Indexed OCR Text
Pages 1-20
الخَامِعُ أَحْكَامِ الْقُرآنِ ٧ وَالمُبَيِّنُ لِمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَيِ الفُرْقَانِ تَأليفُ أِ عَبْدِ الَّهِ مُحَ مَّدِبْنٍ أَحْمَد بْنِ أَبِي بَكِالقُرُِيِّ ( ت ٦٧١ هـ ) تَحقِيْق الدكتور عبد الّه بن عبد المحسن التركيّ شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَا الْجُزْء محمّرضوا چرقییوسي الحُزُءُ الثَّالِثُ مؤسسة الرسالة -3 13 أَحْكَامِ القُرآنِ الخا ع وَالمُبَيِّنُ لِمَا تَضَمنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَيِ الْقُرْقَانِ جَمْعُ الحقوق محفوظة لِلِنَاشِرْ الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م مؤسسة الرسالة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بناية المسكن، بيروت- لبنان للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩ -٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠ Al-Resalah PUBLISHERS BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax:818615-P.O.Box: 117460 Email: Resalah@Cyberia.net.Ib ٥ سورة البقرة : الآية ١٦٥ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحُونَهُمْ كَحُبٍّ اللّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُوْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِذْ يَرَوْنَ اُلْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ أَلْعَذَابِ ١٦٥) لمَّا أخبرَ الله سبحانه وتعالى في الآية قبلُ ما دلَّ على وحدانيَّتِه وقدرتِه وعِظَم سلطانهِ، أخبرَ أن مع هذه الآيات القاهرة لذوي العقول مَنْ يتخذُ من دون الله أنداداً(١)، وواحدها نِدٌّ، وقد تقدَّم (٢). والمراد الأوثانُ والأصنامُ التي كانوا يعبدونها كعبادة الله مع عجزها، قاله مجاهد(٣). قوله تعالى: ﴿يُّونَهُمْ كَحُبٍ اللهِ﴾ أي: يحبُّون أصنامَهم على الباطل كحبِّ المؤمنين لله على الحقّ، قاله المبرِّد، وقال معناه الزجاج(٤). أي: إنهم مع عجز الأصنام يحبُّونهم كحبِّ المؤمنين لله مع قدرته (٥) وقال ابن عباس والسُّدّيّ: المرادُ بالأندادِ الرؤساءُ المتَّبَعون، يطيعونهم في معاصي الله(٦)، وجاء الضمير في ((يُحبُّونَهُمْ)) على هذا على الأصل، وعلى الأوَّل جاء ضمير الأصنام ضميرَ مَن يعقلُ على غير الأصل. وقال ابن كَيْسان والزَّجَّاج أيضاً: معنى ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِ اللهِ﴾ أي: يُسَؤُّون بین (١) في (د) و(ز) و(م): يتخذ معه أنداداً والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في النكت والعيون. (٢) ٣٤٧/١ . (٣) تفسير مجاهد: ٩٣، وهو في النكت والعيون ٢١٨/١، دون نسبة لقائله. (٤) معاني القرآن ١/ ٢٣٧. (٥) النكت والعيون ٢١٨/١. (٦) المحرر الوجيز ٢٣٤/١، وأخرج نحوه الطبري ١٨/٣ عن الشُّدّيّ. ٦ سورة البقرة : الآية ١٦٥ الأصنام وبين الله تعالى في المحبة. قال أبو إسحاق(١): وهذا القول الصحيح، والدليل على صحته قوله: ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسَّدُّ حُبَّا لِلَّهِ﴾. وقرأ أبو رجاء: (يَحِبونهم) بفتح الياء(٢). وكذلك ما كان منه في القرآن، وهي لغة، يقال: حَبيتُ الرجلَ، فهو محبوب. قال الفرَّاء: أنشدني أبو تراب: أُحِبُّ لحبِّها السُّودانَ حتى حَبَبْتُ لحبِّها سُودَ الكلابِ(٣) و(مَن)) في قوله: ﴿مَنْ يَتَّخِذُ﴾ في موضع رفع بالابتداء، و((يتخذُ» على اللفظ، ويجوز في غير القرآن: (يتخذون)) على المعنى، و((يحبُّونهم)) على المعنى، و((يحبُّهم)) على اللفظ، وهو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في (يتخذ))، أي: محبِّين، وإن شئت كان نعتاً للأنداد(٤)، أي: محبوبة. والكاف من (كحبِّ)) نعتٌ لمصدر محذوف، أي: يُحبونهم حباً كحبِّ الله. ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ﴾ أي: أشدُّ من حبّ أهلِ الأوثان لأوثانهم والتابعين المتبوعهم. وقيل: إنما قال: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ﴾ لأنَّ الله تعالى أحبَّهم أوَّلاً، ثم أحبُّوه. ومَن شهد له محبوبُه بالمحبة، كانت محبتُه أتمَّ؛ قال الله تعالى: دُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. وسيأتي بيانُ حبِّ المؤمنين لله تعالى، وحبِّه لهم في سورة آل عمران إن شاء الله تعالى(٥) . قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ (١) هو الزجاج، وكلامه في معاني القرآن ١/ ٢٣٧. (٢) لم نقف على هذه القراءة، وأوردها أبو حيان في البحر ١/ ٤٧٠. وقال: وهي لغة، وفي المَثَل: من حبّ طبّ، وجاء مضارعه على يَحِبّ بكسر العين، شذوذاً، لأنه مضاعف متعدٍّ، وقياسه أن يكون مضموم العين، نحو: مدّه يمدّه. (٣) معاني القرآن للفراء ١٣٥/١. وفيه: أنشدني أبو ثروان. والبيت في عيون الأخبار ٤٣/٤، والجمل للزجاجي ص ١٨٢، وشرح المفصل لابن يعيش ٤٧/٩، وخزانة الأدب ٤٥٩/١١ دون نسبة. وعندهم: حتى أحبّ؛ ذكره بعضهم شاهداً لرفع أحبّ، بعد ((حتى))، على معنى: أحببتُ، ولم نقف على رواية المصنف: حبيتُ، ونسبه المصنف عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الحجر لكُثَيِر، وليس في ديوانه . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٥/١. (٥) عند تفسير الآية (٣١) منها . ٧ سورة البقرة : الآية ١٦٥ الْعَذَابِ﴾ قراءةُ أهلِ المدينة وأهلِ الشام بالتاء، وأهل مكة وأهل الكوفة وأبو عمرو بالياء(١)، وهو اختيار أبي عبيد. وفي الآية إشكال وحذف، فقال أبو عبيد: المعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة، لعلموا حين يرونه أن القُوَّة لله جميعاً (٢). و((يرى)) على هذا من رؤية البصر (٣). قال النحاس في كتاب ((معاني القرآن)) له: وهذا القولُ هو الذي عليه أهلُ التفسير. وقال في كتاب ((إعراب القرآن))(٤) له: ورُوي عن محمد بن يزيد أنه قال: هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد، وليست عبارته فيه بالجيدة، لأنه يُقَدِّر: ولو يرى الذين ظلموا العذابَ، فكأنه يجعلُه مشكوكاً فيه، وقد أوجبه الله تعالى، ولكن التقدير وهو قول الأخفش: ولو يرى الذين ظلموا أنَّ القَوة لله. و((يرى)) بمعنى يعلم، أي: لو يعلمون حقيقةً قوَّة الله عزَّ وجلَّ وشدَّة عذابه، فـ ((يرى)) واقعةٌ على أنَّ القوّة لله، وسَدَّت مَسدَّ المفعولين. و((الذين)) فاعلُ ((يرى))، وجواب ((لو)) محذوف، أي: لَتَبَيَّنُوا(٥) ضررَ اتخاذِهِمُ الآلهةَ، كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَيْهِمَّ﴾ [الأنعام: ٣٠]، ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِّقُواْ عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] ولم يأتِ لـ ((لَوْ)) جواب. قال الزُّهري وقتادة: الإضمارُ أشدُّ للوعيد، ومثلُه قولُ القائل: لو رأيتَ فلاناً والسِّياط تأخذُه. ومَنْ قرأ بالتاء فالتقدير: ولو ترى يا محمدُ الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذابَ وفزعِهم منه واستعظامِهم له؛ لأقرُّوا أنَّ القوَّةَ لله، فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى، وهو العامل في ((أنَّ). وتقديرٌ آخرُ: ولو ترى يا محمدُ الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذابَ وفزعِهم منه؛ لعلمتَ أنَّ القوة لله جميعاً. وقد كان النبيُّ ◌َّهِ عَلِمَ ذلك، ولكنْ خُوطب والمرادُ أمَّتُه، فإنَّ فيهم مَن يحتاجُ إلى تقوية علمه بمشاهدة مثلٍ هذا(٦). ويجوز أن يكون المعنى: قل يا محمدُ للظالم هذا. (١) السبعة ص١٧٣، والتيسير ص٧٨. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٦/١. (٣) المحرر الوجيز ٢٣٥/١. (٤) ٢٧٦/١. (٥) في (د) و(ز) و(م): ليتبينوا، وفي (ظ): ليثبتوا، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس. (٦) المحرر الوجيز ٢٣٥/١. ٨ سورة البقرة : الآية ١٦٦ وقيل: ((أنَّ) في موضع نصب مفعول من أجله، أي: لأنَّ القوَّةَ الله جميعاً. وأنشد سيبويه: وأغفِرُ عَوراءَ الكريم ادِّخارَه وأُغرِضُ عن شتمِ اللئيم تكَرُّما(١) أي: لادخارِهِ. والمعنى: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب(٢) لأنَّ القوّة لله، لعلمتَ مبلغَهم منَ النكال، ولاستعظمتَ ما حَلَّ بهم. ودخلت ((إذْ)) - وهي لما مضى - في إثبات هذه المستقبلات تقريباً للأمر وتصحيحاً لوقوعه. وقرأ ابنُ عامر وحده: (يُرون)) بضم الياء، والباقون بفتحها(٣). وقرأ الحسنُ ويعقوب وشَيبة وسَلَّام وأبو جعفر: ((إنَّ القوة، وإنَّ الله)) بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف، أو على تقدير القول، أي: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون: إنَّ القوّة لله. وثبت بنصِّ هذه الآية القوّة لله، بخلاف قول المعتزلة في نَّفْيهم معاني الصفات القديمة(٤)، تعالى الله عن قولهم. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْ اْلْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُِّعُوا﴾ يعني السادةَ والرؤساء تبرؤوا ممَّنِ اتَّبعهم على الكفر، عن قتادة وعطاء والربيع، وقال قتادةُ أيضاً والسُّدِّي: هم الشياطينُ المضلُّون تبرؤوا من الإنس(٥)، وقيل: هو عامٌّ في كل متبوع(٦). (١) الكتاب ٣٦٨/١ و١٢٦/٣ ونسبه لحاتم الطائي، وهو في ديوانه ص٨١. ونقله المصنف عن سيبويه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١/ ٢٧٧ . (٢) في (م): للعذاب. (٣) المحرر الوجيز ٢٣٥/١. والقراءة في السبعة ص١٧٣، والتيسير ص٧٨. (٤) المحرر الوجيز ٢٣٥/١، وفيه نسبة القراءة للحسن وقتادة وشيبة وأبي جعفر. وقراءةُ أبي جعفر ويعقوب من العشرة. انظر النشر ٢٢٤/٢. (٥) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٣/٢ -٢٤. وانظر المحرر الوجيز ٢٣٦/١. (٦) هو اختيار الطبري ٢٤/٢-٢٥، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٣٦/١. ٩ سورة البقرة : الآية ١٦٧ ﴿وَرَأَواْ الْعَذَابَ﴾ يعني التابعين والمتبوعين، قيل: بتيقُّنهم له عند المعاينة في الدنيا. وقيل: عند العَرْض والمُساءَلةِ في الآخرة(١). قلت: كلاهما حاصل، فهم يعاينون عند الموت ما يصيرون إليه من الهوان، وفي الآخرة يذوقون أليمَ العذاب والنَّكال. قوله تعالى: ﴿وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ أي: الوُصلات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من رَحِم وغيره، عن مجاهد وغيره(٢). الواحد سبَب ووُضْلة. وأصل السَّببِ الحَبْلُ يَشِدُّ بالشيء فيجذبُه، ثم جعل كل ما جرَّ شيئاً سبباً. وقال السُّدّي وابنُ زيد: إن الأسبابَ أعمالُهم(٣). والسبب الناحية، ومنه قول زُهير (٤): ومَنْ هابَ أسبابَ المنايا يَخَلْنَه ولو رامَ أسبابَ السماءِ بِسُلَّمٍ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَتَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُوأ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةَ﴾ ((أنَّ) في موضع رفع، أي: لو ثبت أنَّ لنا رَجْعة. ﴿فَتَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ جواب التمنِّي. والكَرَّة: الرَّجعةُ والعودة إلى حالٍ قد كانت. أي: قال الأتباع: لو رُدِدنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحاً ونتبرَّأ منهم ﴿كَمَا تَبَرَّهُوا مِنّ﴾ أي: تبرُّءاً كما، فالكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف، ويجوز أن يكون نصباً على الحال، تقديرها: متبرِّئين، والتبرُّؤ(٥): الانفصال. قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُرِيِهِمُ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌ﴾ الكاف في موضع رفع؛ أي: الأمر كذلك. أي: كما أراهم الله العذابَ، كذلك يُريهم الله أعمالَهم. (١) النكت والعيون ٢١٩/١. (٢) تفسير الطبري ٢٦/٣-٢٧. (٣) تفسير الطبري ٢٨/٣-٢٩، والمحرر الوجيز ٢٣٦/١. (٤) في ديوانه ص٢٧ . (٥) في النسخ: التبرّي، والمثبت من (م). ١٠ سورة البقرة : الآية ١٦٧ و((يُرِيهِمُ اللهُ)) قيل: هي من رؤية البَصَر، فيكون متعدِّياً لمفعولين: الأوَّل: الهاء والميم في ((يُريهم))، والثاني: ((أعمالَهم))، وتكون ((حَسَراتٍ)) حال. ويحتملُ أن يكون من رؤية القلب، فتكون ((حسراتٍ)) المفعول الثالث. ((أعمالَهم)). قال الربيع: أي الأعمال الفاسدة التي ارتكبوها، فوجبت لهم بها النارُ، وقال ابن مسعود والسُّدِّي: الأعمال الصالحة التي تركوها، ففاتتهم الجنة، ورُوِيَت في هذا القول أحاديث(١). قال السُّدِّي: ترفعُ لهم الجنةُ فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله تعالى، ثم تُقسَم بين المؤمنين، فذلك حين يندمون(٢). وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها، وأما إضافة الأعمال الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها(٣). والحَسْرة واحدة الحَسَرات، كتَمْرة وتمَرَات، وجَفْنة وجَفَنات، وشَهْوة وشَهَوات. هذا إذا كان اسماً، فإنْ نَعَتَّ(٤) سكَّنت، كقولك: ضَخْمة وضَخْمات، وعَبْلة وعَبْلات. والحَسْرةُ أعلى درجات الندامة على شيءٍ فائتٍ. والتحسُّر: التَّلَهُّف؛ يقال: حَسِرتُ عليه - بالكسر - أحْسَرُ حَسَراً وحَسْرة. وهي مشتقّة من الشيء الحسير الذي قد انقطع وذهبت قوَّتُه، كالبعير إذا عَيِيَ، وقيل: هي مشتقّة من حَسَر: إذا كشف، ومنه الحاسر في الحرب: الذي لا دِرْعَ معه. والانحسار: الانكشاف. قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ دليل على خلود الكفار فيها، وأنهم لا يخرجون منها. وهذا قول جماعةِ أهلِ السُّنَّة، لهذه الآية، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَقَّ يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَائِطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وسيأتي. (١) المحرر الوجيز ٢٣٦/١. (٢) أخرج الطبري ٣٣/٣-٣٤ و٣٥ الأقوال السالفة. (٣) المحرر الوجيز ٢٣٦/١. (٤) في (م): نعتَّه. ١١ سورة البقرة : الآية ١٦٨ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِنَا فِ الْأَرْضِ حَلا ◌َيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينُ فیہ أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ الآية. قيل: إنها نزلت في ثَقِيف وخُزاعة وبني مُدْلِج فيما حرَّموه على أنفسهم منَ الأنعام(١)، واللَّفظ عامٌّ. والطَّيِّب هنا الحلالُ، فهو تأكيدٌ لاختلاف اللفظ، وهذا قولُ مالك في الطَّيِّب، وقال الشافعيُّ: الطَّيِّب المستَلَذُّ، فهو تنويع، ولذلك يمنع أكل الحيوان القَذِر (٢). وسيأتي بيان هذا في ((الأنعام)) و((الأعراف))(٣) إن شاء الله تعالى. الثانية: قوله تعالى: ﴿حَلَا طَيِّبًا﴾ ((حلالاً)) حال، وقيل: مفعول. وسُمِّيَ الحلالُ حلالاً لا نحلال عُقدة الحَظْر عنه. قال سهل بن عبد الله: النَّجاة في ثلاثة: أَكْلِ الحلال، وأداءِ الفرائض، والاقتداء بالنبيِّ ◌َلي (٤) . وقال أبو عبد الله النِّباحِي واسمه سعيد بن بُرَيد(٥): خمسُ خصال بها تمامُ العلم، وهي: معرفةُ الله عزَّ وجلَّ، ومعرفةُ الحقّ، وإخلاصُ العمل لله، والعملُ على السُّنَّة، وأكلُ الحلال، فإنْ فُقدت واحدةٌ لم يُرفَعِ العملُ. قال سهل: ولا يصحُّ أكلُ الحلال إلا بالعلم، ولا يكون المالُ حلالاً حتى يصفُوَ من ستِّ خصال: الرِّبا، والحرام، والسُّحْت - وهو اسمٌ مجمل - والغُلول، والمكروه، والشُّبهة. (١) النكت والعيون ٢٢٠/١. (٢) المحرر الوجيز ٢٣٦/١. (٣) الأنعام الآية: ١٤٥، والأعراف الآية: ١٥٧. (٤) حلية الأولياء ١٩٠/١٠. (٥) في (د): الباجي، وفي باقي النسخ والحلية ٩/ ٣١٠ : - والخبر فيها -: الساجي سعيد بن يزيد، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه. والنِّباجي نسبة إلى النِّباج، وهي قرية في بادية البصرة. ينظر الأنساب ٢٨/١٢، وسير أعلام النبلاء ٥٨٦/٩. ١٢ سورة البقرة : الآية ١٦٨ الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشَِّعُوا﴾ نَهْيٌ ﴿خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ﴾ ((خُطُوات)) جمع خَطوة وخُطْوة، بمعنَّى واحد. قال الفرَّاء: الخُطُوات جمع خَطْوة، بالفتح. وخُطوة بالضم: ما بين القدمين(١). وقال الجَوْهريُّ (٢): وجمع القِلَّة خَطْوات وخُطُوات وخَطَوات، والكثير خُطَّى. والخَطْوة، بالفتح: المرَّة الواحدة، والجمع خَطَوات - بالتحريك - وخِطاء، مثل: رْوةُ ورِکاء؛ قال امرؤ القيس(٣). لها وَثَباتٌ كوَثْبِ الظُّباءِ فَوَادٍ خِطَاءٌ ووادٍ مَطِرْ وقرأ أبو السَّمَّال العَدَوِي وعُبيد بن عُمير: ((خَطَوات)) بفتح الخاء والطاء(٤). ورُويَ عن عليٍّ بنِ أبي طالب وقتادةً والأعرج وعمرو بن ميمون والأعمش: (خُطُؤات)) بضم الخاء والطاء والهمزة على الواو(٥). قال الأخفش: وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع خطيئة، من الخطأ، لا من الخَطْو (٦). والمعنى على قراءة الجمهور: ولا تَقْفُوا أثَرَ الشيطان وعملَه، وما لم يَرِدْ به الشرع فهو منسوبٌ إلى الشيطان. قال ابن عباس: ((خُطُوات الشَّيْطان)) أعمالُه. مجاهد: خطاياه. السُّدّي: طاعتُه. أبو مِجْلَز: هي النذور والمعاصي(٧). قلت: والصحيح أنَّ اللفظ عامٌّ في كلِّ ما عدا السُّنن والشرائع من البِدَع (١) نقله عنه الرازي: ٣/٥. (٢) الصحاح (خطا). (٣) ديوانه ص ١٦٧ . (٤) المحتسب ١١٧/١، والمحرر الوجيز ٢٣٧/١، ونسبها لأبي السَّمال، ونسبها ابن خالويه ص١١ لأبي حرام الأعرابي. ولم نقف على نسبتها لعبيد بن عمير. (٥) المحتسب ١١٧/١ ونسبها لعلي والأعرج وعمرو بن عبيد، والمحرر الوجيز ٢٣٧/١ ونسبها لعلي وقتادة والأعمش وسلّام. ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١١ لعمرو بن عبيد وعيسى بن عمر. (٦) انظر المحرر الوجيز ٢٣٧/١، ولم نقف على هذا القول للأخفش. (٧) في (م): في المعاصي. وانظر المحرر الوجيز ٢٣٧/١. وأخرج هذه الأقوال الطبري ٣٨/٣_٣٩. ١٣ سورة البقرة : الآية ١٦٨ والمعاصي(١). وتقدَّم القول في ((الشيطان)) مستوفّى(٢). الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أخبر تعالى بأنَّ الشّيطان عدُوٌّ، وخبرُه حقٌّ وصدقٌ. فالواجب على العاقل أنْ يأخذَ حِذْرَه من هذا العدوِّ الذي قد أبان عداوتَه من زمن آدم، وبذل نفسَه وعمرَه في إفساد أحوال بني آدم، وقد أمر الله تعالى بالحذر منه فقال جلَّ مِن قائل: ﴿وَلَا تَشَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطِنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينُ (٦) إِنَّمَا يَأْمُّكُم بِالسُّوْءِ وَالْفَحْشَآِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣)﴾ وقال: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ اٌلْفَقْرَ وَبَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. وقال: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]. وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْتَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوِ فَهَلْ أَنْتُم ◌ُّنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. وقال: ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلُ قُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥]. وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. وهذا غايةٌ في التحذير، ومثلُه في القرآن كثير. وقال عبد الله بنُ عمرو (٣): إنَّ إبليسَ مُوثَقٌ في الأرض السُّفلى، فإذا تحرَّكَ فإنَّ كلَّ شرِّ في الأرض بينَ اثنينٍ فصاعداً مِنْ تحرُّكه(٤). وخرَّج الترمذيُّ من حديث أبي مالك الأشعري، وفيه: ((وآمرُكم أنْ تذكروا الله، فإنَّ مَثَلَ ذلك كمَثّلِ رَجلٍ خرجَ العدوُّ في أثَرِهِ سِراعاً حتى إذا أتى على حِصْنٍ حَصينٍ، فأحرزَ نفسَه منهم، كذلك العبدُ لا يُحرِزُ نفسَه منَ الشيطانِ إلا بذكرِ الله)) الحديث. وقال فيه: حديثٌ حسن صحيح غريب(٥). (١) المحرر الوجيز ٢٣٧/١. (٢) ١/ ١٤٠. (٣) في النسخ: بن عمر، وهو خطأ، فقد أخرج الخبر أبو نعيم في الحلية ٢٨٨/١-٢٨٩، في ترجمة عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما . (٤) في إسناده ضعف، ثم إن عبد الله بن عمرو كان قد روى عن أهل الكتاب كما ذكر الذهبي في السير ٨١/٣، فلعل هذا الخبر - إن صحَّ عنه - مما سمعه منهم. (٥) هو قطعة من حديث مطوّل عند الترمذي (٢٨٦٣)، وهو في مسند أحمد (١٧١٧٠)، وأبو مالك الأشعري راوي الحديث: هو الحارث بن الحارث الأشعري، وهو مشهور باسمه، وهو غير أبي مالك الأشعري المشهور بكنيته والمختلف في اسمه والمتقدم بالوفاة على الحارث الأشعري. ينظر الإصابة ١٥٠/٢ و٣/١٢، وتحفة الأشراف ٣/٣. ١٤ سورة البقرة : الآية ١٦٩ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرَّكُمْ بِالسُّوْءٍ وَاَلْفَحْشَآِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُّكُمْ بِالسُّوَّهِ وَالْفَحْشَآِ﴾ سُمِّيَ السُّوء سوءاً، لأنه يسوءُ صاحبَه بسوء عواقبه. وهو مصدر ساءه يسوءه سُؤْءاً ومساءةً: إذا أحزنه. وسُؤْتُه فسِيء: إذا أحزنتَه فحزن، قال الله تعالى: ﴿سِيّئَتْ رُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الملك: ٢٧]. وقال الشاعر: فطالما قد سَرَّني الدهرُ إن يك هذا الدهر قد ساءني لذاك شكرٌ ولذا (١) صبرُ الأمر عندي فيهما واحد والفحشاء أصله قبح المنظر، كما قال: وَجِيدٍ كجِيد الرِّيم ليس بفاحشٍ(٢) ثم استعملت اللفظة فيما يقبح من المعاني. والشرع هو الذي يُحسِّنُ ويُقبِّح، فكلُّ ما نهت عنه الشريعةُ فهو منَ الفحشاء(٣). وقال مُقاتل: إنَّ كلَّ ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنه الزنى، إلا قوله: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَّةِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] فإنه منعُ الزكاة(٤) . قلت: فعلى هذا قيل: السوء ما لا حَدَّ فيه، والفحشاء ما فيه حَدٌّ. وحُكي عن ابن عباس وغيره(٥)، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال الطبريّ: يريد ما حَرَّموا من البَحِيرة والسَّائبة ونحوها مما جعلوه شَرْعاً (٦). ((وَأَنْ تَقُولُوا)) في موضع خفض عطفاً على قوله تعالى: (بالسُّوءِ والفَحْشَاء)). (١) في (د) و(م): ولذاك، ولم نقف على هذين البيتين. (٢) قائله امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص١٦، وعجزه: إذا هي نصَّتْه ولا بمعظّل قوله: الريم يعني الظبي الأبيض الخالص البياض. (٣) المحرر الوجيز ٢٣٧/١، وهذه مسألة الحسن والقبح، قال أهل السنة: إن العقل يدرك الحسن والقبح في الأشياء دون أن يرتب على ذلك ثواباً أو عقاباً . (٤) ذكر نحوه البغوي في تفسيره ٢٥٦/١ ونسبه للكلبي. (٥) ذكره الواحدي في الوسيط ٢٥٣/١، والبغوي في تفسيره ١٣٨/١. (٦) تفسير الطبري ٣/ ٤٠، والمحرر الوجيز ٢٣٧/١ وعنه نقل المصنف. ١٥ سورة البقرة : الآية ١٧٠ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُوا مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَنَأُ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيًا وَلَا يَهْتَدُونَ ١٧٠ فیه سبع(١) مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ﴾ يعني كفَّار العرب. ابن عباس: نزلت في اليهود(٢). الطبري(٣): الضمير في ((لهم)) عائد على الناس من قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا﴾. وقيل: هو عائد على ((من)) في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَكَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] الآية. وقوله: ﴿أَثَّبِعُوا مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: بالقول(٤) والعمل. ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْغَيْنَا عَلَيْهِ ءَاَءَنَأْ﴾ ألفينا: وجدنا. وقال الشاعر: فألْفَيْتُه غيرَ مُسْتَغْتِبٍ ولا ذاكِرَ اللهِ إلَّ قليلا(٥) الثانية: قوله تعالى: ﴿أَوْلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ﴾ الألف للاستفهام، وفُتحت الواو لأنها واو عطف، عَطفتْ جملةَ كلام على جملة، لأنَّ غاية الفساد في الالتزام أن يقولوا: نَتَّبع آباءنا ولو كانوا لا يعقلون، فقُرِّرُوا على التزامهم هذا، إذ هي حالُ آبائهم(٦). مسألة: قال علماؤنا: وقُوَّةُ ألفاظِ هذه الآية تعطي إبطالَ التقليد(٧)، ونظيرُها: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابَآءَنَأَ﴾. [المائدة: ١٠٤] الآية. وهذه الآية والتي قبلها مرتبطة بما قبلهما، وذلك أن الله سبحانه أخبرَ عن جَهالة العرب فيما تحكَّمت فيه بآرائها السَّفيهة في البَحِيرة والسائبة (١) في النسخ الخطية: ثمان، والمثبت من (م). (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٣/ ٤٢ . (٣) في تفسيره ٤١/٣-٤٢ . (٤) في (خ) و(ز) و(م): بالقبول. (٥) المحرر الوجيز ٢٣٨/١. والكلام الذي قبله منه. والبيت لأبي الأسود الدؤلي، وهو في الكتاب ١٦٩/١، وخزانة الأدب ٣٧٤/١١. (٦) المحرر الوجيز ٢٣٨/١. (٧) المحرر الوجيز ٢٣٨/١. ١٦ سورة البقرة : الآية ١٧٠ والوصيلة، فاحتجُوا بأنه أمْرٌ وَجدوا عليه آباءَهم، فاتَّبعوهم في ذلك، وتركوا ما أنزل اللهُ على رسوله وأمرَ به في دينه، فالضمير في (لهم)) عائدٌ عليهم في الآيتين جميعاً . الثالثة: تعلَّق قومٌ بهذه الآية في ذمّ التقليد لذمِّ الله تعالى الكفارَ باتِّباعِهم لآبائهم في الباطل، واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية. وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في الحقِّ فأصلٌ من أصول الدِّين، وعِضْمةٌ من عِصَم المسلمين، يلجأ إليها الجاهلُ المقصِّرُ عن دَرْك النظر. واختلف العلماءُ في جوازه في مسائل الأصولِ على ما يأتي، وأما جوازُه في مسائلِ الفروعِ فصحيحٌ. الرابعة: التقليدُ عند العلماء حقيقتُه قَبولُ قولٍ بلا حُجَّة، وعلى هذا فَمَن قَبِلَ قول النبيِّ وَ﴿ مِن غيرِ نَظر في معجزته يكون مُقَلِّداً، وأمَّا مَنْ نَظر فيها فلا يكون مُقَدِّداً . وقيل: هو اعتقادُ صحةٍ فُتْيَا مَن لا يُعلم صحةُ قولِه. وهو في اللغة مأخوذٌ من قِلادة البعير، فإِنَّ العرب تقول: قَلَّدت البعيرَ: إذا جعلتَ في عنقه حبلاً يُقادُ به، فكأن المقلّد يجعلُ أمرَه كلَّ لمن يقودُه حيث شاء، وكذلك قال شاعرهم (١): وقَلِّدوا أمرَكمْ لله دَرُّكُمُ ثَبْتَ الجَنانِ بأمر الحربِ مُضْطَلِعًا الخامسة: التقليدُ ليس طريقاً للعلم، ولا مُوصِلاً له، لا في الأصول ولا في الفروع، وهو قولُ جمهور العقلاء والعلماء، خلافاً لما يُحكى عن جُمَّال الحَشْوية والتَّعليميَّة(٢) من أنه طريقٌ إلى معرفة الحقّ، وأنَّ ذلك هو الواجب، وأنَّ النظرَ والبحثَ حرامٌ. والاحتجاجُ عليهم في كتب الأصول. السادسة: فرضُ العاميِّ الذي لا يشتغلُ باستنباط الأحكام من أصولها لعدم (١) هو لقيط بن يعمر، والبيت في ديوانه ص ٤٧ . (٢) التعليمية: أحد ألقاب الباطنية، لقبوا بذلك لأنهم ينادون بإبطال الرأي، وبدعوة الخلق إلى التعلم، والأخذ عن الإمام المعصوم، ويبالغون في أهمية التعلم منه. ينظر فضائح الباطنية للغزالي ص ١١، ١٧. وسلف الكلام على الحشوية ١/ ٩٠. ١٧ سورة البقرة : الآية ١٧٠ أهليَّتِهِ فيما لا يعلمُه من أمر دينه ويحتاج إليه: أن يقصدَ أعلمَ مَنْ في زمانه وبلده، فيسألَه عن نازلته، فيمتثلَ فيها فتواه، لقوله تعالى: ﴿فَسْتَّلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونٌ﴾ [النحل: ٤٣]، وعليه الاجتهادُ في أعلم أهل وقته بالبحث عنه، حتى يقعَ عليه الاتفاقُ من الأكثر من الناس. وعلى العالِم أيضاً فرضٌ أنْ يُقَلِّد عالِماً مثلَه في نازلة خفي عليه فيها (١) وجهُ الدليل والنظر، وأراد أن يجدِّدَ الفكرَ فيها والنظرَ حتى يقفَ على المطلوب، فضاقَ الوقتُ عن ذلك، وخاف على العبادة أن تفوتَ، أو على الحكم أن يذهبَ، سواءٌ كان ذلك المجتهدُ الآخَر صحابيًّا(٢) أو غيرَه، وإليه ذهبَ القاضي أبو بكر وجماعةٌ من المحقّقين. السابعة: قال ابن عطية (٣): أجمعتِ الأمّة على إبطال التقليد في العقائد. وذكر فيه غيره خلافاً، كالقاضي أبي بكر بن العربي وأبي عمرو عثمان بن عيسى بن دِرْباس الشافعي(٤). قال ابن دِرْباس في كتاب ((الانتصار)) له: وقال بعضُ الناس: يجوز التقليدُ في أمر التوحيد، وهو خطأ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآَ نَا عَلَىَ أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. فذمَّهم بتقليدِهم آباءَهم وتركِهم اتِّباعَ الرسل، كصنيع أهلِ الأهواء في تقليدِهم كُبراءَهم وتركِهم اتِّاعَ محمدٍ بَّه في دينه، ولأنه فرضٌ على كل مكلّفٍ تعلُّمُ أمرِ التوحيدِ والقطعُ به، وذلك لا يحصل إلا من جهة الكتاب والسُّنة، كما بيناه في آية التوحيد(٥)، والله يهدي من یرید. قال ابنُ دِرْباس: وقد أكثرَ أهلُ الزَّيْغ القولَ على مَنْ تمسَّكَ بالكتاب والسُّنة أنهم مقلِّدون. وهذا خطأ منهم، بل هو بهم ألْيَقُ وبمذاهبهم أَخْلَق، إذ قبلوا قولَ ساداتِهم وكُبرائِهم فيما خالفوا فيه كتابَ الله وسُنَّةَ رسوله وإجماع الصحابة رضي الله عنهم، فكانوا داخلين فيمن ذَمَّهم الله بقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبْرَةَنَا﴾ إلى قوله: ﴿كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٧-٦٨]. وقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىَ ءَاتَرِهِم (١) لفظة: فيها، من (م). (٢) في النسخ: صحابي. والمثبت من (م). (٣) المحرر الوجيز ٢٣٨/١. (٤) من كبار الشافعية، شرح المهذَّب، واللُّمع وناب عن أخيه القضاء. مات سنة اثنتين وست مئة. سير أعلام النبلاء ٢٩١/٢٢. (٥) يعني قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَيَّةٌ لَّ إِلَهَ إِلََّّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾﴾، وتقدم في ٤٨٩/٢. ١٨ سورة البقرة : الآية ١٧٠ مُقْتَدُونَ﴾، ثم قال لنبيِّه: ﴿قَالَ أَوْلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ ءَابَكُمْ قَالُواْ إِنَّا بِمَآَ أُزْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾، ثم قال النبيِّه عليه السلام ﴿فَلْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ الآية [الزخرف: ٢٣-٢٥]. فبيَّنَ تعالى أن الهُدَى فيما جاءت به رسلُه عليهم السلام. وليس قولُ أهلِ الأثر في عقائدهم: إنا وجدنا أثمتَنا وآباءَنا والناسَ على الأخذ بالكتاب والسُّنة وإجماع السلف الصالح من الأمة، من قولهم: إنا وجدنا آباءنا وأطعنا سادتنا وكبراءنا بسبيل؛ لأنَّ هؤلاء نَسبوا ذلك إلى التنزيل وإلى متابعة الرسول، وأولئك نَسبوا إِفْكَهم إلى أهل الأباطيل، فازدادوا بذلك في التضليل، ألا ترى أنَّ الله سبحانه أثنى على يوسفَ عليه السلام في القرآن حيث قال: ﴿إِنّ تَرَكْتُ مِلَّةٌ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِلْأَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ (٢) وَأَتَبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىّ إِتَزَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ مَا كَانَ لَنَآ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ [يوسف: ٣٧- ٣٨]. فلما كان آباؤه عليه وعليهم السلام أنبياءَ متَّبِعِين للوحي، وهو الدين الخالص الذي ارتضاه الله، كان اتِّباعُه إياهم (١) من صفات المدح. ولم يجئ فيما جاؤوا به من(٢) ذكر الأعراض وتعلُّقها بالجواهر وانقلابها فيها، فدلَّ على أنْ لا هُدَى فيها ولا رُشد في واضعيها . قال ابنُ الحصَّار: وإنما ظهر التلفُّظُ بها في زمن المأمون بعد المئتين لما تُرجمت كتب الأوائل، وظهر فيها اختلافُهم في قِدَمِ العالَم وحدوثِه، واختلافُهم في الجوهر وثبوتِه، والعَرَضِ وماهيَّتِه؛ فسارع المبتدعون ومَن في قلبه زَيْغ إلى حفظ تلك الاصطلاحات، وقصدوا بها الإغرابَ على أهل السُّنة، وإدخالَ الشُّبَهِ على الضعفاء من أهل المِلَّة. فلم يزلِ الأمرُ كذلك إلى أن ظهرتِ البِدْعةُ، وصارت للمبتدِعة شيعة، والتبس الأمرُ على السلطان، حتى قال الأميرُ بخلق القرآن، وجَبَرَ الناسَ عليه، وضربَ أحمدَ بن حنبل على ذلك. فانتدبَ رجالٌ من أهل السُّنة، كالشيخ أبي الحسن الأَشْعَريِّ، وأبي [محمد] (١) في (د): إياه. وفي (م): آباءه. (٢) لفظة (من))، ليست في (خ) و(ظ) و(م). ١٩ سورة البقرة : الآية ١٧١ عبدِ الله بن كُلَّاب(١)، وابنِ مجاهد، والمحاسبيٍّ، وأضرابِهم، فخاضوا مع المبتدعة في اصطلاحاتهم (٢)، ثم قاتلوهم وقتلوهم بسلاحهم. وكان مَنْ دَرَجَ من المسلمين من هذه الأمة متمسِّكين بالكتاب والسُّنة، معرضين عن شُبَهِ الملحدين، لم ينظروا في الجوهر والعَرَض، على ذلك كان السّلف. قلت: ومَنْ نظرَ الآن في اصطلاح المتكلِّمين حتى يناضلَ بذلك عن الدِّين، فمنزلتُه قريبةٌ من النبيِّين. فأمّا مَنْ يُهجِّنُ(٣) من غُلاة المتكلِّمين طريقَ مَن أخذ بالأثر من المؤمنين، ويحضُّ على درس كتب الكلام، وأنه لا يُعرف الحقُّ إلا من جهتها بتلك الاصطلاحات، فصاروا مذمومين؛ لنقضهم طريقَ المتقدِّمين من الأئمة الماضين، والله أعلم. وأمَّا المخاصمةُ والجدالُ بالدليل والبرهان فذلك مبيٌَّ(٤) في القرآن، وسيأتي بيانُه إن شاء الله تعالى(٥) . قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلَّا دُعَاءُ وَنِدَاً صُمْ بُكْمُّ عُنْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شبّه تعالى واعظَ الكافرين(٦) وداعيَهم - وهو محمد ◌َّاهـ بالراعي الذي يَنْعِق بالغنم أو الإبل(٧)، فلا تسمعُ إلا دعاءَه ونداءَه، ولا تفهمُ ما يقول، هكذا فسَّرِه ابنُ عباس، ومجاهد، وعِكرمة، والسُّدِّيّ، والزجَّاج، والفَرَّاء، وسيبويه، وهذه نهايةُ الإيجاز(٨). (١) هو عبد الله بن سعيد بن كُلّاب القطان البصري. وكان يلقب كُلَّاباً لأنه كان يجرُّ الخصم إلى نفسه ببيانه وبلاغته، وأصحابه هم الكُلَّابية. وله كتاب الصفات وكتاب خلق الأفعال، وكتاب الرد على المعتزلة. كان حياً قبل الأربعين ومئتين. سير أعلام النبلاء ١١/ ١٧٤ . (٢) في (خ) و(ظ) و(ز): إصلاحهم. (٣) في المعجم الوسيط: هجَّنَ الأمر: قبَّحه وعابه. (٤) في (د) و(م): بيّن. (٥) ينظر تفسير الآية (٢٥٨) من سورة البقرة، وتفسير الآية (٦٦) من سورة آل عمران. (٦) في (د) و(م): الكفار. (٧) في (د) و(م): والإبل. (٨) المحرر الوجيز ٢٣٨/١. وقد أخرج الطبري ٤٤/٣-٤٧ قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي، وقول الزجاج في معاني القرآن له ٢٤٢/١، وقول الفراء في معاني القرآن له ٩٩/١، وقول سيبويه في الكتاب ٢١٢/١. ٢٠ سورة البقرة : الآية ١٧١ قال سيبويه(١): لم يُشَبَّهوا بالناعق، إنما شُبِّهوا بالمنعوق به. والمعنى: ومَثَلُك يا محمد ومَثَلُ الذين كفروا، كمَثَل الناعق والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم، فحذف لدلالة المعنى. وقال ابن زيد: المعنى: مثلُ الذين كفروا في دعائهم الآلهةَ الجماد، كمثل الصائح في جَوْف الليل فيجيبُهُ الصَّدَى، فهو يصيحُ بما لا يسمع، ويُجيبه ما لا حقيقة فیه ولا منتفع(٢). وقال قُظْرب: المعنى: مَثَلُ الذين كفروا في دعائهم ما لا يَفهم - يعني الأصنام - كمثل الراعي إذا نَعَقَ بغنمه وهو لا يدري أين هي. قال الطبري(٣): المرادُ: مَثَلُ الكافرين في دعائهم آلهتَهم كمثل الذي يَنْعِقِ بشيء بعيد، فهو لا يسمعُ من أجل البعد؛ فليس للناعق من ذلك إلا النّداء الذي يُتعبه ویُنصِبُه . ففي هذه التأويلات الثلاثة يشبّه الكفارَ بالناعقِ الصائح، والأصنامَ بالمنعوق به. والنَّعيق: زَجْرُ الغنم والصياحُ بها، يقال: نَعَق الراعي بغنمه يَنْعِقِ نَعِيقاً ونُعاقاً ونَعَقاناً، أي: صاحَ بها وزَجَرَها؛ قال الأخطل(٤): إِنْجِق بضأنك يا جريرُ فإنما مَنَّتْكَ نفسُك في الخلاء ضلالًا قال القُتَبِيُّ: لم يكن جرير راعيّ ضأن، وإنما أراد أنَّ بني كُليب(٥) يُعَيَّرون برعي الضأن، وجريرٌ منهم؛ فهو في (٦) جهلهم. والعرب تضرب المثلَ براعي الغنم في الجهل ويقولون: أجهل من راعي ضأن(٧). (١) الكتاب ٢١٢/١. (٢) هو بنحوه في تفسير الطبري ٤٩/٣، والمحرر الوجيز ٢٣٨/١. (٣) تفسير الطبري ٤٩/٣ بنحوه، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٣٨/١. (٤) ديوانه ص ٥٠. والمحرر الوجيز ٢٣٨/١. (٥) في (د): كلاب، وفي (ز): كلب. (٦) في (ظ): من. (٧) جمهرة الأمثال ٣٣٤/١.