Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ سورة البقرة : الآية ٦٨ وليس المُزاحُ من الاستهزاءِ بسبيل، ألا ترى أنَّ النَّبيَّ نَّهِ كان يَمزَحُ، والأئمةُ بعدَه. قال ابنُ خُوَيْزِ مَنداد: وقد بلغَنا أنَّ رجلاً تقدَّم إلى عُبيدِ الله بن الحسنِ، وهو قاضي الكوفة، فمازحَه عبيدُ الله، فقال: جُبَّتُك هذه من صُوفِ نعجةٍ أو من صُوفٍ(١) كَبْش؟ فقال له: لا تَجهلْ أيُّها القاضي! فقال له عبيدُ الله: وأين وجَدتَ المزاحَ جهلاً؟! فتلا عليه هذه الآية، فأعْرَضَ عنه عبيدُ الله ، لأنَّه رآه جاهلاً لا يَعرِفُ المُزاح (٢) من الاستهزاء، وليس أحدُهما من الآخر بسبيل . قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِِّ لَّنَا مَا هِىَّ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَّرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرُ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ فَأَفْعَلُواْ مَا تُؤْمَّرُونَ قولُه تعالى ﴿قَالُوا أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ هذا تَعنيتٌ منهم وقلَّةُ طَوَاعِيَة، ولو امتثَلُوا الأمرَ وذَبَحوا أيَّ بقرةٍ كانت، لَحَصَلَ المقصودُ، لكنَّهم شدَّدُوا على أنفسهم، فشَدَّد الله عليهم، قاله ابنُ عبَّاس وأبو العالية وغيرُهما(٣). ونحوُ ذلك رَوى الحسنُ البصريُّ عن النَّبِيِّ ◌َِّ(٤). ولغةُ بني عامر: ((ادْعِ))(٥)، وقد تقدَّم(٦). و﴿يُِّنِ﴾ مجزومٌ على جواب الأمر. ﴿مَا هِىَّ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ. وماهِيَّةُ الشيء: حقيقتُه وذاتُه التي هو عليها. قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَُّ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرُ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ في هذا دليلٌ على جواز النَّسخ قبلَ وقتِ الفعل، لأنَّه لمَّا أمرَ ببقرة، اقتضى أيَّ بقرةٍ كانت، فلمَّا زادَ في الصِّفة، نَسَخَ الحُكْمَ الأوَّلَ بغيره، كما لو قال: في ثلاثينَ من الإبلِ بنتُ مَخَاض، ثم نَسَخَه بابنةٍ لَبُونٍ أو حِقَّه. وكذلك ها هنا لمَّا عَيَّنَ الصِّفةَ، صار ذلك نسخاً للحُكم المتقدِّم. والفارضُ: المُسِنَّة. وقد فَرضَت تَفْرِضُ فُروضاً، أي: أسَنَّت، ويقالُ للشَّيءِ القديم: فارِضٌ، قال الرَّاجر : (١) في (م): أوصوف. (٢) في (د) و(ز) و(م): المزح، والمثبت من (ظ). (٣) أخرج الطبري ٩٨/٢، وابن أبي حاتم ٢١٥/١ قول ابن عباس وصحح إسناده ابن كثير في تفسيره عند الآية : ٧١. وأخرج الطبري أيضاً ٩٩/٢ قول أبي العالية . (٤) النكت والعيون ١٣٨/١. (٥) المحرر الوجيز ١٦٢/١. (٦) ١٤٤/٢. ١٨٢ سورة البقرة : الآية ٦٨ مَحامِلٌ فيها رجالٌ فُرَّضُ(١) شَيَّبَ أصداغي فرَأسِي أبيضُ يعني : هَرْمَی. قال آخر: لعَمْرُكَ قَد أَعْطِيتَ جارَك فارِضاً أي: قديماً. تُساقُ إليه ما تقومُ على رِجْلٍ (٢) وقال آخر : يارُبَّ ذي ضِغْنٍ عليَّ فارِضٍ له قُروءٌ كقُروءِ الحائضِ(٣) أي: قدیم. و((لا فارِضٌ)) رفعٌ على الصِّفة لبقرة. ((ولَا بِكْرٌ)) عطفٌ. وقيل: ((لا فارضٌ)) خبرُ مبتدأ مُضمّر، أي: لا هي فارضٌ، وكذا ((لا ذَلُول))، وكذلك ((لا تَسْقِي الحَرْثَ))، وكذلك ((مُسَلَّمَةٌ)) فاعلمه. وقيل: الفارضُ التي قد ولَدَتْ بطوناً كثيرة، فيتَّسعُ جَوْفُها لذلك؛ لأنَّ معنى (١) الرجز من غير نسبة في الصحاح (فرض)، والنكت والعيون ١٣٨/١، ونسبه في اللسان (فرض) لرجل من فُقيم، وقال: قوم فرَّض: ضِخام، وقيل: مُسَانٌ، ونسبه الصغاني في العُباب (فرض) إلى ضَبِّ العدوي. (٢) البيت في الأضداد ص٣٧٦، ومجمع البيان ٢٩٣/١ من غير نسبة، ونسبه الزمخشري في الكشاف ٢٨٧/١، وأبو حيان في البحر المحيط ٢٤٨/١ لخفاف بن ندبة، ونسبه ابن منظور في اللسان (فرض) لعلقمة بن عوف، وعندهم: (ضيفك)) بدل: ((جارك)). وعند بعضهم: ((لعمري) بدل: ((لعمرك)). (٣) هو في تفسير الطبري ٨٣/٢، والنكت والعيون ١٣٩/١، والمحرر الوجيز ١٦٢/١، ومجمع البيان ٢٩٣/١، وتهذيب اللغة (فرض) من غير نسبة، ونسبه في اللسان (فرض) للعجاج . وورد في مجالس ثعلب ٣٠١/١ بلفظ: عليَّ ذي ضغن وضبٍ فارض يارُبَّ مولی شانئ مباغض له قرو كفرو الحائض وفي تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٥٣ بلفظ: يارُبَّ ذي ضغن وضبٌّ فارضٍ ... وفي الأضداد ص٢٨ بلفظ: وصاحب مكاشحٍ مُباغِض ... وفي الحيوان ٦٦/٦ بلفظ: عليّ ذي ضغن وضبٍ فارض ياربَّ مولى حاسدٍ مباغضٍ له قروة كقروء الحائض ١٨٣ سورة البقرة : الآية ٦٨ الفارضِ في اللغة: الواسعُ. قاله بعض المتأخّرين. والبِكْرُ: الصَّغيرةُ التي لم تَحمِلْ(١). وحكى القُتَبِيُّ أنَّها التي ولَدَتْ(٢). والبِكْرُ: الأوَّلُ(٣) من الأولاد، قال: أصبحتَ مِنِّي كذراعٍ من عَضُدْ (٤) پا پِکرَ بِحرَنْنٍ ویا خِلْبَ الگچِدْ والبِكُرُ أيضاً في إناثِ البهائمٍ وبني آدم: ما لم يَفْتَحِلْه الفحلُ، وهي مكسورةٌ الباء، وبفتحِها: الفَتِيُّ من الإبلِ. والعَوَانُ: النَّصَفُ التي قد وَلَدتْ بطناً أو بَظْنَيْن، وهي أقوى ما تكونُ من البقر وأحسنُهُ(٥)، بخلاف الخيل، قال الشاعر يصفُ فرساً : ولا بِعَوانٍ ذاتٍ لَوْنٍ مُخَصَّفٍ(٦) کُمَيْتٍ بَهِیمِ اللَّوْنِ لیس بفارضٍ فرسٌ أَخْصَفُ: إذا ارتَفَعَ البَلَقُ(٧) من بطنه إلى جنبه. وقال مجاهد: العَوَانُ من البقر هي التي قد ولَدَتْ مَرَّةً بعد مَرَّة، وحكاه أهلُ اللُّغة(٨). ويقال: إنَّ العَوَانَ النَّخلةُ الطَّويلة، وهي فيما زعموا لغةٌ يمانيةٌ. وحَرْبٌ عَوَانٌ: إذا كان قبلها حَرْبٌ بِكر، قال زُهيرٌ : إذا لَقِحَتْ حربٌ عَوَانٌ مُضِرَّةٌ ضَروسٌ تُهِرُّ الناسَ أنيابُها عُصْلُ(٩) أي: لا هي صغيرةٌ، ولا هي مُسنَّةٌ، أي: هي عَوانٌ، وجمعُها ((عُوْنٌ)) بضمِّ العين (١) النكت والعيون ١٣٩/١. (٢) تفسير غريب القرآن ص ٥٣ . (٣) في (ز) و(ظ): البطن الأول . (٤) البيت للكميت، وهو في ديوانه ١٦٦/١. قوله: الخِلب، أي: الحجابُ الذي بين القلب وسواد البطن، يقال للرجل الذي تحبه النساء: إنه لخلب نساء. قاله الجوهري في الصحاح. (٥) النكت والعيون ١٣٩/١. (٦) البيت لأمية بن أبي الصلت، وهو في ديوانه ص ١٣٢، ولفظُ عجزِه فيه: ولا بخصيف ذاتٍ لونٍ مرقّم (٧) أي: السواد والبياض. الصحاح (بلق). (٨) المحرر الوجيز ١٦٢/١، وأخرج قول مجاهد الطبري ٨٩/٢. (٩) ديوانه ص ٣٠٦، بشرح الشنتمري. وقال في شرح البيت: لقحت حرب، أي: حملت، ومعناه: اشتدّت وقويت، والعوان: الحرب التي ليست بأولى، وهي الحرب التي قوتل فيها مرة بعد مرة، وتُهُّ الناس: أي تُصيرهم يَهرُّونها، أي: يكرهونها، والعُضل: الكالحة المعوجّة، ضربها مثلاً لقوة الحرب وقدمها لأن ناب البعير إنما يعصل إذا أسنَّ . ١٨٤ سورة البقرة : الآية ٦٩ وسكونِ الواو، وسُمع ((عُوُن)) بضمِّ الواو، كرُسْل ورُسُل(١). وقد تقدَّم(٢). وحكى الفَرَّاءِ(٣) من العَوان: عَوَّنَتْ تَعْوِيناً. قوله تعالى: ﴿فَأَفْعَلُواْ مَا تُؤْمَّرُونَ﴾: تجديدٌ للأمر، وتأكيدٌ وتنبيهٌ على تركِ التَّعَنُّت، فما تركوه(٤). وهذا يدلُّ على أنَّ مقتضَى الأمرِ الوجوبُ كما تقولُه الفقهاءُ، وهو الصَّحيحُ على ما هو مذكورٌ في أصولِ الفقهِ، وعلى أنَّ الأمرَ على الفَوْر، وهو مذهبُ أكثرِ الفقهاءِ أيضاً. ويدلُّ على صحَّةٍ ذلك أنَّه تعالى استَقصَرهم حين لم يُبادِرُوا إلى فعلِ ما أُمِروا به، فقال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. وقيل: لا، بل على الثَّراخي، لأنَّه لم يُعنِّفْهم على التَّأخير والمراجعةِ في الخطاب. قاله ابنُ خُوَیزِ مَنْداد . قوله تعالى: ﴿قَالُواْ آَدْعُ لَنَا رَيَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَأَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّظِرِينَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَأَ﴾ ((ما)) استفهام مبتَدأةٌ، و(لونُها)) الخبرُ. ويجوزُ نصبُ ((لونها)) بـ((يُبيِّنْ))، وتكونُ ((ما)) زائدةً(٥). واللَّونُ واحدٌ الألوان، وهو هيئةٌ كالسَّوادِ والبياضِ والحُمرة. واللَّوْنُ: النَّوعُ. وفلان مُتَلَوِّنٌ: إذا كان لا يَثْبُتُ على خُلُقٍ واحد وحالٍ واحد، قال(٦): كلَّ يومٍ تَتلوَّنْ (٧) غير هذا بكَ أجْمَلْ ولَوَّنَ البُسْرُ تلَوِيناً: إذا بَدَا فيه أثَرُ النُّضْجِ. واللَّوْنُ: الدَّقَلُ، وهو ضربٌ من (١) قوله: ورسل، ليس في (م). (٢) ١٨٠/٢. (٣) معاني القرآن ٤٥/١. (٤) المحرر الوجيز ١٦٣/١. (٥) إعراب القرآن ٢٣٥/١. (٦) لم نقف على قائله، وأورده ابن قدامة في التوابين ص ٢٥٤، والسمين في الدر المصون ٤٢٤/١. (٧) في هامش (ز): كل وقت تتبدل. (نسخة). ١٨٥ سورة البقرة : الآية ٦٩ النَّخل. قال الأخفشُ (١): هو جماعةٌ، واحدُها: لِينة. قوله: ﴿صَفْرَآءُ﴾ جمهورُ المفسّرين أنها صفراءُ اللَّون، من الصُّفْرة المعروفة. قال مكّيٍّ عن بعضِهم: حتَّى القَرْن والظُّلْف. وقال الحسنُ وابنُ جُبير: كانت صفراءَ القرنِ والظّلْفِ فقط(٢). وعن الحسنِ أيضاً: ((صفراءُ)) معناه سوداء(٣)، قال الشّاعر(٤): تلك خَيْلي منه وتلك رِكابي هُنَّ صُفْرٌ أولادُها كالزَّبِيبِ قلت: والأوَّلُ أصحُّ، لأنه الظاهرُ، وهذا شاٌّ لا يُستعملُ مجازاً إلا في الإبلِ (٥)، قال الله تعالى: ﴿كأنه جِمَالاتٌ(٦) صُفْر﴾ [المرسلات: ٣٣] وذلك أنَّ السُّودَ من الإبلِ سوادُها صُفرةٌ. ولو أراد السَّوادَ لَمَا أَّده بالفُقُوع، وذلك نَعْتُ مختَصِّ بالصُّفرةِ، وليس يوصفُ السَّوادُ بذلك، تقول العربُ: أسودُ حالِكٌ، وحَلَكُوٌ، وحُلْكُوٌ(٧)، ودَجُوجِيٍّ، وغِرْبيبٌ، وأحمرُ قانِئٌّ، وأبيضُ ناصعٌ، ولَهِقٌ ولِهَاقُ ويَقَقٌّ (٨)، وأخضرُ ناضرٌ، وأصفرُ فاقِعٌ. هكذا نَصَّ نَقَلَةُ اللغةِ عن العرب. قال الكسائيُّ: يقال: فَقَعَ لَوْنُهَا يَفْقَعُ ويَفْقُعُ(٩) فقوعاً: إذا خَلَصَتْ صُفْرتُه. والإفقاعُ: سوءُ الحال. وفواقعُ الدَّهرِ: بوائقُه. وفَقَّعَ بأصابعِه: إذا صَوَّتَ(١٠)، ومنه حديثُ ابنِ عبَّاس: نهى عن التَّفقيع في الصَّلاةُ(١١)، وهي الفَرْقَعةُ، وهي غَمْزُ الأصابعِ حتَّى تُنْقِضَ. ولم ينصرف ((صفراء)) في (١) معاني القرآن ٧٠٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح (لون). (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٩٣/٢-٩٤، وابن أبي حاتم ٢٢٠/١. (٣) أخرجه سعيد في سننه (التفسير) (١٩٢)، والطبري ٩٣/٢، وابن أبي حاتم ٢٢٠/١. (٤) هو الأعشى، والبيت في ديوانه ص٣٨٥. (٥) المحرر الوجيز ١٦٣/١ . (٦) كذا جاء رسمها في النسخ الخطية، وهي قراءة نافع وابن كثير والبصري والشامي وشعبة. يُنظر السبعة ص ٦٦٦، والتیسیر ص ٢١٨. (٧) في القاموس (حلك): حُلكوك، كعصفور، وقَرَبوس. (٨) في القاموس (لهق) و(يقق): أبيضُ لهق، كجبل، وكتف، وسحاب، وكتاب، وأبيض يقق، محركةً، وككتف: شديدُ البياض. (٩) في (ظ): وتفقع، وليست في (م)، والمثبت من (د) و(ز). (١٠) الصحاح (فقع)، ومجمل اللغة ٧٠٤/٣. (١١) أخرج سحنون في المدونة ١٠٨/١ عن شعبة مولى ابن عباس قال: صليت إلى جانب ابن عباس، ففقعت أصابعي، قال: فلما صلى قال: لا أمّ لك! تفقعُ أصابعك وأنت في الصلاة.؟! ١٨٦ سورة البقرة : الآية ٧٠ معرفةٍ ولا نكرةٍ، لأنَّ فيها ألفَ التَّأنيث، وهي ملازمةٌ، فخالفت الهاءَ، لأنَّ ما فيه الهاءُ ينصرفُ في النَّكرة(١)، كفاطمةٍ وعائشةٍ . قولُه تعالى: ﴿فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾: يريدُ خالصاً لونُها، لا لَوْنَ فيها سِوى لونِ جلدِها. ﴿تَسُرُ النَّظِرِينَ﴾ قال وَهْبٌ: كأنَّ شُعاعَ الشَّمسِ يخرُجُ من جلدِها(٢)، ولهذا قال ابنُ عبَّاس: الصُّفْرةُ تَسُرُّ النَّفْسَ، وحَضَّ على لباس النِّعالِ الصُّفْرِ(٣)، حكاه عنه النَّقَّاش. وقال عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه: من لبسَ نعلَي جلدٍ أصفرَ، قلَّ هَمُّه، لأنَّ الله تعالى يقولُ: ﴿صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُزُ النَّظِرِينَ﴾، حكاه عنه الثعلبي(٤). ونَّهَى ابنُ الزبيرِ ومحمد بنُ أبي كثير عن لباسِ النِّعال السُّود، لأنَّها تُهِمُّ. ومعنى ((تَسُرُّ)): تُعجِبُ. وقال أبو العالية: معناه في سَمْتِها ومنظرِها، فهي ذاتُ وَصْفَين(٥)، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنٍ لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّاَ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ فَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا﴾ سألوا سؤالاً رابعاً، ولم يَمْتثلوا الأمرَ بعد البيان. وذكَّر البقر، لأنَّه بمعنى الجمع، ولذلك قال: ((إنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا» فذَّره وأخرج ابن ماجه (٩٦٥)، والبزار (٨٥٤) عن علي مرفوعاً: لا تُفقّع أصابعَك وأنت في الصلاة. ونقل = المناوي في فيض القدير ٦/ ٤١٤ عن العراقي ومغلطاي تضعيف سنده . وأخرج أحمد (١٥٦٢١)، والطبراني (٤٢٠)، والبيهقي ٢٨٩/٢، وابن الجوزي في التحقيق (٢٠٧) عن معاذ بن أنس مرفوعاً: إن الضاحك في الصلاة، والملتفت، والمفقع أصابعه بمنزلة واحدة. وعند البيهقي وابن الجوزي: والمفرقع. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧٩/٢: فيه ابنُ لهيعة، وفيه كلام معروف، عن زياد بن فائد وهو ضعيف . (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٥/١. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٩٦/٢، وابن أبي حاتم ٢٢٢/١. (٣) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٢٣٥/١، والطبراني (١٠٦٠٢)، والخطيب في تاريخ بغداد ٢٥/٥، والجامع لأخلاق الراوي (٩٢٢). قال أبو حاتم كما في العلل ٣١٩/٢: هذا حديث كذب موضوع. (٤) عرائس المجالس ص٢٣٥، والضعف فيه ظاهر. (٥) المحرر الوجیز ١٦٣/١، وفيه: یحیی بن أبي كثير بدل محمد. ١٨٧ سورة البقرة : الآية ٧٠ اللفظِ تذكيرِ البقر. قال قُظْرُب: جمعُ البقرة باقِر وباقُور وبَقَر(١). وقال الأصمعيّ: الباقرُ جمعُ باقرة، قال: ويجمعُ بقرٌ على باقورة، حكاه النَّحاس(٢). وقال الزَّجَّاج: المعنى: إنَّ جنسَ البقر(٣). وقرأ الحسنُ فيما ذكر النَّحاسُ(٤)، والأعرجُ فيما ذكر الثَّعلبيُّ: ((إنَّ البقر تَشَّابَهُ))(٥) بالتاء وشدِّ الشِّين، جعلَه فعلاً مُستقبلاً وأنََّه. والأصل(٦): تَتَشابهُ، ثمَّ أدغَمَ الثَّاءَ في الشِّين(٧). وقرأ مجاهدٌ ((تَشبَّه)) كقراءتهما، إلا أنه بغير ألفٍ(٨). وفي مُصحف أبيِّ: (تَشَّابهت)) بتشديدِ الشِّين. قال أبو حاتم: وهو غلطٌ، لأنَّ التاء في هذا الباب لا تُدغمُ إلا في المضارَعة(٩). وقرأ يحيى بنُ يَعمر: ((إنَّ الباقرَ يَشَّابَهُ))(١٠)، جَعَلَه فعلاً مستقبلاً، وذكّر البقرَ(١١) وأدغم. ويجوزُ: ((إنَّ البقرَ تَشَابَهُ)) بتخفيف الشِّين وضمِّ الهاء، وحكاها الثَّعلبيُّ عن الحسن(١٢). النَّحاس(١٣): ولا يجوزُ ((يَشَابَهُ)) بتخفيف الشِّين والياء، وإنَّما جازَ في التاء، لأنَّ الأصلَ تَتَشابه، فحذِفتْ لاجتماع التَّاءين. (١) في (ظ) ويقير . (٢) إعراب القرآن ٢٣٥/١. (٣) معاني القرآن ١ / ١٥٥. (٤) إعراب القرآن ٢٣٦/١، والمحرر الوجيز ١٥٤/١. (٥) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٧ لابن مسعود، ونسبها إلى الأعرج أبو حيان في البحر ٢٥٤/١، وذكرها دون نسبة الأخفش في معاني القرآن ١/ ٢٨٠، والزجاج في معاني القرآن ١٥٤/١. (٦) في (د) و(ظ): وأصله . (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٦/١. (٨) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٧، وقيدها أبو حيان في البحر على وزن: تَفَعَّلَ. (٩) ذكر أبو حيان في البحر المحيط ٢٥٤/١ قراءة ((تشابهت)) عن أبيّ من غير تشديد الشين، وعن ابن أبي إسحاق بالتشديد. واستبعدَ نقلها عن ابن أبي إسحاق وهو رأسٌ في علم النحو، وقال: يمكن أن توجّه هذه القراءة على أنَّ أصله: اشَّابهت، والتاء هي تاء البقرة، وأصله: إن البقرةَ اشّابهت علينا، ويقوّى ذلك لحاقُ تاء التأنيث في آخر الفعل ... فظنَّ السامع أن تاء البقرة هي تاءٌ في الفعل، إذ النطق واحد، فتوهّم أنه قرأ: تشابهت. (١٠) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٧ لمحمد ذو الشامة وفي نسخة منه: تشَّابه. اهـ. وزاد في (د): بالتاء وتشديد الشين، وكذلك ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ١٦٣/١. (١١) في إعراب القرآن للنحاس ٢٣٦/١: الباقر. (١٢) القراءات الشاذة ص ٧. (١٣) إعراب القرآن ٢٣٦/١. ١٨٨ سورة البقرة : الآية ٧١ والبقرُ والباقرُ والبَيْقُورُ والبَقِيرُ لغاتٌ بمعنى، والعربُ تُذكِّرُهُ وتُؤنِّئُه، وإلى ذلك ترجعُ معاني القراءات في (تَشَابَهَ)). وقيل: إنَّما قالوا: ((إنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا)) لأنَّ وجوه البقرِ تَتشابَه، ومنه حديثُ حُذيفةَ بنِ اليَمانِ عن النَّبِيِّ وَرِ أَنَّه ذكر: ((فتَناً كَقِطَعِ الليلِ تأتي كوجوهِ البقرِ)»(١). يريدُ أنها يُشبِهُ بعضُها بعضاً. ووجوهُ البقر تتشابهُ، ولذلك(٢) قالت بنو إسرائيل: إنَّ البقر تَشَابَهَ علينا. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ استثناءٌ منهم، وفي استثنائهم في هذا السُّؤالِ الأخيرِ إنابةٌ ما وانقيادٌ، ودليلُ ندم(٣) على عدم موافقة الأمر(٤). ورُوي عن النَّبيِّ وَلِ﴿ أنه قال: ((لو ما(٥) اسْتَثْنَوْا ما اهْتَدَوْا إليها أبداً)) (٦). وتقديرُ الكلام: وإنَّا لمهتدون إن شاء الله. فقُدِّم على ذكرِ الاهتداءِ اهتماماً به. و((شاء)) في موضع جزم بالشرط، وجوابُه عند سيبويه الجملةُ ((إنَّ)) وما عَمِلتْ فيه. وعند أبي العبّاس المبردِ محذوفٌ(٧). قولُه تعالى: ﴿قَالَ إِنَُّ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَّرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الَْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِبَةَ فِيهَا قَالُواْ الْقَنَ جِئْتَ بِالْحَقّ فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُلٌ﴾ قرأ الجمهورُ: ((لا ذلولٌ)) بالرفع على الصِّفةِ لبقرة. قال الأخفش: ((لا ذلول)) نعتُه، ولا يجوزُ نصبُه. وقرأ أبو عبد الرَّحمن السُّلَمِيُّ: ((لا ذلولَ))(٨) بالنَّصبِ على النفي، والخبرُ مضمرٌ، ويجوزُ: لا هي ذلولٌ، (١) أخرجه أحمد (٢٣٣٢٨)، ولفظه: ((فتن كقطع الليل المظلم، يتبع بعضها بعضاً، تأتيكم مشتبهة كوجوه البقر)). (٢) في (د): ولأجل ذلك . (٣) في (د) و(ظ): تدبر . (٤) المحرر الوجيز ١٦٣/١. (٥) في (د): لولا . (٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٢٣ بنحوه من حديث أبي هريرة. وقال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: هذا حديث غريب، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة. وأخرجه الطبري ٩٩/٢ ١٠٠ عن ابن جريج وقتادة مرسلاً. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٩٣) (التفسير) عن عكرمة مرسلاً. وأخرجه الطبري ٩٨/٢ و٩٩ عن عكرمة وأبي العالية قولَهما. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٦/١. (٨) إعراب القرآن ٢٣٦/١، والقراءات الشاذة ص ٧، والكشاف ٢٨٨/١، والمحرر الوجيز ١٦٣/١. ١٨٩ سورة البقرة : الآية ٧١ ولا هي تسقي الحرثَ، هي مُسَلَّمةٌ، ومعنى ((لا ذلولٌ)) لم يُذلِّلْها العملُ، يقالُ: بقرةٌ مذلَّلةٌ بيِّنةُ الذِّل، بكسرِ الذَّال، ورجلٌ ذليلٌ بَيِّنُ الذُّلِّ، بضمِ الذَّال(١). أي: هي بقرةٌ صعبةٌ غيرُ رَيِّضَةٍ، لم تُذَلَّلْ بالعمل. قوله تعالى: ﴿يُثِيرُ الْأَرْضَ﴾: ((تُثِيرُ)) في موضع رفع على الصِّفَة للبقرة، أي: هي بقرةٌ لا ذَلُولٌ مُثيرةٍ(٢). قال الحسن: كانت تلك البقرةُ وحْشِيَّةً(٣)، ولهذا وَصَفَها الله تعالى بأنها لا تُثيرُ الأرضَ ﴿وَلا تَسْقِي الحَرْث﴾ أي: لا يُسْنَى بها لِسَقْىِ الزرع، ولا يُسْقَى عليها، والوقفُ هاهنا حَسَن(٤) على هذا التأويل(٥). وقال قوم: ((تُثير)) فعلٌ مستأنَفٌ، والمعنى إيجابُ الحرث لها، وأنها كانت تحرثُ ولا تَسقي(٦). والوقفُ على هذا التأويل ((لا ذلول)). والقولُ الأوَّل أصحُّ لوجهين: أحدهما: ما ذَگره النحاس عن عليّ بن سلیمان أنه قال: لا يجوز أن یکون ((تُثیر)» مستأنفاً؛ لأن بعده: (ولا تسقي الحرث))، فلو كان مستأنفاً لَما جمع بين الواو و((لا))(٧). الثاني: أنها لو كانت تُثير الأرضَ لكانت الإثارةُ قد ذَلَّلَتْها، والله تعالى قد نفَى عنها الذُّلَّ بقوله: ((لا ذَلول))(٨). قلت: ويُحتمل أن تكون ((تثير الأَرْضَ)) في غير العمل مَرَحاً ونشاطاً، كما قال امرُؤُ القيس : (١) المحرر الوجيز ١٦٣/١. (٢) المحرر الوجيز ١٦٣/١ -١٦٤. (٣) أخرجه الطبري ٩٣/٢ و١٠٧، ٢١٣، وفيه جويبر بن سعيد، قال فيه الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: ضعيف جداً . (٤) يعني الوقف على قوله: ﴿يُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ كما في إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري ١/ ٥٢٠، أما الوقف على قوله: ﴿وَلَا تَسْقِى لَلْزَثَ﴾ فهو وقف كافٍ، كما في المكتفى لأبي عمرو الداني ١٦٦. (٥) قوله: على هذا التأويل، من (ز). (٦) المحرر الوجيز ١٦٤/١. (٧) إعراب القرآن ٢٣٦/١. (٨) ينظر إيضاح الوقف والابتداء ٥٢٠/١ -٥٢١. ١٩٠ سورة البقرة : الآية ٧١ إثارةَ نَبَّاتِ الهواجرِ مُخْمِسٍ(١) يُهيل ويُذِي تُرْبَه ويُثیرُه فعلى هذا يكون ((تثير)) مستأنفاً، ((ولا تسقي)) معطوفٌ عليه؛ فتأمَّلْه. وإثارةُ الأرض: تحريكُها وبَحْثُها، ومنه الحديث: ((أثِيُروا القرآنَ، فإنه(٢) عِلْمُ الأوَّلين والآخِرِين)) وفي رواية أخرى: ((مَن أرادَ العلْمَ فليثَوِّر القرآنَ)) وقد تقدَّم(٣). وفي التنزيل: ﴿وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ﴾ [الروم: ٩]. أي: قلَبوها للزراعة. والحرثُ: ما حُرث وزُرِع. وسيأتي(٤). مسألة(٥): في هذه الآية أدلُّ دليلٍ على حَصْر الحيوانِ بصفاته، وإذا ضُبط بالصفة، وحُصِر بها، جاز السَّلَمُ فيه. وبه قال مالكٌ وأصحابه، والأوزاعيُّ، واللَّيث، والشافعيُّ. وكذلك كلُّ ما يُضبط بالصّفة؛ لوصفِ الله تعالى البقرةَ في كتابه وصفاً يقوم مَقامَ التعيين، وقال رسول الله وَّهِ: ((لا تَصِفِ المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنَّه يَنظُرُ إليها)) أخرجه مسلم(٦). فجعل ◌َّهِ الصِّفةَ تقومُ مقام الرؤية، وجعل وَ ل﴿ِ دِيَةَ الخطأ في ذِمَّةٍ مَنْ أَوجبَها عليه دَيْناً إلى أجل، ولم يجعلها على الحلول، وهو يَرُدُّ قول الكوفيين أبي حنيفة وأصحابه والثورِيِّ والحسن بن صالح حيث قالوا: لا يجوزُ السَّلَم في الحيوان، ورُوِيّ عن ابن مسعود وحُذيفةً وعبد الرحمن بن سَمُرةً(٧)؛ لأن الحيوان لا يُوقفُ على حقيقةٍ صفته من مشيٍ وحركة، وكلُّ ذلك يزيد في ثمنه، ويرفعُ من(٨) (١) ديوانه ص١٠٢، وجمهرة اللغة ٢/ ٤٢، قال شارح الديوان: نبّات الهواجر، يعني رجلاً اشتدّ عليه حرّ الهاجرة، فجعل ينبث التراب، أي: يُثيره ويستخرجه ليصل إلى برد الثرئ، فيباشره، يدفع بذلك شدة الحرّ والعطش، والمُخْمِس: الذي تَرِدُ إبلُه الخِمْسِ، فشبَّه الثور بهذا الرجل المُخمس في فعله هكذا. (٢) في (د): ففيه . (٣) ١٧٨/٢. (٤) عند تفسير الآية (٢٠٥) من هذه السورة . (٥) في (ظ): ((قلت)) بدل ((مسألة)). (٦) لم نقف عليه عند مسلم، وأخرجه أحمد (٣٦٠٩)، والبخاري (٥٢٤٠) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ولفظه: ((لا تباشرٍ المرأةُ المرأةَ حتى تصفَّها لزوجها كأنما ينظر إليها)). (٧) القرشي العَبْشَمِي، أسلم يوم الفتح، ونزلَ البصرة، وغزا سجستان أميراً على الجيش، توفي سنة (٥٠هـ). السير ٢/ ٥٧١. (٨) في النسخ: ويرفع في قيمته، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في التمهيد ٦٢/٤ - ٦٣. : ١٩١ سورة البقرة : الآية ٧١ قيمته. وسيأتي حكم السَّلَم وشروطه في آخر السورة في آية الدَّيْن، إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ أي: هي مُسَلَّمَةٌ. ويجوزُ أن يكون وصفاً، أي: إنها بقرة مُسَلَّمَةٌ من العَرَج وسائرِ العيوب، قاله قتادةُ وأبو العالية (١)، ولا يقال: مُسَلَّمة من العمل لنفى الله العملَ عنها، وقال الحسن: يعني سليمة القوائم لا أثرَ فيها للعمل(٢). قوله تعالى: ﴿لَّا يُشِيَّةَ فِيهَأَ﴾ أي: ليس فيها لَوْنٌ يخالف معظَمَ لونِها، هي صفراءُ كلُّها لا بياضَ فيها ولا حُمْرةَ ولا سَواد، كما قال: ((فَاقِعٌ لَوْنُهَا)) . وأصل ((شِيَة)): وِشْيَةٍ(٣)؛ حُذفت الواو كما حذفت من: يَشِي، والأصل: يَوْشِي، ونظيره: الزِّنَة، والعِدَة، والصِّلَة. والشِّيَةُ مأخوذة من وَشْي الثوب: إذا نُسجَ على لونين مختلفين، وثَوْرٌ مُوَشَّى: في وجهه وقوائمه سَواد. قال ابنُ عرفة: الشِّيَةُ: اللَّون. ولا يقال لمن نَمَّ: واشٍ، حتى يُغَيِّرِ الكلام، ويُلَوِّنَه، فيجعلَه ضُروباً، ويزيِّنَ منه ما شاء. والوَشْيُ: الكَثْرة، ووَشَى بنو فلان: كَثُرُوا، ويقال: فَرَسٌ أبلقُ، وكَبْشٌ أُخْرَجُ، وتَيْسٌ أَبْرَقُ، وغرابٌ أبْقَعُ، وثور أَشْيَهُ. كلُّ ذلك بمعنى البُلْقَة؛ هكذا نصَّ أهل اللغة (٤). وهذه الأوصافُ في البقرة سببُها أنهم شدَّدوا فشدَّد الله عليهم، ودين الله يُسْرٌ، والتعمُّق في سؤال الأنبياء وغيرهم من العلماء مذمومٌ، نسأل الله العافية(٥) . ورُوي في قصص هذه البقرة رواياتٌ تلخيصُها: أنَّ رجلاً من بني إسرائيل وُلد له ابنٌّ، وكانت له عِجْلةٌ، فأرسلَها في غَيْضة وقال: اللَّهمَّ إني أستودعُك(٦) هذه العِجْلَةَ لهذا الصبيِّ. ومات الرجل، فلما كَبِرَ الصبيُّ قالت له أمُّه، وكان بَرًّا بها: إن أباك (١) أخرجه الطبري ٢/ ١٠٨، وأورده ابن عطية ١٦٤/١. (٢) الوسيط للواحدي ١٥٦/١، والمحرر الوجيز ١٦٤/١. (٣) في (م): وَشِي . (٤) الصحاح: (وشى)، والمجمل ٩٢٦/٤، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٥٤، وتهذيب اللغة ٤٤٤/١١٠، والمحرر الوجيز ١٦٤/١. (٥) المحرر الوجيز ١٦٤/١ . (٦) في (ز) و(ظ): استودعتك . ١٩٢ سورة البقرة : الآية ٧١ استودعَ اللّهَ عِجْلَةً لك، فاذْهَبْ فَخُذْها، فذهب، فلما رأته البقرة جاءت إليه حتى أخذَ بقَرْنَيْها، وكانت مستوحِشةً، فجعلَ يقودُها نحو أمه، فلقیه بنو إسرائيل، ووجدوا بقرته(١) على الصفة التي أُمِروا بها؛ فسامُوه، فاشتطَّ عليهم، وكان قيمتُها - على ما رُوِيّ عن عكرمة - ثلاثةَ دنانير، فأتَوْا به موسى عليه السلام، وقالوا: إن هذا اشتظّ علينا، فقال لهم: أَرْضُوه في مِلْكه، فاشْتَرَوْها منه بوزنها مَرَّةٌ، قاله عَبِيدَة. السُّدِّيّ: بوزنها عشرَ مرات(٢)، وقيل: بملء مَسْكِها دنانير. وذكر مَكِّي أن هذه البقرة نزلت من السماء ولم تكن من بقر الأرض(٣) . فالله أعلم. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ الْكَنَ جِئْتَ بِالْحَقّ﴾ أي: بَيَّنتَ الحقَّ، قاله قتادة(٤). وحكى الأخفشُ(٥): ((قالوا ألآن)) قطع ألفَ الوصل، كما يقال: يا ألله (٦). وحكَى وجهاً آخر: ((قالوا لَانَ)) بإثبات الواو. نظيرُه قراءةُ أهل المدينة وأبي عمرو: ﴿عاداً تُولَىْ﴾ (٧) [النجم: ٥٠]. وقرأ الكوفيون: ((قالوا الآن)) بالهمز. وقراءةُ أهل المدينة: ((قالوا لَان)) بتخفيف الهمز مع حذف الواو لالتقاء الساكنين(٨). قال الزجاج(٩): ((الآن)) مبنيٌّ على الفتح لمخالفته سائرَ ما فيه الألف واللام؛ لأن الألف واللام دخلتا لغير عهد، تقول: أنت إلى الآن هنا، فالمعنى إلى هذا الوقت، فبُنِيت كما بُنيَ ((هذا))، وفُتحت النون لالتقاء الساكنين، وهو عبارةٌ عما بين الماضي والمستقبل . قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ أجاز سيبويه: كاد أن يفعل، تشبيهاً بعسى(١٠). (١) في (ظ) و(م): بقرةً. (٢) في (ظ): مرار. (٣) المحرر الوجيز ١٦٤/١. وأخرج الطبري الأقوال المذكورة ١١٥/٢-١١٦. (٤) أخرجه الطبري ٢/ ١١١. (٥) معاني القرآن ٢٨٢/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٣٧/١. (٦) ردّ الزجاج في معاني القرآن ١/ ١٥٢ هذه الرواية وقال: ليس له وجه في القياس، ولا هي عندي جائز. (٧) السبعة ص ٦١٥، والتيسير ص ٢٠٤. (٨) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٦/١ - ٢٣٧. والقراءة المذكورة من رواية ورش عن نافع من السبعة، ورواية ابن وردان عن أبي جعفر من العشرة. انظر السبعة ص ٦١٥، والتيسير ص ٣٥، والنشر ٤١٤/١. (٩) معاني القرآن ١٥٣/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٣٧/١. (١٠) الكتاب ١٦٠/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس ٢٣٧/١. ١٩٣ سورة البقرة : الآية ٧٢ وقد تقدَّم أوَّل السورة(١). وهذا إخبارٌ عن تَثَبُّطِهم(٢) في ذبحها وقلَّةِ مبادرتهم إلى أمر الله، وقال القُرَظيُّ محمد بنُ كعب: لغلاء ثمنها، وقيل: خوفاً من الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم، قاله وَهْب بن مُنَبِّه(٣). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَثَلْتُمْ نَفْسًا فَدَّارَهُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجُ مَّا كُنْتُمْ تَكْئُونَ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَلْتُمْ نَفْسًا فَدَّارَهْ تُمْ فِيهَا﴾ هذا الكلام مقدَّم على أوَّل القصة، التقدير: وإذ قتلتم نفساً فادَّارأتم فيها، فقال موسى: إن الله يأمركم بكذا. وهذا كقوله: ﴿اَلْحَبْدُ لِلَِّ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَ عَبْدِهِ الْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَُّ عِوَبَا ﴾ قِيَمًا﴾ [الكهف: ١] أي: أَنْزَلَ على عبده الكتابَ قَيِّماً، ولم يَجعل له ◌ِوَجاً، ومِثلُه كثير، وقد بيَّنَّاه أوَّلَ القصة (٤). وفي سبب قتله قولان: أحدهما: لابنةٍ له حسناءَ، أحبَّ أن يتزوَّجها ابنُ عَمِّها، فمنعه عَمُّه، فقتَلَه، وحملَه من قريته(٥) إلى قريةٍ أخرى، فألقاه هناك، وقيل: ألقاه بين قريتين. الثاني: قتَلَه طلباً لميراثه، فإنه كان فقيراً، وادَّعى قَتْلَه على بعض الأسباط(٦). قال عكرمة: كان لبني إسرائيل مسجدٌ له اثنا عَشَرَ باباً، لكلِّ باب قومٌ يدخلون منه، فوجدوا قتيلاً في سِبْطٍ من الأسباط، فادَّعى هؤلاء على هؤلاء، وهؤلاء(٧) على هؤلاء، ثم أَتَوْا موسى يختصمون إليه، فقال: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَهُوا بَقَرَةٌ﴾ الآية(٨). (١) ٣٣٤/١. (٢) في (ز) و(م): تثبيطهم. (٣) المحرر الوجيز ١٦٥/١، وقول محمد بن كعب القُرظي أخرجه الطبري ١١٣/٢ وابن أبي حاتم (٩٤٦)، وقول وهب أخرجه الطبري ٢/ ١١٧. (٤) ١٧٦/٢ - ١٧٧. (٥) في (د) و(ز): قرية. (٦) تفسير الماوردي ١/ ١٤٢. (٧) في (م): وادعى هؤلاء. (٨) أورده ابن عبد البر في الاستذكار ٢٠٤/٢٥-٢٠٥. ١٩٤ سورة البقرة : الآية ٧٢ ومعنى ((ادَّارَأُتُمْ)»: اختلفتم وتنازعتم، قاله مجاهد(١). وأصله: تدارأتُم، ثم أُدغمت التاء في الدال، ولا يجوز الابتداء بالمُذْغَم؛ لأنه ساكن، فزِيد ألفُ الوصل. ﴿وَاللّهُ مُخِيجُ﴾ ابتداءٌ وخبر. ﴿مَّا كُنتُمْ﴾ ((ما))(٢): في موضع نصب بـ((مُخْرِج))؛ ويجوز حذف التنوين على الإضافة(٣) ﴿تَكْتُونَ﴾ جملةٌ في موضع خبر ((كان)»، والعائدُ محذوف، التقدير: تكتمونه. وعلى القول بأنه قتلَه طلباً لميراثه لم يَرِث قاتلُ عمدٍ (٤) من حينئذ؛ قاله عَبِيدة السَّلْمانيُّ(٥). قال ابن عباس: قَتَلَ هذا الرجلُ عمَّه ليرثه(٦). قال ابن عطية: وبمثله جاء شرعُنا. وحكى مالكٌ رحمه الله في ((مُؤَّته)) أنَّ قصة أُحَيْحَة بن الجُلَاحِ فِي عَمِّه هي كانت سببَ ألا يَرِثَ قاتلٌ، ثم ثبَّت ذلك الإسلامُ، كما ثَبَّتَ كثيراً من نوازل الجاهلية(٧). ولا خلافَ بين العلماء أنه لا يَرِث قاتلُ العمدِ من الدِّية ولا من المال، إلا فرقة شذَّت عن الجمهور، كلُّهم أهلُ بِدَع. ويَرِثُ قاتلُ الخطأ من المال، ولا يرثُ من الدِّية في قول مالك والأوزاعيِّ وأبي ثور والشافعيِّ، لأنه لا يُنَّهُمُ على أنه قتله ليرتَه ويأخذَ ماله. وقال سفيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفة وأصحابُه، والشافعيُّ في قول له آخَرَ: لا يرثُ القاتل عمداً ولا خطأً شيئاً من المال ولا من الدِّيَة. وهو قول شُرَيخ وطاوُس والشَّغْبِيِّ والنَّخَعِيِّ. ورواه الشَّعْبيُّ عن عُمرَ وعليٍّ وزيد؛ قالوا: لا يَرِثُ القاتلُ عَمْداً ولا خَطَأَ شيئاً. ورُويَ عن مجاهد القولانِ جميعاً. وقالت طائفة من البصريين: يَرِث قاتلُ الخطأ (١) أخرجه الطبري ٢/ ١٢٠، وابن أبي حاتم (٧٥١). (٢) لفظ ((ما)) من (د) و(ظ) . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٨/١. (٤) في (ظ): قاتلٌ عمداً . (٥) المحرر الوجيز ١٦٦/١، وأخرجه الطبري ٧٦/٢ -٧٧، وابن أبي حاتم (٦٩٥)، والبيهقي ٢٢٠/٦-٢٢١. (٦) أخرجه الطبري مطولاً ١٢١/٢-١٢٢. (٧) المحرر الوجيز ١٦٦/١، وقول مالك في الموطأ ٨٦٨/٢. ١٩٥ سورة البقرة : الآية ٧٣ من الدِّيّة ومن المال جميعاً، حكاه أبو عمر (١). وقول مالك أصحُّ، على ما يأتي بيانُه في آية المواريث(٢) إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحِ اَللَّهُ الْمَوْنَى وَيُرِيِكُمْ ءَايَيْهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ قولُهُ تعالى: ﴿فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾، قيلَ: باللسان؛ لأنه آلةُ الكلام، وقيل: بعَجْبِ الذَّنَبِ؛ إذ فيه يُرَّبُ (٣) خلْقُ الإنسان، وقيل: بالفَخِذ، وقيل: بعظم من عظامها، والمقطوعُ به عضوٌ من أعضائها. فلمَّا ضُرِبَ بهِ حَيِيَ، وأخبر بقاتِله، ثم عادَ ميتاً كما كان. مسألة: استدلَّ مالكٌ رحمه الله في رواية ابنٍ وهب وابن القاسم على صحة القولِ بالقَسامة بقول المقتول: دَمي عند فُلان، أو: فلانٌ قتلني. ومنَعه الشَّافعيُّ وجمهورُ العلماء؛ قالوا: وهو الصحيحُ؛ لأنَّ قولَ المقتول: دَمي عند فلان، أو فلانٌ قتلني، خبرٌ يَحتمِلُ الصدقَ والكذبَ. ولا خِلافَ أَنَّ دمَ المدَّعَى عليه معصومٌ، ممنوعٌ إباحتُهُ إلا بيقين، ولا يقينَ مع الاحتمال، فبطلَ اعتبارُ قولِ المقتول: دَمي عند فلان. وأمَّا قتيلُ بني إسرائيلَ فكانت معجزةً، وأخبرَ تعالى أنه يُحييه، وذلك يتضمَّنُ الإخبارَ بقاتله خبراً جزماً لا يدخلُه احتمال، فافترقا. قال ابنُ العربي: المعجزةُ كانت في إحيائه، فلمَّا صارَ حَيًّا كانَ كلامُه کسائرِ کلام الناسِ كلِّهم في القَبولِ والرَّدّ. وهذا فَنٌّ دقيقٌ من العلم لم يتفطَّنْ لهُ إلا مالكٌ، وليس في القرآن أنه إذا أخبرَ وجبَ صِدْقُه، فلعلهُ أمرَهم بالقَسامة معه. واستبعدَ ذلكَ البخاريُّ والشافعيُّ وجماعةٌ من العلماء فقالوا: كيف يُقبلُ قولُه في الدّم وهو لا يُقبلُ (٤) قولُه في درهم(٤). (١) الاستذكار ٢٠٥/٢٥ -٢٠٩ . (٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١]. (٣) في (د) و(ظ): ترکب . (٤) أحكام القرآن ٢٤/١-٢٥. ويوضح هذا الكلامَ قولُ ابنِ عبد البَرِّ في الاستذكار ٣٢٦/٢٥: أجمع العلماء على أن قول المقتول عند موته: دمي عند فلان؛ لو قال حينئذ : ولي عليه مع هذا، أو على غيره، درهم، فما فوقه، لم يُقبل قولُه في الدرهم. ١٩٦ سورة البقرة : الآية ٧٣ مسألة: اختلفَ العلماءُ في الحُكْمُ بالقَسامَة، فرُويَ عن سالم(١) وأبي قلابة وعمرَ بنِ عبد العزيز والحَكّم بن عُتَيْبةٍ (٢) التَّوَقُفُ في الحُكم بها. وإليه مالَ البخاري(٣)؛ لأنه أتَى بحديث القَسامَة في غير موضعه(٤). وقال الجمهور: الحُكْم بالقَسامة ثابتٌ عن النبيِّ وَِّ، ثم اختلفوا في كيفيَّةِ الحُكم بها، فقالت طائفةٌ: يبدأ فيها المدَّعُون بالأَيمان، فإنْ حلَفُوا استحقُّوا، وإن نَكَلُوا حلَفَ المدَّعَى عليهم خمسين يميناً وبَرِؤُوا. هذا قولُ أهلِ المدينةِ واللَّيثِ والشافعيِّ وأحمدَ وأبي ثور. وهو مقتضى حديثٍ حُوَيِّصَةَ ومُحَيِّصة(٥)، خرَّجهُ الأئمة: مالكٌ وغيرُه(٦). وذهبت طائفةٌ إلى أنه يَبدأُ بالأيمان المدَّعَى عليهم، فيحلفُون ويَبْرَؤون؛ رُوِيَ هذا عن عمرَ بن الخطاب والشَّعْبيّ والنَّخَعيِّ، وبه قال الثَّوْرِيُّ والكوفيُّون، واحتجُوا بحديث سعيد(٧) بن عُبيد، عن بُشَيْر بن يسار، وفيه: فبدأ بالأَيْمانِ(٨) المدَّعَى عليهم، وهم اليهود(٩). وبما رواه أبو داود(١٠) عن الزُّهْرِيّ، عن أبي سَلَمةَ بن عبد الرحمن، (١) هو ابنُ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، مفتي المدينة، أبو عمر، توفي سنة ستٍ ومئة. السير ٤/ ٤٥٧. (٢) في النسخ: عيينة، وهو خطأ . (٣) إكمال المعلم ٤٤٨/٥. (٤) أورد البخاري حديث القَسامة في الجزية والأدب والأحكام، بالأرقام: (٣١٧٣) و(٦١٤٣) و(٧١٩٢)، وفيها أن المدَّعِين يبدؤون في يمين القَسامة، وأورد أيضاً الرواية (٦٨٩٨) في باب القَسامة من رواية سعيد بن عبيد (وسيذكرها المصنف) عن بُشير بن يسار، يشير بذلك البخاري إلى ترجيح رواية سعيد بن عُبيد في هذا الباب . (٥) حُوَيِّصة بن مسعود بن كعب بن عامر الأنصاري، شهد أحداً والخندق وسائر المشاهد، وأخوه مُحَيِّصَة أصغر منه، وأسلم قبله. الإصابة ٣٠٣/٢ و١٤٢/٩. (٦) أخرجه مالك ٨٧٧/٢-٨٧٨، وأحمد (١٦٠٩١)، والبخاري في المواضع المذكورة قبل، ومسلم (١٦٦٩): (٢). (٧) في (م): شعبة، وهو خطأ. (٨) في (د): بأيمان . (٩) قوله: فبدأ بالأيمان المدَّعَى عليهم، ليس لفظَ رواية سعيد بن عُبيد، كما يفيده سياق كلام المصنف، بل هو معناه. وقد أخرج رواية سعيدٍ البخاريُّ (٦٨٩٨)، وأخرجه أيضاً مسلم (١٦٦٩): (٥)، لكنه لم يسق لفظه، وهو مما انتقد على مسلم فيما ذكر القاضي عياض في إكمال المُعْلِم ٤٦/٥، وقال: لم ينبّه - أي: مسلم - على مخالفته - يعني سعيداً - في تبدئة المدَّعَى عليهم. (١٠) في سننه (٤٥٢٦). وأخرجه أيضاً ابنُ عبد البر في الاستذكار ٣٠٦/٢٥، والتمهيد ٢٠٧/٢٣. ١٩٧ سورة البقرة : الآية ٧٣ عن رجالٍ من الأنصار، أنَّ النبيَّ وَِّ قال لليهود، وبدأ بهم: ((أيَخْلِفُ منكم خمسونَ رجلاً؟))، فأبَوْا، فقال للأنصار: ((استحِقُّوا))(١). فقالوا: نحلفُ على الغيب يا رسول الله؟! فجعلَها رسولُ اللهِوَهِ دِيَةً على يهود؛ لأنه وُجِدَ بين أظهرهم. وبقوله عليه السلام: ((ولكنَّ اليمينَ على المدَّعَى عليه))، فعُيِنُوا(٢) . قالوا: وهذا هو الأصلُ المقطوعُ به في الدَّعاوَى، الذي نَبَّهَ الشرعُ على حكمته بقوله عليه السلام: ((لو يُعْطَى الناسُ بدعواهم لادَّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالَهُم، ولكنَّ اليمين(٣) على المدَّعَى عليه))(٤). رَدَّ عليهم أهلُ المقالة الأولى، فقالوا: حديث سعيد بنِ عُبيد في تبديةِ اليهود وَهَمِّ عند أهل الحديث(٥)، وقد أخرجه النسائي، وقال: ولم يُتابَعْ سعيدٌ في هذه الرواية فيما أعلم(٦). وقد أَسندَ حديثَ بُشَيْر عن سهل أنَّ النبيَّ وَ لِّ بدأ بالمدَّعِين: يحيى بنُ سعيد، وابنُ عُيينة، وحمَّادُ بنُ زيد، وعبدُ الوهّاب الثقفيُّ، وعيسى بنُ حماد وبِشْرُ بنُ المُفَضَّل، فهؤلاء سبعة(٧). وإن كان أرسلَه مالك؛ فقد وصلَه جماعةٌ (١) في (د): أتحلفون، وهي رواية الاستذكار ٣٠٦/٢٥. (٢) قوله: فعُيِنُوا، ليس في (ظ) . (٣) في (د): ولكن البينة على المدَّعي، واليمين ... الخ . (٤) أخرجه أحمد (٣١٨٨)، والبخاري (٢٥١٤)، ومسلم (١٧١١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وأخرجه أيضاً البيهقي في السنن الكبرى ٢٥٢/١٠، وفيه: ((ولكن البينة على المُدَّعي، واليمين على من أنكر» وحسَّن رواية البيهقيِّ ابنُ الصلاح والنوويُّ فيما نقله عنهما ابن رجب في جامع العلوم والحكم ٢٢٦/٢، ونقل أيضاً رواية الإسماعيلي في صحيحه - وقد رواها البيهقي من طريقه - ولفظها: ((ولكن البينة على الطالب، واليمين على المطلوب)). (٥) ينظر إكمال المُعْلِم ٤٤٩/٥. (٦) المجتبى ١٢/٨، والكبرى (٦٨٩٥)، والمصنف رحمه الله لم يذكر الكلام بتمامه، فقد قال النسائي بعد ذلك: وسعيد بن عُبيد ثقة، وحديثُه أولى بالصواب عندنا، والله أعلم . (٧) كذا في النسخ، وفي هذا الكلام نظر، فقوله: وقد أسند حديثَ بُشير ... يحيى بن سعيد وابن عيينة: خطأ، والحديث من رواية يحيى بن سعيد - وهو الأنصاري - عن بُشَيْر بن يسار، عن سهل. وقد رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري: سفيانُ بن عُيينة، وحمَّاد بن زيد، وعبد الوهّاب الثقفي، ممن ذكرهم المصنف، ورواه عنه أيضاً: هُشيم ، والليث، وسليمان بن بلال، كما في صحيح مسلم وغيره. وصواب العبارة أن يقال: أسند حديث بُشير، عن سهل، أن النبيَّ وَّ﴿ بدأ بالمدَّعين عن يحيى بنِ سعيد: ابنُ عُيينة ... الخ. ١٩٨ سورة البقرة : الآية ٧٣ الحفاظ(١)، وهو أصحُّ من حديث سعيد بن عُبيد. قال أبو محمد الأَصِيلي(٢): فلا يجوز أن يُعتَرضَ بخبر واحد على خبر جماعة(٣)، مع أن سعيدَ بنَ عُبيد قال في حديثه: فَوَداه رسول الله وَ ﴿ مئةً من إبل الصدقةِ، والصدقةُ لا تُعطَى في الدِّيات ولا يُصالَحُ بها عن غير أهلها، وحديث أبي داود مرسل(٤)، فلا تُعارَضُ به الأحاديثُ الصِّحاحُ المتصلة. وأجابوا عن التمسك بالأصل(٥) بأن هذا الحكمَ أصلٌ بنفسه لحُرْمة الدماء(٦). قال ابن المنذر: ثبتَ أنَّ رسولَ اللهِّهِ جعلَ البيِّنَةَ على المدَّعِي واليمينَ على المدَّعَى عليه، والحُكْمُ بظاهر ذلك يجب، إلا أن يخصَّ الله في كتابه، أو على لسان نبيِّهِ وَل﴿، حُكماً في شيءٍ من الأشياء، فيُستثنَى من جملة هذا الخبر. فمما دلَّ عليه الكتابُ إلزامُ القاذفِ حدَّ المقذوف إذا لم یکن معه أربعةُ شهداء یشهدون له علی صِدْقٍ ما رَمَى به المقذوفَ، وخَصَّ مَنْ رَمَى زوجته بأنْ أسقَطَ عنه الحَدَّ إذا شَهِدَ أربعَ شهادات، وممَّا خَصَّتْه السُّنَّةُ حكمُ النبيِّ وَّهِ بِالقَسامة. وقد رَوَى ابنُ جُرَيج عن عطاء، عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ ◌َّه قال: ((البَيِّنةُ على مَنِ ادَّعَى، واليمينُ على مَنْ أنْكَر إلا (١) في (د): حفاظ. وقد رواه الإمام مالك في الموطأ ٨٧٨/٢ عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بُشير بن يسار، أن عبد الله بن سهل ومحيِّصة بن مسعود خرجا إلى خيبر ... مرسلاً، لم يذكر سهلَ بن أبي حَتْمة، ووصله عن يحيى بن سعيد: ابنُ عُبَيْنَةَ، وغيره، كما سلف. (٢) عبد الله بن إبراهيم، عالم الأندلس، شيخ المالكية، له كتاب الدلائل في اختلاف مالك وأبي حنيفة والشافعي، توفي سنة (٣٩٢هـ). السير ١٦/ ٥٦٠. (٣) رواه بمثل رواية يحيى بن سعيد (أن رسول الله ﴿ بدأ بالمُدَّعِين): محمدُ بنُ إسحاق، عن الزهريِّ وبُشَيْرِ بنِ يسار، كما في التمهيد ٢٠٢/٢٣، والاستذكار ٣٠٣/٢٥-٣٠٤. وأبو ليلى بنُ عبد الله بنِ عبد الرحمن بن سهل، عن سهل، كما في الموطأ ٨٧٧/٢، وصحيح البخاري (٧١٩٢)، وغيرهما . (٤) سنن أبي داود (٤٥٢٦)، وهو عن رجال من الأنصار أن النبي ( * قال لليهود ... وسلف ذكره قريباً. ولم يورده أبو داود في مراسيله. ونقل المنذري في مختصر سنن أبي داود ٣٢٤/٦ عن الشافعي قوله فيه: مرسل. قال ابن القيم في تهذيب السنن ٣٢٣/٦: قوله: مرسل، فيه نظر، والرجال من الأنصار لا يمتنع أن يكونوا صحابة. (٥) يعني حديث: ((لو يعطى الناس بدعواهم ... )) الذي سلف قبل. (٦) قال ابن عبد البر في الاستذكار ٣٠٧/٢٥: وما أعلم في شيء من الأحكام المرويّة عن النبي وَّر من الاضطراب والتضاد، ما في هذه القصة، فإن الآثار فيها متضادة متدافعة، وهي قصة واحدة . ١٩٩ سورة البقرة : الآية ٧٣ في القَسامة)). خرَّجه الدَّارَقُطْنِيُ (١). وقد احتجَّ مالكٌ لهذه المسألة في مُؤَّئه(٢) بما فيه كفاية، فتأمَّلْه هناك. مسألة: واختلفوا أيضاً في وجوب القَوَدِ بالقَسامة، فأوجبت طائفةٌ القَوَدَ بها، وهو قولُ مالك، واللَّيثِ، وأحمدَ، وأبي ثَوْر؛ لقوله عليه السلام لحُوَيِّصَة ومُحَيِّصة وعبد الرحمن: ((أَتَحْلِفُونَ وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صاحِبِكُم))(٣). وروى أبو داودَ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه (٤) أن النبيَّ لَ﴿ قتلَ رجلاً بالقَسامة من بني نصر بن مالك. قال الدَّارَقُطْنِي: نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه صحيحة(٥)؛ وكذلك أبو عمر بنُ عبد البَر يصحُّحُ حديثَ عمرو بن شعيب ويَحتجُّ به(٦). وقال البخاري: رأيتُ عليَّ بنَ المديني(٧) وأحمدَ بنَ حنبل والحُمَيْدِيَّ وإسحاقَ بنَ راهويه يحتجُّون به. قاله الدارقطني في ((السنن))(٨). وقالت طائفة: لا قَوَدَ بالقسامة، وإنما تُوجبُ الدِّيّة. رُوِيّ هذا عن عُمر (١) في سننه ٣/ ١١٠، وقوله منه: ((البيِّنَةُ على مَنِ اذَّعَى، واليمينُ على من أنكر)) حسن أو صحيح، كما سلف ذكره. وأما الزيادة: ((إلا في القسامة)) فضعيفة، وهي من رواية مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جُريج، بالإسناد المذكور أعلاه. ومسلم هذا صدوق كثير الأوهام - كما ذكر الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب - وقد اضطرب فيه، فرواه أيضاً عن ابن جُريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما. قال الدارقطني ٣/ ١١٠: خالفه عبد الرزاق وحجاج، رویاه عن ابن جُريج، عن عمرو، مرسلاً. وانظر الكامل لابن عدي ٢٣١٢/٦. (٢) ٢ /٨٧٧ - ٨٨١. (٣) أخرجه أحمد (١٦٠٩٧)، والبخاري (٣١٧٣)، ومسلم (١٦٦٩). (٤) قوله: عن أبيه، عن جده: خطأ، فالحديثُ في سنن أبي داود (٤٥٢٢) من رواية عمرو بن شعيب عن النبي ﴿، معضلٌ، وأورده أبو داود أيضاً في مراسيله (٢٧٠). وإنما تابع المصنف رحمه الله في ذلك ابنَ العربيّ في أحكام القرآن ٢٥/١. وقد رواه على هذا الوهم أيضاً ابنُ عبد البَرّ في التمهيد ٢١٧/٢٣، وسببه - والله أعلم - أن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، نسخة مشهورة عند أهل الحديث، فظنّ أن هذا الحديث منها. ويسمى هذا الوهم عند أهل الحديث: الوهم بسلوك الجادّة. (٥) نقله عنه المصنف بواسطة ابن العربي في أحكام القرآن ١/ ٢٥. (٦) الاستذكار ١٢٧/٢٠-١٣٤. (٧) هو علي بن عبد الله، أبو الحسن السعدي مولاهم، البصري، أمير المؤمنين في الحديث، توفي سنة (٢٣٤ هـ). السير ٤١/١١. (٨) ٥١/٣. ٢٠٠ سورة البقرة : الآية ٧٣ وابن عباس، وهو قولُ النَّخَعيِّ والحسن، وإليه ذهب الثَّوْريُّ والكوفيون والشافعيُّ وإسحاق، واحتجُّوا بما رواه مالك(١) عن أبي ليلى(٢) بن عبد الله، عن سَهْل بن أبي خَثْمة، عن النبيِّ وَ﴿ قولَه للأنصار: ((إما أنْ يَدُوا صاحِبَكم وإمَّا أنْ يُؤْذِّنُوا بحرب)). قالوا: وهذا يدلُّ على الدِّيَة، لا على القَوَد، قالوا: ومعنى قوله عليه السلام: ((وتستحقُّون دَمَ صاحِبِكم)): دِيَةَ دَم قَتيلِكم؛ لأن اليهود ليسوا بأصحابٍ لهم، ومن استحَقَّ دِيَةَ صاحبِه فقد استحقَّ دَمَه؛ لأن الدِّية قد تؤخذ في العَمْد، فيكون ذلك استحقاقاً للدَّم . مسألة: المُوجِبُ للقَسامة اللَّوْثُ، ولا بُدَّ منه. واللَّوثُ: أمارَةٌ تُغَلِّبُ على الظنِّ صِدْقَ مدَّعي القتل، كشهادة العَدْل الواحد على رؤية القتل، أو يُرى المقتولُ يَتَشَخَّطُ(٣) في دمه والمثَّهمُ نحوَهُ - أو قُرْبَه - عليه آثارُ القتل(٤). وقد اختُلِفَ في اللَّوْث والقولِ به، فقال مالكٌ: هو قولُ المقتول: دَمِي عند فلان، والشاهدُ العَذْل لَوْث. كذا في رواية ابن القاسم عنه(٥) . وروى أشهبُ عن مالك أنه يُقسم مع الشاهد غيرِ العدل ومع المرأة. ورَوی ابنُ وهب أن شهادة النساء لَوْثٌ. وذكر محمد (٦) عن ابن القاسم أن شهادةَ المرأتين لَوْثٌ دونَ شهادةِ المرأةِ الواحدة. قال القاضي أبو بكر بنُ العربي: اختلف في اللَّوث اختلافاً كثيراً؛ مشهورُ المذهب أنه الشاهدُ العَدْل، وقال محمد: هو أَحَبُّ إليَّ؛ قال: وأخذَ به ابنُ القاسم وابنُ عبد الحَكّم (٧). ورُويَ عن عبد الملك بن مروان: أن المجروحَ أو المضروبَ إذا قال: دمي عند فلان، ومات، كانت القَسامةُ. وبه قال مالكٌ واللَّيث بنُ سعد. (١) الموطأ ٢/ ٨٧٧ . (٢) في (م): ابن أبي ليلى، وهو خطأ، ولم يجوّد الاسم في النسخ الخطية . (٣) في (د) و(ظ): يتخبط . (٤) يقارن الكلام بعقد الجواهر الثمينة ٢٨٣/٣ . (٥) المدونة الكبرى ٦/ ٤٢٤. (٦) هو ابن المؤَّاز محمد بن إبراهيم، الفقيه المالكي . (٧) عقد الجواهر الثمينة ٣/ ٢٨٤، وينظر النوادر والزيادات ١٣٨/١٤.