Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ سورة البقرة : الآية ١٢٨ وفي رواية أخرى: أنه حين نادى استدار، فدعا في كلِّ وجه (١)، فَلَبَّى الناسُ من كلِّ مشرقٍ ومغرب، وتطأطأت الجبالُ حتى بَعُدَ صوتُهُ(٢). وقال محمد بن إسحاق: لمَّا فرغ إبراهيمُ خليلُ الرحمن صلواتُ الله عليه من بناء البيت الحرام، جاءه جبريلُ عليه السلام، فقال له: طُفْ به سبعاً، فطافَ به سبعاً هو وإسماعيلُ عليهما السلام، يستلمان الأركانَ كلَّها في كلِّ طَوَاف، فلمَّا أكملا سبعاً (٣) صلَّيا خلف المقام ركعتين. قال: فقامَ جبريلُ، فأراه المناسكَ كلَّها: الصَّفَا والمَرْوَة، ومِنّى والمُزْدَلِفة. قال: فلما دخل منّى وهَبَط من العَقَبة، تَمثَّلَ له إبليس. فَذَكر نحوَ ما تقدَّم. قال ابن إسحاق: وبلغني أن آدَمَ عليه السلام كان يستلمُ الأركانَ كلَّها قبلَ إبراهيم عليه السلام. وقال: حجَّ إسحاقُ وسارةُ من الشام، وكان إبراهيم عليه السلام يحجُّه كلَّ سنة على البُراق، وحَجَّتْه بعدَ ذلك الأنبياء والأمم(٤). وروى محمد بن سابط عن النبيِّ وَّ﴿ أنه قال: كان النبيُّ من الأنبياء إذا هَلَكت أُمَّته لَحِقَ بمكة(٥)، فتعبَّد بها هو ومَن آمَنَ معه حتى يموتوا، فمات بها نوح وهود وصالح، وقبورُهم بين زمزمَ والحِجْر(٦). وذكر ابنُ وَهْب أن شُعَيْباً مات بمكة هو ومَنْ معه من المؤمنين، فقبورُهم في غربيٍّ مكةَ بين دار النَّدْوَة وبين بني سَهْم(٧). وقال ابن عباس: في المسجد الحرام قبران، ليس فيه غيرُهما، قبرُ إسماعيل وقبر (١) في (ز): وجهة. (٢) أخبار مكة ٦٩/١ -٧٠. (٣) بعدها في (ز) زيادة: هو وإسماعيل عليهما السلام. (٤) أخرج هذين الخبرين الأزرقي في أخبار مكة ٦٨٦٦/١. (٥) في (د) و(ظ) و(م): مكة، والمثبت من (ز) وهو الموافق لما عند الأزرقي. (٦) أخرجه الأزرقي في أخبار مكة ٦٨/١، ورواية محمد بن سابط عن النبي ◌َّه مرسلة، كما في التاريخ الكبير ١٠٤/١. وأخرجه الطبري ٤٧٦/١ بنحوه أطول منه. ومحمد بن سابط هو أخو عبد الرحمن بن سابط، قال أبو حاتم: لا أعرفه. انظر الجرح والتعديل ٢٨٣/٧. (٧) أخرجه الأزرقي بنحوه في أخبار مكة ٧٣/١-٧٤ وفيه: فتلك قبورهم في غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بني هاشم. ٤٠٢ سورة البقرة : الآية ١٢٩ شعيب عليهما السلام، فقبرُ إسماعيل في الحِجْر، وقبر شُعيب مقابل الحَجَر الأسود(١). وقال عبد الله بنُ ضَمْرَةَ السَّلُوليُّ: ما بين الركن والمقام إلى زمزم قبورُ تسعةٍ وتسعين نبيًّا جاؤوا حُجَّاجاً، فقُبروا هنالك، صلواتُ الله عليهم أجمعين(٢). قوله تعالى: ﴿وَتَّبْ عَلَيْنَاً﴾ اختُلِفَ في معنى قولِ إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السلام: ((وَتُبْ عَلَيْنَا))، وهم أنبياءُ معصومون، فقالت طائفة: طلبا التثبيتَ والدوام، لا أنهما کان لهما ذنبٌ. قلت: وهذا حسن، وأحسنُ منه أنهما لمَّا عَرَفا المناسكَ وبَنَيا البيتَ، أرادا أن يَسُنَّا (٣) للناس ويعرِّفاهم أن ذلك الموقفَ وتلك المواضعَ مكانُ التنصُّل من الذنوب وطلبٍ التوبة(٤). وقيل: المعنى وَتُبْ على الظَّلَمة منّا. وقد مضى الكلامُ في عصمة الأنبياء عليهم السلام في قصة آدم عليه السلام، وتقدَّم القول(٥) في معنى قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [الآية: ٣٧]، فأغنى عن إعادته. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ ١٢٩١١ وَاْحِكْمَةَ وَيُزَكِبِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَنِبِزُ الْحَكِيمُ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيِهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني محمداً وَلَه، وفي قراءة أُبَيِّ: ((وابعثْ في آخِرهم رسولاً منهم))، وقد روى خالد بنُ مَعْدَان: أنّ نَفَراً من أصحاب النبيِّ وَ ﴿ قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، قال: ((نعم، أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ، ويُشْرى عيسى))(٦). (١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٨/ ٧١. (٢) أخبار مكة ٦٨/١. (٣) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): يبيِّنا، والمثبت من (خ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز. (٤) المحرر الوجيز ٢١١/١. (٥) ٤٥٩/١-٤٦٠. (٦) النكت والعيون ١٩١/١، والحديث أخرجه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ١٦٦/١، وابن سعد في الطبقات ١/ ١٥٠، والطبري في التفسير ٥٧٢/٢-٥٧٣، والحاكم في المستدرك ٢/ ٦٠٠، والبيهقي في الدلائل ٨٣/١. قال الحاكم: خالد بن معدان من خيار التابعين، صحب معاذ بن جبل فمن بعده من الصحابة، فإذا أسند حديثاً إلى الصحابة فإنه صحيح الإسناد وإن لم يخرجاه. = ٤٠٣ سورة البقرة : الآية ١٢٩ و ((رَسُولاً)) أي: مُرْسَلاً؛ وهو فَعُول من الرِّسالة؛ قال ابنُ الأنباريِّ: يُشبهُ أن يكون أصلُه من قولهم: ناقةٌ مِرْسالٌ ورَسْلَة؛ إذا كانت سهلةَ السير، ماضيةً أمام النُّوق. ويقال للجماعة المهمَلة المرسلة: رَسَلٌ، وجمعه أرسال، ويقال: جاء القوم أرسالاً، أي: بعضُهم في إثر بعض؛ ومنه يقال للَّبن: رِسْلٌ؛ لأنه يُرسَلُ من الضَّرْع. قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ((الكتاب)): القرآن. و(«الحكمة)): المعرفةُ بالدِّين، والفقهُ في التأويل، والفهمُ الذي هو سَجِيَّةٌ ونورٌ من الله تعالى؛ قاله مالك، رواه(١) عنه ابنُ وهب، وقاله ابنُ زيد. وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة، وبيانُ الشرائع(٢). وقيل: الحُكُم والقضاء خاصةً، والمعنى متقارب. ونُسب التعليم إلى النبيِّ وَّ﴾ من حيثُ هو يعطي الأمور التي ينظر فيها، ويعلِّمُ طريقَ النظر بما يُلقيه الله إليه من وَخْيه(٣). ((وَيُزَكِّيهمْ)) أي: يطهِّرهم من وَضَر الشرك؛ عن ابن جُريج (٤) وغيره. والزكاة: التطهير، وقد تقدم(٥). وقيل: إن الآياتِ تلاوةٌ ظاهر الألفاظ، والكتابَ معاني الألفاظ، والحِكمةً الحُكْم؛ وهو (٦) مرادُ الله بالخطاب من مُظْلَقٍ ومقيَّد، ومفسَّرٍ ومُجْمَل، وعمومٍ وخصوص، وهو معنى ما تقدَّم، والله تعالى أعلم. و((العَزِيزُ)) معناه: المنيعُ الذي لا يُنال ولا يُغالَب. وقال ابنُ كَيْسان: معناه الذي لا يُعجزه شيء؛ دليلُه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَىْءٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِّ﴾ [فاطر: ٤٤]. الكسائي: ((العزيزُ)): الغالب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِ فِى الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]، = وله شاهد من حديث العرباض بن سارية عند أحمد (١٧١٥٠)، وآخر من حديث أبي أمامة عند أحمد أيضاً (٢٢٢٦١). (١) في (م): ورواه. (٢) المحرر الوجيز ٢١٢/١، وخرج الأقوال السالفة الطبري ٢/ ٥٧٦. (٣) المحرر الوجيز ٢١٢/١. (٤) أخرجه الطبري ٢/ ٥٧٧_٥٧٨. (٥) ٢٣/٢. (٦) في (خ) و(د) و(ز): وهي. ٤٠٤ سورة البقرة : الآية ١٣٠ وفي المثَل: مَنْ عَزَّ بَزَّ(١)، أي: مَنْ غَلَبَ سَلَبَ. وقيل: ((العزيز): الذي لا مِثْلَ له، بيانُه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد زدنا هذا المعنى بياناً في اسمه ((العزيز)) في ((الكتاب(٢) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى))(٣)، وقد تقدَّمَ معنى «الحکیم»(٤) والحمد لله. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَهِعَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُمْ وَلَقَدِ أَصْطَفَيْنَهُ فِى الذُّنْيَا وَإِنَّهُ فِىِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مَِّّةِ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَُ﴾ ((مَن)) استفهام في موضع رفع بالابتداء، و((يَرْغبُ)) صلةُ ((مَنْ))، ((إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)) في موضع الخبر، وهو تقريع وتوبيخ، وقعَ فيه معنى النفي؛ أي: وما يرغبُ، قاله النحاس(٥). والمعنى: يزهَد فيها، وينأى بنفسه عنها، أي: عن الملَّة، وهي الدِّينُ والشرع. ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال قتادة: هم اليهود والنصارى، رَغْبُوا عن مِلَّة إبراهيم، واتخذوا اليهوديةَ والنصرانيةَ بِدْعةً ليست من الله تعالى(٦). قال الزجَّاج (٧): ((سَفِهِ)) بمعنى جهل، أي: جَهِلَ أمْرَ نفسِه، فلم يفكّر فيها. وقال أبو عبيدة(٨): المعنى: أهلكَ نفسَه. وحكى ثعلب والمبرِّد أنَّ ((سَفِه)) بكسر الفاء يتعذَّى كـ(اسَفَّهَ))، بفتح الفاء وشدِّها. وحُكي عن أبي الخطاب ويونسَ أنها لغة(٩). (١) جمهرة الأمثال ٢٨٨/٢، ومجمع الأمثال ٣٠٧/٢، والمستقصى للزمخشري ٢/ ٣٥٧. وقولُ الكسائي ذكره الواحدي في الوسيط ٢١٣/١. (٢) في (ز) كتابنا، وفي (د) و(م): كتاب. (٣) ص٢٠١. (٤) ٤٢٩/١. (٥) كذا في النسخ، والذي ذكره النحاس في إعراب القرآن ٢٦٣/١ وغيرُه أن ((يرغب)» هو الخبر، أمّا ما ذهب إليه المصنف من أن ((يرغب)) صلة ((من))، فلم نقف عليه لأحد، وانظر فتح القدير ١٤٤/١. (٦) أخرجه الطبري ٥٧٩/٢. (٧) معاني القرآن ١/ ٢١١. (٨) مجاز القرآن ٥٦/١. (٩) المحرر الوجيز ٢١٢/١، وذكر أيضاً قولَ يونس الأخفشُ في معاني القرآن ٣٣٧/١، والزَّجَّاجِ في= ٠ ٤٠٥ سورة البقرة : الآية ١٣٠ وقال الأخفش(١): ((سَفِه نَفْسَه)) أي: فعلَ بها من السَّفَهِ ما صارَ به سفيهاً. وعنه أيضاً: هي لغة بمعنى ((سفَّه))؛ حكاه المَهْدَوِيُّ، والأولُ ذكره الماوَرْدِيّ(٢). فأمَّا ((سَفُه)) بضم الفاء، فلا يتعدَّى؛ قاله المبرِّد وثعلب. وحكى الكسائيُّ عن الأخفش(٣) أنَّ المعنى: جَهِلَ في نفسه، فحذفت ((في)) فانتصب. قال الأخفش(٤): ومثله ﴿عُقْدَةَ النِّكَاجِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: على عقدة النكاح. وهذا يجري على مذهب سيبويه فيما حكاه من قولهم: ضُرِبَ فلانٌ الظّهرَ والبطنَ؛ أي: في الظهر والبطن(٥). الفَراء(٦): هو تمييز. قال ابن بحر: معناه جَهِلَ نفسَه وما فيها من الدلالات والآيات الدالَّةِ على أنَّ لها صانعاً ليس كمثله شيء، فيعلم به توحيدَ الله وقدرته. قلت: وهذا هو معنى قولِ الزجاج، فیفگِّر في نفسه: مِن يَدَیْنِ یبطش بهما، ورِجْلَيْنٍ يمشي عليهما، وعينٍ يُبصر بها، وأُذُنٍ يسمع بها، ولسانٍ ينطق به، وأضراسٍ تَنْبُت له عند غناه عن الرَّضاع وحاجتهِ إلى الغذاء ليطحنَ بها الطعامَ، ومَعِدةٍ أُعدَّت لطبخ الغذاء(٧)، وكَبِدٍ يصعد إليها صَفْوُه، وعروقٍ ومعابرَ ينفذُ فيها إلى الأطراف، وأمعاءٍ يَرْسُب إليها ثُفْل (٨) الغذاء ويبرزُ من(٩) أسفل البدن، فيستدِلُّ بهذا على أنَّ له خالقاً قادراً عليماً حكيماً؛ وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِىِّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ = معاني القرآن ٢٠٩/١. (١) معاني القرآن للأخفش ٣٣٧/١. (٢) النكت والعيون ١/ ١٩٣، والكلام الذي بعده منه. (٣) في إعراب القرآن للنحاس ٢٦٣/١: وقال الكسائي وهو أحد قولي الأخفش. (٤) معاني القرآن له ٣٣٨/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٦٣/١. (٥) الكتاب ١٥٩/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢١٢/١. (٦) معاني القرآن له ٧٩/١. (٧) في (ظ): الطعام. (٨) في (ظ): فضل. (٩) في (خ) و(ز) و(ظ): عن. ٤٠٦ سورة البقرة : الآية ١٣٠ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]. أشار إلى هذا الخطّابيُّ رحمه الله تعالى. وسيأتي له مزيدُ بيان في سورة ((والذّاريات)) إن شاء الله تعالی. وقد استدلَّ بهذه الآية من قال: إن شريعةَ إبراهيمَ شريعةٌ لنا إلا ما نُسِخَ منها(١)، وهذا كقوله: ﴿قِلَّةَ أَبِكُمْ إِزَمِيمٌ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿أَنِ اتَّعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]. وسيأتي بيانه. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدٍ أَصْطَفَيْنَهُ فِ الذُّنْيَاً﴾ أي: اخترناه للرسالة، فجعلناه صافياً من الأدناس. والأصل في ((اضْطَفَيْناهُ)): اصتفيناه، أُبدلت التاءُ طاءً لتناسبها مع الصاد في الإطباق. واللفظ مشتقٌّ من الصَّفْوة، ومعناه: تخيّرِ الأَصْفَى(٢). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِينَ﴾ الصالح في الآخرة هو الفائز(٣). ثم قيل: كيف جازَ تقديم ((في الآخرةِ)) وهو داخل في الصِّلة؟ قال النحاس(٤): فالجواب أنه ليس التقدير إنه لَمن الصالحين في الآخرة، فتكونَ الصلة قد تقدَّمت، ولأهل العربية فيه ثلاثةُ أقوال: منها أن يكون المعنى: وإنه صالحٌ في الآخرة، ثم حذف، وقيل: ((في الآخرة) متعلّق بمصدر محذوف، أي: صلاحُه في الآخرة، والقول الثالث: أن ((الصالحين)) ليس بمعنى الذين صلحوا، ولكنه اسم قائم بنفسه، كما يقال الرجل والغلام. قلت: وقولٌ رابع أن المعنى: وإنه في عمل الآخرة لمن الصالحين، فالكلام على حذفٍ مضاف(٥). وقال الحسين بنُ الفضل: في الكلام تقديم وتأخير، مَجَازُه: ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة، وإنه لمن الصالحين(٦). (١) ينظر أحكام القرآن للجصاص ١/ ٨١، وأحكام القرآن للكيا الطبري ١/ ٢٠. (٢) المحرر الوجيز ٢١٢/١. (٣) معاني القرآن للزجاج ١/ ٢١١. (٤) إعراب القرآن ٢٦٣/١. (٥) المحرر الوجيز ٢١٣/١. (٦) تفسير البغوي ١/ ١١٧. ٤٠٧ سورة البقرة : الآية ١٣١ وروى حَجَّاج بنُ حجَّاج - وهو حجاجُ الأسودُ، وهو أيضاً حجاج الأحول المعروفُ بزِقِّ العَسَل - قال: سمعتُ معاوية بنَ قُرَّة يقول: اللَّهمَّ إن الصالحين أنتَ أصلحتَهم ورزقتَهم أنْ عملوا بطاعتك، فرَضِيتَ عنهم، اللَّهمَّ كما أصلحتهم فَأَضْلِحْنا، وكما رزقتهم أنْ عملوا بطاعتك، فرَضيتَ عنهم، فارزقنا أن نعمل بطاعتك وارضَ عنا(١). قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ العامل في ((إذ» قولُه: ((اصطفيناه)) أي: اصطفيناه إذ قال له ربُّه: أَسْلِمْ. وكان هذا القولُ من الله تعالى حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس(٢). قال ابن کَیْسان والکلميُّ : أي: أُخلِصْ دینَك لله بالتوحيد(٣). وقيل: اخضعْ واخشغ. وقال ابن عباس: إنما قال له ذلك حين خرج من السَّرَب(٤)، على ما يأتي ذكره في ((الأنعام))(٥). والإسلامُ هنا على أتمٍّ وجوهه، والإسلامُ في كلام العرب: الخضوع والانقياد للمستسلم، وليس كلُّ إسلام إيماناً. وكلُّ إيمان إسلامٌ، لأنَّ مَن آمن بالله فقد استسلمَ وانقادَ لله، وليس كلُّ مَن أسلمَ آمن بالله؛ لأنه قد يتكلَّمُ فَزَعاً من السيف، ولا يكون ذلك إيماناً؛ خلافاً للقَدَريَّة والخوارج حيث قالوا: إن الإسلام هو الإيمان، فكلُّ مؤمنٍ مسلمٌ، وكلُّ مسلم مؤمن (٦)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ اللَِّ اَلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]. فدلَّ على أن الإسلام هو الدِّين، وأنَّ مَن ليس بمسلم فليس بمؤمن. ودليلُنا قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّاً قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، الآية. فأخبر الله تعالى أنه ليس كلُّ مَن أسلمَ مؤمناً، فدلَّ على أنه(٧) ليس كلُّ مسلم مؤمناً. وقال وَّه لسعد بن أبي وقاص لمَّا قال له: أعْطِ فلاناً فإنه مؤمن، فقال النبيُّ ◌َّى: (١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢٩٩/٢، وأورده المزي في تهذيب الكمال ٢١٤/٢٨. (٢) المحرر الوجيز ٢١٣/١. (٣) ذكره البغوي ١١٨/١ عن الكلبي. (٤) تفسير البغوي ١/ ١١٧، وأخرجه مطولاً الطبري في التاريخ ٢٣٦/١. (٥) عند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ﴾. الآية: ٧٥. (٦) بعدها في (ز): عندهم. (٧) في (خ) و(ز) و(ظ): أن. ٤٠٨ سورة البقرة : الآية ١٣٢ (أوْ مُسْلِمٌ)) الحديث، خرَّجه مسلم(١). فدلَّ على أنَّ الإيمانَ ليس الإسلامَ، فإنَّ الإيمانَ باطن، والإسلامَ ظاهر، وهذا بَيِّن(٢). وقد يُطلَق الإيمان بمعنى الإسلام، والإسلامُ ويراد به الإيمان؛ لِلُزوم أحدهما الآخَرَ وصُدُورِهِ عنه، كالإسلام الذي هو ثمرةُ الإيمان ودلالةٌ على صحته، فاعلمه، وبالله التوفيق. قوله تعالى: ﴿وَوَضَّى بِهَآ إِبَهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبٌ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ قوله تعالى: ﴿وَوَضَّى بِهَا إَِهِعُ﴾ أي: بالمِلَّة، وقيل: بالكلمة التي هي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ وهو أصوب، لأنه أقربُ مذكور (٣)، أي: قولوا: أسلمنا. ووَصَّى وأَوْصى لغتان لقريش وغيرِهم بمعنّى، مثل: كَرَّمْنَا وأكرمنا(٤)، وقُرى بهما. وفي مصحف عبدِ الله: ((ووَضَّى))، وفي مصحف عثمان: ((وأَوْصَى))، وهي قراءة أهلِ المدينة والشَّام. الباقون: ((ووَصَّى))، وفيه معنى التكثير(٥). و((إبراهيم)) رفع بفعله، و((يعقوبُ)) عطف عليه (٦)، وقيل: هو مقطوع مستأنف، والمعنى: وأوصى يعقوبُ وقال: يا بَنِيَّ إنَّ الله اصطفى لكم الدِّين(٧)، فيكون إبراهيمُ قد وَصَّى بنيه، ثم وَصَّی بعده يعقوبُ بنیه. وبنو إبراهيم: إسماعيل، وأمُّه هاجَر القِبطيَّة، وهو أكبرُ ولدِهِ، نقلَه إبراهيم إلى مكّةً وهو رضيع، وقيل: كان له سنتان، وقيل: كان له أربعَ عَشْرةَ سنةً، والأوَّل أصحّ، على ما يأتي في سورة إبراهيم بيانُه إن شاء الله تعالى(٨)، ووُلد قبل أخيه (١) في صحيحه (١٥٠). (٢) ينظر إكمال المعلم ١/ ٤٦١. (٣) المحرر الوجيز ٢١٣/١. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٧/١. (٥) المحرر الوجيز ٢١٣/١، وانظر السبعة ص١٧١. والتيسير ص ٧٧. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٤/١. (٧) المحرر الوجيز ٢١٣/١. (٨) عند الآية ٣٧ منها. ٤٠٩ سورة البقرة : الآية ١٣٢ إسحاقَ بأربعَ عَشْرة سنة، ومات وله مئةٌ وسبع وثلاثون سنة، وقيل: مئة وثلاثون. وكان سنُّه لما مات أبوه إبراهيمُ عليهما السَّلام تسعاً وثمانين سنة، وهو الذَّبيحُ في قول. وإسحاقُ أمُّه سارة، وهو الذَّبيحُ في قول آخرَ، وهو الأصحّ، على ما يأتي بيانُه في سورة ((والصَّافات)) إن شاء الله(١). ومن ولَده الرُّومُ واليونان والأرمن، ومن يجري مجراهم، وبنو إسرائيلَ. وعاش إسحاق مئةً وثمانين سنة، ومات بالأرض المقدَّسة، ودُفن عند أبيه إبراهيمَ الخليلِ عليهما السَّلام، ثم لما تُوقِّيت سارة تزوَّج إبراهيمُ عليه السلام قنطورًا بنت یقطن الكنعانية(٢)، فولدت له مدین ومداین ونهشان وزمران ونشيق وشيوخ، ثم توفّي عليه السلام. وكان بين وفاته وبين مولد النبيِّ وَ ﴿ نحوٌ من ألفي سنة وست مئة سنة، واليهودُ ينقصون من ذلك نحواً من أربع مئة سنة. وسيأتي ذكرُ أولاد يعقوبَ في سورة يوسف إن شاء الله تعالى(٣). وقرأ عمرو بنُ فائد الأسواريُّ وإسماعيل بنُ عبد الله المكيُّ(٤): ((ويعقوبَ))، بالنصب(٥) عطفاً على ((بنيه))، فيكون يعقوبُ داخلاً فيمن أوْصَى(٦). قال القُشَيْرِيُّ: وقُرئ: ((يعقوبَ)) بالنصب عطفاً على ((بنيه)) وهو بعيد، لأنَّ يعقوبَ لم يكن فيما بين أولاد إبراهيم لمَّا وصَّاهم، ولم يُنقل أنَّ يعقوبَ أدرك جدَّه إبراهيم، وإنما وُلد بعد موت إبراهيم، وأنَّ يعقوب أوصى بنيه أيضاً كما فعل إبراهيم. وسيأتي تسمية أولاد يعقوبَ إن شاء الله تعالى(٧). (١) عند الآية ١٠٢ منها، وقد ذكر ابن كثير في تفسيره ١٨١٧/٤ أن الصحيح المقطوع به أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، وانظر زاد المعاد ١/ ٧١. (٢) تفسير البغوي ١١٨/١. (٣) عند الآية (٧) منها . (٤) أبو إسحاق المخزومي، المعروف بالقسط، مقرئ مكة، كان ثقة، وهو آخر من قرأ على ابن كثير، مات سنة (١٧٠ هـ). غاية النهاية ١٦٥/١، ١٦٦. (٥) المحرر الوجيز ٢١٣/١، والقراءات الشاذة ص٩. (٦) المحرر الوجيز ٢١٣/١. (٧) عند الآية (٧) من سورة يوسف. ٤١٠ سورة البقرة : الآية ١٣٢ قال الكلبي: لمَّا دخلَ يعقوبُ إلى مصرَ رآهم يعبدون الأوثان والنيران والبقر، فجمع ولدَه وخاف عليهم وقال: ما تعبدون من بعدي(١)؟ ويقال: إنَّما سُمِّيَ يعقوبَ؛ لأنه كان هو والعِيصُ تَوْأَمَين، فخرج من بطن أمِّه آخِذًا بعقِب أخيه العِيص(٢). وفي ذلك نظر، لأنَّ هذا اشتقاقٌ عربيّ، ويعقوبُ اسمٌ أعجمي، وإن كان قد وافقَ العربية في التَّسمية به، كذَكَر الحَجَل(٣). عاشَ عليه السلام مئةً وسبعاً وأربعين سنة ومات بمصر، وأوصَى أن يُحملَ إلى الأرض المقدَّسة، ويُدفنَ عند أبيه إسحاق، فحمله يوسف ودفنه عنده. قولُه تعالى: ﴿يَبَنِ﴾ معناه: أنْ يا بَنِيَّ، وكذلك هو في قراءة أُبَيّ وابنٍ مسعود والضَّخَّاك (٤). قال الفَرّاء(٥): أُلغيتْ ((أَنْ)) لأنَّ التوصية كالقول، وكلُّ كلام رجع(٦) إلى القول، جاز فيه دخولُ ((أنْ))، وجاز فيه إلغاؤها. قال: وقولُ النحويين: إنما أراد ((أن)) فألغيت، ليس بشيء. النَّحاس(٧): ((يا بَنِيَّ)) نداء مضاف، وهذه ياء النَّفْس، لا يجوز هنا إلا فتحُها؛ لأنها لو سكنتْ لالتقى ساكنان، ومثله ﴿يُصْرِخِىٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ كُسرت ((إن)) لأن ((أوصى)) و((قال)) واحد. وقيل: على إضمار القول. ﴿أَصْطَفَى﴾: اختار. قال الراجز(٨): خلافةَ الله التي أعطاكا ياابنَ ملوكٍ ورَّثوا الأملاكا لك اصطفاها ولها اصطفاكا (١) أورده أبو الليث السمرقندي في تفسيره ١/ ١٦٠ عن مقاتل بنحوه. (٢) أورده البغوي في تفسيره ١١٨/١، والطبرسي في مجمع البيان ١/ ٤٨٢ عن ابن عباس رضي الله عنه. (٣) الحَجَل: إناث اليعاقيب. تهذيب اللغة (٤/ ١٤٣). (٤) المحرر الوجيز ٢١٣/١، وتفسير الرازي ٨١/٣. (٥) معاني القرآن له ١/ ٨٠، وفيه: ((وألقيت)) بالقاف بدل ((ألغيت))، وكذلك في سائر المواضع التي سترد. (٦) في (م): ((يرجع)، وفي (د): راجع، والمثبت من (ز) و(ظ) و(خ)، وهو موافق لمعاني القرآن. (٧) إعراب القرآن ٢٦٤/١. (٨) لم نقف عليه، وأورده ابن عادل في اللباب ٥٠٣/٢. ٤١١ سورة البقرة : الآية ١٣٣ ﴿لَكُمُ الدِّينَ﴾ أي: الإسلامَ، والألف واللام في ((الدِّين)) للعهد، لأنهم قد كانوا عرَفوه. ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ﴾ إيجازٌ بليغ، والمعنى: اِلزَموا الإسلامَ، ودُوموا عليه، ولا تفارِقُوه حتى تموتوا. فأتى بلفظٍ موجزٍ يتضمَّن المقصود، ويتضمَّن وعظاً وتذكيراً بالموت، وذلك أنَّ المرءَ يتحقَّقُ أنه يموت، ولا يدري متى، فإذا أُمِرَ بأمرٍ لا يأتيه الموت إلا وهو عليه، فقد توجَّه الخطاب من وقت الأمر دائباً لازماً (١). و(لا)) نَهْي، ((تَمُوتُن)) في موضع جزم بالنهي، أُكِّد بالنون الثقيلة، وخُذفت الواو لالتقاء الساكنين. ((إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) ابتداء وخبر في موضع الحال(٢)، أي: محسنون بربِّكم الظنّ، وقيل: مخلصون، وقيل: مفوِّضون، وقيل: مؤمنون(٣). قولُه تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَ إِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْخَقَ إِلَهَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ قولُه تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ﴾ ((شهداء)) خبر كان، ولم يُصرَف لأنَّ فيه ألفَ التأنيث، ودخلت التأنيث الجماعة كما تدخل الهاء(٤). والخطابُ لليهود والنَّصارى الذين ينسبون إلى إبراهيمَ ما لم يُوصِ به بَنِيه، وأنهم على اليهوديّة والنَّصرانية، فردَّ الله عليهم قولَهم وكذبَهم، وقال لهم على جهة التَّوبيخ: أَشَهِدتُم يعقوبَ، وعلمتُم بما أوصى فتدَّعُون عن علم؟! أي: لم تشهدوا، بل أنتم تفترون. و((أم)) بمعنى ((بل))، أي: بل أَشَهِدَ أسلافُكم يعقوبَ؟! والعامل في ((إذ)) الأولى معنى الشَّهادة، و((إذ)) الثانية بدلٌ من الأولى. و ((شهداء)» جمع شاهد، أي: حاضر. ومعنى ((حَضَرَ يعقوبَ الموتُ)) أي: مقدماته وأسبابه، وإلا فلو حضر الموتُ، لما أمكن أنْ يقولَ شيئاً. (١) المحرر الوجيز ٢١٣/١. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٤/١. (٣) تفسير البغوي ١١٨/١. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٤/١. ٤١٢ سورة البقرة : الآية ١٣٣ وعبَّر عن المعبود بـ((ما))، ولم يقل: ((مَنْ)) لأنه أراد أنْ يختبرَهم، ولو قال: ((مَن)) لكان مقصودُه أن ينظر مَن لهم الاهتداء منهم، وإنما أراد تجربتهم، فقال: ((ما)). وأيضاً، فالمعبودات المتعارَفةُ من دون الله جماداتٌ، كالأوثان والنار والشمس والحجارة، فاستفْھمَ عمَّا يعبدون من هذه. ومعنى (مِنْ بَعْدِى)) أي: من بعد موتي. وحُكي أنَّ يعقوبَ حين خُيِّر كما تُخيَّر الأنبياء، اختار الموتَ، وقال: أمهلوني حتى أوصيّ بَنيَّ وأهلي، فجمعهم، وقال لهم هذا، فاهتدَوا وقالوا: ((نَعْبُدُ إلهك)) الآية. فأَرَوْه ثبوتَهم على الدِّين ومعرفتَهم بالله تعالى(١). قولُه تعالى: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآَيِكَ إِنْزَهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ ((إبراهيم وإسماعيل وإسحاق)) في موضع خفضٍ على البدل، ولم تنصرفْ لأنها أعجميَّة. قال الكسائيّ: وإن شئتَ صرفتَ ((إسحاق))، وجعلتَه من السَحْق، وصرفتَ ((يعقوب)) وجعلتَه من الطَّر(٢). وسمَّى الله كلَّ واحد من العمِّ والجَدِّ أباً، وبدأ بذكر الجَدِّ، ثم إسماعيلَ العَمِّ؛ لأنه أكبر من إسحاقَ. و((إلهاً)) بدلٌ من «إلهك)) بدلُ النكرة من المعرفة، وكرَّره لفائدة الصِّفة بالوحدانيَّة. وقيل: ((إلهاً)) حال. قال ابن عطية(٣): وهو قول حسن، لأنَّ الغرضَ إثباتُ حالِ الوحدانيَّة. وقرأ الحسن، ويحيى بنُ يَعْمُر، والجَخْدَرِيُّ، وأبو رجاء العُطارِديُّ: ((وإله أبيك»(٤) وفيه وجهان: أحدهما: أنْ يكونَ أفرَدَ، وأراد إبراهيمَ وحدَه، وكره أنْ يجعلَ إسماعيل أباً، لأنه عمّ. قال النحاس(٥): وهذا لا يجب؛ لأن العرب تسمِّي العمَّ أباً. (١) المحرر الوجيز ٢١٣/١-٢١٤، وأورد الخبر الواحدي في الوسيط ٢١٧/١، والرازي في تفسيره ٤/ ٨٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٥/١. (٣) المحرر الوجيز ٢١٤/١. (٤) المحتسب لابن جني ١١٢/١، والقراءات الشاذة لابن خالويه ص ٩. (٥) إعراب القرآن ٢٦٥/١. ٤١٣ سورة البقرة : الآية ١٣٤ الثاني: على مذهب سيبويه(١) أنْ يكونَ «أبيك)) جمعَ سلامةَ، حكى سيبويه: أبٌ وأبُونَ وأبينَ، كما قال الشاعر: فقلنا أسلِمُوا إِنَّا أخوكم(٢) وقال آخر: فلما تَبيَّنَّ أصواتَنا بكيْنَ وقَدَّيثَنا بالأبِينا (٣) قوله تعالى: ﴿وَنَّحْنُ لَكُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ابتداء وخبر، ويحتمل أنْ يكونَ في موضع الحال، والعامل: ((نعبد))(٤). قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتَّ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَّكُمْ مَا كَسَبْتُمّ وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ قولُه تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ((تلك)) مبتدأ، و(أمةٌ)) خبر، ((قَدْ خَلَتْ)) نعت لـ((أمة))، وإنْ شئتَ كانت خبرَ المبتدأ، وتكون ((أُمةٌ)) بدلاً من ((تلك)). ﴿لَهَا مَا كَبَتْ﴾ ((ما)) في موضع رفع بالابتداء، أو بالصفة على قول الكوفيين، ﴿وَلَكُم مَا كَبْتُمْ﴾ مثله(٥)، يريد من خَير وشر (٦). وفي هذا دليل على أنَّ العبد يُضافُ إليه أعمالٌ وأکساب، وإن كان الله تعالی أقدره على ذلك، إن كان خيراً فبفضله، وإن كان شرّاً فبِعِذْله، وهذا مذهب أهلِ السُّنة، والآيُ في القرآن بهذا المعنى كثيرة، فالعبد مكتسِبٌ لأفعاله، على معنى أنه خُلقَت له قدرةٌ مقارنةٌ للفعل، يُدرِكُ بها الفرقَ بين حركة الاختيار وحركة الرَّعْشَة مثلاً، وذلك التمكّن هو مناط التكليف. وقالت الجَبْرِيَّة (١) الكتاب ٤٠٥/٣. (٢) قائله العباس بن مرداس، وعجز البيت: فقد برئت من الإحَن الصدورُ، وهو في ديوانه ص٥٢، وفي المقتضب ١٧٤/٢، والخزانة ٤ / ٤٧٨. (٣) هو في الكتاب ٤٠٥/٣، والمحتسب ١١٢/١، والمقتضب ١٧٤/٢، والخصائص ٣٤٦/١ من غير نسبة، ونسبه السيرافي في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٨٤، والبغدادي في خزانة الأدب ٤/ ٤٧٤ لزياد بن واصل الأسلمي. (٤) المحرر الوجيز ٢١٤/١. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٦/١. (٦) المحرر الوجيز ٢١٤/١. ٤١٤ سورة البقرة : الآية ١٣٥ بنفي اكتساب العبد، وأنه كالنَّبات الذي تُصرِّفُه الرِّياح. وقالت القدريَّة والمعتزلة خلافَ هذين القولين، وإنَّ العبد يخلق أفعاله. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يُؤاخذُ أحدٌ بذنب أحد، مثلُ قولِه تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] أي: لا تحمِل حاملةٌ ثِقْلَ أخرى، وسيأتي. قولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُواْ هُودًّا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِنَزَهِمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قولُه تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُواْ﴾ دَعَتْ كلُّ فرقة إلى ما هي عليه، فردَّ الله تعالى ذلك عليهم، فقال: ﴿بَلّ مِلَّةَ﴾ أي: قل يا محمد: بل نتَّبعُ مِلَّةَ، فلهذا نصبَ الملَّة. وقيل: المعنى: بل نهتدي بملَّة إبراهيم، فلمَّا حَذف حرف الجر صار منصوباً (١). وقرأ الأعرج وابن أبي عَبْلة: (بَلْ ملَّةُ))، بالرفع(٢)، والتقدير: بل الهدى مِلَّةُ، أو مِلَّتُنا دينُ إبراهيم. و((حَنِيفاً)) مائلاً عن الأديان المكروهةِ إلى الحقِّ دينٍ إبراهيم، وهو في موضع نصبٍ على الحال، قاله الزجاج. أي: بل نتَّعُ مَّةً إبراهيمَ في هذه الحالة. وقال عليّ بن سليمان(٣): هو منصوب على ((أعني))، والحال خطأ، لا يجوز جاءني غلام هندٍ مسرعةً(٤). وسُمِّيَ إبراهيم حنيفاً لأنه حَتَفَ إلى دين الله، وهو الإسلام. والحَنَّف: المَيْل، ومنه رِجْلٌ حَتْفاء، ورَجُل أَحنَف، وهو الذي تميلُ قدماه كلُّ واحدة منهما إلى أختها بأصابعها(٥). قالت أمّ الأَخْتَف: (١) النكت والعيون ١٩٤/١. (٢) القراءات الشاذة ص ١٠، والمحرر الوجيز ٢١٤/١. (٣) أبو الحسن ، الأخفش الصغير. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٦/١. (٥) النكت والعيون ١٩٤/١. ٤١٥ سورة البقرة : الآية ١٣٦ ما كان في فتيانكم من مِثلهٍ (١) والله لولا حَنَفُ برِجْلِه وقال الشاعر(٢): حَنِيفاً وفي قَرْن الضُّحى يَتنصّرُ إذا حوَّلَ الظلَّ العشيُّ رأيتَه أي: الحِرْباء؛ تستقبل القِبْلةَ بالعشيّ، والمَشْرقَ بالغداة، وهو قِبلة النصارى. وقال قوم: الحَنَف: الاستقامة، فسُمّيَ دينُ إبراهيمَ حنيفاً لاستقامته. وسُمِّيَ المِعْوَجُ الرِّجْلَينِ: أحنفَ، تفاؤلاً بالاستقامة، كما قيل للَّدِيغ: سليم، ولَلْمهلَكَة: مفازة(٣)، في قول أكثرهم. قوله تعالى: ﴿قُولُوَاْ ءَامَنَا بِلَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَّا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِن زَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَغَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ١٣٦ قوله تعالى: ﴿قُولُوَاَ ءَامَنَا بِلَّهِ﴾ خرج البخاري(٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهلُ الكتاب يقرؤون التوراةَ بالعبرانيَّة، ويفسِّرونها بالعربيَّة لأهل الإسلام، فقال رسول الله وَ﴿: ((لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكتابِ ولا تُكَذِّبُوهم، وقُولُوا: ﴿مَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ﴾)) الآية. وقال محمد بنُ سيرين: إذا قيل لك: أنت مؤمن؟ فقل: ﴿ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَّا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾(٥) الآية. (١) ورد البيت في معاني القرآن للزجاج ٢١٤/١، وتفسير الرازي ٩٣/٤، وزاد المسير ١٥٠/١ بزيادة بعد الشطر الأول: ودقّة في ساقه من هزله وهو بلفظ المصنف في مجمع البيان ٤٨٦/١، واللسان (حنف)، والدر المصون ١٣٧/٢، واللباب ٥١٧/٢. (٢) هو ذو الرمة، والبيت في ديوانه ٦٣٢/٢. (٣) النكت والعيون ١٩٤/١. (٤) رقم (٤٤٨٥). (٥) أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة (٦٤٨). ٤١٦ سورة البقرة : الآية ١٣٦ وكره أكثرُ السَّلَفِ أن يقولَ الرجلُ: أنا مؤمن حقًّا (١)، وسيأتي بيانه في ((الأنفال)) إن شاء الله تعالى(٢). وسُئل بعضُ المتقدِّمين عن رجل قيل له: أتؤمنُ بفلان النبيِّ؟ فسمَّاه باسم لم يعرفه، فلو قال: نعم، فلعلَّه لم يكن نبيًّ، فقد شَهِد بالنبوة لغير نبيٍّ، ولو قال: لا، فلعلّه نبيّ، فقد جَحَد نبيًّا من الأنبياء، فكيف يصنع؟ فقال: ينبغي أنْ يقول: إن كان نبيًّا، فقد آمنتُ به. والخطاب في هذه الآية لهذه الأُمَّة، علَّمَهُم الإيمان(٣)؛ قال ابنُ عباس: جاء نفرٌ من اليهود إلى النبيِّ وَّهِ، فسألوه عمَّن يؤمنُ به من الأنبياء، فنزلت الآية، فلما جاء ذِكْرُ عيسى، قالوا: لا نؤمن بعيسى، ولا مَنْ آمن به (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ جمعُ إبراهيمَ: بَراهِيم، وإسماعيلَ: سَماعيل، قاله الخليل وسيبويه، وقاله الكوفيون، وحکَوْا : براهِمة وسَماعِلة، وحَكَوْا : بَراهِم وسَماعِل. قال محمد بنُ يزيد: هذا غلط، لأنَّ الهمزة ليس هذا موضعَ زيادتها، ولكنْ أقول: أبارِه وأسامع، ويجوز: أباريه وأسامِيع. وأجاز أحمد بنُ يحيى: بَراه، كما يقال في التصغير: بُرَيْه. وجمعُ إسحاقَ: أساحيقُ، وحكى الكوفيون: أساحقة وأساحق، وكذا يعقوب ويَعاقِیب ويعاقبة ویعاقِب. قال النحاس(٥): فأما إسرائيلُ فلا نعلم أحداً يُجيز حذفَ الهمزة من أوّله، وإنما يقال: أساريل، وحكى الكوفيون: أسارلة وأسارل. والبابُ في هذا كلِّه أن يُجمعَ مسلَّماً، فيقال: إبراهيمون وإسحاقون [وإسماعيلون] ويعقوبون، والمسلَّم لا عملَ فيه. (١) انظر الآثار الواردة في ذلك في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (٧٤٣) (٧٤٤)، والسنة للخلال (٩٦٦)، (٩٧٢)، (٩٧٤)، (٩٧٥). (٢) عند قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّأْ لَمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [الآية: ٨]. (٣) المحرر الوجيز ٢١٥/١. (٤) أخرجه الطبري ٥٩٦/٢-٥٩٧ مطولاً. (٥) إعراب القرآن ٢٦٦/١، والكلام الذي قبله وما بين حاصرتين منه. محمد بن يزيد: هو أبو العباس المبرّد، وأحمد بن يحيى: هو أبو العباس ثعلب. ٤١٧ سورة البقرة : الآية ١٣٧ والأسباط: وَلَدُ يعقوب عليه السلام، وهم اثنا عشر ولداً، وُلِد لكلِّ واحد منهم أُمّةٌ من الناس، واحدُهم سِبْط. والسِّبْطُ في بني إسرائيل بمنزلة القَبِيلة في ولد إسماعيل(١). وسُمُّوا الأسباطَ من السَّبْط، وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون. وقيل: أصلُه من السَّبَط - بالتحريك - وهو الشجر، أي: هم في الكثرة بمنزلة الشجر، الواحدةُ سَبَطّة. قال أبو إسحاق الزجَّاج: ويُبيِّنُ لك هذا ما حدَّثنا به محمد بنُ جعفر الأنباريُّ قال: حدثنا أبو نجيد(٢) الدقاق، قال: حدثنا الأسود بنُ عامر، قال: حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كلُّ الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرةً: نوحاً، وشعيباً، وهوداً، وصالحاً، ولوطاً، وإبراهيم، وإسحاقَ، ويعقوب، وإسماعيلَ، ومحمداً وَّه، ولم يكن أحدٌ له اسمان إلا عيسى ويعقوبُ(٣). والسِّبْط: الجماعة والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد، وشَعَر سَبْط وسَبِط: غيرُ جَعْد. ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ قال الفرّاء(٤): أي: لا نؤمنُ ببعضهم، ونكفُر ببعضهم كما فعلت اليهود والنَّصارى. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ، فَقَدِ آَهْتَدَواْ فَإِ نَّوْا فَإِّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ فَيَكْفِيكُهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ. فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ الخطابُ لمحمد ◌َّل وأمَّتِه. المعنى: فإن آمنوا مثلَ إيمانِكم، وصدَّقوا مثلَ تصديقِكم، فقدِ اهْتَدَوْا، فالمماثلة وقعت بين الإيمانَيْن، وقيل: إنَّ الباء زائدة مؤكّدة(٥). وكان ابنُ عباس يقرأ (١) المحرر الوجيز ٢١٥/١. (٢) في (د): مجيد، وفي (ظ): محمد، والمثبت من (خ) و(ز)، ولعله محرف عن ابن الجنيد الدقاق، واسمه محمد بن أحمد أبو جعفر، وقد حدَّث بالأنبار، انظر تاريخ بغداد ٢٨٥/١-٢٨٦. (٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١١٧٢٣)، والحاكم ٣٧٣/٢، والبيهقي في شعب الإيمان (١٣٣) من طريقين عن إسرائيل به. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. قلنا: قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب في سماك (وهو ابنُ حرب): روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغيَّر بأخرة، فكان ربّما تلقّن. (٤) معاني القرآن له ١/ ٨٢. (٥) ينظر المحرر الوجيز ٢١٥/١، وتفسير الرازي ٩٣/٣. ٤١٨ سورة البقرة : الآية ١٣٧ فيما حكى الطبري: ((فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهْتَدَوا))(١). وهذا هو معنى القراءة وإن خالفَ المصحف، فـ((مِثْل)) زائدةٌ، كما هي في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىٌْ﴾ [الشورى: ١١] أي: لیس کهو شيء. وقال الشاعر: فصُيِّروا مثلَ كِعَصْفٍ مأكولْ (٢) وروى بَقِيّة: حدثنا شعبة، عن أبي حمزةَ، عن ابن عباس قال: لا تقولوا: ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به)»، فإنَّ الله ليس له مثْلٌ، ولكن قولوا: ((بالذي آمنتم به». تابعه عليُّ بن نصر الجَهْضَميُّ، عن شعبة، ذكره البيهقي(٣). والمعنى: أي: فإن آمنوا بنبيّكم وبعامة الأنبياء، ولم يفرقوا بينهم كما لم تُفرقوا، فقد اهْتَدَوْا، وإن أَبَوْا إلَّا التفريقَ، فهم الناكبون عن الدِّين إلى الشّقاق، ﴿نَّكْنِكَهُمُ اللَّهُ﴾. وحَكَى(٤) عن جماعة من أهل النظر قالوا: ويحتمل أن تكونَ الكاف في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىٌْ﴾ زائدة؛ قال: والذي رُوي عن ابن عباس من نَهْيه عن القراءة العامة شيءٌ ذهب إليه للمبالغة في نفي التشبيه عن الله عزَّ وجلَّ. وقال ابن عطية(٥): هذا من ابن عباس على جهة التفسير، أي: هكذا فليُتأوَّل. وقد قيل: إنَّ الباء بمعنى ((على))، والمعنى: فإن آمنوا على مثل إيمانكم(٦). (١) تفسير الطبري ٢/ ٦٠٠. (٢) قائله رؤية بن العجاج، والبيت في ملحق ديوانه ص ١٨١، وخزانة الأدب ١٨٩/١٠، ونسبه سيبويه في الكتاب ٤٠٨/١ لحميد بن الأرقط، وورد في المقتضب ١٤١/٤، وفي سر صناعة الإعراب ٢٩٦/١، ومعاني القرآن للأخفش ٥٢٣/٢ من غير نسبة، وصدر البيت: ترميهمُ حجارةٌ من سجِّيلْ والعصف: قال الفراء هو بَقْل الزرع، وقال الحسن: الزرع الذي أُكل حبُّه، وبقي تِبنُه. خزانة الأدب ١٠ / ١٩٠. (٣) في الأسماء والصفات ٢/ ٣٤، وأخرجه - أيضاً - الطبري ٢/ ٦٠٠ من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به. بقية: هو ابن الوليد ثقة مدلس، وأبو حمزة: هو عمران بن أبي عطاء القصاب، صدوق له أوهام. (٤) يعني البيهقي في الأسماء والصفات ٣٤/٢، ٣٧. (٥) المحرر الوجيز ٢١٥/١. (٦) مجمع البيان للطبرسي ١/ ٤٩١. ٤١٩ سورة البقرة : الآية ١٣٧ وقيل: ((مثل)) على بابها أي: بمثل المنزَّل، دليلُه قوله: ﴿وَقُلْ ءَامَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٍ﴾ [الشورى: ١٥]، وقوله: ﴿وَقُولُوَآ ءَامَنَّا بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. قوله تعالى: ﴿وَإِن تَوْلَّوْا﴾ أي: عن الإيمان ﴿فَإَِّا هُمْ فِ شِقَاقٍ﴾ قال زيد بنُ أسلم(١): الشِّقاق: المنازعة، وقيل: الشّقاقُ: المجادلةُ والمخالفةُ والتَّعادي، وأصلُه من الشِّقّ، وهو الجانب، فكأنَّ كلَّ واحدٍ من الفريقَيْنِ في شِقِّ غيرِ شِقِّ صاحبِهِ (٢). قال الشاعر(٣): وتَفِجُرُ بالشِّقاقِ وبالنِّفاقِ إلى كم تَقتُلُ العلماءَ قَسْراً وقال آخر (٤): بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقٍ وإلا فاعلموا أنَّا وأنتُم وقيل: إنَّ الشِّقاق مأخوذٌ من فِعلِ ما يَشُقُّ ويصعُب، فكأنَّ كلَّ واحدٍ من الفريقين يَحرِصُ على ما يَشُقُّ على صاحبه(٥). قوله تعالى: ﴿فَسَبِّكْفِكَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: فسيكفي الله رسولَه عدوَّه. فكان هذا وعداً من الله تعالى لنبيِّه عليه السَّلام أنه سيكفيه مَنْ عاندَه ومن خالفَه من المتولِّين بمن يَهديه من المؤمنين، فأنجزَ له الوعدَ، وكان ذلك في قتل بني قَيْنُقاع وبني قُرَيْظةَ وإجلاءٍ بني النَّضير(٦). والكاف والهاء والميم في موضع نصبٍ مفعولان، ويجوز في غير القرآن: فسيكفيك [إياهم] (٧). (١) كذا في النسخ، وأخرجه الطبري ٦٠١/٢-٦٠٢ من قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكذلك أورده الرازي في تفسيره ٤/ ٩٤. (٢) ينظر المحرر الوجيز ٢١٦/١، وتفسير الرازي ٤ /٩٤. (٣) لم نهتد إليه. (٤) هو بشر بن خازم الأسدي، والبيت في الكتاب ١٥٦/٢، ومعاني القرآن للفراء ٣١١/١، ودلائل الإعجاز ص٣٢، والإنصاف ١٩٠/١، وخزانة الأدب ٢٩٣/١٠. (٥) تفسير الطبري ٦٠٢/٢. (٦) ينظر المحرر الوجيز ٢١٦/١، والوسيط ٢٢٢/١. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٧/١، وما بين حاصرتين منه. ٤٢٠ سورة البقرة : الآية ١٣٨ وهذا الحرف: ﴿نَتَغْفِكُمُ اللّهُ﴾، هو الذي وقعَ علیه دمُ عثمان حین قُتل بإخبار النبيِّ وَ * إياه بذلك(١). و﴿السَّمِيعُ﴾ لقول كلِّ قائل ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بما يُنفِذُه في عباده ويُجريه عليهم (٢). وحُكي أنَّ أبا دُلامةَ دخل على المنصور، وعليه قَلَنْسُوة طويلة، ودُرَّاعةٌ مكتوبٌ بين كتفيها ﴿فَّكْفِكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وسيفٌ معلَّق في وسطه، وكان المنصور قد أمرَ الجندَ بهذا الزِّيّ، فقال له: كيف حالك يا أبا دُلاَمة؟ قال: بِشَرِّ يا أمير المؤمنين! قال: وكيف ذاك؟ قال: ما ظنُّك برجلٍ وجهُه في وَسَطه، وسيفُه في استه، وقد نبذَ كتابَ الله وراءَ ظهرِه! فضحك المنصور منه، وأمرَ بتغيير ذلك الزِّيِّ من وقته(٣). قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ وَفَحْنُ لَهُ عَبِدُونَ فيه مسألتان : الأولى: قولُه تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال الأخفش(٤) وغيره: دين الله ، وهو بدل من ((ملَّة)). وقال الكسائيّ: وهي منصوبة على تقدير: اتَّبِعُوا. أو على الإغراء، أي: الزَمُوا(٥). ولو قُرئت بالرفع لجاز، أي: هي صبغةُ الله . وروى شَيبانُ عن قتادةَ قال: إنَّ اليهود تصبغ أبناءهم يهوداً، وإنَّ النصارى تصبغ أبناءهم نصارى، وإنَّ صِبْغَةَ الله الإسلامُ(٦). قال الزجَّاج(٧): ويدلُّك على هذا أن (١) أخرج الحاكم ١٠٣/٣ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت قاعداً عند النبي وَلفي إذ أقبل عثمان بنُ عفان، فلما دنا منه قال: ((يا عثمان تُقتل وأنت تقرأ: ﴿َتَكْفِكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فتعقَّبه الذهبي بقوله: كذب بحت، في الإسناد أحمد بن محمد بن عبد الحميد الجعفي، وهو المتهم به. (٢) المحرر الوجيز ٢١٦/١. (٣) الأغاني ٢٣٦/١٠، وأبو دُلامة هو زند بن الجَوْن، الشاعر النديم، صاحب النوادر، توفي سنة (٢٦١ هـ). السير ٧/ ٣٧٤. الدُّرَّاعة: ضرب من الثياب التي تُلبس، ولا تكونُ إلا من صوف. تهذيب اللغة ٢٠١/٢. (٤) معاني القرآن له ١/ ٣٤٠، وإعراب القرآن للنحاس ٢٦٧/١، وعنه نقل المصنف. (٥) ينظر الوسيط ٢٢٢/١، وتفسير البغوي ١٢١/١، والمحرر الوجيز ٢١٦/١، ولم نقف على قول الكسائي. (٦) أخرجه الطبري ٦٠٣/٢ من طريق سعيد عن قتادة. (٧) معاني القرآن له ٢١٥/١.