن ((ليس)) من أخوات ((كان))،
(١) في (خ) و(د) و(م): أساطير الأولين، والمثبت من (ظ) و(ز)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز
٢٤٢/١ والكلام منه.
(٢) ٤١٧/٢.
(٣) أسباب النزول للواحدي ص ٤٤ .
(٤) المحرر الوجيز ٢٤٣/١، وذكره بنحوه الماوردي في النكت والعيون ٢٢٥/١، وأخرج الطبري الخبرين
مختصرین ٣/ ٧٥، ٧٦.
(٥) السبعة ص ١٧٥، والتيسير ص٧٩.

٥٤
سورة البقرة : الآية ١٧٧
يقع بعدها المَعْرِفتان، فتجعلُ أيَّهما شئتَ الاسمَ أو الخبرَ(١)، فلمَّا وقع بعد
((ليس): ((البِرَّ)) نَصَبَه(٢)، وجعل ((أن تُوَلُّوا)) الاسمَ، وكان المصدر أَوْلى بأن يكون
اسماً لأنه لا يتنكَّر، والبرُّ قد يتنكّر، والفعلُ أقوى في التعريف.
وقرأ الباقون: ((البِرُ)) بالرفع(٣) على أنه اسمُ ((ليس))، وخبرُه: ((أنْ تُوَلُّوا)) تقديرُه:
ليس البرُّ تَوْليتَكم وجوهكم، وعلى الأوَّل: ليس تَوْليتُكم وجوهَكم البرَّ، كقوله: ﴿مَّا
كَانَ حُبَّتَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُوا﴾ [الجاثية: ٢٥]، ﴿ثُقَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَىّ أَنْ كَذَّبُواْ﴾
[الروم: ١٠]، ﴿فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَهُمَا فِى النَّارِ﴾ [الحشر: ١٧]، وما كان مثله.
ويقوِّي قراءةً الرفع أنَّ الثانيّ معه الباءُ إجماعاً في قوله: ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا
اَلْبُيُوتَ مِن تُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، ولا يجوزُ فيه إلا الرفعُ، فَحِمْلُ الأوَّلِ على
الثاني أوْلى من مخالفته له. وكذلك هو في مصحف أُبَيِّ بالباء: ((ليس البرُ بأن تُوَلُّوا))
وكذلك في مصحف ابنٍ مسعود أيضاً (٤)، وعليه أكثرُ القرَّاء، والقراءتان حَسَنتان.
الثالثة: قولُه تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِلَّهِ﴾ البرُّ هاهنا اسمٌ جامعٌ للخير(٥)،
والتقدير: ولكنَّ البرَّ بُرُّ مَن آمن، فحذَفَ المضافَ، كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ اُلْقَرْيَةَ﴾
[يوسف: ٨٢]، ﴿وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]. قاله الفرَّاء وقُظْرُب
والزجَّاج(٦). وقال الشاعر:
فإنَّما هيَ إِقْبالٌ وإذْبارُ(٧)
(١) ينظر الحجة للفارسي ٢/ ٢٧٠، والوسيط ٢٦١/١.
(٢) في (ظ): نصبه على الخبر.
(٣) السبعة ص ١٧٥، والتيسير ص٧٩.
(٤) القراءات الشاذة ص١١، والمحتسب ١١٧/١، وانظر معاني القرآن للفراء ١٠٤/١، وإعراب القرآن
للنحاس ٢٧٩/١.
(٥) ينظر إكمال المعلم ٨٢/٨.
(٦) معاني القرآن للزجاج ٢٤٦/١، وانظر معاني القرآن للأخفش ٣٤٨/١، ونقل الواحدي في الوسيط
٢٦١/١ قولي الفراء وقطرب.
(٧) قائلته الخنساء، وهو في دیوانها ص٤٨، وصدره:
تَّرْتَعُ ما رَتَّعَتْ حتى إذا اذَّكَرَتْ

٥٥
سورة البقرة : الآية ١٧٧
أي: ذاتُ إقبالٍ وذاتُ إدبار(١). وقال النابغة:
خِلَالتُه كأبي مَرْحَبٍ(٢)
وكيف تُواصِلُ مَن أصبَحَتْ
أي: كخِلالة أبي مَرْحَب، فحذَف.
وقيل: المعنى: ولكنَّ ذا البرِّ، كقوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَتُ عِندَ الَّهِ﴾ [آل
عمران: ١٦٣] أي: ذَوو درجات. وذلك أنَّ النبيَّ وَّوَ لمَّا هاجر إلى المدينة،
وفُرِضَت الفرائض، وصُرِفَت القبلة إلى الكعبة، وحُدَّت الحدود، أنزل الله هذه
الآية، فقال: ليس البرّ كلّه أن تصلُّوا ولا تعملوا غيرَ ذلك، ولكنَّ البرَّ - أي: ذا
البرِّ - مَن آمنَ بالله، إلى آخرها، قاله ابن عباس ومجاهدٌ والضحَّاك وعطاء وسفيانُ
والزجاج أيضاً (٣).
ويجوز أن يكون («البرّ)) بمعنى البارّ والبَرّ، والفاعلُ قد يُسمَّى بمعنى المصدر،
كما يقال: رجلٌ عَذْل، وصَوْمٌ، وفِظْرٌ. وفي التنزيل: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرَا﴾
[الملك: ٣٠] أي: غائراً، وهذا اختيارُ أبي عبيدةَ (٤). وقال المبرِّد: لو كنتُ ممن
يقرأ القرآن لقرأتُ: ((ولكنَّ البَرَّ) بفتح الباء(٥).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَاَلضَّبِينَ﴾ فقيل: يكون
((الموفون)) عطفاً على ((مَنْ)) لأنَّ ((مَن)) في موضع جمع ومحلِّ رفع، كأنه قال: ولكنَّ
البِرَّ المؤمنون والموفون، قاله الفراء والأخفش(٦).
(١) في (ظ): ذات إقبال وإدبار، وانظر الكامل للمبرد ٣٧٤/١.
(٢) ديوان النابغة الجعدي ص٢٦. قوله الخِلالة، أي: الصداقة؛ قال في اللسان (خلل): أراد من أصبحت
خِلالتهُ كخِلالة أبي مَرْحَب، وأبو مَرْحَب كنية الظل، ويقال: هو كنية عرقوب الذي قيل عنه: مواعيد
عرقوب.
(٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٤٦/١، وتفسير الطبري ٧٤/٣-٧٥، والوسيط ٢٦١/١، وتفسير البغوي
١٤٢/١، وزاد المسير ١٧٨/١.
(٤) مجاز القرآن ٦٥/١، وينظر تفسير الطبري ٧٧/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٢٨٠/١، والمحرر الوجيز
٢٤٣/١، ومجمع البيان ٢/ ٩٢.
(٥) الكشاف ٣٣٨/١، وتفسير الرازي ٤٢/٥، وقال الزمخشري: وقرئ: ((ولكن البارّ)).
(٦) ينظر معاني القرآن للفراء ١٠٥/١، ومعاني القرآن للأخفش ٣٤٨/١، وتفسير الرازي ٤٧/٥.

٥٦
سورة البقرة : الآية ١٧٧
((والصابرين)) نصب على المدح، أو بإضمارٍ فعل. والعربُ تنصب على المدح
وعلى الذمِّ، كأنهم يريدون بذلك إفرادَ الممدوح والمذموم ولا يُتْبِعونه أولَ الكلام،
وينصبونه. فأمَّا المدحُ فقولُه: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ﴾ (١) [النساء: ١٦٢]. وأنشد الكسائيُّ:
إلا نُميراً أطاعت أَمْرَ غاويها
وكلُّ قومٍ أطاعوا أَمْرَ مُرْشِدِهم
والقائلين(٢) لِمَنْ دارٌ نُخلِّيها(٣)
الطاعنين ولمَّا يُظْعِنوا أحداً
وأنشد أبو عبيدة:
سُمُّ العُدَاةِ وآفةُ الجُزْرِ
لا يَبْعَدِنْ قومي الذين هُمُ
والطَّيِبين(٤) مَعاقِدَ الأُزْرِ (٥)
النازلين بكل مُعْتَرَكٍ
وقال آخر:
نحن بني ضَبَّةَ أصحابُ الجَمَلْ(٦)
فنصب على المدح.
(١) تفسير البغوي ١٤٤/١، ونسبه للخليل، وينظر معاني القرآن للفراء ١/ ١٠٥، وتأويل مشكل القرآن
ص٣٨-٣٩، ومعاني القرآن للزجاج ٢٤٧/١، والمحرر الوجيز ٢٤٤/١.
(٢) في (م): والقائلون.
(٣) البيتان لابن خيَّاط المُكلي كما في الكتاب ٦٤/٢، ووقع في الخزانة للبغدادي ٤٢/٥، ابن حماط،
وهما في مجاز القرآن ١٧٣/١، والإنصاف لابن الأنباري ٢/ ٤٧٠ بدون نسبة. وجاء في الكتاب
والخزانة والإنصاف: الطاعنين ... والقائلون، وفي مجاز القرآن: الظاعنون ... والقائلين؛ قال ابن
الأنباري: ولك أن ترفعهما جميعاً، ولك أن تنصبهما جميعاً، ولك أن تنصب الأول وترفع الثاني،
ولك أن ترفع الأول وتنصب الثاني، لا خلاف في ذلك بين النحويين. والبيت الثاني أورده صاحب
اللسان (ظعن) وقال: والظعن. سير البادية لنُجْعة - وهي الذهاب في طلب الكلا في موضعه - أو
حضور ماء، أو طلب مَرْبَع، أو تحولٍ من ماء إلى ماء، أو من بلد إلى بلد.
(٤) في (خ) و(ظ) و(م): والطيبون.
(٥) مجاز القرآن ٦٥/١، والبيتان للخِرْنِق بنت بدر أخت طرفة بن العبد لأمه، ترثي زوجها بشر بن عمرو
ومن قتل معه يوم قلاب، وهو في ديوانها ص٢٩ برواية: النازلون ... والطيبين، والبيتان من شواهد
الكتاب ٢٠٢/١ و٦٤/٢، وهما في الخزانة ٤١/٥.
قال شارح الديوان: أي هم لأعدائهم كالسمّ، وهم آفة الجُزُر؛ لأنهم ينحرونها للأضياف، وقال في
شرح البيت الثاني: تريد أنهم أعقَّاء الفروج، والأُزْر: جمع إزار، ويروى: النازلين والطيبين.
(٦) نسبه الطبري في التاريخ ٥٣٠/٤ لعمرو بن يثربي، وهو في الجمل في النحو المنسوب للخليل ص٦٧، =

٥٧
سورة البقرة : الآية ١٧٧
وأمَّا الذمُّ فقوله تعالى: ﴿مَّلْعُونِينٌَ أَيْنَمَا نُقِفُواْ﴾ الآية (١) [الأحزاب: ٦١]. وقال
عُزْوةُ بن الوَرْد:
سَقَوْني الخمرَ ثم تَكْثَّفُوني عُدَاةَ اللهِ مِن كَذِبٍ وَزُورٍ (٢)
وهذا مَهْيَع(٣) في النعوت، لا مطعنَ فيه من جهة الإعراب، موجودٌ في كلام
العرب كما بينًا .
وقال بعضُ مَن تَعسَّف في كلامه: إن هذا غلطٌ من الكاتب (٤) حين كتبوا
مصحف الإمام، قال: والدليلُ على ذلك ما رُوي عن عثمانَ أنه نظر في المصحف
فقال: أرى فيه لَحْناً وسَتُقيمه العربُ بألسنتها(٥). وهكذا قال في سورة النساء
﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، وفي سورة المائدة ﴿ وَالصَُّونَ﴾ [الآية: ٦٩].
والجوابُ عند أهل العلم(٦) ما ذكرناه.
وقيل: ((الموفون)) رفعٌ على الابتداء والخبرُ محذوف، [وقيل: هو خبر لمبتدأ
محذوف] تقديره: وهم الموفون (٧).
= والكامل ١٤٦/١ و٥١٠/٢، والعقد الفريد ٣٢٧/٤ بدون نسبة، وعجزه عند الطبري: ننزل بالموت إذا
الموت نزل، وفي العقد الفريد: الموت أحلى عندنا من العسل. وانظر ديوان الحماسة بشرح التبريزي
١٥٥/١.
(١) تفسير البغوي ١/ ١٤٤، وينظر الجمل في النحو ص ٦٣ .
(٢) ديوانه ص٥٨، وهو في الكتاب ٢/ ٧٠، ومجمع البيان ٢/ ٩٤، وفي الديوان: النَّسْء، بدل: الخمر.
(٣) أي: واضح واسع بيِّن. اللسان (هيع).
(٤) في (م): الكتاب.
(٥) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص١٥٩- ١٦٠، وابن أبي داود في المصاحف ص٣٢، وهو خبر
باطل، قال ابن الأنباري في كتاب الردّ على من خالف مصحف عثمان: الأحاديث المروية عن عثمان
في ذلك لا تقوم بها حجة؛ لأنها منقطعة غير متصلة، وما يشهد عقل بأن عثمان - وهو إمام الأمة الذي
هو إمام الناس في وقته وقدوتهم - يجمعهم على المصحف الذي هو الإمام فيتبين أن فيه خللاً، ويشاهِد
في خطّه زللاً فلا يصلحه، ... ولا يُعتقد أنه أخَّر الخطأ في الكتاب ليصلحه مَن بعده، وسبيل الجائين
من بعده البناء على رسمه والوقوف عند حكمه ... الإتقان ٥٨٦/١.
وينظر قول المصنف في سورة النساء، الآية: (١٦٢)، ومعاني القرآن للزجاج ١٣١/٢، والمقنع لأبي
عمرو الداني ص١١٥-١١٩ والكشاف ٥٨٢/١.
(٦) قوله: عند أهل العلم، من (ظ)، وهو موافق لما في تفسير أبي الليث ١/ ١٨٠، والكلام منه.
(٧) ينظر تفسير الرازي ٤٧/٥. وما بين حاصرتين زيادة ضرورية من فتح القدير للشوكاني ١٧٣/١.

٥٨
سورة البقرة : الآية ١٧٧
وقال الكسائي: ((والصابرين)) عطف على ((ذوي القُربى)) كأنه قال: وآتى
الصابرين. قال النحاس(١): وهذا القولُ خطأٌ وغلطٌ بَيِّن؛ لأنك إذا نصبتَ
((والصابرين)) ونَسَقْتَه على ((ذوي القُربى)) دخل في صلة ((مَن))، وإذا رفعتَ
((والموفون)) على أنه نَسَقٌ على ((مَن)) فقد نَسَقْتَ على ((مَن)) مِن قَبْلِ أنْ تَتَمَّ الصلةُ،
وفرَّقتَ بين الصلة والموصولِ بالمعطوف.
وقال الكسائيُّ: وفي قراءة عبد الله: ((والموفين، والصابرين)). وقال
النحاس(٢): يكونان مَنْسُوقَيْن على ((ذوي القربى)) أو على المدح. قال الفرّاءُ: وفي
قراءة عبد الله في النساء: ((والمقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة))(٣).
وقرأ يعقوبُ والأعمشُ: ((والموفون والصابرون)) بالرفع فيهما(٤). وقرأ
الجَحْدَريُّ ((بعهودهم»(٥).
وقد قيل: إن ((والمُوفُون)) عطفٌ على الضمير الذي في ((آمن))(٦). وأنكرهُ أبو
عليّ وقال: ليس المعنى عليه، إذ ليس المرادُ أن البرَّ بِرُّ من آمن بالله هو والموفون،
أي: آمنا جميعاً. كما تقول: الشجاعُ مَن أقدمَ هو وعمرو، وإنما الذي بعد قوله:
((من آمن)) تعدادٌ لأفعال مَن آمن وأوصافِهم.
(١) إعراب القرآن ١/ ٢٨١، وينظر تفسير الرازي ٤٨/٥.
(٢) إعراب القرآن ٢٨١/١، وذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١١ قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله
عنه، وذكرها الزمخشري في الكشاف ٣٣١/١ ولم ينسبها .
(٣) في النسخ الخطية: ((والمقيمين ... والمؤتين))، والمثبت من معاني القرآن للفراء ١٠٦/١، وإعراب
القرآن للنحاس ٢٨١/١. وقد ذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٧ أن قراءة عبد الله وأنس:
((والمقيمون))، وذكرها كذلك ابن جني في المحتسب ٢٠٣/١ ونسبها إلى مالك بن دينار وعيسى الثقفي
والجحدري. وذكرها أيضاً الزمخشري في الكشاف ١/ ٥٨٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٣٩٥/٣.
(٤) المحرر الوجيز ٢٤٤/١، وزاد ابن عطية نسبتها للحسن، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص١١، ونسبها للجحدري. وذكر ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص٣٦-٣٧ أن عاصم الجحدري
كان يكتب آية البقرة وآية النساء في مصحفه على مثالها في الإمام، فإذا قرأها قرأ: ((والمقيمون))
((والصابرون)».
(٥) المحرر الوجيز ٢٤٤/١، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١١ للسلمي.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٨١/١، ومشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب ١١٨/١.

٥٩
سورة البقرة : الآية ١٧٧
الخامسة: قال علماؤنا: هذه آيةٌ عظيمة من أمَّهات الأحكام؛ لأنها تضمَّنت
ستَّ عَشْرةَ قاعدةً: الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته - وقد أتينا عليها في ((الكتاب
الأسنى)) - والنَّشْرِ والحشرِ والميزانِ والصراطِ والحوضِ والشفاعةِ والجنة والنارِ - وقد
أتينا عليها في كتاب ((التذكرة)) - والملائكةِ، والكتبِ المنزلة، وأنها حقٌّ من
عند الله - كما تقدَّم - والنبيِّين، وإنفاقَ المال فيما يَعِنُّ من الواجب والمندوب،
وإيصالَ القَرابة وتَرْكَ قَطْعِهم، وتفقُّدَ اليتيمِ وعدمَ إهماله، والمساكينِ كذلك،
ومراعاةً ابنِ السبيل - وقيل: المنقطع به، وقيل: الضيف(١) - والسُّؤَالِ، وفكَ
الرِّقاب، وسيأتي بيانُ هذا في آية الصدقات(٢)، والمحافظةَ على الصلاة، وإيتاءَ
الزكاة، والوفاءَ بالعهود، والصبرَ في الشدائد. وكلُّ قاعدةٍ من هذه القواعدِ تحتاج
إلى كتاب. وتقدَّم التنبيه على أكثرها، ويأتي بيان باقيها بما فيها في مواضعها إن
شاء الله تعالى.
واختُلف؛ هل يُعطَى اليتيم من صدقة التَّطَوُّع بمجرَّد اليُتْم على وجه الصلة وإن
كان غنيّاً، أو لا يُعطَى حتى يكون فقيراً؟ قولان للعلماء. وهذا على أن يكون إيتاءُ
المال غيرَ الزكاة الواجبة، على ما بيَّنْتُه(٣) آنفاً.
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَءَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهٍ﴾ استدلَّ به مَن قال: إن في المال
حقًّا سوى الزكاة، وبها كمالُ البِرّ. وقيل: المرادُ الزكاة المفروضة(٤). والأوَّل
أصح؛ لِمَا خرَّجْه الدَّارَقُظْنِيُّ(٥) عن فاطمةَ بنتٍ قيس قالت: قال رسول الله وَّه:
((إنَّ في المالِ حقًّا سوى الزكاة)) ثم تلا هذه الآية: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُولُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ إلى
آخر الآية. وأخرجه ابنُ ماجه في سُننه، والترمذيُّ في جامعه(٦) وقال: هذا حديثٌ
(١) ينظر زاد المسير ١٧٩/١.
(٢) في تفسير الآية (٦٠) من سورة التوبة.
(٣) في (ظ): بيَّناه، وفي (خ) و(ز) و(م): نبينه.
(٤) ينظر المحرر الوجيز ٢٤٣/١.
(٥) في سننه ٢/ ١٢٥.
(٦) سنن ابن ماجه (١٧٨٩)، وسنن الترمذي (٦٥٩). لكن وقع عند ابن ماجه بلفظ: ((ليس في المال حقٌّ
سوى الزكاة)) ولم يشر المزي في تحفة الأشراف ٤٦٥/١٢ إلى اختلاف لفظهما، وأشار إلى ذلك=
١

٦٠
سورة البقرة : الآية ١٧٧
ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة ميمونُ الأعور يُضعَّف. وروى بيان وإسماعيلُ بن
سالم عن الشعبي هذا الحديثَ قولَه(١) وهو أصحّ.
قلت: والحديثُ وإن كان فيه مقالٌ فقد دلَّ على صحّته معنَى ما في الآية نفسِها
من قوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ﴾ فذكر الزكاةَ مع الصلاة، وذلك دليلٌ
على أن المراد بقوله: ﴿وَءَاتَ اٌلْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ليس الزكاةَ المفروضة، فإنَّ ذلك كان
يكون تكراراً (٢)، والله أعلم.
واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجةٌ بعد أداء الزكاة؛ فإنه يجب
صَرْفُ المال إليها. قال مالك رحمه الله: يجب على الناس فداءُ أَسْراهم وإن
استغرق ذلك أموالَهم(٣). وهذا إجماعٌ أيضاً، وهو يقوِّي ما اخترناه، والموفِّق
الإله .
السابعة: قوله تعالى: ﴿عَلَى حُّبِّهِ﴾ الضميرُ في ((حُبِّه)) اختلف في عَوْده؛ فقيل:
يعودُ على المعطي للمال، وحُذف المفعول وهو المال. ويجوز نصبُ ((ذَوِي
القُرْبَى)) بالحُبِّ، فيكون التقدير: على حبِّ المعطي ذوي القربى.
= الحافظ ابن حجر في النكت الظراف، والذي يؤيد لفظ ابن ماجه ما نقله الحافظ ابن حجر في التلخيص
الحبير ١٦٠/٢ عن تقي الدين القشيري في الإمام قوله: كذا هو في النسخة من روايتنا عن ابن ماجه
(يعني لفظ: ((ليس في المال حق سوى الزكاة))). وقد كتبه في باب: ما أدَّى زكاته فليس بكنز، وهو
دليل على صحة لفظ الحديث. اهـ. وذكره ملّ علي القاري في شرح شرح النخبة ص ٤٨٣ مثالاً
للحديث المضطرب في المتن.
غير أن الشيخ أحمد شاكر رحمه الله اعتبر أن لفظ ابن ماجه خطأ قديم (في بعض النسخ كما قال) لأن
الطبري قد رواه في التفسير ٣٤٤/٣ (طبعة دار المعارف) من الطريق التي رواها ابن ماجه ولكن بلفظ
رواية الترمذي، وأيد قوله بأن ابن كثير ذكر روايتي الترمذي وابن ماجه ولم يفرق بينهما، وكذلك صنع
النابلسي في ذخائر المواريث (١١٦٩٩)، وأن البيهقي قال في السنن ٨٤/٤: والذي يرويه أصحابنا في
التعاليق: ليس في المال حق سوى الزكاة، فلست أحفظ فيه إسناداً. ثم قال الشيخ أحمد شاكر
رحمه الله: ولو كان في ابن ماجه على هذا اللفظ لَما قال ذلك.
(١) رواية بيان عن الشعبي أخرجها سعيد بن منصور في سننه (التفسير) ١٠٠/٥، ورواية إسماعيل بن سالم
عنه أخرجها الطبري ٣/ ٣٤٢ .
(٢) ينظر تفسير الطبري ٣٤٨/٣، والمحرر الوجيز ٢٤٣/١-٢٤٤.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٦٠.