Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة البقرة : الآية ١٢٥ الكعبة، وأمَّا الفرضُ فلا؛ لأنَّ الله تعالى عَيَّنَ الجهةَ بقوله تعالى: ﴿فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةُ﴾ [البقرة: ١٤٤] على ما يأتي بيانُه، وقوله وَّهِ لمَّا خرج: ((هذه القِبلة))، فعيَّنَها كما عيَّنَها الله تعالى. ولو كان الفَرْضُ يصحُّ داخِلَها لما قال: ((هذه القبلة)). وبهذا يصحُّ الجمعُ بين الأحاديث، وهو أولَى من إسقاطِ بعضِها؛ فلا تعارُضَ، والحمدُ لله . الخامسة: واختلفوا أيضاً في الصلاة على ظهرها، فقال الشافعي ما ذكرنا. وقال مالك: مَنْ صلَّى على ظهرِ الكعبةِ أعادَ في الوقت. وقد رُوِيَ عن بعضٍ أصحاب مالك: يُعيدُ أبداً. وقال أبو حنيفة: مَنْ صلَّى على ظهرِ الكعبةِ فلا شيءَ عليه(١). السادسة: واختلفوا أيضاً: أيُّمَا أفضلُ: الصَّلاةُ عند البيت، أو الطّوافُ به؟ فقال مالك: الطّوافُ لأهلِ الأمصارِ أفضلُ، والصلاةُ لأهلٍ مَّةَ أفضلُ(٢). وذُكِر عن ابن عبّاس وعطاء ومجاهد (٣). والجمهورُ على أنَّ الصلاةَ أفضلُ. وفي الخبر: ((لولا رجالٌ خُشَّع، وشيوخُ رُّع، وأطفالٌ رُضَّع، وبهائمُ رُبَّع، لَصيَبْنا عليكم العذابَ صَبًّا))(٤). (١) التمهيد ٣١٩٣١٨/١٥، والاستذكار ١٢٥/١٣. (٢) المدونة ٤٠٧/١. (٣) أخرج هذه الآثار ابنُ أبي شيبة ٤٢٩/٤ (نشرة العمروي)، وذكرها الجصاص في أحكام القرآن ٧٦/١، والبغوي في معالم التنزيل ١١٤/١، والفخر الرازي ٥٨/٤. (٤) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٦٥)، والدولابي في الكنى والأسماء (٢٦٣)، والطبراني في الكبير ٢٢/(٧٨٥)، والأوسط (٦٥٣٩)، وابن عدي في الكامل ١٦٢٢/٤ و٢٣٧٧/٦ والبيهقي في الكبرى ٣٤٥/٣ من طريق عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظي المؤذن، عن مالك بن عبيدة الديلي، عن أبيه، عن جده أبي عبيدة مسافع، عن النبي ◌َّر. قال ابن أبي عاصم: إسناده حسن، وقال الطبراني في الأوسط: لا يروى هذا الحديث عن أبي عبيدة الديلي إلا بهذا الإسناد، وقال ابن عدي: وما أظن لمالك بن عبيدة غير هذا الحديث، ونقل عن ابن معين قوله فيه: لا أعرفه، وقال الذهبي في الميزان ٤٢٧/٣: لا يُعرف. وعبد الرحمن بن سعد قال الذهبي في الميزان ٥٦٦/٢: ليس بذاك، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين : ضعيف . وأخرجه البزار (٣٢١٢) (زوائد)، وأبو يعلى (٦٤٠٢) و(٦٦٣٣)، والبيهقي في الكبرى ٣٤٥/٣، والخطيب في تاريخ بغداد ٦٤/٦ من طريق إبراهيم بن خثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة، عن النبي وَّر. قال البيهقي: إبراهيم غير قوي. ونقل الخطيب عن ابن معين قوله فيه: ليس بشيء، لم يكن ثقة ولا مأموناً، رجل سوء خبيث، وعن الجوزجاني قوله: غير مقنع، وعن أبي زرعة قوله: ليس بالقوي، وعن النسائي قوله: متروك الحديث، وعن أحمد أنه نهى سعيد البردعي أن یروي عنه. ٣٨٢ سورة البقرة : الآية ١٢٦ ذكر أبو بكر أحمدُ بنُ عليّ بن ثابت الخطيب في كتاب ((السابق واللاحق)) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَالجزر: ((لولا فيكم رجالٌ خُشَّع، وبهائمُ رُتَّع، وصبيانٌ رُضَّع، لصُبَّ العذابُ على المذنِیین صَبًّا)). لم يذكر فيه: ((وشيوخ ركع)). وفي حديث أبي ذرِّ ((الصلاةُ خيرٌ موضوع، فاستكثِرْ أو استقِلّ). خرَّجه الآجرّي(١). والأخبارُ في فضلِ الصّلاة والسّجود كثيرةٌ تشهدُ لقول الجمهور، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِتُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَاِنًا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخْرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمِّعُهُم قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَيْسَ الْمَصِيرُ فيه ثلاثُ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿بَدًا ءَإِنَّا﴾ يعني مكّة، فدعا لذرِّيتِه وغيرِهم بالأمْنِ ورَغَدِ العيش(٢). فُرُويَ أنّه لمَّا دعا بهذا الدُّعاء أمرَ الله تعالى جبريلَ، فاقتلعَ الطَّائفَ من الشّام، فطافَ بها حولَ البيت أُسبوعاً، فسُمِّيتِ الطّائف لذلك(٣)، ثم أَنزِلَها تهامةً، وكانت مكّةُ وما يليها حين ذلك قَفْراً لا ماءَ ولا نباتَ، فباركَ الله فيما حولها كالطَّائف وغيرِها، وأنبتَ فيها أنواعَ الثَّمرات، على ما يأتي بيانُه في سورة إبراهيم(٤) إن شاء الله تعالى. (١) وأخرجه أحمد (٢١٥٤٦)، وفي إسناده عبيد بن الخشخاش، وهو مجهول، وأبو عمر الدمشقي، وهو ضعيف. وأخرجه أحمد أيضاً (٢٢٢٨٨) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني، متفق على ضعفه. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٢٤٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٤٩/٢: فيه عبد المنعم بن بشير، وهو ضعيف. (٢) المحرر الوجيز ٢٠٨/١-٢٠٩. (٣) أخرج نحوه الطبري ٢/ ٥٤٤، وابن أبي حاتم (١٢٣١) عن محمد بن مسلم الطائفي، وابن أبي حاتم (١٢٣٠)، والأزرقي في أخبار مكة ٧٧/١ عن الزهري، وذكره بنحوه أيضاً الواحدي في الوسيط ١/ ٢١٠، والبغوي ١١٤/١، وابن عطية في المحرر ٢٠٩/١، وهي أخبار مقاطيع، وليس في ذلك حديث صحیح. (٤) في تفسير الآية (٣٧). ٣٨٣ سورة البقرة : الآية ١٢٦ الثانية: اختلفَ العلماء في مكّة: هل صارت حَرَماً آمِناً بسؤال إبراهيم، أو كانت قبله كذلك؟ على قولين: أحدهما: أنَّها لم تزلْ حَرَماً من الجبابرة المسَلَّطين، ومن الخسوف والزَّلازل، وسائرِ المَثُلات التي تحلُّ بالبلاد، وجعلَ في النُّفوس المتمرِّدة من تعظيمها والهيبة لها ما صارَ أهلُها (١) متميزين بالأمن من غيرِهم من أهلِ القُرى. ولقد جعلَ فيها سبحانه من العلامةِ العظيمةِ على توحيده ما شُوهد من أمرِ الصَّيد فيها، فيجتمع فيها الكلبُ والصَّيدُ، فلا يَهيج الكلبُ الصيدَ، ولا ينفِرُ منه، حتّى إذا خرجا من الحَرَم عدا الكلبُ عليه، وعاد إلى النُّفور والهرَب. وإنّما سألَ إبراهيمُ ربَّه أن يجعلها آمِناً من القَحْط والجَذْب والغارات، وأن يَرْزُقَ أهلَه من الثَّمرات، لا على ما ظنَّه بعضُ النّاس أنَّه المنعُ من سَفْكِ الدَّم في حقٌّ من لَزِمَه القَتْلُ، فإنَّ ذلك يَبعُدُ كونُه مقصوداً لإبراهيمِوَّهِ، حتى يُقال: طلبَ من الله تعالى أن يكون في شرعه تحريمُ قَتْلِ مَن التَجأ إلى الحَرَمِ (٢)، هذا بعيدٌ جدًّا. الثاني: أنّ مكّة كانت حلالاً قبلَ دعوة إبراهيم عليه السَّلام كسائرٍ البلاد، وأنّ بدعوته صارت حَرَماً آمناً كما صارت المدينةُ بتحريم رسولِ الله وَِّ أمْناً بعد أنْ كانت حَلالاً(٣). احتجَّ أهلُ المقالة الأولى بحديث ابنِ عبَّاس قال: قال رسولُ الله ◌َّر يومَ فتحِ مكّة: ((إنَّ هذا البلدَ حرَّمه الله تعالى يومَ خلَق السّماواتِ والأرضَ، فهو حرامٌ بحُرْمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وإنَّه لم يَحِلَّ القتالُ فيه لأحدٍ قبلي، ولم يَحِلَّ لي إلا ساعةٌ من نهار، فهو حرامٌ بحُرْمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ولا يُنَّرُ صَيْدُه، ولا تُلْتَقَظُ لُقَطَّتُه إلا مَنْ عَرَّفَها، ولا يُخْتَلَى خلاها)). فقال العبَّاس: يارسول الله ، إلا الإذْخِر، فإنه لِقَيْنِهِم ولبيوتهم، فقال: ((إلا الإذْخِر)). ونحوُه حديثُ أبي شُرَيح، (١) في (م): صار به أهلها. (٢) أحكام القرآن للهراسي ١٨/١. (٣) انظر النكت والعيون ١٨٩/١-١٩٠. ٣٨٤ سورة البقرة : الآية ١٢٦ أخرجهما مسلم وغيره(١). وفي ((صحيح)) مسلم أيضاً (٢) عن عبد الله بن زيد بن عاصم أنَّ رسول الله وَله قال: ((إنَّ إبراهيمَ حَرَّمَ مَّةَ، ودعا لأهلها، وإني حَرَّمْتُ المدينةَ كما حرَّمَ إبراهيمُ مكّة، وإني دَعَوْتُ في صاعها ومُدِّها بمِثْلَيْ ما دعا به إبراهيمُ لأهل مكة)). قال ابنُ عطية(٣): ولا تَعارُضَ بين الحديثين؛ لأن الأوَّلَ إخبارٌ بسابق علم الله فيها وقضائه، وكونِ الحُرْمةِ مدةَ آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان. والثاني إخبارٌ بتجديد إبراهيم لحرمتها، وإظهارِه ذلك بعد الدُّثور، وكان القولُ الأولُ من النبي ◌َّ ثاني يوم الفتح إخباراً بتعظيم حُرمة مكة على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى، وذكر إبراهيم عند تحريمِه(٤) المدينةَ مثالاً لنفسه، ولا مَحالةً(٥) أن تحريم المدينة هو أيضاً من قِبَل الله تعالی، ومن نافذٍ قضائه وسابقٍ علمه. وقال الطبري(٦): كانت مكةُ حراماً، فلم يتعبدِ الله الخلقَ بذلك حتى سألَه إبراهيمُ فحرمها. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثََّرَتِ مَنْ ءَامَنَ﴾ تقدَّم معنى الرِّزق. والثمرات جمعُ ثَمْرَة، وقد تقدم. ((مَنْ آمَنَ)) بدل من ((أهل))، بدل البعض من الكُلّ. والإيمانُ: التّصديق، وقد تقدم(٧). ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ (مَنْ)) في قوله ((ومَنْ كَفَرَ)) في موضعٍ نصب، والتقدير: وأَرْزُقُ مَنْ (١) حديث ابن عباس عند مسلم (١٣٥٣)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٣٥٣)، والبخاري (١٣٤٩)، وحديث أبي شريح عند مسلم (١٣٥٤)، وأخرجه كذلك أحمد (١٦٣٧٣)، والبخاري (١٠٤) قوله: يُعضد: أي: يُقطع، وخَلاها؛ الخلا مقصور: النبات الرطب الرقيق مادام رطباً، واختلاؤه: قطعُه. النهاية (خلا، عضد). والقين: الحداد. (٢) برقم (١٣٦٠)، وهو في مسند أحمد (١٦٤٤٦)، وصحيح البخاري (٢١٢٩). (٣) المحرر الوجيز ٢٠٩/١. (٤) في (د) و(ز) و(م): تحريم. (٥) أي: لا بدّ. (٦) تفسير الطبري ٥٤٢/٢. (٧) ٢٧٢/١ و٣٤٥ و٢٥١ على الترتيب. ٣٨٥ سورة البقرة : الآية ١٢٦ كفر، ويجوز أن يكونَ في موضع رفع بالابتداء، وهي شرط، والخبر: ((فَأَمَتِّعُهُ)) وهو الجواب(١). واختُلف هل هذا القولُ من الله تعالى أو من إبراهيم عليه السلام؟ فقال أبيُّ بنُ كعب وابنُ إسحاق وغيرُهما: هو من الله تعالى(٢)، وقرؤوا: ((فَأَمَتِّعُهُ)) بضم الهمزة وفتح المیم وتشديد التاء. ﴿ثُمَّ أَضْطَرُُّ﴾ بقطع الألفِ، وضمّ الراء، وكذلك قرأ(٣) السبعةُ خلا ابنٍ عامر، فإنه سكّن الميم وخفّف التاء(٤). وحكى أبو إسحاق الزجَّاج أن في قراءة أُبَي: ((فنُمتّعُه قليلاً ثم نضطره)) بالنون(٥). وقال ابنُ عباس ومجاهد وقتادة: هذا القولُ من إبراهيم عليه السلام، وقرؤوا: (فَأَمْتِعْه)) بفتح الهمزة، وسكونِ الميم، ((ثم اضْطَرَّه)) بوصلِ الألف وفتح الراء، فكأنَّ إبراهيم عليه السلام دعا للمؤمنين وعلى الكافرين(٦)، وعليه فيكون الضمير في ((قال)) لإبراهيم، وأُعيد ((قال)) لطول الكلام، أو لخروجِه من الدُّعاء لقوم إلى الدُّعاء علی آخرین. والفاعل في ((قال)) على قراءة الجماعة اسمُ الله تعالى، واختاره النّحاس(٧)، وجعلَ القراءةَ بفتح الهمزة وسكون الميم ووصلِ الألف شاذّةً، قال: ونَسَقُ الكلام والتفسيرِ جميعاً يدلان على غيرها(٨)، أما نَسَقُ الكلام فإنَّ الله تعالى خَبَّرَ عن إبراهيم (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٦٠/١. (٢) أخرجهما الطبري ٥٤٥/٢. (٣) في (د): قراءة، وفي (ز) و(م): القراء، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٢٠٩/١، والكلام منه. (٤) السبعة ص ١٧٠، والتیسیر ص٧٦. (٥) لم نقف على قول الزجَّاج، وذكر القراءة الفراء في معاني القرآن ٧٨/١، والنحاس في إعراب القرآن ٢٦٠/١، والزمخشري في الكشاف ١/ ٣١٠، وابن عطية في المحرر ٢٠٩/١. (٦) المحرر الوجيز ٢٠٩/١، وأخرج أثر ابن عباس ومجاهد الطبري ٥٤٦/٢، وذكر الزمخشري ٣١٠/١ قراءة ابن عباس. (٧) إعراب القرآن ١/ ٢٦١. (٨) في النسخ الخطية: غيرهما، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في إعراب القرآن. ٣٨٦ سورة البقرة : الآية ١٢٧ عليه السلام أنَّه قال: ﴿رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَإِنَّا﴾ ثم جاء بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَزْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّعْرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الَّرُ﴾ ولم يفصِلْ بينه بـ((قال))، ثم قال بعدُ: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾، فكان هذا جواباً من الله تعالى، ولم يقل بعدُ: قال إبراهيم. وأما التفسيرُ فقد صحَّ عن ابن عبّاس وسعيد بن جُبير ومحمدِ بنِ كَعْب - وهذا لفظُ ابن عباس - : دعا إبراهيمُ عليه السلام لمَنْ آمنَ دونَ النّاسِ خاصَّةً، فأعْلَمَ الله عزَّ وجلَّ أنه يرزقُ مَنْ كفر كما يرزقُ مَنْ آمن، وأنه يمتِّعُه قليلاً ثم يضطرُّه إلى عذاب النَّار(١). قال أبو جعفر (٢): وقال الله عز وجل: ﴿كُلَّا تُمُِّ هَكَؤُلَاءِ وَهَكَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءٍ رَيِّكْ﴾ [الإسراء: ٢٠] وقال جلّ ثناؤه: ﴿وَأُمَّمْ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ [هود: ٤٨]. قال أبو إسحاق (٣): إنّما عَلِمَ إبراهيمُ عليه السلام أنّ في ذريَّتِهِ كُفَّاراً، فخصَّ المؤمنين؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِنْزَهِكُمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّأَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِنْزَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾ القواعدُ: أساسُه، في قول أبي عبيدة والفَرَّاء(٤). وقال الكسائي: هي الجُدُر(٥). والمعروفُ أنها الأساس. وفي الحديث: إنّ البيتَ لما هُدِمَ أُخرِجَت منه حجارةٌ عِظام، فقال ابنُ الزبير: هذه القواعدُ التي رفعها إبراهيم عليه السلام. وقيل: إنَّ القواعدَ كانت قد انْدَرَسَتْ، فَأَظْلَعَ الله إبراهيمَ عليها. ابنُ عباس: وَضَعَ البيتَ على أركانٍ رآها قبلَ أن تُخلق الدنيا بألفَي عام، ثم دُحيت الأرضُ من تحته(٦). (١) أخرج ابن أبي حاتم (١٢٢٨) قول ابن عباس من طريق سعيد بن جبير عنه بنحوه، وأخرج الأزرقي في أخبار مكة ٧٦/١ قول محمد بن كعب القرظي. (٢) يعني النحاس في إعراب القرآن ٢٦١/١. (٣) هو الزجاج، وكلامه في معاني القرآن له ١/ ٢٠٧، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس. (٤) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٥٤، ومعاني القرآن للفراء ٧٨/١. (٥) لم نقف عليه، وذكره أبو حيان في البحر ١/ ٣٧٣. (٦) ذكره الجصاص في أحكام القرآن ١/ ٨٠ عن ابن عمر. ٣٨٧ سورة البقرة : الآية ١٢٧ والقواعد: واحدتُها قاعدة، والقواعدُ من النِّساء واحدُها قاعِد (١). واختلفَ النَّاسُ فيمن بنى البيتَ أولاً وأسَّسَه، فقيل: الملائكة؛ رُوي عن جعفر بن محمد قال: سُئلَ أبي وأنا حاضرٌ عن بَدْء خَلْقِ البيت، فقال: إنَّ الله عزَّ وجلَّ لمَّا قال: ﴿إِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ قالتِ الملائكةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الْدِمَاَءَ وَنَحْنُ نُسَبْحُ بِحَيْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ﴾ فغضبَ عليهم، فعاذُوا بعرشه، وطافوا حولَه سبعة أشواط؛ يسترضون ربهم حتى رضيَ الله عنهم، وقال لهم: ابْنُوا لي بيتاً في الأرض، يتعوَّذُ به مَنْ سَخِظْتُ عليه من بني آدم، ويطوفُ حولَه كما ◌ُفْتُم حولَ عرشي، فأرضَى عنه كما رضيتُ عنكم، فبنَوْا هذا البيت. وذكر عبد الرزاق عن ابن جُرَيْج، عن عطاء وابنِ المسيب وغيرِهما، أن الله عزّ وجلَّ أوحَى إلى آدم إذا أُهبط(٢): أنِ ابنِ لي بيتاً، ثم احفُفْ به كما رأيتَ الملائكة تَحُفُّ بعرشي الذي في السماء، قال عطاءٌ: فزعم الناسُ أنه بناه من خمسة أَجْبُل: من حِرَاء، ومن طُور سِيناء، ومن لُبنان، ومن الجُؤْدِيِّ، ومن طُور زَيْتا؛ وكان رُبْضُه من حِراء(٣). قال الخليل: والرُّبْضُ هاهنا: الأساسُ المستدير بالبيت من الصَّخر، ومنه يُقال لمَا حول المدينة: رَبَض (٤). وذكر الماورديُّ عن عطاء، عن ابن عباس قال: لما أَهْبَطَ الله آدمَ من الجنة إلى الأرض قال له: يا آدمُ، اذْهَبْ فابنٍ لي بيتاً وطُفْ به، واذْ كُرْني عندَه كما رأيتَ الملائكةَ تصنعُ حول عرشي، فأقبلَ آدمُ يتخطَّى، وطُوِيَتْ له الأرض، وقُبضت له (١) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ٥٤/١، والفراء في معاني القرآن ٧٨/١، والطبري ٥٤٨/٢، والجوهري في الصحاح (قعد). (٢) في (خ) و(ز) و(ظ) و(م): إذا هبطت، والمثبت من (د)، وهو موافق لما في التمهيد. ولفظة ((أن)) ليست في (م). (٣) مصنف عبد الرزاق (٩٠٩٢)، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عبد البر في التمهيد ١٠/ ٣٠، وأخرجه أيضاً الطبري ٥٤٩/٢. قال ابن كثير في التفسير: وهذا صحيح إلى عطاء، ولكن في بعضه نكارة، والله أعلم. (٤) التمهيد ٣٢/١٠، وانظر كتاب العين ٣٦/٧. قال ابن الأثير في النهاية (ربض): الرُّبْض، بضم الراء وسكون الباء: أساس البناء، وقيل: وسطه، وقيل: هو والرَّبَض سواء، كسُقْم وسَقَم. ٣٨٨ سورة البقرة : الآية ١٢٧ المَفَازَة، فلا يقعُ قدمُه على شيء من الأرض إلا صارَ عُمْراناً، حتى انتهى إلى مَوضع البيت الحرام، وأنَّ جبريل عليه السلام ضرب بجناحيه(١) الأرض، فأبرزَ عن أسِّ ثابتٍ على الأرض السابعة السُّفْلَى، وقَذفَتْ إليه الملائكةُ بالصَّخر، فما يُطيقُ الصخرةَ منها ثلاثون رجلاً، وأنه بناه من خمسة أَجْبُل كما ذكرنا(٢). وقد رُوِيَ في بعض الأخبار: أنه أُهبط لآدمَ عليه السلام خيمةٌ من خِيام الجنة، فضُربت في موضع الكعبة ليَسْكُن إليها ويطوفَ حولَها، فلم تزل باقيةً حتى قَبَضَ الله عزَّ وجلَّ آدمَ ثم رُفعت. وهذا من طريق وَهْب بن مُنَبِّه(٣). وفي رواية: أنه أُهبط معه(٤) بيتٌ، فكان يطوفُ به والمؤمنون مِن ولَده كذلك إلى زمان الغَرَق، ثم رَفَعهَ الله ، فصار في السماء. وهو الذي يُدْعَى: البيتَ المعمور. رُويَ هذا عن قتادةَ، ذكره الحَلِيمِيُّ في كتاب ((منهاج الدين))(٥) له، وقال: يجوز أن يكون معنَى ما قال قتادةُ من أنه أُهبِط مع آدم بيتٌ، أي: أُهبط معه مقدارُ البيت المعمور طُولاً وعَرْضاً وسُمْكاً، ثم قيل له: ابْنِ بقَدْره(٦)، ويجوز (٧) أن يكون بحِيّاله(٨)، فكان حيالُه موضعَ الكعبة، فبناها فيه. وأما الخيمةُ فقد يجوز أن تكون (١) في (ظ): بجناحه، وهو موافق لرواية الأزرقي كما سنذكر. (٢) أخرجه بتمامه الأزرقي في أخبار مكة ٣٦/١، وأخرجه مختصراً أبو الشيخ في العظمة (١٠٢٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٦٣٧/٢. وأورده الحليمي في المنهاج في شعب الإيمان ٢/ ٤١٧، وفي إسناده طلحة بن عمرو الحضرمي، قال الذهبي في الميزان ٢/ ٣٤٠: ضعَّفه ابن معين وغيره، وقال أحمد والنسائي: متروك الحديث، وقال البخاري وابن المديني: ليس بشيء. اهـ. ولم نقف عليه عند الماوردي في تفسيره. والأُسُّ مثلثة: أصل البناء. القاموس (أسس). (٣) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٤١٦/٢، وأخرجه الأزرقي مطولاً في أخبار مكة ٣٧/١ و٤١. (٤) في (ز): ومعه. (٥) وهو المنهاج في شعب الإيمان ٢/ ٤١٧. وخبر قتادة أخرجه الطبري ٥٣٨/٢ دون قوله: وهو الذي يدعی البيت المعمور. (٦) في (ز) و(د) و(خ): تقديره. (٧) في (خ) و(م) وهامش (ز): وتحرَّى، وفي (ز): وتحرَّ، وفي (ظ): ويجزي، والمثبت من (د) وهو الموافق لما في المنهاج. (٨) أخرج البيهقي في شعب الإيمان (٣٩٩٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: البيت المعمور بيت في السماء بحيال الكعبة، لو سقط سقط عليها ... ٣٨٩ سورة البقرة : الآية ١٢٧ أُنزلت وضُربت في موضع الكعبة، فلمَّا أُمر ببنائها فبناها، كانت حول الكعبة طمأنينةً لقلب آدمَ بَّهِ ما عاش ثم رُفعت، فتتفق هذه الأخبار. فهذا بناءُ آدم عليه السلام، ثم بناه إبراهيمُ عليه السلام. قال ابن جُريج: وقال ناس: أرسلَ الله سحابةً فيها رأس، فقال الرأس: يا إبراهيمُ، إن ربَّك يأمرُك أن تأخذَ بقَدْر هذه السحابة، فجعل ينظر إليها ويَخُظُ قَدْرها، ثم قال الرأس: إنه قد فعلتَ، فحفر فَأَبْرَز عن أساسٍ ثابتٍ في الأرض(١). ورُوِيَ عن عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن الله تعالى لمَّا أَمرَ إبراهيم بعمارة البيت، خرج من الشام ومعه ابنُه إسماعيلُ وأمُّه هاجر، وبعث معه السَّكينة لها لسانٌ تتكلّم به، يَغْدُو معها إبراهيم إذا غَدَتْ، ويروح معها إذا راحت، حتى انتهت به إلى مكةَ، فقالت لإبراهيم: ابْن على موضعي الأساسَ، فرفع البيتَ هو وإسماعيلُ حتى انتهى إلى موضع الرُّكن، فقال لابنه: يا بُنَيَّ، ابغِني حجراً أَجْعَله عَلَماً للناس، فجاءه بحجر فلم يَرْضَه؛ وقال: ابغني غيرَه؛ فذهب يلتمس، فجاءه وقد أتى بالرُّكن فوضعَه مَوْضِعَه، فقال: يا أبة، مَن جاءك بهذا الحجر؟ فقال: مَن لم يَكِلْني إليك(٢). ابن عباس: صاحَ أبو قُبيس: يا إبراهيمُ، يا خليل الرحمن، إن لك عندي وديعةً فخذها، فإذا هو بحجرٍ أبيضَ من ياقوت الجنة، كان آدمُ قد نزلَ به من الجنة، فلمَّا رفَعَ إبراهيمُ وإسماعيل القواعدَ من البيت جاءت سحابةٌ مربَّعةٌ فيها رأسٌ، فنادت: أن ارفعا على تَرْبيعي(٣). فهذا بناءُ إبراهيمَ عليه السلام. (١) التمهيد ٣١/١٠، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٠٩٤)، وأخرجه أيضاً الأزرقي في أخبار مكة ١/ ٦٠ عن ابن جريج عن علي رضي الله عنه. (٢) أخرجه بنحو ما ذكره المصنف الأزرقي في تاريخ مكة ٦١/١-٦٢، والحارث (٣٨٨)، والطبري ٥٦١/٢-٥٦٢، والحاكم في المستدرك ٤٥٨/١، ٢٩٢/٢-٢٩٣، والبيهقي في الشعب (٣٩٩١)، والضياء في الأحاديث المختارة (٤٣٨) كلهم من طريق سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن علي رضي الله عنه، وفيه تصريح أن الذي أتى بالحجر هو جبريل عليه السلام. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. (٣) ذكره البغوي مختصراً في التفسير ١١٥/١. ٣٩٠ سورة البقرة : الآية ١٢٧ ورُوِيَ أن إبراهيمَ وإسماعيلَ لمَّا فَرَغا من بناء البيت أعطاهما الله الخيلَ جزاءً عن رَفْعِ قواعدِ البيت؛ رَوَى(١) التِّرمذيُّ الحكيم(٢): حدَّثنا عمر بن أبي عمر(٣)، حدَّثني نُعَيْم بن حماد، حدَّثنا عبد الوهاب بن هَمَّام أخو عبد الرزاق، عن ابن جُرَيجٍ، عن ابن أبي مُلَيْكةَ، عن ابن عباس قال: كانت الخيلُ وَحْشاً كسائر الوحش، فلمَّا أَذِن الله لإبراهيم وإسماعيل برفع القواعد قال الله تبارك اسمُه: إني مُعْطِيكما كَنْزاً اذَّخرتُه لكما، ثم أوحَى إلى إسماعيل أنِ اخرج إلى أَجْياد، فادعُ يأتِك الكنز. فخرج إلى أجياد - وكانت وطناً - ولا يدري ما الدعاءُ ولا الكنز(٤)، فَأَلْهِمَّهُ، فلم يبقَ على وجه الأرض فرسٌ بأرض العرب إلا جاءته، فأمكنته من نواصيها، وذلَّلها له. فاركبوها واعلِفُوها، فإنها مَيامين، وهي ميراثُ أبيكم إسماعيلَ، فإنما سُمّيَ الفرسُ عربياً لأنَّ إسماعيل أُمِر بالدعاء، وإياه أتى. وروى عبد المنعم بن إدريس(٥)، عن وَهْبٍ بن مُنَبِّهِ قال: أولُ مَن بنَى البيت (٦) بالطين والحجارة شيئ عليه السلام وأما بُنْيانُ قريشٍ له فمشهورٌ، وخَبَرُ الحيّة في ذلك مذكور، وكانت تمنعهم من هَدمه، إلى أن اجتمعت قريش عند المقام، فعَجُوا إلى الله تعالى وقالوا: ربَّنا، لم تُرَعْ(٧)! أَرَدْنا تشريفَ بيتِك وتزيينه، فإن كنتَ ترضى بذلك، وإلا فمَا بدا لك فافعل، (١) في (د) و(ز) و(خ): فروى. (٢) لم نقف عليه عند الحكيم الترمذي وأورده السيوطي في الدر المنثور ١٩٤/٣ ونسبه للنجاد في جزئه. (٣) في (ز): عمرو بن أبي عمرو. (٤) في (د): ولا ما الكنز. (٥) اليماني، مشهور قصاص، ليس يعتمد عليه، تركه غير واحد، قال أحمد بن حنبل: كان يكذب على وهب بن منبه، وقال البخاري: ذاهب الحديث، وقال ابن حبان: كان يضع على أبيه وعلى غيره. الميزان ٦٦٨/٢. (٦) التمهيد ٣٢/١٠، وذكره أيضاً ابن قتيبة في كتاب المعارف ص ٢٠. (٧) في (٥) و(ز) و(خ): لِمَ نُراعُ، وفي (ظ): تردنا وقد، وعند عبد الرزاق: لم نُرَعْ، والمثبت من (م) وهو موافق لما في التمهيد وسيرة ابن هشام ١/ ١٩٥ وذكر رواية أخرى: لم نَزِعُ. قال السهيلي في الروض الأُنُف ١/ ٢٢٥ في معنى ((لم تُرَغْ)): هي كلمة تقال عند تسكين الروع، وإظهار اللين والبرّ في القول، ولا روع في هذا الموطن فينفى، ولكن الكلمة تقتضي إظهار قصد البرّ، فلذلك تكلموا بها. ٣٩١ سورة البقرة : الآية ١٢٧ فسمعوا خَوَاتاً(١) من السماء - والخَوَات: حَفِيفُ جناح الطير الضخم - فإذا هم (٢) بطائر أعظمَ من النَّسر، أسودَ الظهر، أبيض البطن والرجلين؛ فغرزَ مخالبه(٣) في قَفَا الحيَّة، ثم انطلق بها تَجُرُّ ذَنَبها أعظمَ من كذا وكذا، حتى انطلق بها نحو أجياد، فهدمتها قريشٌ، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعاً، فبينا النبيُّ وَ ل* يحمل حجارةً من أجياد وعليه نَمِرةٌ، فضاقت عليه النَّمرة، فذهب يرفع النَّمِرةَ على عاتقه، فتُرَى عورتُه من صِغَر النمرة، فنوديَ: يا محمدُ، خَمِّرْ عَوْرَتك. فلم يُرَ عُرْياناً بعدُ. وكان بين بنيانِ الكعبة وبين ما أنزلَ عليه خمسُ سنين، وبين مخرجِه وبنائها خمسَ عَشْرَةَ سنةً. ذكره عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن عبد الله بن عثمان، عن أبي الُّفَيل(٤). وذَكَر عن معمر، عن الزُّهْريّ(٥): حتى إذا بَنَوْها وبلغوا موضعَ الركن، اختصمت قريش في الركن، أيُّ القبائلِ تَلِي رَفْعَه؟ حتى شَجَر بينهم، فقالوا: تعالوا نُحكِّمْ أوَّلَ مَنْ يطلُعُ علينا من هذه السّة، فاصطلحوا على ذلك، فاطَّلَع عليهم رسولُ اللهِ وَّ وهو غلامٌ عليه وِشاحا(٦) نَمِرة، فحكّموه، فأَمر بالرُّكن، فوُضع في ثوب، ثم أَمَر سيّدَ كلِّ قبيلة، فأعطاه ناحيةً من الثوب، ثم ارتقى هو، فرفعوا إليه الرّكن، فكان هو يضعُهُ وَله. قال ابن إسحاق: وحُدِّثتُ أن قريشاً وَجدوا في الركن كتاباً بالسريانية، فلم يُدْرَ ما هو، حتى قرأه لهم رجلٌ من يهود، فإذا فيه: ((أنا الله ذو بَكَّةَ خلقتُها يوم خلَقْتُ السماواتِ والأرضَ، وصوَّرتُ الشمسَ والقمر، وحَفَفْتُها بسبعة أملاك حنفاء، (١) لم تجود الكلمة في النسخ الخطية، ووقع في المطبوع من مصنف عبد الرزاق: خواراً، والمثبت من (م) وهو موافق لما في التمهيد. (٢) في (ز) و(م): فإذا هو. (٣) في (ز) و(م): مخاليبه. (٤) مصنف عبد الرزاق (٩١٠٦). وأبو الطفيل هو عامر بن وائلة الليثي الكناني، ولد بعد الهجرة، ورأى النبي 19، وشهد مع علي حروبه، توفي سنة (١١٠هـ)، وهو آخر من رآى النبي صل18 وفاة. السير ٣/ ٤٦٧ و٤ / ٤٦٧. (٥) مصنف عبد الرزاق (٩١٠٤)، ونقل المصنف الخبرين عنه بواسطة ابن عبد البر في التمهيد ٣٦/١٠، ٣٨. (٦) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): وشاح، والمثبت من (خ)، وهو الموافق لما في مصنف عبد الرزاق والتمهيد. ٣٩٢ سورة البقرة : الآية ١٢٧ لا تزولُ حتى يزول أخشباها، مباركٌ لأهلها في الماء واللبن»(١). وعن أبي جعفر محمد بن عليٍّ قال: كان باب الكعبة على عهد العماليق وجُرْهُم وإبراهيمَ عليه السلام بالأرض حتى بَنَتْه قريش(٢). خرّج مسلمٌ عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألتُ رسول اللهلَ عن الجَدْر، أَمِنَ البيت هو؟ قال: ((نعم)) قلت: فلمَ لَمْ يُدْخِلوه؟ قال: ((إنَّ قومك قَصَّرَتْ بهم النفقةُ)). قلت: فما شأنُ بابه مرتفعاً؟ قال: ((فَعَل ذلك قومُك ليُدخلوا مَن شاؤوا ويمنعوا مَن شاؤوا، ولولا أن قومك حديثٌ عهدُهم في الجاهلية، فأخاف أن تُنكرّ قلوبُهم، لنظرتُ أن أُدخلَ الجَدْرَ في البيت، وأن أُلْزِق بابه بالأرض)»(٣). وخرَّج عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: حدَّثتني خالتي - يعني عائشةً رضي الله عنها - قالت: قال النبيُّوَّ: ((ياعائشةُ، لولا أنَّ قومَك حديثُو عَهْدٍ بِشِرْكِ، لهدمتُ الكعبة، فألزقتُها بالأرض، وجعلتُ لها بابين باباً شرقياً وباباً غربياً، وزِدْتُ فيها ستةً أَذْرُعِ من الحِجْر، فإنَّ قريشاً اقتَصَرَتْها حيث(٤) بَنَتِ الكعبة))(٥). وعن عروة عن عائشة قالت: قال لي رسولُ الله وَلِّ: ((لولا حَداثةُ قومِك بالكفر لنقضتُ الكعبة ولجعلتُها على أساسٍ إبراهيمَ، فإن قريشاً حين بَنَتِ الكعبةَ استقصَرَتْ، ولجعلتُ(٦) لها خَلْفاً))(٧) ... (١) سيرة ابن هشام ١٩٦/١، وأخبار مكة للأزرقي ١/ ٨٠، والتمهيد ٤٤/١٠، وأخرجه الأزرقي ٧٨/١ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (٩٢٢٠) و(٩٢٢١)، والأزرقي ٧٩/١ عن مجاهد. قوله: أخشباها، أي: جبلاها المطيفان بها، وهما أبو قُبيس والأحمر. النهاية (خشب). (٢) التمهيد ٤٦/١٠-٤٧، والخبر من رواية الواقدي. (٣) صحيح مسلم (١٣٣٣): (٤٠٥)، وهو عند البخاري (١٥٨٤). قوله: الجذر - بفتح الجيم وسكون الدال - هو لغة في الجدار. قال الحافظ في فتح الباري ٣/ ٤٤٣: ووهم من ضبطه بضمها؛ لأن المراد الحجر. (٤) في (ظ): حين، وهو كذلك في مسند أحمد. (٥) صحيح مسلم (١٣٣٣): (٤٠١)، وهو عند أحمد (٢٥٤٦٣). (٦) في (ظ): وجعلت. (٧) صحيح مسلم (١٣٣٣) (٣٩٨). وقيد ابن حجر في فتح الباري ٣/ ٤٤٤ ((خلفاً) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام بعدها فاء. وهو عند أحمد (٢٤٢٩٧)، والبخاري (١٥٨٥). ٣٩٣ سورة البقرة : الآية ١٢٧ وفي البخاريّ(١): قال هشام بن عروة: يعني باباً. وفي البخاري أيضاً: ((لجعلتُ لها خَلْفین))(٢) يعني بابين، فهذا بناء قریش. ثم لمَّا غزا أهلُ الشام عبدَ الله بن الزبير، ووَهَت الكعبة من حريقهم، هَدَمها ابنُ الزبير، وبناها على ما أخبرته عائشة، وزاد فيه خمسةً أَذْرُع من الحجر، حتى أبدى أُسًا(٣) نظر الناس إليه، فبنَى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثماني عَشْرَة ذراعاً، فلما زاد فيه استَقْصَرَه، فزاد في طوله عشرة أَذْرُع، وجعل لها بابين، أحدُهما يُدخلُ منه، والآخر يُخرج منه، كذا في صحيح مسلم(٤)، وألفاظ الحديث تختلف. وذكر سفيان، عن داودَ بنِ شابور، عن مجاهد قال: لمَّا أرادَ ابنُ الزبير أن يهدم الكعبة ويَبْنِيَه قال للناس: اهْدِموا، قال: فأبَوْا أن يهدموا، وخافوا أن ينزل عليهم العذاب، قال مجاهد: فخرجنا إلى مِنّى، فأقمنا بها ثلاثاً ننتظر العذاب. قال: وارتَقَى ابنُ الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه، فلما رأَوْا أنه لم يُصِبْه شيءٌ اجترؤوا على ذلك؛ قال: فهدمُوا(٥). فلما بناها جعل لها بابَيْنٍ : باباً يدخلون منه، وباباً يخرجون منه، وزاد فيه ممَّا يلي الحِجْر ستَّةَ أَذْرُع، وزاد في طولها تسعة أذرع(٦). قال مسلم(٧) في حديثه: فلما قُتل ابنُ الزبير، كتبَ الحجَّاجُ إلى عبد الملك بنِ مروانَ يخبره بذلك، ويخبرُه أن ابنَ الزبير قد وضع البناء على أُس (٨) نظر إليه العدولُ من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنَّا لَسْنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما (١) صحيحه (١٥٨٥). (٢) لم نجده في المطبوع من صحيح البخاري، وذكرها القاضي عياض في إكمال المعلم ٤٢٨/٤، ونقلها عنه المصنف، وذكرها أيضاً أبو العباس في المفهم ٤٣٤/٣. (٣) في (د): بدا أساس. (٤) رقم (١٣٣٣): (٤٠٢). (٥) أخرجه الأزرقي في أخبار مكة ٢١٤/١، وابن عبد البر في التمهيد ٤٨٤٧/١٠، وأخرجه مختصراً عبد الرزاق (٩١٨٢). (٦) التمهيد ٤٨/١٠. (٧) صحيح مسلم (١٣٣٣): (٤٠٢). (٨) في (د): أساس قد. ٣٩٤ سورة البقرة : الآية ١٢٧ زاد في طوله فأَقِرَّه، وأما مازاد فيه من الحِجر فرُدَّه إلى بنائه، وسُدَّ البابَ الذي فَتَحه. فنَقَضَه وأعادہ إلی بنائه. في رواية: قال عبد الملك: ما كنت أظنُّ أبا خُبَيْب - يعني ابنُ الزبير - سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال الحارث بن عبد الله (١): بلى، أنا سمعتُه منها، قال: سمعتَها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله وَّه: ((إن قومَكِ استقصروا من بُنْيان البيت، ولولا حداثَةُ عَهْدِهم بالشرك أَعَدْتُ ما تركوا منه، فإنْ بدا لقومكِ من بعدي أن يَبْنُوهِ فَهَلُمِّي لأرِيَكِ ما تركوه(٢) منه)) فأراها قريباً من سبعة أذرع (٣). في أخرى: قال عبد الملك: لو كنتُ سمعتُه قبل أن أهدمه لتركتُه على ما بَنَّى (٤) ابن الزبير(6). فهذا ماجاء في بناء الكعبة من الآثار(٦). ورُوِيَ أن الرشيدَ ذَكَرَ لمالك بنِ أنس أنه يريدُ هَدْمَ ما بَنَى الحجّاجُ من الكعبة، وأنْ يردّه على بناء ابنِ الزبير لِمَا جاء عن النبيِّ وَه، وامتثلَه ابنُ الزبير، فقال له مالك: ناشدتُك الله يا أمير المؤمنين، ألاَّ تجعلَ هذا البيت مَلْعَبةً للملوك، لا يشاءُ أحدٌ منهم إلا نقضَ البيتَ وبناه، فتذهبَ هيبتُه من صدور الناس (٧). وذكر الواقديّ: حدَّثنا مَعْمَر، عن همَّام بن منبِّه سمع أبا هريرةً يقول: نھی رسولُ اللهِوَ ﴿ عن سبِّ أسعد الحِمْيَريِّ، وهو تُبَّع، وهو أوَّلُ مَنْ كسا البيتَ، وهو تُبَّعُ الآخِرُ(٨). (١) ابن أبي ربيعة المخزومي المكي، الأمير، متولي البصرة لابن الزبير، لقب بالقُبَاع باسم مكيال وضعه لهم، وكان خطيباً بليغاً ديّناً. السير ١٨١/٤. (٢) في (م): ما تركوا. (٣) صحيح مسلم (١٣٣٣): (٤٠٣) (٤) في (د): بناه. (٥) صحيح مسلم (١٣٣٣): (٤٠٤). (٦) قال أبو حيان في البحر المحيط ٣٨٧/١: ولا ينبغي أن يعتمد إلا على ما صح في كتاب الله وسنة رسول الله ◌َلڑ . (٧) التمهيد ٤٩/١٠، وإكمال المعلم ٤٢٨/٤، والمفهم ٤٣٨/٣-٤٣٩. (٨) في (ظ): الأكبر. والحديث أخرجه الحارث (٣٩٠) (زوائد)، وابن عدي في الكامل ٢٢٤٩/٦، والذهبي في السير ٤٦٩/٩، وذكره ابن عبد البر في التمهيد ٤٧/١٠، قال الحافظ ابن حجر في المطالب= ٣٩٥ سورة البقرة : الآية ١٢٧ قال ابن إسحاق: كانت تُكْسَى القَباطيَّ، ثم كُسِيت البُرُد، وأوّلُ من کساها الديباجَ الحجاجُ(١). قال العلماء: ولا ينبغي أن يؤخَذَ من كُسوة الكعبةِ شيءٌ، فإنه مُهْدَى(٢) إليها، ولا يُنْقَص منها شيءٌ. رُويّ عن سعيد بن جبير أنه كان يكرهُ أن يؤخذ من طِيب الكعبة يُستشفى به، وكان إذا رأى الخادمَ يأخذُ منه (٣)، قَفَدها قَفْدةً لا يَأْلُو أن يوجعَها. وقال عطاء: كان أحدُنا إذا أرادَ أن يَستشفيَ به، جاء بطيب من عنده، فمسحَ به الحَجَر، ثم أَخَذَه(٤). قوله تعالى: ﴿رَبَّا نَقَبَّلْ مِنَّاً﴾ المعنى: ويقولان رَبَّنَا، فحذف. وكذلك هي في قراءة أُبيِّ وعبدِ الله بنِ مسعود: ((وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيمُ القواعد من البيت وإسماعيلُ ويقولان ربَّنا تقبلْ مِنّا))(٥). وتفسير إسماعيل: اسمع يا الله؛ لأن «إيل)) بالسُّريانية هو الله، وقد تقدَّم (٦). فقيل: إن إبراهيم لمَّا دعا ربَّه قال: اسمع يا إيل، فلما أجابه ربُّه ورزقه الولد، سمَّاه بما دعا(٧). ذكره الما وَزْدِيُّ(٨). العالية ٣٦٤/١: تفرَّد به الواقدي وهو ضعيف. ورواه الفاكهي عن وهب بن منبه - كما في الفتح ٣/ ٤٥٨۔ قال: زعموا، فذكره. وأخرجه الأزرقي في أخبار مكة ٢٤٩/١ من طريق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن همَّام بن منبه، عن أبي هريرة، وإبراهيم قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: متروك. (١) سيرة ابن هشام ١٩٨/١-١٩٩، والتمهيد ٤٥/١٠. قوله: القباطي: جمع قُبطية، وهي ثياب من كتان بيض رقاق، كانت تنسج بمصر، وهي منسوبة إلى القبط على غير قياس. المعجم الوسيط. (٢) في (خ) و(ز): یهدى، وفي (ظ): فإنها تهدى. (٣) في (د): منها. (٤) أخرجهما ابن أبي شيبة في المصنف ((نشرة العمروي)» ٢٥٧/٤. والقفدة: هي صفع القفا بباطن الكفّ. المعجم الوسيط. (٥) النكت والعيون ١/ ١٩٠، وذكر قراءة ابن مسعود أيضاً الطبري في التفسير ٥٥٦/٢، وابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٠، وابن جني في المحتسب ١٠٨/١، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢١١/١. (٦) ٢٦٥/٢-٢٦٦. (٧) في (خ) و(د) و(ز) و(م): دعاه، والمثبت من (ظ). (٨) النكت والعيون ١/ ١٩٠. ٣٩٦ سورة البقرة : الآية ١٢٨ قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ اسمان من أسماء الله تعالى قد أتينا عليهما في ((الكتاب(١) الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى))(٢). قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَّآ أُنَّةٌ مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاً إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِمُ ◌َا﴾ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أي: صَيِّرْنا، و((مُسْلِمَيْن)) مفعول ثان؛ سَأَلا التثبيتَ والدوام(٣). والإسلامُ في هذا الموضع: الإيمانُ والأعمال جميعاً(٤)، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩] ففي هذا دليلٌ لمن قال: إن الإيمان والإسلام شيءٌ واحد؛ وعَضَدُوا هذا بقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٥) ◌َا وَحَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥-٣٦]. وقرأ ابنُ عباس وعَوْفٌ الأعرابيّ: ((مسلمِين)) على الجمع(٥). قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِيَّقِنَّآ أُمَّةُ مُسْلِمَةٌ لَّكَ﴾ أي: ومن ذرِّيَّتنا فاجْعَلْ، فيقال: إنه لم يَدْعُ نبيٍّ إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيمُ، فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته لهذه الأمة(٦). و((من)) في قوله: ((ومِن ذُرِّيَّتِنَا)) للتبعيض؛ لأن الله تعالى قد كان أعْلَمَه أنَّ منهم ظالمين. وحكى الطبريُّ أنه أراد بقوله: ((ومِنْ ذُرِّيَّتِنا)) العربَ خاصةً(٧). قال السهيليُّ: وذُرِّيَّتُهما العربُ؛ لأنهم بنُو نَبْتِ بن إسماعيل، أو بنُو تيمن بن إسماعيل، ويقال: قَيْدَر بن نَبْت بن إسماعيل. أمَّا العدنانيةُ فمن نَبْت، وأما القَخْطانية فمن قَيدر بن نَبت بن إسماعيل، أو تيمن على أحد القولين(٨). (١) في (ز): كتاب. (٢) ص٢٧٧، وفيه شرح ((السميع)). (٣) في (ز) زيادة: على الإسلام. (٤) المحرر الوجيز ٢١١/١. (٥) المحرر الوجيز ٢١١/١. وعزاها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٩ لعوف الأعرابي والحسن. (٦) في النسخ: ولهذه الأمة، والمثبت من النكت والعيون ١٩١/١، وقد نقل المصنف عنه. (٧) حكاه الطبري في تفسيره ٢/ ٥٦٥-٥٦٦ وردَّه، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢١١/١. وسيذكر المصنف لاحقاً تضعيف ابن عطية له أيضاً. (٨) التعريف والإعلام ص ٢٣، وفيه ثابت، بدل: نبت، وقیدار، بدل ڤیدر. ٣٩٧ سورة البقرة : الآية ١٢٨ قال ابن عطيةً(١): وهذا ضعيف؛ لأن دعوتَه ظهرت في العرب(٢)، وفيمن آمن من غيرههم. والأمَّة: الجماعةُ هنا، وتكون واحداً إذا كان يُقْتَدَى به في الخير، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلِّ﴾ [النحل: ١٢٠]، وقال ◌َّر في زيد بن عمرو بن نُفَيْل(٣): ((يُبْعَثُ أمةً وحدَه))(٤) لأنه لم يُشْرِكْ في دينه غيرَه، والله أعلم. وقد يطلقُ لفظ الأمَّة على غير هذا المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَآءَنَا عَلَّىَّ أُمَتِ﴾ [الزخرف: ٢٢]، أي: على دينٍ ومِلَّة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةٌ﴾ [الأنبياء: ٩٢]، وقد تكون بمعنى الحين والزمان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أي: بعد حينٍ وزمان. ويقال: هذه أمَّة زيد، أي: أُمّ زيد. والأُمَّة أيضاً: القامة، يقال: فلانٌ حَسَنُ الأُمَّة؛ أي: حَسَنُ القامة؛ قال: وإِنَّ معاويةَ الأكْرَمِين حِسانُ الوجوه طِوالُ الأُمَمْ(٥) وقيل: الآَمَّةُ الشَّجَّةُ التي تبلغُ أُمَّ الدِّماغ؛ يقال: رجل مأموم وأَمِيم (٦). (١) المحرر الوجيز ٢١١/١. (٢) في (ز): في العرب خاصة. (٣) العدوي، والد سعيد بن زيد أحد العشرة وابن عم عمر بن الخطاب، قال ابن حجر في الإصابة ٤/ ٦١ : ذكره البغوي وابن منده وغيرهما في الصحابة وفيه نظر؛ لأنه مات قبل البعثة بخمس سنين. (٤) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٨١٣١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٧٧٢) من حديث أسماء رضي الله عنها. وأخرجه النسائي أيضاً (٨١٣٢)، والبزار (٢٧٥٥)، وأبو يعلى (٧٢١٢)، والطبراني في الكبير (٤٦٦٣)، والحاكم ٢١٦/٣-٢١٧ من حديث أسامة بن زيد عن أبيه زيد بن حارثة، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأخرجه أيضاً الطيالسي (٢٣٤)، وأحمد (١٦٤٨)، وابن أبي عاصم (٧٧٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٣٥٠)، والحاكم ٤٣٩/٣-٤٤٠، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٦٨)، والبيهقي في دلائل النبوة ١٢٣/٢ -١٢٤، والضياء في الأحاديث المختارة (١١١١)، من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه. وأخرجه أبو يعلى أيضاً (٢٠٤٧) من حديث جابر رضي الله عنه. قال ابن حزم في الإحكام ٤/ ٥٧٨: قد صحَّ عن النبي ◌َ﴿ أن زيد بن عمرو بن نفيل يبعث يوم القيامة أمة وحده. (٥) البيت للأعشى وهو في ديوانه ص٩١، برواية: عِظَامُ القِبَاب ◌ِطِوال الأمم، وهو في مجمل اللغة ٨١/١، والصحاح (أمم) برواية المصنف. (٦) في الصحاح: (أم): وأمَّهُ - أيضاً - أي: شَّه، آمَّةً بالمد، وهي التي تبلغ أُمَّ الدماغ حين يبقى بينها وبين الدماغ جلد رقيق، ويقال: رجل أميم ومأموم، للذي يهذي من أم رأسه. ٣٩٨ سورة البقرة : الآية ١٢٨ قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ ((أرِنَا)) مِن رؤية البصر، فتتعدَّى إلى مفعولَيْن؛ وقيل: من رؤية القلب، ويَلْزَمُ قائلَه أن يتعدَّى الفعلُ منه إلى ثلاثة مفاعيل. قال ابن عطية(١): ويَنْفَصِلُ بأنه يوجد معدَّى بالهمزة من رؤية القلب إلى مفعولَيْن(٢)، قال حُطائط بنُ يعفُر أخو الأسود بن يَعْفُر: أرِيني جواداً ماتَ هَزْلاً لَأَنني أُرَى ما تَرَيْنَ أو بخيلاً مُخَلَّدا(٣) وقرأ عمر بنُ عبد العزيز وقتادةُ وابنُ كثير وابنُ مُحَيْصِن والسُّدِّي ورَوْح عن يعقوبَ ورُوَيْس والسُّوسي: ((أرْنَا))، بسكون الراء في القرآن (٤)؛ واختاره أبو حاتم. وقرأ أبو عمرو باختلاسٍ كسرةٍ الراء، والباقون بكسرها(٥)، واختاره أبو عبيد. وأصلُه: أَرْئِنَا، بالهمز؛ فمَن قرأ بالسكون قال: ذهبتِ الهمزة، وذهبت حركتُها، وبقيت الراء ساكنةً على حالها، واستدلَّ بقول الشاعر: أَرْنا إداوَة عبدِ الله نَملؤها من ماء زمزمَ إنَّ القومَ قد ظَمِؤوا (٦) ومَن كَسَرَ فإنه نقلَ حركةَ الهمزة المحذوفة إلى الراء، وأبو عمرو طَلَبَ الخِفَّة. (١) المحرر الوجيز ٢١١/١. (٢) قال أبو حيان في البحر المحيط ١/ ٣٩١: يعني أنه قد استُعمل في اللسان العربي متعدّياً إلى اثنين ومعه همزة النقل، كما استعمل متعدِّياً إلى اثنين بغير الهمزة. (٣) اختلف في نسبة هذا البيت، فقد نسبه إلى حُطائط بن يعفر أبو عبيدة في مجاز القرآن ٥٥/١، وابن قتيبة في الشعر والشعراء ٢٤٨/١ و٢٦٥، والأصفهاني في الأغاني ٢٧/١٣، والطبري في التفسير ٥٦٩/٢، والتبريزي في شرح ديوان الحماسة ١٢٥/٤، والبكري في سمط اللآلي ٧١٤/٢، والبغدادي في الخزانة ٤٠٦/١، وعند أبي عبيدة والطبري: لَأَنَّني، مثل رواية المصنف، وروايةُ الباقين: لعلني، قال التبريزي: ويروى: لَأَنَّني، بمعنى لعلني، يقال: ائت السوق لَأَنَّك تشتري لنا شيئاً، أي: لعلك. ونسبه الجوهري في الصحاح (علل) لحاتم الطائي، وهو في ديوانه ص ٤٠، وقال ابن منظور في اللسان (علل): ذكر أبو عبيدة أن هذا البيت لحطائط بن يعفر، وذكر الحوفي أنه لدريد، وهذا البيت في قصيدة لحاتم معروفة مشهورة. (٤) في (ز): في كل القرآن. (٥) السبعة ص ١٧٠، والتيسير ٧٦، والنشر ٢/ ٢٢٢. وقراءة أبي عمرو باختلاس كسرة الراء هي من رواية الدوري عنه. (٦) لم نهتد إلى قائله، وذكره أبو حيان في البحر المحيط ٣٩١/١، والسمين الحلبي في الدر المصون ١١٩/٢، وابن عادل الحنبلي في اللباب ٤٨٧/٢. ٣٩٩ سورة البقرة : الآية ١٢٨ وعن شُجاع بن أبي نصر(١) - وكان أميناً صادقاً - أنه رأى رسولَ الله وَّر في المنام، فذاكَرَه أشياءَ من حروف أبي عمرو، فلم يردّ عليه إلا حرفين: هذا، والآخر ((ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نَنْسَأُهَا)) مهموز(٢). قوله تعالى: ﴿مَنَاسِكًا﴾ يقال: إن أصل النُّسُك في اللغة الغَسْل، يقال منه: نَسَّك ثوبَه: إذا غَسَلَه، وهو في الشرع اسمٌّ للعبادة، يقال: رجل ناسك: إذا كان عابداً(٣). واختلف العلماءُ في المراد بالمناسك هنا، فقيل: مناسكُ الحجّ ومَعَالِمُه؛ قاله قتادةُ والسُّديُّ. وقال مجاهدٌ وعطاء وابنُ جُرَيج: المناسك: المذابح، أي: مواضعُ الذبح. وقيل: جميع المتعَبَّدات(٤). وكلُّ ما يُتعبَّد به إلى الله تعالى يقال له: مَنْسَك ومَنْسِك. والناسك: العابد. قال النحاس(٥): يقال: نَسَك يَنْسُك، فكان يجب أن يقال على هذا: مَنْسُك، إلا أنه ليس في كلام العرب مَفْعُل. وعن زهير بن محمد(٦) قال: لمَّا فَرَغَ إبراهيمُ عليه السلام من بناء البيت الحرام قال: أيْ رَبِّ، قد فرغتُ، فَأَرِنا مناسِكَنا، فبعث الله تعالى إليه جبريلَ، فحجَّ به، حتى إذا رجعَ من عَرَفةَ وجاء يومُ النَّحر، عَرَض له إبليسُ، فقال له: إِخْصِبْه، فحَصَبه بسبع حَصَيات، ثم الغد، ثم اليوم الثالث، ثم علا ثَبِيراً فقال: يا عبادَ الله ، أجيبوا، فسمع دعوتَه مَن بين الأَبْحُرِ ممن في قلبه مثقالُ ذَرَّة من إيمان، فقال: لبَّيْك اللهمَّ لبيك؛ قال: ولم يزل على وجه الأرض سبعةٌ مسلمون فصاعداً، لولا ذلك لأُهلكتِ الأرض ومَن عليها. وأولُ مَنْ أجابه أهلُ اليمن(٧). (١) في (خ) و(ز) و(ظ): بصرة، وفي (د): نصرة، والمثبت من (م)، وطبقات القراء ٣٢٤/١، والتقريب، وهو أبو نعيم البلخي المقرئ، وقد تقدمت ترجمته ٣١٠/٢. (٢) في (م): مهموزاً، وذكر القصة ابن مجاهد في السبعة ص ٨٢، وسلف نحوها ٢/ ٣١٠، ومن المقرَّر في أصول الشريعة أن المنامات ليست مصدراً للأحكام. (٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ١٩/١. (٤) ينظر النكت والعيون ١/ ١٩١، والمحرر الوجيز ٢١١/١، وأخرج الطبري هذه الأقوال ٢/ ٥٦٧_٥٦٩. (٥) إعراب القرآن ٢٦٢/١. (٦) التميمي، أبو المنذر، المروزي الخَرَقي - بفتحتين - من قرية خَرَق، الخراساني، الحافظ، نزيل الشام، ثم نزيل مكة، توفي سنة (١٦٢هـ). السير ١٨٧/٨. (٧) أخبار مكة للأزرقي ١/ ٧١. ٤٠٠ سورة البقرة : الآية ١٢٨ وعن أبي مِجْلَز قال: لمَّا فرغَ إبراهيم من البيت جاءه جبريلُ عليه السلام، فأراه الطواف بالبيت - قال: وأَخْسَبُه قال: والصفا والمروة - ثم انطلقا إلى العَقَبة، فعَرَض لهما الشيطانُ، فأخذَ جبريلُ سَبْعَ حَصَيات، وأعطَى إبراهيمَ سبعَ حَصَیاتٍ، فرمی وكَبَّر، وقال لإبراهيم: ارْمٍ وكَبِّرْ، فرميا وكبَّرا مع كلِّ رميةٍ حتى أفَلَّ الشيطان، ثم انطلقا إلى الجمرة الوُسْطَى، فَعَرَضَ لهما الشيطانُ، فأخذَ جبريلُ سبعَ حَصَيات، وأعطى إبراهيمَ سبعَ حَصَيات، وقال: إِزْمٍ وكبِّرْ، فرميا وكَبَّرا مع كلِّ رَمْيَةٍ حتى أفَلَ الشيطان، ثم أتيا الجمرة القُصْوَى، فعَرَض لَهما الشيطانُ، فأخذَ جبريلُ سبعَ حَصَياتٍ، وأعطى إبراهيمَ سبعَ حَصَيات وقال: إِزْمٍ وكَبِّرْ؛ فرمَيا وكبّرا مع كلِّ رمية، حتى أفل الشيطان. ثم أتى به جمْعاً، فقال: هاهنا يَجْمع الناسُ الصلوات. ثم أتى به عَرَفَاتَ فقال: عَرَفْتَ؟ فقال: نعم؛ فمِن ثَمَّ سُمِّيَ عرفات(١). ورُويَ أنه قال له: عَرَفْتَ، عرفتَ، عرفتَ؟ أي: مِنَّى، والجَمع، وهذا؛ فقال: نعم؛ فسُمَِّ ذلك المكان عرفات. وعن خُصَيْف بنِ عبد الرحمن(٢) أن مجاهداً حدَّثه قال: لمَّا قال إبراهيم عليه السلام: ((وأَرِنا مناسكنا)) أُرِيَ(٣) الصفا والمروَةَ، وهما من شعائر الله بنصِ القرآن، ثم خرج به جبريلُ، فلما مَرَّ بجمرة العَقَبة إذا إبليسُ علیها، فقال له جبريل: گَبِّر، وازْمِهِ، فارتفعَ إبليس إلى الوسطى، فقال جبريل: كَبِّرْ وازْمِه، ثم في الجمرة القُصْوى كذلك. ثم انطلق به إلى المَشْعر الحرام، ثم أتى به عرفة، فقال له: هل عَرفْتَ ما أَرَيْتُكَ؟ قال: نعم، فسُمِّيتْ عرفات لذلك فيما قيل، قال: فأذِنْ في الناس بالحج، قال: كيف أقول؟ قال: قل: يا أيّها الناسُ أجيبوا رَبَّكم، ثلاث مرات(٤)، ففعل، فقالوا: لبّيك اللهمَّ لبّيك. قال: فَمَن أجاب يومئذ فهو حاجٌ(٥). (١) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ١٤٦/١. وزاد قبل ذكر ((جَمْع)) قوله: ثم أتى به منّى، فقال: هاهنا يحلق الناس رؤوسهم، ثم أتى به جمعاً. (٢) الإمام الفقيه، أبو عون، الخِضْرِمي - بكسر الخاء المعجمة - الأموي مولاهم الجزري الحراني، توفي سنة (١٣٦ هـ) وقيل غير ذلك. السير ١٤٥/٦. (٣) في (م): أي. (٤) في (خ) و(د) و(ز) و(م): مرار، والمثبت من (ظ) وهو موافق لما في أخبار مكة. (٥) أخرجه الأزرقي في أخبار مكة ٦٩/١.