Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ سورة البقرة : الآية ٦٢ الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَلَِّينَ﴾ جمع صابئ، وقيل: صابٍ، ولذلك اختلفوا في هَمْزهٍ، وهَمَزَه الجمهورُ إلا نافعاً (١). فَمَن هَمَزه جَعَله مِن صَبأَت النُّجوم: إذا طَلَعَت، وصَبَأتْ ثَنيَّةُ الغلام: إذا خرجت. ومَن لم يَهْمِز جَعَله من صَبَا يصبو: إذا مال. فالصابئُ في اللغة: مَن خرجَ ومالَ من دين إلى دين، ولهذا كانت العربُ تقول لمن أسلم: قد صبأ. فالصابئون قد خرجوا من دين أهل الكتاب(٢). الخامسة: لا خلافَ في أنَّ اليهود والنصارى أهلُ كتاب ولأجْل كتابهم جازَ نكاحُ نسائهم وأكلُ طعامِهم، على ما يأتي بيانُه في المائدة(٣)، وضَرْبُ الجزية عليهم، على مايأتي في سورة براءة(٤) إن شاء الله. واخْتُلف في الصابئين، فقال السُّدِّيّ: هم فرقةٌ من أهل الكتاب، وقاله إسحاقُ بن راهويه. قال ابن المنذر: وقال إسحاقُ: لا بأسَ بذبائح الصابئين، لأنهم طائفةٌ من أهل الكتاب. وقال أبو حنيفةً: لا بأس بذبائحهم ومناكحةٍ نسائهم، وقال الخليل: هم قومٌ يُشْبهُ دينُهم دينَ النصارى، إلا أنَّ قبلتَهم نحو مَهَبِّ الجَنوب، يزعمون أنهم على دين نوحٍ عليه السلام. وقال مجاهدٌ والحسن وابنُ أبي نَجِيح(٥): هم قوم تركَّب دینُهم بين اليهودية والمجوسيَّة(٦)، لا تؤكلُ ذبائحهم. ابنُ عباس: ولا تُنكح نساؤهم، وقال الحسن أيضاً وقتادةُ: هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلُّون إلى القبلة، ويقرؤون الزَّبور، ويصلُّون الخمس، رآهم زياد بنُ أبي سفيان(٧)، فأراد وَضْعَ الجزيةِ عنهم حتى (٨) عَرفَ أنهم يعبدون الملائكة(٩). (١) كتاب السبعة ص ١٥٧، والحجة للفارسي ٢/ ٩٤، والتيسير للداني ص ٧٥. (٢) المحرر الوجيز ١٥٧/١. (٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [الآية: ٥]. (٤) عند قوله تعالى: ﴿حَّ يُعُْواْ الْجِزْيَةَ﴾ [الآية: ٢٩]. (٥) أبو يسار الثقفي المكي المفسر، كان من أخصّ الناس بمجاهد، توفي سنة (١٣١ هـ). السير ١٢٥/٦. (٦) في النسخ: والمجوس، والمثبت من (م) والمصادر. (٧) أبو المغيرة، وهو زياد بن عبيد الثقفي، استلحقه معاوية بأنه أخوه، وهو أخو أبي بكرة الثقفي الصحابي لأمه، ولد عام الهجرة، وأسلم زمن الصديق، وتوفي سنة (٥٣هـ). السير ٤٩٤/٣. (٨) في (م): حين، وهو خطأ. (٩) تفسير الطبري ٣٥/٢-٣٧، والنكت والعيون ١٣٣/١، والمحرر الوجيز ١٥٧/١. ١٦٢ سورة البقرة : الآية ٦٢ والذي تَحصَّل من مذهبهم - فيما ذكره بعضُ علمائنا - أنهم مُؤَخِّدون، معتقِدون تأثيرَ النجوم، وأنها فعالة، ولهذا أفتى أبو سعيد الإصْطَخْريُّ(١) القادرَ بالله(٢) بكفرهم حین سأله عنهم. السادسة: قوله تعالى ﴿مَنْ ءَامَنَ﴾ أي: صَدَّق. و((مَنْ)) في قوله: ((مَن آمَنَ)) في موضع نصب بدل من ((الذين)). والفاءُ في قوله: ((فلهم)) داخلةٌ بسبب الإبهام الذي في (مَنْ)). و(لَهُمْ أَجْرُهُمْ)) ابتداءٌ(٣) وخبرٌ في موضع خبر ((إنَّ). ويحسنُ أن يكون (مَنْ)) في موضع رفع بالابتداء، ومعناها الشرطُ. و((آمن)) في موضع جزم بالشرط، والفاءُ الجواب. و(لهم أجرهم)) خبرُ (مَنْ))، والجملة كلُّها خبرُ ((إنَّ))، والعائدُ على ((الذين)) محذوف، تقديره: مَن آمن منهم بالله . وفي الإيمان بالله واليوم الآخر اندراجُ الإيمانِ بالرسل والكتبِ والبعث (٤). السابعة: إن قال قائل: لِمَ جُمِع الضمير في قوله تعالى: ((لَهُمْ أَجْرُهُمْ))، و((آمن)» لفظ مفرد ليس بجمع، وإنما كان يستقيم لو قال: له أجره؟ فالجواب أنَّ ((مَن)) يقع على الواحد والتثنية والجمع، فجائزٌ أن يَرجع الضمير مُفرداً ومثنَّى ومجموعاً، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكٌ﴾ [يونس: ٤٢] على المعنى. وقال: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إلّةٌ﴾ [الأنعام: ٢٥] على اللفظ. وقال الشاعر: ألِمَّا بسَلْمَى عنكما إنْ عَرَضْتُما وقُولا لها عُوجِي على مَنْ تخلَّفُوا(٥) (١) الحسن بن أحمد بن يزيد الشافعي، فقيه العراق ورفيقُ ابن سريج، له تصانيف مفيدة، منها كتاب أدب القضاء، توفي سنة (٣٢٨هـ). السير ١٥/ ٢٥٠. (٢) هو الخليفة أبو العباس أحمد بن إسحاق العباسي، كان ديّاً عالماً وقوراً من جِلَّة الخلفاء، توفي سنة (٤٢٢ هـ). السير ١٥/ ١٢٧. (٣) في (د) و(ظ): مبتدأ . (٤) المحرر الوجيز ١٥٨/١. (٥) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٣٢٤، وتفسير الطبري ١٤٩/٢. قال الأستاذ محمود شاكر رحمه الله: قوله: عنكما، زائدة في الكلام، والعرب تقول: سر عنك، وانْفُذْ عنك، أي: امض وجُزْ، لا معنى لـ((عنك)) ... وقوله: عرضتُما، من قولهم: عرض الرجل إذا أتى العَروض، وهي مكة والمدينة وما حولهما. ١٦٣ سورة البقرة : الآية ٦٣ و ٦٤ وقال الفرزدق: نكن مثلَ مَن یا ذئبُ يصطحبانٍ(١) تعالَ فإنْ عاهدتَني لا تخونُني فحمَل على المعنى، ولو حَمَل على اللفظ لقال: يصطحب، وتخلَّف. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ﴾ [النساء: ١٣] فحمل على اللفظ. ثم قال: ((خالدين)) فحمَل على المعنى، ولو راعَى (٢) اللفظ لقال: خالداً فيها. وإذا جرى ما بعدَ ((مَن)) على اللفظ فجائزٌ أن يُخالَف به بعدُ على المعنى كما في هذه الآية. وإذا جرى ما بعدَها على المعنى لم يَجُز أن يُخالَفَ به بعدُ على اللفظ، لأنَّ الإلباس يدخل في الكلام(٣). وقد مضى الكلامُ في قوله تعالى ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨](٤) . والحمد لله . الثامنة: رُوِيَّ عن ابن عباس أن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾ الآية. منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] الآية(٥). وقال غيره: ليست بمنسوخة. وهي فيمن ثَّبَتَ على إيمانه من المؤمنين بالنبيِّ عليه السلام(٦) . قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْعُوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَِّ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكٌ فَلَوَّلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ ٦٣ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ قوله تعالى(٧): ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُلُوَرَ﴾ هذه الآية تفسِّرُ معنى (١) ديوانه ٣٢٩/٢، والكتاب ٤١٦/٢، وذكره المبرد في المقتضب ٢٩٥/٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٥٨/١ برواية: تعشَّ، بدل: تعال. (٢) في (ظ): ولو حمل على اللفظ. (٣) المحرر الوجيز ١٥٨/١. (٤) ٤٨٨/١ -٤٨٩. (٥) أخرجه الطبري في التفسير ٢/ ٤٥-٤٦. (٦) المحرر الوجيز ١٥٦/١. وقال مكي بن أبي طالب في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ١٢٣: أكثر العلماء على أنها محكمة، ونزلت فيمن كان قبل بعث النبي وَ * منهم. (٧) في (ز): فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى. ١٦٤ سورة البقرة : الآيتان ٦٣ و ٦٤ قولهِ تعالى: ﴿وَإِذْ نَثَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلٌَّ﴾ [الأعراف: ١٧١]. قال أبو عبيدة: المعنى: زَعْزَغْناه فاستخرجناه من مكانه(١). قال: وكلُّ شيءٍ قَلَعْتَه، فرمَيْتَ به، فقد نتَقْتَه، وقيل: نتقناه: رفعناه(٢). قال ابن الأعرابيّ: الناتقُ الرافع، والناتق الباسط، والناتق الفاتق، وامرأةٌ ناتِقٌ ومِنْتاق: كثيرةُ الولد(٣). وقال القُتَبيُّ: أُخذ ذلك من نَتْق السِّقَاء، وهو نَفْضُه حتى تُقتلع الزُّبْدة منه (٤). قال: وقوله: ﴿وَإِذْ نَثَقْنَاَ اَلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ قال: قُلع من أصله(٥). واختلف في الطور، فقيل: الطور اسمٌ للجبل الذي كلَّم الله عليه موسى عليه السلام، وأنزل علیه فیه التوراةً دون غیرہ، رواه ابن جُرَیْج عن ابن عباس. وروی الضحاك عنه أن الطورَ ما أنْبَتَ من الجبال خاصة دون ما لم يُنبت. وقال مجاهدٌ وقتادة: أيُّ جبل كان، إلا أنَّ مجاهداً قال: هو اسم لكلِّ جبل بالسِّرْيانية، وقاله أبو العالية(٦). وقد مضى الكلامُ: هل وقع في القرآن ألفاظٌ مفرَدَةٌ غيرُ معرَّبة من غير كلام العرب في مقدمة الكتاب(٧) . والحمد لله. وزعم البكريُّ أنه سُمِّيَ بطور بنِ إسماعيل عليه السلام(٨). والله تعالى أعلم. القول في سبب رفع الطور وذلك أن موسى عليه السلام لمَّا جاء بني إسرائيل من عند الله بالألواح فيها التوراةُ قال لهم: خذوها والتَزِموها. فقالوا: لا ، إلا أن يُكَلِّمَنا الله بها كما كلِّمك. (١) نقله الطبري في تفسيره ٥٤٦/١٠ ولم ينسبه. (٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢٣٢/١. (٣) نقله عنه ابن منظور في اللسان (نتق). (٤) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ١٧٤. (٥) أخرجه الطبري في التفسير ٥٤٤/١٠ عن قتادة. (٦) المحرر الوجيز ١٥٨/١، وتفسير الطبري ٥٠.٤٨/٢. (٧) ١١٠/١. (٨) معجم ما استعجم ٣/ ٨٩٧، ومصنّفه البكري: هو عبد الله بن عبد العزيز بن محمد، أبو عبيد، نزيل قرطبة، كان رأساً في اللغة وأيام الناس، من كتبه أيضاً: اشتقاق الأسماء، وكتاب النبات، توفي سنة (٤٨٧هـ) السير ٣٥/١٩. ١٦٥ سورة البقرة : الآيتان ٦٣ و ٦٤ فصَعِقُوا ثم أُحْيُوا، فقال لهم: خذوها، فقالوا: لا، فأمر الله الملائكةَ، فاقتلعت جبلاً من جبال فلسطين طولُه فَرْسٌ في مثله، وكذلك كان عسكرهم، فُجعِلَ عليهم مثلَ الظُلَّة، وأُتُوا ببحرٍ من خَلْفهم، ونار من قبل وجوهم، وقيل لهم: خذوها وعليكم الميثاقُ ألا تضيّعوها، وإلا سقط عليكم الجبل، فسجدوا توبةً لله، وأخذوا التوراة بالمیثاق. قال الطبري(١) عن بعض العلماء: لو أخذوها أولَ مرة لم يكن عليهم ميثاقٌ. وكان سجودُهم على شِقِّ؛ لأنهم كانوا يرقُبون الجبلَ خوفاً، فلما رحمهم الله قالوا: لا سجدةً أفضلُ من سجدة تقبَّلها الله ورحِمَ بها عباده، فأمَرُّوا سجودَهم على شِقِّ واحد. قال ابن عطية(٢): والذي لا يصحُّ سواه أن الله تعالى اخترع وقتَ سجودهم الإيمانَ [في قلوبهم] لا أنَّهم(٣) آمَنُوا كُرهاً وقلوبُهم غير مطمئنةٍ بذلك. قوله تعالى: ﴿خُذُوا﴾ أي: فقلنا: خذوا، فحذفَ. ﴿مَآ ءَاتَيْتَكُم﴾: أعطيناكم. ﴿بِقُوَّةِ﴾ أي: بجدٍّ واجتهاد، قاله ابن عباس وقتادة والسُّدِّي. وقيل: بنيّةٍ وإخلاص. مجاهد: القوَّة: العملُ بما فيه (٤). وقيل: بقوّة: بكثرة دَرْسِ. ﴿وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ أي: تدبَّروه واحفظوا أوامره ووعيده، ولا تنسَوْه ولا تضيِّعوه(٥). قلت: هذا هو المقصودُ من الكتب: العملُ بمقتضاها لا تلاوتُها باللسان وترتيلُها(٦)، فإن ذلك نَبْذٌ لها، على ما قاله الشعبي وابنُ عُبَيْنة(٧)؛ وسيأتي قولهما عند قوله تعالى: ﴿نَبَدَ فِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ﴾ [البقرة: ١٠١]. (١) تفسيره ٢/ ٤٧، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٥٨/١. (٢) المحرر الوجيز ١٥٨/١، والكلام قبله وما بين حاصرتين منه. (٣) في (د): لأنهم. (٤) تفسير مجاهد ٧٨/١، وتفسير عبد الرزاق ١/ ٤٧، وتفسير الطبري ٢/ ٥٢، والنكت والعيون ١٣٤/١، والمحرر الوجيز ١٥٩/١. (٥) المحرر الوجيز ١٥٩/١. (٦) في (ز): وتزيينها بالأصوات. (٧) أخرجه الطبري ٢٩٩/٦، والخطيب في تاريخ بغداد ٢٦٨/١٣، وأورده المروزي في تعظيم قدر الصلاة ٥٨١/٢. ١٦٦ سورة البقرة : الآيتان ٦٣ و ٦٤ وقد روى النَّسائيُّ(١) عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ أن رسول الله وَ ﴿ه قال: ((إنَّ من شرِّ الناس رجلاً فاسقاً يقرأ القرآن لا يَرْعَوي إلى شيءٍ منه)). فبَيَّن ◌َّهِ أنَّ المقصودَ العملُ كما بيَّنَّا. وقال مالك: قد يقرأ القرآنَ مَن لا خيرَ فيه(٢). فما لَزِمَ إذاً مَن قبلَنا وأُخِذَ عليهم لازمٌ لنا وواجبٌ علينا. قال الله تعالى: ﴿وَأَتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّيَّكُم﴾ [الزمر: ٥٥]. فأمَرَنا باتِّباع كتابه والعملِ بمقتضاه، لكن تَرَكْنا ذلك كما تركت اليهودُ والنصارى، وبقيَتْ أشخاصُ الكتب والمصاحف لا تُفيد شيئاً، لغلَبَة الجهل، وطلب الرِّياسة، واتِّباع الأهواء. رَوَى الترمذيُ(٣) عن جُبَيْر بن نُفَيْر عن أبي الدَّرداء قال: كنا مع النبيِّ ◌َِّر ، فشَخَصَ ببصره إلى السماء، ثم قال: ((هذا أوانٌ يُختلَس فيه العلمُ من الناس حتى لا يَقْدِرُوا منه على شيء». فقال زياد بن لَبِيد الأنصاريُّ(٤): كيف يُختلس منا وقد قَرأنا القرآن! فوالله لَنقْرَأَنَّه ولنُقْرِئنَّه نساءَنا وأبناءنا. فقال: ((ثَكِلَتْك أُمُّك يا زياد، إن كنت لأعدُّك من فقهاء المدينة، هذه التوارةُ والإنجيلُ عند اليهود والنصارى، فماذا تُغني عنهم؟)) وذكر الحديث، وسيأتي. وخرَّجه النَّسائيُّ(٥) من حديث جُبير بن نُفَير - أيضاً - عن عوف بن مالك الأَشْجعيِّ من طريقٍ صحيحة، وأن النبيَّ وَّ قال لزياد: ((ثَكِلَتْك أُمُّك يازياد، هذه التوارة والإنجيلُ عند اليهود والنصارى)). وفي المُوَظَّأ(٦) عن عبد الله بن مسعود قال لإنسان: إنك في زمان كثيرٍ فقهاؤه، (١) في المجتبى ٦/ ١١ - ١٢، وهو عند أحمد (١٣٣١٩). (٢) في (ز): قد يقرأ القرآن مَنْ لا، أي: من لا خير فيه، وهو الموافق لما في المدونة ٨٥/١، وانظر التمهيد ١٢٤/٢٢، وجاء في حاشية (ز) ما نصّه: الذي وقع لمالك أنه قيل له: أيؤم القوم أقرؤهم؟ قال: قد يقرأ، يريد مَنْ لا يُرضى حاله، لأنه قال: لا خير فيه. فسّره ابن القاسم. (٣) في سننه (٢٦٥٣) وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه أيضاً الحاكم ٩٩/١ وصححه . (٤) أبو عبد الله، خرج إلى رسول الله وَ له وأقام معه بمكة حتى هاجر، شهد العقبة وأحداً والمشاهد كلها، واستعمله رسول الله على حضرموت. مات في أول خلافة معاوية. الاستيعاب (٣٧/٤). (٥) في الکبری (٥٨٧٨)، وهو في المسند (٢٣٩٩٠). (٦) ١٧٣/١، وما بين حاصرتين منه. ١٦٧ سورة البقرة : الآيتان ٦٣ و ٦٤ قليلٍ قُرَّاؤه، تُحفظ فيه حدودُ القرآن، وتُضَيَّع حروفه، قليلٌ مَن يَسأل، كثيرٌ مَن يُعطي، يُطيلون [فيه] الصلاة، ويَقْصُرون فيه الخُطبة، يبدؤون فيه أعمالَهم قبل أهوائهم. وسيأتي على الناس زمانٌ قليلٌ فُقهاؤه، كثيرٌ قُرَّاؤه تُحْفَظُ فيه حروفُ القرآن، وتُضيَّع حدودُه، كثيرٌ مَنْ يسأل، قليلٌ مَنْ يُعطي، يُطيلون فيه الخُطبة، ويَقْصُرون الصلاة، يبدؤون(١) فيه أهواءهم قبل أعمالهم. وهذه نصوصٌ تدلُّ على ما ذكرنا. وقد قال يحيى: سألتُ ابنَ نافع عن قوله: يبدؤون أهواءهم قبل أعمالهم؟ قال: يقول: يتَّبعون أهواءهم ويتركون العمل بالذي انتُرِض عليهم. وتقدَّم القول في معنى قوله: ((لعلكم تتقون))(٢). فلا معنى لإعادته. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَيْتُم﴾ تَوَلَّى: تَفَعَّلَ، وأصلُه: الإعراضُ والإدبارُ عن الشيء بالجسم، ثم استُعمل في الإعراض عن الأوامر(٣) والأديان والمعتقدات اتِّساعاً ومَجازاً. وقوله: ﴿مِّنْ بَعْدٍ ذَلِكَ﴾ أي: من بعد البرهان، وهو أخذُ الميثاقِ ورَفْعُ الجبل. وقوله: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ((فضلُ)) مرفوعٌ بالابتداء عند سيبويه، والخبرُ محذوف لا يجوزُ إظهاره؛ لأن العربَ استغنت عن إظهاره، إلا أنهم إذا أرادوا إظهارَه جاؤوا بأنَّ، فإذا جاؤوا بها لم يحذفوا الخبر. والتقدير: فلولا فضلُ الله تَدَارَكَكُم. ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ عطفٌ على ((فضل)) أي: لطفُه وإمهالُه. ﴿لَكُنتُم﴾ جوابُ (لولا)) ﴿مِّنَ اَِْينَ﴾ خبر ((كنتم)) والخسرانُ: النُّقصان(٤)؛ وقد تقدم(٥). وقيل: فضلُه: قبولُ الثَّوبة، ورحمتُه: العفوُ، والفضلُ: الزِّيادةُ على ما وجب. (١) في الموطأ: يُيَدُّون (في الموضعين). قال الباجي في المنتقى ٣٠٩/١ في شرح اللفظة الأولى منهما: إذا عرض لهم عمل برّ وهوی بدؤوا بعمل البر، وقدّموه علی ما یھوَونه. (٢) ٣٤٢/١ - ٣٤٣. (٣) في (ز) و(ظ): الأمور. (٤) المحرر الوجيز ١٥٩/١. (٥) ٣٧٢/١. ١٦٨ سورة البقرة : الآية ٦٥ والإفضالُ: فعلُ ما لم يَجِب. قال ابنُ فارسٍ في المُجْمَل(١): الفضلُ: الزيادةُ والخيرُ، والإفضالُ: الإحسانُ. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ آَعْتَدَوْ مِنكُمْ فِى السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً ٦٥ خَسِئِينَ فيه سبعُ مسائلَ : الأولى: قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَّدَوْا مِنْكُمْ فِ السَّبْتِ﴾: ((علمتُم)) معناه: عرفتمُ أعيانَهم، وقيل: علمتُم أحكامَهم. والفرقُ بينهما أنَّ المعرفةَ مُتوجِّهةٌ إلى ذاتٍ المُسَمَّى، والعِلمَ متوجِّهٌ إلى أحوالِ المسمَّى، فإذا قلتَ: عرفتُ زيداً، فالمرادُ شخصُه، وإذا قلتَ: علمتُ زيداً فالمرادُ به: العلمُ بأحوالهِ من فضلٍ ونقصٍ(٢). فعلى الأوَّل يتعدَّى الفعلُ إلى مفعولٍ واحدٍ، وهو قولُ سيبويهِ(٣): ((علمتمُ)) بمعنى عرفتُم، وعلى الثَّاني إلى مفعولين. وحكى الأخفشُ(٤): ولقد علمتُ زيداً ولم أكنْ أعلَمُه. وفي التَّنزيلِ: ﴿لَا نَعْلَمُونَهُمّ اَللَّهُ يَعْلَمُهُمّ﴾ [الأنفال: ٦٠]. كلُّ هذا بمعنى المعرفةِ، فاعلم. :((اعتدوا(٥) منكم في السبت)) صلةُ ((الذين)). والاعتداءُ: التَّجاوزُ(٦)، وقد تقدَّم (٧). الثانية: روى النَّسائي(٨) عن صفوانَ بنِ عَسَّال، قال: قال يهوديٌّ لصاحبِه: اذهبْ بنا إلى هذا النَّبيِّ، فقال له صاحبُه، لا تقلْ: نبيّ، لو سمعَك، كان(٩) له (١) ٣/ ٧٢٢ (فضل). (٢) مجمع البيان للطبرسي ١/ ٢٨٧. (٣) الكتاب ١/ ٤٠. (٤) معاني القرآن ١/ ١٠٢. (٥) في (د) و(ز) و(م): الذين اعتدوا، والمثبت من (ظ). (٦) في (ظ): التجاوز عن الحد. (٧) ١٥٨/٢. (٨) المجتبى ١١١/٧، والسنن الكبرى (٣٥٢٧)، وهو في المسند (١٨٠٩٢). (٩) في النسخ: فإن، وهو خطأ، والمثبت من سنن النسائي، وسنن الترمذي. وفي مسند أحمد: صارت. قال السندي في شرحها (كما حواشي المسند ١٥/٣٠): أي كناية عن ازدياد الفرح وفرط السرور، إذ الفرح يوجب قوة الأعضاء، وتضاعفُ القوى يشبه تضاعف الأعضاء الحاملة لها، أي: يفرحُ غايةً الفرح باعتقاد اليهود إياه نبيًّا. ١٦٩ سورة البقرة : الآية ٦٥ أربعةُ أعيُنٍ. فَأَتَيا رسولَ اللهِوَله، وسألاه عن تِسْع آياتٍ بَيِّناتٍ(١)، فقال لهم: ((لا تُشركوا بالله شيئاً، ولا تَسرِقوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ التي حرَّم الله إلا بالحقِّ، ولا تَمْشُوا ببريٍ إلى سلطانٍ، ولا تَسْحَرُوا، ولا تأكلُوا الرِّبا، ولا تَقْذِفُوا المُحْصَنة، ولا تَوَلَّوْا يومَ الزَّحْفِ، وعليكم خاصةً - يهودُ - ألَّا تَعْدُوا في السَّبتِ)). فقَبَّلُوا يَدَيْه ورِجْلَيْه، وقالوا: نشهدُ أنَّك نبيٌّ. قال: ((فما يمنعُكم أنْ تَتَّبَعوني؟!)) قالوا: إنَّ داودَ دعا بأنْ لا يَزالَ من ذُرِّيَّتِهِ نبيٌّ، وإنَّا نَخافُ إنِ اتَّبعناك أنْ تَقْتُلَنا يهودُ. وخرَّجه الترمذيُّ(٢)، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ. وسيأتي لفظُه في سورة سبحان(٣) إن شاء الله تعالى. الثَّالثةُ: ﴿فِي السَّبْتِ﴾ معناه: في يوم السَّبتِ؛ ويَحتمِلُ أنْ يُريدَ: في حكم السَّبت(٤). والأوَّلُ قولُ الحسن، وأنَّهم أَخَذُوا فيه الحِيتانَ على جهةِ الاستحلالِ(٥). ورَوَى أشهبُ عن مالكِ قال: زعم ابنُ رُومانَ(٦) أنَّهم كانوا يأخذُ الرَّجلُ منهم خَيْطاً، ويضعُ فيه وَهْقةً (٧)، وألقاها في ذَنَب الحوتِ، وفي الطرف الآخرِ من الخيط وتدٌ، وتَرَكه (٨) كذلك إلى الأحد، ثم تطرَّقَ النَّاسُ حينَ(٩) رأَوْا مَنْ صَنَع لا يُبْتَلَى، حتى كثُرَ صيدُ الحوتِ، ومُشِيَ به في الأسواق، وأعلنَ الفَسَقةُ بصيدِهِ. فقامت فِرْقةٌ، فَنَهت، وجاهَرَتْ بالنَّهي، واعتزلَتْ. (١) الحديث من رواية عبد الله بن سَلِمة، عن صفوان بن عسال. وأورد ابن كثير هذا الحديث في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ مَايَتِ بَيْنَتٍّ ... ﴾ [الإسراء: ١٠١] وقال: وهو حديث مُشْكل، وعبد الله بن سَلِمَة في حفظه شيء، وقد تكلَّموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات، بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة، لا تعلُّقَ لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم . (٢) سنن الترمذي (٢٧٣٣). (٣) عند تفسير الآية (١٠١). (٤) المحرر الوجيز ١٥٨/١. (٥) النكت والعيون ١٣٥/١، ومجمع البيان ٢٨٨/١. (٦) هو يزيد بن رومان، أبو روح الأسدي، المدني، مولى آل الزبير. قرأ القرآن على عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وهو ثقة ثبت. مات سنة (١٣٠ هـ). وقيل غير ذلك. معرفة القراء الكبار ١٧٨/١. (٧) في القاموس: الوَهَق، محركةً ويسكّن: الحبل يرمى في أنشوطة، فتؤخذ به الدابة. (٨) في (ز): ويتركه. (٩) في (د) و(ز): حتى. ١٧٠ سورة البقرة : الآية ٦٥ ويقالُ: إنَّ النَّاهين قالوا: لا نُساكِنُكم، فقَسَمُوا القريةَ بجدار، فأصبح النَّاهون ذاتَ يوم في مجالسِهم ولم يخرجْ من المعتدِينَ أحدٌ، فقالوا: إنَّ للنَّاسِ لَشأناً، فعَلَوْا على الجدارٍ، فنظروا، فإذا هم قِردةٌ، ففتَحُوا البابَ، ودَخلوا عليهم، فعَرفَتِ(١) القردةُ أنسابَها من الإنس، ولا يعرفُ الإنسُ أنسابَهم من القردة، فجعلتِ القِرْدةُ تأتي نسيبَها من الإنس، فتَشَمُّ ثيابَه وتبكي، فيقولُ: ألم نَنْهَكم! فتقولُ برأسها نعم (٢). قال قتادة: صار الشُّبَّانُ قِرَدةً، والشيوخُ خنازيرَ، فما نجا إلَّا الذين نَهَوْا، وهلَك سائرهُم (٣). وسيأتي في ((الأعراف)» (٤) قولُ من قال: إنَّهم كانوا ثلاثَ فِرَقٍ. وهو أصُ من قولِ مَنْ قال: إنَّهم لم يفتَرِقُوا إلا فِرْقَتَين. والله أعلم. والسَّبْتُ مأخوذٌ من السَّبْت، وهو القَطْعُ، فقيل: إنَّ الأشياءَ فيه سَبَتَتْ، وتمَّت خِلْقتُها، وقيل: هو مأخوذٌ من السُّبُوت الذي هو الرَّاحةُ والدَّعَةُ(٥). واختلف العلماءُ في الممْسوخ هل يَنْسُلُ؟ على قولين: قال الزَّجَّاجُ(٦): قال قومٌ: يجوزُ أنْ تكونَ هذه القردةُ منهم. واختاره القاضي أبو بكر بنُ العربيِّ(٧). وقال الجمهورُ: الممسوغُ لا يَنْسُلُ، وإنَّ القردةَ والخنازيرَ وغيرَهما كانت قبلَ ذلك، والذين مسخَهم الله قد هلكوا، ولم يبقَ لهم نَسْلٌ؛ لأنَّه قد أصابَهم السُّخطُ والعذابُ، فلم يكن لهم قرارٌ في الدُّنيا بعد ثَلاثةِ أيَّامٍ. (١) في (د): فتعرفت. (٢) أخرجه الطبري ٥١٦٥١٥/١٠، بنحوه، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢٤٠، وأبو نعيم في الحلية ٣٣٠/٣، والحاكم ٣٢٢/٢، والبيهقي ٩٢/١٠ من حديث ابن عباس مطولاً. (٣) أخرج الطبري ٥٢٩/١٠ عن قتادة قال: صاروا قردة لها أذناب تعاوى، بعد أن كانوا رجالاً ونساءً . وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢١٠، والطبري ٥٢٩/١٠ عن ابن عباس قال: فجعل الله منهم القردة والخنازير، فزعم أن شباب القوم صاروا قردة، وأن المشيخة صاروا خنازير. وأورده بلفظ المصنف ابن الجوزي في زاد المسير ١/ ٩٥ . (٤) عند تفسير الآية (١٦٢) منها. (٥) المحرر الوجيز ١٥٨/١. (٦) معاني القرآن ٣٨٧/٢. (٧) أحكام القرآن ٧٨٨/٢. ١٧١ سورة البقرة : الآية ٦٥ قال ابنُ عبَّاس: لم يَعِشْ مَسْخٌ قظُ فوقَ ثلاثةِ أيَّام، ولم يأكُلْ، ولم يَشْرَبْ، ولم يَنْسُلْ(١). قال ابنُ عطيَّةٍ(٢): ورُوي عن النَّبيِّ ◌َّهِ، وَثَبتَ، أنَّ الممسِوخَ لا يَنسُلُ، ولا يأكُلُ ولا يشرَبُ ولا يعيشُ أكثرَ من ثلاثةِ أَيَّام(٣) . قلتُ: هذا هو الصحيحُ من القولينِ، وأمَّا ما احتَجَّ به ابنُ العربيِّ وغيرُه على صحَّةِ القولِ الأوَّل من قولهِ بَّهِ: ((فُقِدَتْ أُمَّةٌ من بني إسرائيلَ لا يُدْرَى ما فعلتْ، ولا أُراها إلَّا الفأرَ، ألا تَرونَها إذا وُضِع لها ألبانُ الإبلِ لم تَشربْه (٤)، وإذا وُضِع لها ألبانُ الشَّاءِ (٥) شربَتْه)). رواه أبو هريرةَ، أخرجه مسلم(٦)، وبحديثِ الضَّبِّ، رواه مسلمٌ أيضاً عن أبي سعيدٍ وجابرٍ (٧)، قال جابرٌ: أُتِيَّ النبيُّ وَهُ بِضَبِّ، فأبَى أنْ يأكل منه، وقال: ((لا أدري لعلَّه من القُرونِ التي مُسِخَتْ))، فمتَأوَّلُ على ما يأتي. قال ابنُ العربيّ: وفي البخاري(٨) عن عمرٍو بنٍ مَيْمُون(٩) أنَّه قال: رأيتُ في الجاهليَّةِ قِرْدةً قد زَنَت، فرجَموها، فرجمتُها معهم. ثَبتَ في بعض نسخ البخاريِّ، وسَقط في بعضها، وثَبتَ في بعض (١٠) الحديث: ((قد زَنَت)) وسقَط هذا اللفظُ عندَ بعضِهم. قال ابنُ العربيّ: فإن قيل: وكأنَّ البهائمَ بَقِيَتْ فيهم معارفُ(١١) الشَّرائعِ حتَّى (١) أخرجه الطبري ٥٩/٢-٦١. (٢) المحرر الوجيز ١٦٠/١. (٣) سيذكره المصنف في الصفحة الآتية. (٤) في (ظ): لا تشربها. (٥) في (ظ): لبن الشاة. (٦) رقم (٢٩٩٧)، وهو عند البخاري (٣٣٠٥)، وأحمد (٧١٩٧). (٧) حديث جابر برقم (١٩٤٩)، وهو في المسند (١٤٤٦٠)، وحديث أبي سعيد برقم (١٩٥١) بنحوه، وهو في المسند (١١٠١٣). (٨) (٣٨٤٩) . (٩) هو أبو عبد الله الأودي، المّذْحِجي الكوفي، أدرك الجاهلية، وأسلم أيام النبوة، قدم الشام مع معاذ، ثم سكن الكوفة، مات في حدود سنة (٧٥هـ). السير ١٥٨/٤. (١٠) في (د) و(ظ) و(م): نص، والمثبت من (ز) وهو الموافق لما في أحكام القرآن ٧٨٨/٢. (١١) في النسخ: تعارف، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن. ١٧٢ سورة البقرة : الآية ٦٥ وَرِثُوها خَلَفاً عن سَلَفٍ إلى زمان عمرٍو. قلنا: نعم، كذلك كان، لأنَّ اليهودَ غيَّروا الرَّجم، فأراد الله أنْ يُقيمَه في ممسُوخِهم (١) حتى يكون أبلغَ في الحجَّةِ على ما أنكروه من ذلك وغَيَّروه، حتَّى تَشهدَ عليهم كتُبُهم وأحبارُهم وممسوخُهم، حتَّى يعلموا أنَّ الله يَعلَم ما يُسِرُّون وما يُعلِنون، ويُحصِي ما يُبدِّلون وما يُغيِّرون، ويُقيمُ عليهم الحَجَّةَ من حيثُ لا يَشِعُرون، وينصرُ نبيَّه عليه السَّلامُ، وهم لا يُنْصَرون. قلت: هذا كلامُه في الأحكام، ولا حجةَ في شيءٍ منه. وأمَّا ما ذَكره من قصّةٍ عمرٍو، فذكّر الحميديُّ(٢) في جمع الصَّحيحين: حكى أبو مسعودٍ الدِّمشقيُّ(٣) أنَّ لعمرو بن ميمونٍ الأوديِّ في الصحيحينِ حكايةً من رواية حُصَين عنه، قال: رأيتُ في الجاهليَّةِ قِرْدةً، اجتمع عليها قِرَدةٌ، فرَجَموها، فرجمتُها معهم. كذا حكى أبو مسعود، ولم يَذكرْ في أيِّ موضِع أخرجه البخاريُّ من كتابِهِ، فبحَثْنا عن ذلك، فوجَدْناه في بعض النُّسخ، لا في كلِّها، فذَكَر في كتاب أيَّام الجاهليّة، وليس في رواية النُّعيمي(٤) عن الفَرَبْرِيِّ(٥) أصلاً شيءٌ من هذا الخبرِ في القردةِ، ولعلَّها من المُقْحَماتِ في كتاب البُخاري(٦). والذي قال البخاريُّ في التّاريخ الكبير(٧): قال لي نُعيم بنُ حمَّادٍ، أخبرنا هُشَيم، عن أبي بَلْجِ وحُصينٍ(٨)، عن عمرو بن مَيمونٍ، قال: رأيتُ في الجاهليَّةِ قرْدةً اجتَمَعَ (١) في (ظ): ممسوخه. (٢) هو محمد بن أبي نصر فُتُوح، أبو عبد الله الأزدي، الأندلسي، الفقيه الظاهري صاحبُ ابن حزم وتلميذُه، صنف الجمع بين الصحيحين، وتاريخ الأندلس، مات سنة (٤٨٨هـ). السير ١٩/ ١٢٠. (٣) هو إبراهيم بن محمد بن عُبيد، الحافظ، صنف كتاب: أطراف الصحيحين مات سنة (٤٠١هـ). السير ٢٢٧/١٧. (٤) هو أحمد بن عبد الله، أبو حامد السَّرخسي، نزيل هراة، راوي الصحيح عن الفربري مات (٣٨٦هـ). السير ٤٤٨/١٦. (٥) هو محمد بن يوسف أبو عبد الله، راوي الصحيح عن البخاري، مات سنة (٣٢٠هـ) السير ١٠/١٥. (٦) ردّ الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٧/ ١٦٠ كلام الحميدي هذا، وقال: الحديث مذكور في معظم الأصول التي وقفنا عليها. وقال: كفى بإيراد أبي ذرّ الحافظ له عن شيوخه الثلاثة الأئمة المتقنين عن الفربري حجة، وكذا إيراد الإسماعيلي وأبي نُعيم في مستخرجيهما وأبي مسعود له في أطرافه. (٧) ٣٦٧/٦. (٨) هشيم: هو ابن بَشير، وأبو بَلْج: هو يحيى بن سليم، أو ابن أبي سليم، وحصين: هو ابن عبد الرحمن. ١٧٣ سورة البقرة : الآية ٦٥ عليها قُرودٌ، فَرَجَموها، فرجمتُها معهم. وليس فيه: ((قدْ زنت)). فإنْ صحّت هذه الروايةُ، فإنما أخرجها البخاريُّ دلالةً على أن عمرو بنَ ميمون قد أدركَ الجاهليةَ، ولم يُبالِ بظنّه الذي ظَنَّه في الجاهلية. وذكر أبو عمرَ في الاستيعاب(١) عمرو بنَ ميمون، وأنَّ كُنيتَه أبو عبدِ الله ، معدودٌ في كبار التَّابعينَ من الكوفيين، وهو الذي رأى الرَّجْمَ في الجاهليَّةِ من القِرَدةِ، إنْ صحَّ ذلك، لأنَّ رواتَه مجهولون. وقد ذكره البخاريُّ عن نُعيم، عن هُشَيْم، عن حُصَين، عن عمرو بن ميمون الأودي، مختصَراً، قال: رأيتُ في الجاهليةِ قِرْدةً زَنَتْ فَرَجَمُوها - يعني القِرَدة - فرجمتُها معهم. ورواه عبَّد بنُ العوام، عن حُصَين كما رواه هُشيم، مختصراً. وأما القصة بِطولها(٢)، فإنَّها تدورُ على عبد الملك بنٍ مسلم، عن عيسى بن حِطان، وليسا ممن يُحتجُّ بهما. وهذا عند جماعةٍ(٣) أهلِ العلم منكر إضافةُ الزِّنى إلى غير مكلَّفٍ، وإقامةُ الحدود في البهائم. ولو صحَّ لكانوا من الجنِّ، لأنَّ العباداتِ في الإنس والجنِّ دون غيرهما(٤). وأمَّا قولهُ عليه السَّلامُ في حديث أبي هريرةَ: ((ولا أُراها إلا الفأر))، وفي الضَّبِّ: ((لا أدري لعلَّه من القرونِ التي مُسِخَتْ))، وما كان مثلُه، فإنَّما كان ظنّاً وخوفاً لأنْ يكونَ الضَّبُّ والفأرُ وغيرُهما مما مُسِخ، فكان هذا حَدْساً منه وَّه قبلَ أن يُوحَى إليه أنَّ الله لم يجعلْ لمسخ(٥) نَسْلاً، فلمَّا أُوحِي إليه بذلك، زالَ عنه ذلك التَّخوُّفُ، وعَلِم أنَّ الضَّبَّ والفأرَ ليس ممَّا مُسِخَ، وعند ذلك أخبرَنا بقولهِ وَّه لمن سأله عن القِردة (١) ٩/ ١٤ بهامش الإصابة. (٢) أوردها المِزِّي في تهذيب الكمال ٢٦٥/٢٢ - ٢٦٦، والذهبي في السير ١٥٩/٤، وابن حجر في لسان الميزان ٣٩٤/٤، وعزاها للإسماعيلي في مستخرجه. (٣) في (د): جماهير . (٤) ردَّ الحافظ ابن حجر في لسان الميزان ٣٩٣/٤ - ٣٩٤ كلام ابن عبد البر هذا، وقال: رواته مشهورون، ونقل توثيق عبد الملك بن مسلم عن ابن معين وغيره، وقال: وعيسى بن حطان ذكره ابن حبان في الثقات، وعداده في أهل البصرة. (٥) في (م): للمسخ. ١٧٤ سورة البقرة : الآية ٦٦ والخنازيرِ: هي مما مُسِخَ؟ فقال: ((إن الله لم يُهلك قوماً - أو يُعذبْ قوماً - فيجعَلَ لهم نَسْلاً، وإنَّ القِرَدَةَ والخنازيرَ كانوا قبلَ ذلك». وهذا نصٌّ صريحٌ صحيحٌ رواه عبد الله بنُ مسعود، أخرجه مسلمٌ في كتاب القَدَر(١). وثبتت النُّصوصُ بأكلِ الضَّبِّ بحَضْرتِه وعلى مائدتِهِ، ولم يُنكِرْ(٢)، فدلَّ على صحَّة ما ذكرنا، وبالله توفيقُنا. ورُوِيَ عن مجاهدٍ في تفسير هذه الآيةِ أنَّه إنَّما مُسِخَتْ قلوبُهم فقط، وَرُدَّت أفهامُهم كأفهام القردة(٣). ولم يقُلْه غيرُه من المفسّرين فيما أعلم. والله أعلم. قولُه تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ فِرَدَةً﴾ ((قردةً)) خبرُ كان. ﴿خَسِينَ﴾ نعتٌ، وإنْ شئتَ جعلتَه خبراً ثانياً لِكان، أو حالاً من الضَّمير في ((كونوا))(٤). ومعناه مُبعَدين. يقالُ: حَسَأْتُه فَخَسأ، وخَسِئ وانخَسأ، أي: أبعدتُه فبَعُدَ. وقوله تعالى: ﴿يَقَلِبْ إِلَيْكَ اَلْبَصَرُ خَاسِتًا﴾ [الملك: ٤] أي: مُبعَداً. وقوله: ﴿لَخَثُواْ فِيهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أي: تباعَدوا تَباعُدَ سَخَط(٥). قال الكسائيُّ: خَسأ الرَّجلُ خُسُوءاً، وخَسَأْتُه خَسْأَ (٦). ويكون الخاسئُ بمعنى الصَّاغرِ القَميءٍ. يقال: قَمُؤَ الرَّجلُ قَماءً وقَماءةً: صار قميئاً، وهو الصَّاغِرُ الذَّليلُ. وأقْمأْتُه: صَغَّرتُه وذَلَّلْتُه، فهو قَمِيء، على فعيل(٧). قولُه تعالى: ﴿فَجَعَلْنَهَا نَكَلًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ قوله تعالى: ﴿لَعَلْتَهَا نَكَلًا﴾ نَكالاً(٨): نصب على المفعول الثَّاني، وفي المجعول نّكالاً أقاويلُ؛ قيل: المسخة(٩)، وقيل: العقوبةُ، وقيل: القريةُ، إذ معنى (١) برقم (٢٦٦٣)، وهو في مسند أحمد (٣٧٠٠). (٢) أخرجه أحمد (١٦٨١٢)، والبخاري (٥٣٩١)، ومسلم (١٩٤٦) من حديث خالد رضي الله عنه، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٦٨٤)، ومسلم (١٩٤٨)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٣) أخرجه الطبري ٢/ ٦٥ وقال: وهذا القول قولٌ لظاهر مادلّ عليه كتابُ الله مخالفٌ. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٤/١ . (٥) في (د): سخطة . (٦) الوسيط للواحدي ١/ ١٥٢. (٧) الصحاح (قمأ). (٨) قوله: نکالاً، ليس في (م). (٩) قوله: قيل المسخة، من (ز) وتحرفت فيها إلى: المحنة. ١٧٥ سورة البقرة : الآية ٦٦ الكلام يَقتَضيها، وقيل: الأُمَّةُ التي مُسِخَتْ، وقيل: الحيتانُ، وفيه بُعْدٌ. والنَّكالُ: الزَّجْرُ والعقابُ. والنِّكْلُ والأَنكالُ: القُيودُ (١). وسُمِّيتِ القُيودُ أنكالاً، لأنَّها يُنْكَلُ بها، أي: يُمنَعُ. ويقالُ للْجام الثقيل: نِكْلٌ ونكل(٢)؛ لأنَّ الدَّابةَ تُمنعُ به. ونَكَّلَ عن الأمرِ يَنْكُلُ، ونَكِل يَنْكّل: إذا امتَنَع. والتَّنكيلُ: إصابةُ الأعداءِ بعقوبةٍ تُنَكِّلُ مَنْ وراءَهم، أي: تُجبِّنهم. وقال الأزهريُّ: النَّكالُ: العقوبةُ(٣). ابنُ دُرَيَدٍ (٤): والمَنْكَلُ: الشَّيءُ الذي يُنگُّلُ بالإنسان، قال: نَارْمٍ على أَقْفائِهم بمَنْكَلٍ(٥) قوله: ﴿لَّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ قال ابنُ عبَّاس والسُّدِّيُّ: لِمَا بين يَدَي المَسْخة ما قبلَها من ذُنوبِ القوم. ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لمنْ يَعمَلُ بعدَها مثلَ تلك الذُّنوب(٦). قال الفَرَّاءُ(٧): جُعِلَت المَسْخةُ نكالاً لِمَا مضى من الذُّنوب، ولِما يُعمَلُ بعدَها لِيَخافوا المَسْخَ بذُنوبهم. قال ابنُ عطيّة(٨): وهذا قولٌ جيد، والضَّميران للعقوبة، ورَوى الحكم، عن مجاهد، عن ابنِ عبَّاس: لِمن حضَر معهم ولمن يأتي بعدَهم(٩). واختاره النَّحاس، قال: وهو أشبه بالمعنی، والله أعلم. وعن ابن عبّاس أيضاً: لِما بينَ يدَيها وما خلفَها من القُرَى (١٠). وقال قتادة: لما بينَ يَديها من ذُنوبهم، وما خلفَها من صيد الحيتان(١١). (١) المحرر الوجيز ١٦١/١. (٢) كذا في (ظ)، وهي غير مظهرة في (ز)، وثمة سقط في (د)، والذي في معاجم اللغة: نِكْل، بالكسرِ لا غير. (٣) لم نقف عليه، وأورد السمين الحلبي في عمدة الحفاظ ٢٦٩٨/٤ عن الأزهري: النكال: العذاب . (٤) جمهرة اللغة ٣/ ١٧٠. (٥) قائله رياح الهُذَلي، وبعده: بصخرة أو عَرْضٍ جيشٍ جَحْفَلٍ. وهو في جمهرة اللغة ٣/ ١٧٠، ومجمل اللغة ٨٨٣/٣، والصحاح واللسان (نكل). (٦) أخرجه بنحوه عنهما الطبري ٢/ ٧٠-٧١. (٧) معاني القرآن ٤٣/١. (٨) المحرر الوجيز ١/ ١٦١. (٩) أخرجه الطبري ٢/ ٧٠ من طريق الضحاك عن ابن عباس بنحوه. (١٠) أخرجه الطبري ٢/ ٧٠. (١١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٤٨/١، والطبري ٢/ ٧٠-٧١. ١٧٦ سورة البقرة : الآية ٦٧ قوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ عطفٌ على نَكال، ووزنُها: مَفْعِلَة من الاتِّعاظ والانزِجار. والوعظُ: التَّخْويف، والعِظَةُ الاسم. قال الخليل(١): الوَعْظ التَّذكيرُ بالخيرِ فيما يَرِقُّ له قلبُه(٢). قال الماوَرْدِيّ(٣): وخصَّ المتَّقينَ - وإن كانت موعظةً للعالَمين - لتَفرُّدِهم بها عن الكافرين المعاندين. قال ابنُ عطيّة(٤): واللفظُ يعمُّ كلَّ مُتَّقٍ من كلِّ أمَّة. وقال الزَّجَّاج: ((وموعظةً للمثَّقين)) لأمَّةِ محمدٍ وَّهِ، أَنْ يَنتَهِكوا مِن حُرَم الله جلَّ وعَزَّما نهاهم عنه، فيُصيبَهم ما أصابَ أصحابَ السَّبتِ إذ انتَهكوا حُرَمَ الله في سَبْتِهم. قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ قَالُواْ أَلَّخِذُنَا ٢٦٧ هُزُوَأْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ﴾ فيه أربعُ مسائلَ: الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ﴾ حُكيَ عن أبي عمرو أنَّه قرَأ ((يأمُركم)) بالسُّكون، وحذفَ الضَّمةَ من الراء لثقلها. قال أبو العبَّاس المبرِّد: لا يجوزُ هذا؛ لأن الراء حرفُ الإعراب، وإنما الصحيحُ عن أبي عمرو أنه كان يختلسُ الحركة(٥). ﴿أَنْ تَّذْبَحُوا﴾ في موضعٍ نصب بـ«يأمُرُكُم))، أي: بأن تَذَبَحوا. ﴿بَقَرَأُ﴾ نصب بـ(تذبحوا))(٦). وقد تقدَّم معنىَ الذَّبح(٧). فلا معنى لإعادته . الثَّانية: قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَؤُ﴾ مقدَّمٌ في الثِّلاوة، وقولُه: (قَتَلْتُمْ نَفْساً)» مقدَّمٌ في المعنى على جميع ما ابتدأَ به من شأن البقرة، ويجوزُ أن يكون قولُه: ((قتلتُم)) في النُّزول مقدَّماً، والأمرُ بالذَّبح مؤَخّراً، ويجوزُ أنْ يكونَ ترتیبُ نُزولها على حسب تلاوتها، فكأنَّ الله أمرَهم بذَبح البقرة حتَّى ذَبحوها، ثم وقعَ ما (١) العين ٢٢٨/٢ (وعظ). (٢) في (م): القلب . (٣) لم نقف عليه في المطبوع من تفسيره . (٤) المحرر الوجيز ١/ ١٦١. (٥) سلف الكلام ص ١١١ من هذا الجزء أن المشهور عن أبي عمرو الوجهان في رواية الدوري، والإسكان في رواية السوسي. ونقلنا ص ١١٢ ردًّ أبي حيَّان كلام أبي العباس المبرّد المذكور أعلاه. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٤/١. (٧) ٨٦/٢. ١٧٧ سورة البقرة : الآية ٦٧ وقعَ من أمرٍ القتل(١)، فأُمِرُوا أنْ يَضرِبُوه ببعضِها، ويكون ((وإذ قتلتُم)) مقدَّماً في المعنى على القول الأوَّل، حسب ما ذكرنا، لأنَّ الواو لا تُوجبُ التَّرتيب. ونظيرُه في التَّنزيل في قصَّة نوحِ بعدَ ذِكرِ الظُوفانِ وانقِضائه في قوله: ﴿حَّةَ إِذَا ◌َآءَ أَقْرُنَا وَفَارَ النَّتُوُ قُلْنَا أَخِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنٍ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا قَلِلٌ﴾. فذَكَر إهلاكَ مَنْ هَلَكَ منهم، ثم عَطفَ عليه بقولِه: ﴿وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرِبِهَا وَمُرْسَهَا﴾ [هود: ٤٠-٤١]. فذَكَرَ الرُّكوبَ متأخِّراً في الخِطاب، ومعلومٌ أنَّ ركوبَهم كان قبلَ الهلاك. وكذلك قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَُّ عِوَمَاً (١) قِيَمًا﴾ [الكهف: ١-٢]. وتقديرُه: أنزلَ على عبدِه الكتابَ قيِّماً، ولم يجعلْ له عِوَجاً، ومثلُه في القرآن كثير . الثَّالثةُ: لا خلاف بين العلماء أنَّ الذَّبحَ أوْلَى في الغنم، والنَّحْرَ أولى في الإبل، والتخيير(٢) في البقر. وقيل: الذبحُ أوْلى؛ لأنَّه الذي ذكره الله، ولقُرْبِ المَنْحَر من المذبح. قال ابنُ المنذِر: لا أعلمُ أحداً حَرَّمَ أكلَ ما نُحِرَ ممَّا يُذْبح، أو ذُبحَ ممَّا يُنْحَرُ. وكره مالكٌ ذلك(٣). وقد يَكره المرءُ الشَّيءَ ولا يُحرِّمُه. وسيأتي في سورة المائدة أحكامُ الذَّبح والذَّابح وشرائطُهما عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [الآية: ٣٠] مستوفّى إن شاء الله تعالى. قال الماورديُّ(٤): وإنما أُمِرُوا - والله أعلم - بذَبح بقرةٍ دونَ غيرها؛ لأنَّها من جنسٍ ما عَبَدُوه من العِجل، ليهونَ عندَهم ما كان يَرَونه من تَعظيمهِ، ولِيعلَمَ بإجابتهم ما كان في نُفوسِهم من عبادته. وهذا المعنى علَّةٌ في ذَبْح البقرة، وليس بعلةٍ في جواب السَّائل، ولكن المعنى فيه أنْ يَحيا القتيلُ بقَتل حيٍّ، فيكونَ أظهرَ لقُدرتِه في اختراع الأشياء من أضدادها . (١) في أحكام القرآن للكيا الهرَّاسي ١/ ١٠ (والكلام منه): القتيل. (٢) في (م): والتخيّر . (٣) المدونة ٦٥/٢، وشرح منح الجليل ٥٨٠/١ - ٥٨١، وعقد الجواهر الثمينة ٥٨٨/١ - ٥٨٩. (٤) النكت والعيون ١٣٧/١. ١٧٨ سورة البقرة : الآية ٦٧ الرابعة: قولُه تعالى: ﴿بَقَرَّةٌ﴾ البقرةُ اسمٌ للأنثى، والثَّورُ اسمٌ للذَّكر، مثلُ ناقة وجمل، وامرأة ورجل، وقيل: البقرةُ واحدُ البقر، الأنثى والذكرُ سواءٌ، وأصلُه من قولِك: بقَرَ بطنَه، أي: شقَّه، فالبقرةُ تَشُقُّ الأرضَ بالحرثِ وتُثيرُهُ(١). ومنه الباقرُ لأبي جعفرٍ محمد بنِ عليٍّ زينِ العابدين، لأنَّ بَقَرَ العلمِ، وعَرَفَ أصلَه، أي: شَقَّه. والبقيرةُ: ثوبٌ يُشَقُّ، فَتُلقيه المرأةُ في عنُقها من غير كُمَّين. وفي حديث ابن عبَّاس في شأن الهُدهد: ((فبقَرَ الأرضَ))(٢). قال شَمِر: بَقَر: نَظَر موضِعَ الماء، فرأى الماءَ تحتَ الأرض (٣). قال الأزهريُّ(٤): البقرُ اسمٌ للجنس وجمعهُ باقرٌ. ابنُ عرفةَ: يقالُ: بقيرٌ وباقرٌ وبَيْقُور(٥). وقرأ عكرمةُ وابنُ يَعمر(٦): ((إنَّ الباقر)). والثَّورُ: واحدُ الثِيران، والثَّور: السَّيِّدُ من الرِّجال، والثَّور: القطعة من الأَقِط، والثَّورُ: الظُخْلُبُ، وثَوْرٌ: جبلٌ، وثَوْرٌ: قبيلةٌ من العرب، وفي الحديثِ: ((ووقتُ المغرب(٧) مالم يَغِبْ ثَوْرُ الشَّفَقِ))، يعني انتشاره؛ يقالُ: ثارَ يثُورُ ثَوْراً وثَوَراناً: إذا انتشرَ في الأفق. وفي الحديثِ: ((من أرادَ العِلمَ، فَلْيُثَوِّر القرآن»(٨). قال شَمِر: تثويرُ (١) تفسير الماوردي ١/ ١٣٧. (٢) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة: (بقر)، وأخرجه مطولاً ابن أبي شيبة ٥٣٦/١١، والطبري ٣٠/١٨، والحاكم ٤٠٥/٢، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٤٩)، والضياء في المختارة ٣٨٣/١٠، ووقع عند ابن أبي شيبة والطبري والضياء: ((نقر)". وعند الحاكم والبيهقي: ((ينقر)). (٣) تهذيب اللغة: (بقر). (٤) لم نقف عليه في تهذيب اللغة، وانظر الصحاح (بقر). (٥) وقع في (د): بقير وباقير وتبقر تبقراً، وفي (ز): بقير وباقير وبيقور وباقر، وفي (ظ): بقير وباقير وبيقور، والمثبت من (م)، والتبقر: التوسع، ولم يرد ((باقير)) في معاجم اللغة، بل ورد فيها: ((باقور)). (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٦/١، والمحرر الوجيز ١٦٣/١. (٧) في النسخ الخطية: العشاء، وهو خطأ، وهو قطعة من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أخرجه أحمد في المسند (٧٠٧٧)، ومسلم (١٦٢): (١٧٣). (٨) أخرجه أحمد في الزهد ص١٩٦، والطبراني في الكبير (٨٦٦٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٩٦٠)، وابن حزم في الإحكام ٤٨٨/٨ عن عبد الله بن مسعود موقوفاً. ولفظه عند ابن حزم: ((فليثر)). وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص٤١، ٤٢، وابن المبارك في الزهد (٨١٤) بلفظ: إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن. ١٧٩ سورة البقرة : الآية ٦٧ القرآنِ: قراءتُه ومُفاتَشَةُ (١) العلماءِ به. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَتَّخِذُنَا هُزُوَأ﴾: هذا جوابٌ منهم لموسى عليه السلامُ لمَّا قال لهم: ﴿إن الله يأمركم أَنْ تَذْبَحُوا بَقَّرةً﴾، وذلك أنَّهم وجَدُوا قتيلاً بینَ اظُرِهم - قيل: اسمُه عاميل(٢) - واشْتَبهَ أمرُ قاتِلهِ عليهم، ووقعَ بينَهم خلافٌ، فقالوا: نَقْتَتِلُ ورسولُ الله بينَ أَظهُرنا! فأَتَوْه وسألُوه البيانَ - وذلك قبلَ نزولِ القَّسَامة في التَّوراةِ . فسألُوا موسى أنْ يَدْعُوَ الله . فسألَ موسى عليه السَّلام ربَّه فأمَرَهم بذَبح بقرة، فلمَّا سَمِعُوا ذلك من موسى، وليس في ظاهرِهِ جوابٌ عمَّا سألوه عنه، واحتَكَموا فيه عندَه، قالوا: أَتتَّخِذُنا هُزُواً؟ ! - والهُزء: اللعبُ والسُّخْرِيَّةُ، وقد تقدَّم(٣)، وقرأ الجدړيُّ(٤): «أیتَّخِذُنا)» بالياء، أي : قال ذلك بعضهم لبعض ۔ فأجابهم موسى عليه السَّلام بقولِه: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الَْهِينَ﴾؛ لأنَّ الخروجَ عن جواب السَّائلِ المستَرشِد إلى الهُزء جَهْلٌ، فاستعاذَ منه عليه السَّلام، لأنَّها صفةٌ تَنْتَفي عن الأنبياء(٥). والجهلُ نقيضُ العلم. فاستعاذَ من الجهل، كما جَهِلُوا في قولهم: أَتَتَّخِذُنا هُزُواً، لمن يُخبرُهم عن الله تعالی. وظاهِرُ هذا القول يَدُلُّ على فسادِ اعتقادٍ مَنْ قالَه، ولا يَصِحُّ إيمانُ مَنْ قال لنبيٍّ قد ظَهَرَتْ مُعجِزْتُه - وقال: إنَّ الله يأمرُك بكذا -: أتَتَّخِذُنا هُزُواً؟ ولو قال ذلك اليومَ أحدٌ عن بعضٍ أقوالِ النَّبِيِّ ◌َِّ ، لَوجَبَ تکفیرُه. وذَهبَ قومٌ إلى أنَّ ذلك منهم على جهةٍ غِلَظِ الطبع والجَفاءِ والمعصيةِ، على نحوٍ ما قالَ القائلُ لنَّبِيِّ وَلِ فِي قِسْمَةِ غنائمٍ حُنَين: إنَّ هذهَ لَّقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بها وجهُ اللهِ(٦)، (١) في (٥) و(ز): ومقايسة، وفي (ظ): ومعايشة، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في تهذيب اللغة ٠١١٠/١٥ (٢) عرائس المجالس ص ٢٣٣. (٣) ٣١٤/١. (٤) القراءات الشاذة لا بن خالويه ص ٦. (٥) النكت والعيون ١٣٧/١، وانظر تفسير عبد الرزاق ٤٨/١، وتفسير الطبري ٢/ ٧٥، والمحرر الوجيز ١٦١/١. (٦) أخرجه أحمد (٣٦٠٨)، والبخاري (٣٤٠٥)، ومسلم (١٠٦٢) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ١٨٠ سورة البقرة : الآية ٦٧ وكما قال له الآخرُ: اعْدِلْ يا محمد (١). وفي هذا كلِّه أدَلُّ دليلٍ على قُبْح الجَهل، وأنَّه مُفسِد للدِّين. قولُه تعالى: (هُزُؤْاً))(٢) مفعولٌ ثانٍ، ويجوزُ تخفيفُ الهمزة، تَجعلُها(٣) بينَ الواوِ والهمزة(٤). وجعَلَها حَفْصٌ واواً مفتوحةً، لأنَّها همزةٌ مفتوحةٌ، قبلَها ضمَّةٌ، فهي تجري على البدَلِ، كقولهِ: ﴿اَلتُّفَهَةُ أَلَا﴾ (٥) [البقرة: ١٣]. ويجوزُ حذفُ الضَّمةِ من الزَّاي كما تَحذفُها من عَضُد، فتقولُ: هُزْؤاً، كما قرأ أهلُ الكوفة (٦)، وكذلك: ﴿ولم يَكُنْ له كُفْواً أَحَدٌ﴾ (٧) [الإخلاص: ٤]. وحكى الأخفش(٨) عن عيسى بن عمرَ أنَّ كلَّ اسم على ثلاثة أحرف، أولهُ مضموم، ففيه لغتان: التَّخفيفُ والتَّثقيل، نحو: العُسُر، واليُشُر، والهُزُء. ومثلُه ما كان من الجمعِ على فُعُل، ككُتُب وكُتْب، ورُسُل ورُسْل، وعُوُن وعُوْن. وأما قولُه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] فليس مثلَ: هُزْء، وكُفء، لأنَّه على فُعْل من الأصل. على ما يأتي في موضِعه (٩) إن شاء الله تعالى. مسألة: في الآية دليلٌ على منع الاستهزاء بدينِ الله وبالمسلمين(١٠)، ومَنْ يجبُ تعظيمُه، وأنَّ ذلك جهلٌ، وصاحبُه مُستَحقٌّ للوعيد. (١) المحرر الوجيز ١٦٢/١، والخبر أخرجه أحمد (١٤٨٢٠)، والبخاري (٣١٣٨)، ومسلم (١٠٦٣) من حديث جابر رضي الله عنه . (٢) يعني بضم الزاي، والهمز، وهي قراءة السبعة غير حفص وحمزة، كما سيرد . (٣) في (د) و(ظ): بجعلها. (٤) ضعَّف هذا الوجه ابن الجزري في النشر ١/ ٤٨٣. (٥) وقع في (م): السفهاء ولكن، وهو خطأ، وهي غير مظهرة في (ز)، وغير مجوّدة في (د)، ووقع في (ظ): ((السفهاءُ ولا)) وهو لفظ قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو البصري من السبعة، حالة الوصل. انظر التيسير ص ٣٣ - ٣٤ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٤/١ . والذي قرأ بها من أهل الكوفة حمزة من السبعة، وخلف العاشر، انظر السبعة ص ١٥٧، والتيسير ص ٧٤. والنشر ٢١٥/٢-٢١٦. (٧) يعني بإسكان الفاء والهمز وهي قراءة حمزة من السبعة وصلاً، وخلف ويعقوب من العشرة، وقرأ حفص بضم الفاء وإبدال الهمزة واواً، وقرأ الباقون بضم الزاي والهمز. النشر ٢١٥/٢-٢١٦. (٨) معاني القرآن ٢٧٨/١، ونقله المصنف عنه بواسطة الكشف عن وجوه القراءات لمكي ٢٤٨/١. (٩) عند تفسير الآية (٤) من سورة الإخلاص. (١٠) في (م): ودين المسلمين.