Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
سورة البقرة : الآية ٦٠
الأئمةُ الثقاتُ، والفقهاء الأَثْبات، عن عبد الله قال: كنّا مع النبيِّ وَِّ، فلم نجد ماءً
فأتي بتورٍ(١)، فأدخل يده فيه، فلقد رأيتُ الماء يتفجَّر من بين أصابعه ويقول: ((حيَّ
على الطّهور)). قال الأعمش: فحدثني سالم بن أبي الجَعْد قال: قلت لجابر: كم كنتم
يومئذ؟ قال: ألفاً وخمس مئة. لفظ النَّسائيِّ(٢).
السابعة(٣): قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ تَشْرَيَهُمْ﴾ يعني: أن لكلِّ سبط
منهم عيناً قد عَرَفها، لا يَشربُ من غيرها. والحكمةُ في ذلك أن الأسباط كانت بينهم
عَصبيَّةٌ ومباهاة، وكلُّ سبْطٍ منها لا يتزوَّجُ من سِبْطِ آخر، وأراد كلُّ سِبط تكثيرَ سبطٍ
نفسه، فجعل لكلِّ سِبْطٍ منهم نهراً على حِدَة، ليستقوا منه، ويسقُوا دوابهم، لكيلا يقعَ
منهم مخاصمة ولا جدال(٤) .
والمَشْرَب: موضع الشرب، وقيل: المشروبُ، والأسباطُ في بني إسرائيل
كالقبائل في العرب، وهم ذُرِّيَّةُ الاثني عشر أولاد يعقوب عليه السلام، وكان لكلِّ
سبط عَيْنٌ من تلك العيون لا يتعذَّاها(٥) .
قال عطاء: كان للحَجَر أربعةُ أوجه، يخرج من كلِّ وجه ثلاث أعين، لكلِّ سبط
عينٌ لا يخالطُهم سواهم. وبلَغَنا أنه كان في كلِّ سبطٍ خمسون ألفَ مقاتل، سوى (٦)
خیلھم ودوابهم.
قال عطاء: كان يظهرُ على كل موضع من ضربة موسى مثلُ ثدي المرأة على
الحجر، فَيَعْرَق أوَّلاً، ثم يسيل(٧) .
(١) هو إناءٌ يشرب فيه. القاموس (تور).
(٢). المجتبى ٦٠/١، وهو عند أحمد (٣٨٠٧)، وفيه: حيَّ على الوضوء، وبنحوه عند البخاري (٣٥٧٩).
وأخرجه أيضاً أحمد (١٢٣٤٨)، والبخاري (١٦٩) ومسلم (٢٢٧٩) من حديث أنس رضي الله عنه،
وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٥٢٢)، والبخاري (٣٥٧٦) من حديث جابر رضي الله عنه.
(٣) في (ز): التاسعة.
(٤) من قوله: والحكمة في ذلك ... إلى هذا الموضع، من (ز)، وهو في تفسير السمر قندي ١٢٣/١.
(٥) المحرر الوجيز ١٥٢/١.
(٦) في النسخ: من سوى، والمثبت من (م).
(٧) تفسير البغوي ١/ ٧٧.

١٤٢
سورة البقرة : الآية ٦١
الثامنة(١): قوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُوا﴾ في الكلام حذفٌ تقديره: وقلنا لهم:
كلوا المنَّ والسلوى، واشربوا الماء المتفجّر من الحجر المنفصل.
﴿وَلَا تَعْثَوْاْ﴾ أي: لا تفسدوا. والعَيْثُ: شدَّة الفساد، نهاهم عن ذلك، أي: لا
تعملوا في الأرض بالمعاصي (٢). يقال: عَثِيَ يَعْثَى عُثِيًّا، وعثا يَعْثُو عُثُوًّا، وعاث
يَعِيث عيثاً وعُيُوناً ومعاثاً(٣) ، والأوَّل لغةُ القرآن. ويقال: عَثَّ يَعُثُّ، في المضاعَف:
أفسد، ومنه العُثَّة: وهي السُّوسة التي تَلْحَس(٤) الصُّوف.
و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال، وتكَرَّر المعنى تأكيداً لاختلاف اللفظ. وفي هذه الكلماتِ
إياحةُ النعم وتعدادُها، والتقدُّم في المعاصي والنَّهْيُ عنها (٥).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَدمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ
لَنَا مِنَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِتَّآَبِهَا وَفُوبِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَشْتَبْدِلُونَ
الَّذِى هُوَ أَدْنَ بِلَّذِى هُوَ خَّرْ أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم ◌َّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ
عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَّةُ وَبَاءُو بِغَضَرٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِغَايَتِ
الَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبْنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ
قوله تعالى(٦): ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَبٍِ﴾ كان هذا القولُ منهم
في التِّيه حين مَلُّوا المنَّ والسَّلْوَى، وتذكَّروا عيشَهم الأوَّلَ بمصر(٧). قال الحسن:
كانوا نتَانَى (٨) أهلَ كُرَّاثٍ وأبصالٍ وأعداس، فنَزَعوا إلى عِكْرِهم عِكْرِ (٩) السُّوء،
(١) في (ز): العاشرة.
(٢) قوله: أي لاتعملوا في الأرض بالمعاصي، من (ز)، وهو في تفسير السمر قندي ١٢٣/١.
(٣) في المعاجم: عَيَثاناً بدل: مَعاثاً.
(٤) في (ظ): تلحق.
(٥) المحرر الوجيز ١٥٢/١.
(٦) في (ز) فيه سبع عشرة مسألة. الأولى قوله تعالى ...
(٧) المحرر الوجيز ١٥٣/١.
(٨) جمع نَتِّن، والذي في المعاجم أن الجمع: نَتْنَى، كسكرى.
(٩) أي: أصل وعادة. المعجم الوسيط.

١٤٣
سورة البقرة : الآية ٦١
واشتاقَتْ طِباعُهم إلى ما جَرَتْ عليه عادتُهم، فقالوا: ﴿لَن تَّصْبِرَ عَلَى طَعَاءٍ وَاحِدٍ﴾(١).
وكَنَوْا عن المنِّ والسلوى بطعام واحد، وهما اثنان؛ لأنهم كانوا يأكلون أحدهما
بالآخر، فلذلك قالوا: ((طعام واحد)).
وقيل: لتكرارهما في كل يوم غداءً(٢)، كما تقول لمن يداوٍمُ على الصوم
والصلاةِ والقراءةِ: هو على أمر واحد؛ لملازمته لذلك.
وقيل: المعنى: لن نصبرَ على الغنى فيكون جميعُنا أغنياءَ، فلا يقدر بعضُنا على
الاستعانة ببعض؛ الاستغناء كلِّ واحد منا بنفسه(٣). وكذلك كانوا، فهم أوَّلُ مَن اتخذ
العبيدَ والخَدَم.
قوله تعالى: ﴿عَ طَعَامٍ﴾ الطعام يطلقُ على ما يُطعَم ويُشرب، قال الله تعالى:
﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة: ٩٣] أي: ما شربوه من الخمر، على ما يأتي بيانه.
وإن كان السلوى العسلَ - كما حكى المؤرِّج(٤) - فهو مشروب أيضاً. وربما خُصَّ
بالطعام البُرُّ والتمرُ، كما في حديث أبي سعيد الخُذْريِّ قال: كنا نُخِرِجُ صدقةَ الفِظْر
على عهد رسولِ اللهِ وَ﴿ صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير. الحديثَ(٥) . والعُرفُ
جارٍ بأن القائل: ذهبتُ إلى سوق الطعام، فليس يُفهَم منه إلا موضعُ بيعِه دون غيرِه
مما يؤكلٌ أو يُشرب.
والطّعْم، بالفتح: هو ما يؤدِّيه الذوق، يقال: طعمه مرٍّ. والطَّعْم أيضاً: ما يُشتَهى
منه، يقال: ليس له طعم. وما فلان بذي طعم: إذا كان غَنَّا.
والطُعم، بالضم: الطعام، قال أبو خِراش:
أُرُدُّ شُجاعَ البطنِ لو تعلمينَه وأُوثِرُ غيري من عيالِكِ بالظُّغْمِ
(١) أخرجه بنحوه ابن أبي حاتم (٦٢٠).
(٢) في (م) غذاء.
(٣) مجمع البيان للطبرسي ٢٧٦/١، وتفسير البغوي ٧٨/١، والمحرر الوجيز ١٥٣/١.
(٤) تقدم ١١٩/٢.
(٥) أخرجه أحمد (١١٩٣٢)، والبخاري (١٥٠٦)، ومسلم (٩٨٥).

١٤٤
سورة البقرة : الآية ٦١
إذا الزادُ أمسى للمزَلَّج ذا طَعْم (١)
وأَغْتَبِق الماءَ القَرَاحَ فأنتهي
أراد بالأول الطعامَ، وبالثاني ما يُشْتَهى منه.
وقد طَعِمَ يَطْعَمُ، فهو طاعم: إذا أكلَ وذاق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَنْهُ
فَإِنَّهُ مِنِيَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي: مَن لم يَذُقْه. وقال: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب:
٥٣] أي: أكلتم. وقال رسول الله وَّله في زمزم: ((إنها طعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ)) (٢).
واستطعمني فلانٌ الحديثَ: إذا أرادَ أن تُحدِّثه(٣). وفي الحديث: ((إذا استطعمكم
الإمامُ فأطعموه)). خرَّجه الدار قطني(٤). يقول: إذا استفتَحَ فافتحوا عليه(٥) . وفلانٌ ما
يَطْعَم النومَ إلا قائماً. وقال الشاعر:
نَعاماً بَوجْرةَ صُفْرَ الخدو دِما تَظْعَمُ النومَ إلا صِياما (٦)
قوله تعالى: ﴿فَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُلْبِتُ آلْأَرْضُ﴾ لغةُ بني عامرٍ: ((فادعٍ))،
بكسر العين لالتقاء الساكنين(٧)، يُجرون المعتلَّ مجرى الصحيح، ولا يُراعون
(١) ديوان الهذليين ٢/ ١٢٧ - ١٢٨، والصحاح (طعم). قوله: شجاع البطن، قال ابن منظور في اللسان
(شجع): تزعم العرب أن الرجل إذا طال جوعُه تعرضت له في بطنه حية يسمونها الشجاع. ونقل عن
الأصمعي قوله: شجاع البطن: شدة الجوع. وقوله: المزلَّج، قال شارح الدیوان: الذي ليس بالمتین،
وهو الأمر الخفيف الذي ليس بكثيف، وكذلك هو أيضاً من الرجال الذي ليس بالتام، وعيش مزلَّج:
إذا كان فيه بعض النقص.
(٢) أخرجه الطيالسي (٤٥٧)، والفاكهي في أخبار مكة (١٠٨٠)، والبزار في مسنده (٣٩٢٩)، والطبراني
في الصغير (٢٩٥)، وابن عدي في الكامل ٢٣٠١/٦، والبيهقي في السنن ١٤٧/٥، من حديث أبي ذر
رضي الله عنه. وصحح إسناد البزار المنذري في الترغيب ١٦٦/٢. وجاء في صحيح مسلم (٢٤٧٣) من
حديث أبي ذر أيضاً (في قصة إسلامه): ((إنها مباركة، إنها طعام طُعْم)).
(٣) في (د) و(ظ): يحدثه، وفي (ز): نحدثه، والمثبت من (م).
(٤) قوله: خرجه الدارقطني، من (ز)، والحديث في سنن الدارقطني ١/ ٤٠٠ عن علي رضي الله عنه
موقوفاً.
(٥) الصحاح: (طعم).
(٦) البيت لبشر بن أبي خازم يهجو بني عامر، ووَجْرة: موضعٌ بين مكة والبصرة. وأورده البكري في معجم
ما استعجم ٥٠٤/٢، والتبريزي كما في شروح سقط الزند ١٤٧٢/٤، وروايته عندهما:
وٍ لا تطعم الماء إلا صياماً
نعاماً بخطمة صُعْرَ الخدو
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٣١/١.

١٤٥
سورة البقرة : الآية ٦١
المحذوف. و((يُخرجْ)) مجزومٌ على معنى: سلْه وقل له: أَخْرِجْ، يُخْرِجْ. وقيل: هو
على معنى الدعاءِ على تقدير حذفِ اللام، وضعَّفه الزجَّاج(١) . و((مِن)) في قوله:
((مما)) زائدةٌ في قول الأخفش(٢)، وغيرُ زائدةٍ في قول سيبويه، لأن الكلام
موجبٌ(٣). قال النحاس(٤): وإنما دعا الأخفشُ إلى هذا لأنه لم يجد مفعولاً لـ
(يُخرِجْ))، فأراد أن يجعل ((ما)) مفعولاً، والأَوْلَى أن يكون المفعولُ محذوفاً دلَّ عليه
سائرُ الكلام، التقدير: يُخْرِجْ لنا مما تُنبت الأرضُ مأكولاً. ف(مِن)): الأولى على هذا
للتبعيض، والثانية للتخصيص. و((مِنْ بَقْلِهَا)) بدلٌ من ((ما)) بإعادة الحرف. ((وَقِنَّائِهَا))
عطفٌ عليه، وكذا ما بعدَه فاعلمه.
والبَقْلُ معروف، وهو كلُّ نباتٍ ليس له ساق. والشجر: ماله ساق. والقِتَّاء أيضاً
معروفٌ، وقد تُضمُّ قافُه، وهي قراءةُ يحيى بنٍ وتَّاب وطلحةَ بنِ مُصَرِّف(٥) ، لغتان
والكسرُ(٦) أكثر. وقيل في جمع قِثَّاء: قَثائِي، مثلُ عِلْباء وعلابي، إلا أنَّ قِثَّاء من
ذوات الواو (٧) ، تقول: أقئأْتُ القوم (٨)، أي: أطعمتُهم ذلك.
وفئأتُ القِدْرَ سكَّنْتُ غليانَها بالماء، قال الجَعْدِيُّ:
ونَفْئَؤُها عنَّا إذا حميها غلا (٩)
تَفورُ علینا قدرُهم فنُدیمُها
وفئأْتُ الرجلَ: إذا كسرتَه(١٠) عنك بقولٍ أو غيره وسكّنْتَ غَضَبَه. وعدا حتى
(١) معاني القرآن للزجاج ١٤٢/١.
(٢) معاني القرآن للأخفش ١/ ٢٧٢.
(٣) الكتاب ٣٨/١.
(٤) إعراب القرآن ٢٣١/١.
(٥) المحتسب ٨٧/١، والقراءات الشاذة ص٦، وإعراب القرآن للنحاس ٢٣١/١، والمحرر الوجيز ١٥٣/١.
(٦) في (د) و(ظ): وبالكسر.
(٧) كذا قال. وهو سبقُ قلم منه رحمه الله، فإنه يريد أن يقول: من ذوات الهمزة، كما هو في إعراب القرآن
للنحاس ٢٣١/١، وقد نقل الكلام عنه. ثم إن الأمثلة التي أوردها المصنف بعد ذلك، دليل على أن
لفظة ((قِثّاء)) عنده من ذوات الهمزة، لا من ذوات الواو. وعندئذ؛ فلا حاجةً للمبالغة في توهيم المصنف
رحمه الله، كما فعل السمين الحلبي في الدر المصون ١/ ٣٩٣.
(٨) في (ظ): الخيل.
(٩) لم يجود البيت في النسخ، وهو في ديوانه ص١١٨، والمجمل ٧١٢/٣، والصحاح: (فئأ).
(١٠) في (ز): إذا دفعته عنك وكسرته.

١٤٦
سورة البقرة : الآية ٦١
أفئأ، أي: أعيا وانبهر. وأفئأ الحَرُّ، أي: سكّن وفَتَر. ومن أمثالهم في اليسير من البِرِّ
قولُهم: إن الرَّئيئةَ تفئأ الغضب(١). وأصلُه أن رجلاً كان غَضِبَ على قوم، وكان مع
غضبه جائعاً، فسَقوه رئيئة، فسكن غضبُه، وكفَّ عنهم (٢). الرثيئة: اللبن المحلوب
على الحامض لِيخْثُر. رَثَأْتُ اللبن رثّاً: إذا حلبتَه على حامض فخثَر، والاسم الرئيئة.
وازْتَئاً اللبن: خَثَر(٣).
وروى ابن ماجه(٤) : حدَّثنا محمد بنُ عبد الله بنِ نُمير، حدثنا يونس بنُ بُکیر،
حدَّثنا هشام بنُ عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت أمِّي تعالجُني للسِّمْنَة، تريدُ
أن تُدْخِلَني على رسول الله وَّ، فما استقامَ لها ذلك حتى أكلْتُ القِنَّاء بالرُّطَب،
فسمنت كأحسَن سِمْنة. وهذا إسنادٌ صحيح.
قوله تعالى: ﴿وَنُوبِهَا﴾: اختُلف في الفُوم، فقيل: هو الثُّوم؛ لأنه المُشاكِلُ
للبصل. رواه جُوَيْبِر(٥) عن الضحاك(٦). والثاء تُبدَل من الفاء، كما قالوا: مَغافير
ومَغاثير. وجَدَث وجَدَف للقبر. وقرأ ابنُ مسعود: ((ثومها)» بالثاء المثلثة، ورُوي ذلك
عن ابن عباس (٧) .
وقال أمَيَّة بنُ أبي الصلْت:
كانت منازلُهم إذْ ذاك ظاهرةً فيها الفَرَادِيسُ والفُومانُ والبَصل(٨)
الفراديس: واحدها فرديس(٩) . وكَرْم مُفَرْدَس، أي: معرَّش.
(١) في (م): في الغضب.
(٢) الصحاح (فثأ).
(٣) الصحاح: (رثأ)، وقد استطرد المصنف في مادة: فثأ، بعد إيراده الشاهد، ثم أورد مادة: رثأ،
لارتباطها بها لفظاً ومعنّى.
(٤) في سننه (٣٣٢٤).
(٥) في (د) و(ظ): جبير.
(٦) المحرر الوجيز ١٥٣/١.
(٧) القراءات الشاذة لابن خالويه ص٦، والمحتسب ٨٨/١.
(٨) ديوانه ص٩٨. قال ابن منظور في اللسان (فوم): ويُروى: الفراريس، وهو البصل، وقُومان جمع ◌ُوم.
(٩) كذا في النسخ، والذي في معاجم اللغة أن واحد الفراديس: فردوس.

١٤٧
سورة البقرة : الآية ٦١
وقال حسَّان:
وأنتم أناسٌ لئامُ الأصول طعامُكُم الفُومُ والحَوْقَلُ(١)
يعني: الثوم والبصل، وهو قولُ الكِسائي(٢) والنَّصْرِ بنِ شُمَيْل.
وقيل: الفُومُ: الحنطة، رُوي عن ابن عباس أيضاً وأكثرِ المفسرين(٣)، واختاره
النحاس؛ قال: وهو أوْلى، ومن قال به أعلى، وأسانيدُه صحاحٌ، وليس جُوَيْبر بنظيرٍ
لروايته، وإن كان الكسائيُّ والفرَّاء قد اختارا القول الأول؛ لإبدال العرب الفاءً من
الثاء(٤) . والإبدالُ لا يقاس عليه، وليس ذلك بكثير في كلام العرب.
وأنشد ابنُ عباس لمن سألَه عن الفوم وأنه الحنطةُ قولَ أحيحة بن الجُلَاح(٥) .
قد كنتُ أغنى الناس شخصاً واحداً (٦)
ورَدَ المدينة عن زراعة فُوِم (٧)
وقال أبو إسحاقَ الزجاج(٨): وكيف يطلب القومُ طعاماً لا بُرَّ فيه، والبرُّ أصلُ
الغذاء! وقال الجوهريُّ أبو نصر(٩): الفوم الحنطة. وأنشد الأخفش:
قد كنت أحسَبُني كأغنى واحدٍ (١٠) نزلَ المدينةَ عن زراعة قُومٍ (١١)
(١) لم نقف عليه، وأورده ابن عادل الحنبلي في اللباب ٢/ ١١٧.
(٢) النكت والعيون للماوردي ١٢٩/١، والتفسير الكبير للفخر الرازي ١٠٠/٣.
(٣) المحرر الوجيز ١٥٣/١، وأخرج قول ابن عباس الطبري في التفسير ٢/ ١٧.
(٤) معاني القرآن للفراء ٤١/١.
(٥) ويكنى أبا عمرو، كان سيد الأوس في الجاهلية، وكانت سلمى بنت عمرو أمّ عبد المطلب تحته، ثم
تزوجها هاشم، وكان كثير المال شحيحاً يبيع بيع الربا بالمدينة. الخزانة ٣٥٧/٣.
(٦) في (م): واجداً، وهو تحريف .
(٧) أخرجه الطبري ١٨/٢، من طريق نافع بن أبي نعيم عن ابن عباس، ونافع لم يدرك ابن عباس، وأورده
ابن عطية في المحرر الوجيز ١٥٣/١.
(٨) معاني القرآن ١/ ١٤٣.
(٩) الصحاح: (فوم).
(١٠) في (م) و(ظ): واجد، وهو تحريف.
(١١) رواية أخرى أخرجها الطبراني في الكبير (١٠٥٩٧) مطولة، من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن
عباس، ونُسب البيت فيها لأبي ذؤيب الهذلي بلفظ: قد كنت تحسبني كأغنى وافد ... ونُسب في
الأغاني ٢/١٩، واللسان (فوم) لأبي محجن. وهو في الصحاح (فوم) والمحتسب ٨٨/١ دون نسبة.

١٤٨
سورة البقرة : الآية ٦١
وقال ابن دُرَيد: الفُومة السُّنْبلة، وأنشد:
وقال رَبِيئهم لمَّا أتانا بِكَفِّهِ فُومةٌ أو فُومتان(١)
والهاء في ((كَفِّه) غيرُ مُشبعة(٢).
وقال بعضهم: الفُومِ: الحِمَّص، لغةٌ شاميَّة. وبائعه: فاميٌّ، مغيَّر عن فُوميّ؛
لأنهم قد يغيِّرون في النسب، كما قالوا: سُهْليّ ودُهْرِيّ(٣). ويقال: فَوِّموا لنا، أي:
اختَِزوا. قال الفرَّاء(٤): هي لغةٌ قديمة. وقال عطاء وقتادةُ: الفُوم كلُّ حبٍّ يُخْتَبز(٥).
مسألة: اختلف العلماء في أكل البصل والثوم، وماله رائحةٌ كريهة من سائر البقول:
فذهب جمهور العلماء إلى إباحة ذلك، للأحاديث الثابتة في ذلك.
وذهبت طائفةٌ من أهل الظاهر - القائلين بوجوب الصلاة في الجماعة فَرْضاً - إلى
المنع، وقالوا: كلُّ ما مَنَع من إثْيانِ الفرضِ والقيام به فحرامٌ عملُه والتشاغلُ به.
واحتجُوا بأن رسولَ اللهِ وَل﴿ِ سمَّاها خبيثة(٦) ، والله عزَّ وجل قد وصفَ نبيّه عليه
السلام بأنه يُحرِّمُ الخبائثَ.
ومن الحجَّة للجمهور ما ثبتَ عن جابر أنَّ النبيَّ وَ﴿ أُتِيَ بقِدْرٍ فيه خَضِراتٌ من
بُقول، فوجَدَ لها ريحاً، قال: فأُخبر بما فيها من البقول، فقال: ((قَرِّبُوها))؛ إلى بعض
أصحابه كان(٧) معه، فلما رآه كَرِهَ أَكْلَها، قال: (كُلْ، فإِنِّي أُناجي مَنْ لا تُناجي)).
أخرجه مسلمٌ وأبو داودَ(٨) . فهذا بَيِّنٌ في الخصوص له والإباحةِ لغيره.
(١) جمهرة اللغة ١٦٠/٣، والصحاح (فوم). الربيئة: الطليعة التي ترقب العدو من مكان عال لئلا يدهم
قومه. المعجم الوسيط.
(٢) أي: غير مشبعة الحركة، وقال ابن دريد في جمهرة اللغة: خفف الهاء غير مشبع. هكذا لغته.
(٣) نسبة إلى السهل والدهر. مختار الصحاح (دهر).
(٤) معاني القرآن ٤١/١، ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح (فوم).
(٥) المحرر الوجيز ١٥٣/١، وأخرجه الطبري ١٦/٢.
(٦) كما في المسند (١١٠٨٤)، وصحيح مسلم (٥٦٥)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً:
((مَنْ أكلَ من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً، فلا يقربنًا في المسجد)) وسيذكر المصنف قطعة منه قريباً.
(٧) في (ز): ممن كان معه، وفي (ظ): الصحابة كان معه.
(٨) صحيح مسلم (٥٦٤)، وسنن أبي داود (٣٨٢٢). وهو عند البخاري (٨٥٥). ووقع عند أبي داود وفي
رواية البخاري (٧٣٥٩): ببدر، بدل: بقدر. قال النووي في شرح صحيح مسلم ٥٠/٥: وهو
الصواب، وفُسّر البدرُ بالطبق لاستدارته کاستدارة البدر.

١٤٩
سورة البقرة : الآية ٦١
وفي صحيح مسلم (١) أيضاً عن أبي أيوبَ أن النبيَّ وَّهِ نزل على أبي أيوب، فصنعَ
النبيِّ وَ ﴿ طعاماً فيه ثُومَّ، فلما رُدَّ إليه سأل(٢) عن موضع أصابع النبيِّ وَّرِ، فقيل له: لم
يأكل. ففَزِعَ وصَعِدَ إليه، فقال: أحرامٌ هو؟ قال النبيُّ وَِّ: ((لا، ولكني أكْرَهُه)). قال:
فإني أكره ما تكرهُ - أو ما كرهتَ - قال: وكان النبيُّ وَّه يُؤْنَى، يعني: يأتيه الوحيُّ.
فهذا نصٌّ على عدم التحريم. وكذلك ما رواه أبو سعيد الخُدْرِيُّ عن النبيِّ وَله
حين أكلُوا الثُّوم زمنَ خَيْبَر وفَتْحِها: ((أيها الناسُ، إنه ليس لي تحريمُ ما أحلَّ الله،
ولكنها شجرةٌ أكرهُ رِيحَها))(٣) .
فهذه الأحاديثُ تُشعرُ بأنَّ الحكمَ خاصٌّ به، إذْ هو المخصوصُ بمناجاة الملَك.
لكن قد عَلِمْنا(٤) هذا الحكم في حديث جابر بما يقتضي التسويةَ بينه وبين غيره في
هذا الحكم حيث قال: ((مَنْ أكلَ مِنْ هذه البَقْلةِ الثُّوم - وقال مرةً: مَنْ أكلَ البصلَ
والثُّومِ والكُرَّاث - فلا يَقْرَبَنَّ مسجدَنا، فإن الملائكة تَتَأْذَّى مما يَتَأْذَّى منه بنو
آدم))(٥). وقال عمر بنُ الخطاب رضي الله عنه في حديثٍ فيه طُول: إنكم أيها
الناسُ، تأكلون شجرتين لا أُراهما إلا خَبيئَتَيْن، هذا البصلُ والُّومُ، ولقد رأيتُ
رسولَ الله ◌َ﴿ إذا وَجَدَ رِيحَهما من الرجل في المسجد، أَمر به، فأخْرِج إلى البقيع،
فَمَن أكلَهما فَلْيُمِتْهما طَبْخاً. خرَّجه مسلم (٦) .
قوله تعالى: ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ العدس معروف. والعَدَسَةُ: بَثْرَةٌ تخرجُ
بالإنسان (٧) ، وربما قَتَلَتْ. وعَدَسْ: زَجْرٌ للبغال، قال:
عَدَسْ ما لِعبَّادٍ عليكِ إمارةٌ نَجوْتٍ وهذا تَحملين طَلِيقٌ(٨)
(١) (٢٠٥٣)، وهو عند أحمد (٢٣٥١٧).
(٢) في (د): سألوه، وفي (ظ): سأله.
(٣) صحيح مسلم (٥٦٥).
(٤) في (ز): علل، وفي (ظ) علمنا علل.
(٥) أخرجه أحمد (١٥١٥٩)، ومسلم (٥٦٤).
(٦) برقم (٥٦٧)، وهو عند أحمد (٨٩)، والبحث بتمامه في التمهيد ٤١٢/٦ - ٤٢٠.
(٧) في النسخ: بالأسنان، والمثبت من (م).
(٨) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري، وهو في ديوانه ص١١٥، والخزانة ٣٣٣/٤، و٤١/٦، ٤٢، ٤٨،
٣٨٨، وفي بعض رواياته: أمنت، بدل، نجوت. وعبَّاد المذكور في البيت: هو ابنُ زياد بن أبي سفيان.

١٥٠
سورة البقرة : الآية ٦١
والعَدْس: شِدَّةُ الوَظْء، والكَذْحُ أيضاً، يقال: عَدَسَهُ. وعَدَسَ في الأرض: ذهب
فيها. وعَدَسَتْ إليه المنيَّةِ، أي: سارت، قال الكُمَيْت:
أُكَلِّفُها هَوْلَ الظلامِ ولم أزَلْ أخا الليلِ مَعْدُوساً إليَّ وَعادِسا (١)
أي: يُسارُ إليَّ بالليل. وعَدَسْ: لغة في حَدَس. قاله الجوهري(٢) .
ويؤثَرُ عن النبيِّ وَّهِ من حديث عليٍّ أنه قال: ((عليكم بالعَدَس، فإنه مبارَكٌ مُقَدَّس،
وإنه يُرقِّق (٣) القلب، ويُكْثِرُ الدَّمعة، فإنه بارك فيه سبعون نبيًّا آخِرُهم عيسى بنُ مريمَ))
ذكره الثعلبيُّ وغيرُه(٤) . وكان عمر بن عبد العزيز يأكل يوماً خبزاً بزيت، ويوماً
بلحم(٥)، ويوماً بعَدَس. قال الحليميُّ (٦) : والعدسُ والزيت طعامُ الصالحين، ولو لم
يكن له فضيلةٌ إلا أنه ضيافةُ إبراهيم عليه السلام في مدينته لا تخلو منه، لكان فيه كفايةٌ.
وهو مما يُخفِّفُ البدنَ فيخِفُّ للعبادة، ولا تثورُ منه الشهواتُ كما تثور من اللحم.
والحِنْطةُ من جملة الحبوب، وهي الفُومُ على الصحيح، والشعيرُ قريبٌ منها،
وكان طعامَ أهلِ المدينة، كما العَدَسُ(٧) من طعام قريةِ إبراهيمَ عليه السلام، فصارَ
لكلِّ واحد من الحبتين بأحد النبيَّين عليهما السلام فضيلةٌ.
وقد رُوي أن النبيَّ وَ﴿ لم يَشْبعْ هو وأهلُه من خُبْزِ بُرِّ ثلاثةَ أيام متتابعة منذ قَدِمَ
المدينة إلى أن تَوقَّه الله عزَّ وجلَّ (٨).
(١) ديوانه ص٢٤٦، وإعراب القرآن للنحاس ٢٤٣/١.
(٢) الصحاح: (عدس).
(٣) في (م): يُرقّ .
(٤) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ١٩٧/٢، ثم روى عن ابن المبارك أنه أنكره، وقد روي هذا
الحديث من طرق أخرى لا يعتدّ بها. وينظر شعب الإيمان ١٠٢/٥ وتنزيه الشريعة ٢٤٤/٢، والمنار
المنيف ٥٢/١.
(٥) في (د): بملح.
(٦) الحسين بن الحسن البخاري الشافعي، أبو عبد الله القاضي، رئيس المتحدثين والمتكلمين بما وراء
النهر، له مصنفات نفيسة، توفي سنة (٤٠٣ هـ). السير ٢٣١/١٧. وكلامه في المنهاج في شعب الإيمان
له ٥٩/٣.
(٧) في (م): كما كان العدس.
(٨) أخرجه أحمد (٢٤١٥١)، والبخاري (٥٤١٦) (٦٤٥٤)، ومسلم (٢٩٧٠) من حديث عائشة رضي الله عنها.

١٥١
سورة البقرة : الآية ٦١
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَشْتَبْلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْفَ بِلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾؛ الاستبدال: وضعُ
الشيء موضعَ الآخَرِ، ومنه البَدَلُ، وقد تقدَّم(١) .
و((أدْنَى)) مأخوذ - عند الزجاج(٢) - من الدُّنُوِّ، أي: القُرْبِ في القيمة، من قولهم:
ثَوْبٌ مُقارِبٌ، أي: قليل الثمن. وقال علي بن سليمان(٣): هو مهموزٌ، من الدَّنيء
البيِّنِ الدناءة، بمعنى الأَخَسّ، إلا أنه خُفِّفَت همزتُه. وقيل: هو مأخوذ من الدُّون،
أي: الأَحَطِّ، فأصله: أَدْوَن، أفْعَل، قُلب فجاء: أفْلَع، وحُوَّلَتْ الواو ألفاً لتطرُّفها.
وقُرئ في الشَّواةِ ((أدنا))(٤).
وهذا من قول موسى عليه السلام لهم. وذلك لما قالوا: ((ادعُ لنا ربَّك)) الآية،
غضبَ عليهم، وقال: أتستبدلون الرديءَ من الطعام بالذي هو خير، يعني: بالشريف
الأعلى، والمعنى واحد(٥) ومعنى الآية: أتستبدلون البَقْلَ والقِئَّاءَ والفُومَ والعدس
والبصل الذي هو أدنى بالمنّ والسَّلْوَى الذي هو خير.
واختُلِف في الوجوه التي تُوجِبُ فضل المنِّ والسَّلوى على الشيء الذي طلبوه،
وهي خمسةٌ :
الأوّل: أنَّ البقول لمَّا كانت لا خطَرَ لها بالنسبة إلى المنِّ والسَّلْوَى، كانا أفضل.
قاله الزَّجَّاج.
الثاني: لمَّا كان المنُّ والسَّلْوَى طعاماً مَنَّ الله به عليهم وأمرَهم بأكله، وكان في
استدامة أمْرِ الله وشكرِ نعمتِه أجرٌ وذخرٌ في الآخرة، والذي طلبوه عارٍ من هذه
الخصال(٦) ، كان أدنى في هذا الوجه.
الثالث: لمَّا كان ما مَنَّ اللهُ به عليهم أطيبَ وألذًّ من الذي سألوه كان ما سألوه
(١) ١٣٢/٢.
(٢) معاني القرآن له ١٤٣/١ - ١٤٤.
(٣) هو أبو الحسن الأخفش الأصغر.
(٤) المحرر الوجيز ١٥٣/١ (والكلام منه). ونسب القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦، وابن جني
في المحتسب ٨٨/١ لزهير الفرقبي.
(٥) من قوله: وهذا من قول موسى ... إلى هذا الموضع، من (ز)، وهو في تفسير السمر قندي ١/ ١٢٣.
(٦) في (م): الخصائل.

١٥٢
سورة البقرة : الآية ٦١
أدنى من هذا الوجه لا محالة.
الرابع: لمَّا كان ما أُعْطُوا لا كُلْفَةَ فيه ولا تعب، والذي طلبوه لا يجيء إلا
بالحرثِ والزراعة والتعب، كان أدنى.
الخامس: لمَّا كان ما ينزل عليهم لا مِرْيَةَ في حِلُّه وخُلُوصِه؛ لنزوله من عند الله،
والحبوبُ والأرضُ يتخلَّلُها البيوع والغُصوب وتدخلُها الشُّبَهُ، كانت أذْنَى من هذا
الوجه (١) .
مسألة: في هذه الآية دليلٌ على جواز أكل الطَّيبات والمطاعم المستلَذَّات(٢)،
وكان النبيُّ وَّهِ يُحبُّ الحَلْوى والعسل(٣)، ويشرب الماء البارد العَذْب (٤)، وسيأتي
هذا المعنى في ((المائدة)) و((النحل)) إن شاء الله مستوفى(٥) .
قوله تعالى: ﴿أَهْبِطُواْ مِصْرًا﴾ تقدَّم معنى الهبوط(٦)، وهذا أمرٌ معناه التعجيزُ،
كقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠]؛ لأنهم كانوا في التِّيه، وهذا
عقوبةٌ لهم. وقيل: إنهم أُغطوا ما طلبوه (٧) .
(١) المحرر الوجيز ١٥٣/١ - ١٥٤.
(٢) في (ز): المستلذات إذا كانت من وجه حل.
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٣١٦)، والبخاري (٥٤٣١)، ومسلم (١٤٧٤)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٤) أخرج أحمد (١٢٤٣٨)، والبخاري (١٤٦١)، ومسلم (٩٩٨) (٤٢)، عن أنس بن مالك رضي الله عنه
أن رسول الله وَلو كان يدخل بَيْرُحاء. وهو بستان لأبي طلحة. ويشرب من ماء فيها طيب.
وأخرج أحمد (٢٤٦٩٣)، وأبو داود (٣٧٣٥)، والحاكم ١٣٨/٤ وصححه: عن عائشة رضي الله عنها
أن رسول الله * كان يُستقى له الماء العذب من بيوت السقيا. وجوَّد إسناده الحافظ ابن حجر في فتح
الباري ١٠/ ٧٤.
وأخرج أحمد (٢٤١٠٠)، والترمذي (٢٨٩٥)، والحاكم ١٣٧/٤، من طريق الزهري، عن عروة، عن
عائشة: كان أحبُّ الشراب إلى رسول الله وَ ل# الحلو البارد. وصححه الحاكم، وأخرجه الترمذي
(١٨٩٦)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٩٥٨٣) عن الزهري عن النبي صل مرسلاً، قال الترمذي: وهذا
أصح، وقال الدارقطني في العلل ٥ ورقة ٢٨ : المرسل أشبه بالصواب.
(٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلا ◌َيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٨]، وقوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَآءُ
لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩].
(٦) عند قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا أَهْبِطُواْ﴾ [الآية: ٣٦]٤٧٤/١.
(٧) تفسير الطبري ٢١/٢.

١٥٣
سورة البقرة : الآية ٦١
و((مِصْراً)) بالتنوين مُتَكَّراً قراءةُ الجمهور، وهو خطّ المصحف (١) . قال مجاهد
وغيرُهُ ممن(٢) صَرَفها: أراد مِضْراً من الأمصار غيرَ معيَّن(٣). وروى عكرمةُ عن ابن
عباس في قوله: ((اهْبِطُوا مِضْراً)) قال: مِضْراً من هذه الأمصار(٤) . وقالت طائفة ممن
صَرَفها أيضاً: أراد مِصْرَ فرعونَ بعينها(٥) .
استدلَّ الأوَّلون بما اقتضاه ظاهرُ القرآن من أمرهم دخولَ القرية، وبما تظاهرَتْ
به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التِّيه. واستدلَّ الآخرون بما في القرآن من أن الله
أوْرَثَ بني إسرائيل ديارَ آل فرعونَ وآثارَهم، وأجازُوا صَرْفَها. قال الأخفش
والكسائيُّ: لخفَتِها وشَبَهها بِهِنْد ودَعْد(٦) ، وأنشد سيبويه(٧):
لم تَتَلفَّعْ بفضل مِثْزَرِها دَعْدٌ ولم تُسْقَ دَعْدُ في العُلَبِ(٨)
فجمَعَ بين اللغتين، وسيبويه والخليلُ والفرَّاءُ لا يُجيزون هذا(٩) ؛ لأنك لو
سَمَّيتَ امرأةً بزيد لم تَصرف.
وقال غير الأخفش: أراد المكانَ فصَرَف.
وقرأ الحسن وأَبَان بن تَغْلِب وطلحة: ((مصر)) بترك الصرف(١٠) . وكذلك هي في
مصحف أبيٍّ بنِ كعب وقراءةٍ ابن مسعود (١١). وقالوا: هي مصرُ فرعون. قال أشهب قال
(١) تفسير الطبري ٢٥/٢، والمحرر الوجيز ١٥٤/١.
(٢) في (د) و(م): فمن.
(٣) أخرجه الطبري ٢٢/٢، وهو في المحرر الوجيز ١٥٤/١.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٦٢٢).
(٥) تفسير الطبري ٢٣/٢، والمحرر الوجيز ١٥٤/١.
(٦) معاني القرآن للأخفش ٢٧٣/١، وقول الكسائي ذكره النحاس في إعراب القرآن ٢٣٢/١، وابن عطية
في المحرر الوجيز ١٥٤/١.
(٧) قوله: سيبويه من (ز)، وهو في الكتاب ٢٤٧/٣.
(٨) البيت لجرير، وهو في ديوانه ١٠٢١/٢، وفيهما: تُغْذَ، بدل: تُسْقَ. والعُلْبة: جمع حُلَب، وهي كهيئة
القصعة من جلد. انظر متن اللغة (علب).
(٩) الكتاب ٢٤٢/٣، والعين للخليل ٧/ ١٢٣، ومعاني القرآن للفراء ٤٢/١.
(١٠) في (ز): وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وطلحة بن مصرّف بترك الصرف، وقد ذكر هذه القراءة ابن خالويه
في القراءات الشاذة ص ٦ ونسبها للأعمش، وأوردها ابن عطية في المحرر الوجيز ١٥٤/١ عن الحسن
وأبان بن تغلب .
(١١) تفسير الطبري ٢٥/٢، والمحرر الوجيز ١٥٤/١، وتفسير الرازي ١٠٠/١.

١٥٤
سورة البقرة : الآية ٦١
لي مالك: هي عندي مصر قريتك مسكنُ فرعون؛ ذكره ابن عطية(١) . والمِصر أصله في
اللغة: الحدُّ، ومِصرُ الدَّار: حدودُها. قال ابن فارس(٢): ويقال: إن أهل هجر يكتبون
في شروطهم: اشترى فلان الدار بِمُصُورها، أي: حُدودِها؛ قال عَدِيّ(٣):
وجاعلُ الشَّمْسِ مِصْراً لا خفاءَ به بين النهارِ وبين الليلِ قد فَصَلا
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُهُ﴾ ((ما)) نُصِب بإنَّ. وقرأ ابنُ وَثَّاب والنَّخَعيُّ:
((سألتم)) بكسر السين، يقال: سألت، وسِلت، بغير همز. وهو من ذوات الواو، بدليل
قولهم: يتساولان(٤). ومعنى ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اٌلِلُّ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أي: أُلزِمُوهُما، وقُضِيَ
عليهم بهما، مأخوذٌ من ضرب القباب(٥) ، قال الفرزدق في جرير :
وقَضَى عليك به الكتابُ المُنْزَلُ(٦)
ضَربتْ عليك العنكبوتُ بنَسْجھا
وضرب الحاكم على اليد، أي: حمل وألزم.
والذِّلة: الذُّلُّ والصغار. والمسكنة: الفقر، فلا يوجد يهوديٌّ وإن كان غَنِيًّا خالياً
من زِيِّ الفقر وخضوعِه ومهانته(٧). وقيل: الذلة: فرضُ الجزية، عن الحسن
وقتادة(٨)، والمسكنة: الخضوع، وهي مأخوذة من السكون، أي: قلَّل الفقر حركته،
قاله الزجاج(٩). وقال أبو عبيدة: الذِّلة: الصَّغار، والمسكنةُ: مصدر المسكين (١٠).
(١) المحرر الوجيز ١٥٤/١.
(٢) مجمل اللغة ٣/ ٨٣٣.
(٣) في ديوانه ص١٥٩، والصحاح: (مصر)، والمجمل ٨٣٣/٣.
(٤) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٧. وقال ابن جني في المحتسب ٨٩/١: وفيه نظر، ..
فقراءتهما (سألتُم) مكسورةً مهموزةً، غريبٌ. والصنعة في ذلك: أن في سأل لغتين: سِلْتَ تَسّال،
کخفت تخاف، وسألتَ تَسأل، كسبحت تسبح. فإذا أسندت الفعل إلى نفسك قلت على لغة الواو:
سِلْتُ، کخفت، وهي من الواو.
(٥) المحرر الوجيز ١٥٤/١، ومجمع البيان ١/ ٢٧٢.
(٦) ديوانه ص ٧١٥، وذكره الطبرسي في مجمع البيان ٢٧٢/١.
(٧) المحرر الوجيز ١٥٤/١.
(٨) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٤٧، والطبري ٢٦/٢، وأورده ابن عطية في المحرر الوجيز ١٥٥/١.
(٩) معاني القرآن ١٤٤/١.
(١٠) مجاز القرآن ٤٢/١.

١٥٥
سورة البقرة : الآية ٦١
وروى الضَّحاك بنُ مُزاحم عن ابن عباس: ((وضُرِبَتْ عليهم الذِّلةُ والمسكنةُ)) قال: هم
أصحاب القَبَالات(١) .
قوله تعالى: ﴿وَبَاءُو﴾ أي: انقلبوا ورجعوا، أي: لزمهم ذلك. ومنه قوله عليه
السلام في دعائه ومناجاته: ((أَبُوءُ بنعمتك عَلَيَّ))(٢) أي: أُقِرُّ بها وأُلزمها نفسي. وأصله
في اللغة الرجوع، يقال: باء بكذا، أي: رَجَع به، وباء إلى المَبَاءة - وهي المنزل -
أي: رجع، والبَوَاء: الرجوع بالقَوَد(٣)، وهُم في هذا الأمر بَوَاءٌ، أي: سواء،
يرجعون(٤) فيه إلى معنى واحد. وقال الشاعر:
ألا تَنْتَهِي عنَّا ملوٌ وتَتَّقِي مَحارِمَنا لا يَبُؤِ (٥) الدَّمُ بالدَّمِ(٦)
أي: لا يرجع الدَّم بالدم في القَوَد. وقال:
فآبُوا بالنِّهابِ وبالسَّبايا وأُبْنَا بالملوكِ مُصَفَّدِينا(٧)
أي: رَجَعوا وَرَجَعنا. وقد تقدَّم معنى الغضبِ في الفاتحة(٨).
قوله تعالى ﴿ذَلِكَ﴾ ((ذلك)) تعليل. ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُونَ﴾ أي: يكذّبون ﴿َِايَتِ
اللَّهِ﴾ أي: بكتابه ومعجزاتٍ أنبيائه، كعيسى ويحيى وزكريًّا ومحمدٍ عليهم السلام.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٩٥، وقال عقبه: يعني أصحاب القبالات أصحاب الجزية.
(٢) قطعة من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه أخرجه أحمد (١٧١١١)، والبخاري (٦٣٠٦).
(٣) في (ز) و(ظ): بالعود.
(٤) في النسخ: لا يرجعون.
(٥) في (م): لا يبؤؤ، ولم تجوَّد اللفظة في (د) و(ز)، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمصادر.
(٦) نسبه سيبويه في الكتاب ٩٥/٣، والأخفش الأصغر في الاختيارين ص٣٣٣ لجابر بن حُنّيّ التغلبي،
وسماه الشنتمري في تحصيل عين الذهب ص٤٢١ جابر بن جبير. ووقع في تهذيب اللغة ٥٩٨/١٥،
واللسان (بوأ): لا يُبْأءُ، وذكر محقق الكتاب رواية: لا يَبْؤؤُ، بترك الإعلال، وذكر محقق الكامل
٧٧٦/٢ أن في إحدى نسخه: لا يَبْؤُمِ، وعليه علامة الصحة.
(٧) البيت لعمرو بن كلثوم، وهو في معلقته بشرح ابن كيسان ص ١٠٠، وشرح السبع الطول ص ٤١٢. وذكر
السمين الحلبي في الدرّ المصون ١/ ٣٩٧ أن إيراد هذا البيت وهم، قال: لأن هذا البيت من مادة آب
يؤوب، فمادته من همزة، وواو، وباءٍ، و((باءً) من باءٍ، وواوٍ، وهمزة، وادِّعاء القلب فيه بعيد؛ لأنه لم
يُعهد تقدم العين واللام معاً على الفاء في مقلوب، وهذا من ذاك.
(٨) ١/ ٢٣٠ -٢٣١.

١٥٦
سورة البقرة : الآية ٦١
﴿وَيَقْتُونَ النَّبْنَ﴾ معطوفٌ على ((يكفرون)). ورُوِيَ عن الحسن: ((يُقَتِّلُون))(١)،
وعنه أيضاً كالجماعة. وقرأ نافع ((النَّبِيئين)) بالهمزة حيث وَقَع في القرآن إلا في
موضعين في سورة الأحزاب: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِّ إِنْ أَرَادَ﴾ [الآية: ٥٠] و﴿لَا نَدْخُلُوا
بُيُوتَ النَِّّ إِلََّ﴾ [الآية: ٥٣] فإنه قرأ بلا مَدِّ ولا هَمْز، وإنما تَرَك هَمْزَ هذين لاجتماع
همزتين مكسورتين، وتَرَكَ الهمزَ في جميع ذلك الباقون(٢). فأمَّا مَن هَمَزَ فهو عنده مِن
((أنباً)): إذا أخبر، واسم فاعله مُنْبئ(٣). ويُجمع نبيء: أنبناء.
وقد جاء في جمع نبيٍّ: نُباء، قال العباس بن مِرْدَاس السلميُّ يمدح النبيَّ ◌َّ:
يا خاتم النّبآء إنك مُرْسَلٌ بالحقِّ كلُّ هُدَى السبيلِ هُداكا(٤)
هذا معنی قراءة الهمز.
واختلَفَ القائلون بترك الهمز، فمنهم من اشتقَّ اشتقاق مَنْ هَمَز، ثم سهَّل الهمز.
ومنهم من قال: هو مشتقٌّ من نَبَا يَنْبُو: إذا ظهر. فالنبيُّ من النَّبْوَة، وهو الارتفاع،
فمنزلةُ النبيِّ رفيعة. والنبيُّ بترك الهمز أيضاً: الطريقُ، فسُمِّيَ الرسول نَبِيّاً لاهتداء
الخَلْقِ به، كالطريق(٥)، قال الشاعر(٦):
لأصبح رَثْماً دُقاقُ الحَصَى
مكانَ النبيِّ من الكائِبِ(٧)
(١) كذا وقع في النسخ الخطية، وضبطها ناسخ (ز) بضم الياء وكسر التاء قبل اللام، وهذا مخالف لما
صرَّح به ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ١٥٥، وأبو حيَّان في البحر ٢٣٦/١ أنها بالتاء على الرجوع
إلى خطابهم. أما قراءة: يُقَتِّلُون، بالتشديد، فهي قراءة علي، كما في القراءات الشاذة ص ٦،
والكشاف ٢٨٥/١، والبحر ٢٣٦/١.
(٢) المحرر الوجيز ١٥٥/١. وما نقله المصنف عن نافع في الموضعين المذكورين من الأحزاب، هو من
رواية قالون عنه حالة الوصل، أما حالة الوقف؛ فهو على أصله من الهمز. وأما رواية ورش عن نافع
فهي بالهمز، على الأصل. انظر السبعة ص ١٥٧، والتيسير ص ٧٣.
(٣) المحرر الوجيز ١٥٥/١.
(٤) معاني القرآن للأخفش ٢٧٦/١، والصحاح (نبأ)، وتفسير الطبري ٣١/٢، وسيرة ابن هشام ٢/ ٤٦١،
والحجة للفارسي ٢/ ٩٠، والمحرر الوجيز ١٥٥/١.
(٥) المحرر الوجيز ١٥٥/١، والصحاح (نبا).
(٦) هو أوس بن حجر والبيت في ديوانه ص ١١، والصحاح (نبا).
(٧) في النسخ: الكاتب، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمصادر.

١٥٧
سورة البقرة : الآية ٦١
رَتَمْتُ الشيء: كَسْتُه، يقال: رَتَم أنفَه ورَثَمه، بالتاء والثاء جميعاً. والرَّتْم أيضاً:
المرتوم، أي: المكسور. والكاثب: اسم جبل(١). فالأنبياءُ لنا كالسُّبُل في الأرض.
ويُروى أن رجلاً قال للنبيِّ وَّ: السلام عليك يانبيَ الله - وهَمَزَ - فقال النبيُّ ◌َّ:
(لستُ بنبيء الله - وهمز - ولكنِّي نبيُّ الله)) ولم يهمز(٢). قال أبو عليٍّ(٣): ضُعِّفَ سندُ
هذا الحديث، ومما يقوِّي ضَعْفَه أنه عليه السلام قد أنشدَه المادحُ: يا خاتَمَ النُّباء،
ولم يُؤثَر في ذلك إنكارٌ .
قوله تعالى: ﴿يِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ تعظيمٌ للشُّنْعة والذنْب الذي أَتَوْه.
فإن قيل: هذا دليلٌ على أنه قد يصحُّ أن يُقتلوا بالحقِّ، ومعلومٌ أن الأنبياء
معصومون من أن يَصدُرَ منهم ما يُقتلون به.
قيل له: ليس كذلك، وإنما خرج هذا مخرجَ الصِّفةِ لقتلهم أنه ظُلم وليس بحقِّ،
فكان هذا تعظيماً للشُّنْعة عليهم، ومعلومٌ أنه لا يُقتل نبيٌّ بحق، ولكن يُقتلُ على
الحق، فصرَّح قولُه: ((بِغَيْرِ الحق)) عن شُنعة الذنب ووضوحه، ولم يأتِ نبيِّ قظُ بشيء
یوجب قتله.
فإن قيل: كيف جاز أن يُخلَّى بين الكافرين وقتلِ الأنبياء؟ قيل: ذلك كرامة لهم
وزيادةٌ في منازلهم، كمثل من يُقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك بخِذلان
لهم. قال ابن عباس والحسنُ: لم يُقتل نبيٍّ قطُ من الأنبياء إلا من لم يُؤمَر بقتال، وكل
من أُمِرَ بقتال نُصِر (٤).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ((ذلك)) ردٌّ على الأول وتأكيدٌ
(١) الصحاح : (رتم) و(نبا) .
(٢) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٨١/٣، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وفي إسناده عبد الرحيم بن
حماد الثقفي، قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٦٠٤/٢: شيخ واه. وأخرجه الحاكم ٢٣١/٢ من طريق
حمران بن أعين، عن أبي الأسود الديلي، عن أبي ذر رضي الله عنه. وقال: هذا حديث صحيح على
شرط الشيخين ولم يخرجاه، وله شاهد مفسر بإسناد ليس من شرط هذا الكتاب، وتعقبه الذهبي بقوله :
بل منكر لم يصح، قال النسائي: حمران ليس بثقة، وقال أبو داود: رافضي روَى عن موسى بن عبيدة،
وهو واه.
(٣) الحجة ٩٢/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٥٥/١.
(٤) المحرر الوجيز ١٥٦/١، ومجمع البيان للطبرسي ٢٧٧/١ - ٢٧٨.

١٥٨
سورة البقرة : الآية ٦٢
للإشارة إليه. والباء في ((بما)) باء السبب(١). قال الأخفش: أي: بعصيانهم(٢).
والعصيان: خلافُ الطاعة. واعْتَصَت النَّواةُ: إذا اشتدَّت(٣). والاعتداء: تجاوزُ الحدّ
في كلِّ شيء، وعُرِف في الظلم والمعاصي(٤).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالضَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ (
فيه ثمان مسائل :
الأولى: قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: صدَّقوا بمحمدٍ بَّه، وقال سفيان:
المراد المنافقون، كأنه قال: الذين آمنوا في ظاهر أمرهم، فلذلك قَرَنَهم باليهود
والنصارى والصابئين، ثم بيَّنَ حُكْم مَن آمن بالله واليوم الآخِرِ مِن جميعهم(٥).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ معناه صاروا يهوداً، نُسبوا إلى يهوذا،
وهو أكبرُ ولد يعقوبَ عليه السلام، فقَلَبت العرب الذالَ دالاً؛ لأن الأسماء(٦)
الأعجميةَ إذا عُرِّبت غُيِرت عن لفظها. وقيل: سُمُّوا بذلك لتوبتهم من(٧) عبادة العجل.
هادَ: تاب، والهائد: التائب، قال الشاعر :
إنِّي امرؤٌ مِن حُبِّه هائِدُ(٨)
أي: تائب. وفي التنزيل: ﴿إِنَّ هُدْنَا إِلَيْكٌ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: تُبْنا. وهاد
القوم يَهُودُون هَوْداً وهيادة: إذا تابوا(٩). وقال ابنُ عَرَفَةَ: ((هُذْنَا إليك)) أي: سَكَنَّا إلى
(١) المحرر الوجيز ١٥٦/١.
(٢) معاني القرآن ٢٧٦/١.
(٣) الصحاح: (عصا).
(٤) المحرر الوجيز ١٥٦/١.
(٥) المحرر الوجيز ١٥٦/١، والوسيط للواحدي ١٤٩/١.
(٦) قوله: الأسماء، من (ز).
(٧) في (م): عن .
(٨) لم نقف على قائله، وهو في الصحاح: (هود)، وفي المحرر الوجيز ١/ ١٥٧، وفيه: مدحتي، بدل: حبه.
(٩) النكت والعيون للماوردي ١٣١/١-١٣٢، والمحرر الوجيز ١٥٧/١، ولم نقف على المصدر: هيادة.

١٥٩
سورة البقرة : الآية ٦٢
أمرك. والهَوادة: السكون والمُوادعة. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ
هَادُوا﴾. وقرأ أبو السَّمَّال: ((هادَوْا)) بفتح الدال(١).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَالنَّصَرَى﴾ جمع، واحدُه نَصْرانيّ. وقيل: نَصْرَانُ،
بإسقاط الياء، وهذا قولُ سيبويه(٢). والأنثى نَصْرانة(٣)، كَندْمان ونَدمانة. وهو نكرةٌ
يُعرَّف بالألف واللام، قال الشاعر:
صَدَّتْ كما صَدَّ عمَّا لا يَحِلُّ له
ساقي نَصارَى قُبيل الفِضْحِ(٤) صُؤَّامٍ (٥)
فوصَفَه بالنكرة. وقال الخليل: واحدُ النصارى نَصْرِيّ؛ كَمَهْرِيّ ومَهارَى(٦).
وأنشد سيبويه شاهداً على قوله :
ويُضْحِي لَدَيْهِ وهو نَصْرانُ شامِسُ (٧)
تَراه إذا دارَ العِشَا مُتَحَنِّفاً
وأنشد (٨):
كما سجدتْ(٩) نَصْرانةٌ لم تَحَنَّفِ
فكلتاهما خَرَّتْ وأَسْجَدَ رأسُها
(١) القراءات الشاذة ص ٦، والمحتسب ٩١/١.
(٢) الكتاب ٢٥٥/٣.
(٣) في (د) و(ز): نصرانية، وهو خطأ.
(٤) في النسخ: الصبح، والمثبت من المصادر .
(٥) البيت للنمر بن تولب، وهو في ديوانه ص ١٤٤، وفي الكتاب ٣/ ٢٥٥. قال الشنتمري في تحصيل عين
الذهب ص ٤٦٥: الشاهد فيه: جَرْيُ صُوَّام على نصارى نعتاً له؛ لأنه نكرة مثلُه .
(٦) المحرر الوجيز ١٥٧/١.
(٧) ليس هو في الكتاب، وهو في تفسير الطبري ٢/ ١٤٢، والأضداد لابن الأنباري ص ١٨١، والمحرر
الوجيز ١٥٧/١، ومجمع البيان ١/ ٢٨٠، وعندهم: العشِيُّ مُحَنِّفاً، بدل: العشا متحنفاً.
وذكر الأستاذ محمود شاكر رحمه الله في تعليقه على تفسير الطبري أن القرطبي أخطأ في قوله: أنشده
سيبويه، فإنه لم ينشده. وقال في شرحه: البيت في صفة الحرباء، ومُتحتَّفاً: قد تحنَّفَ، أو صار إلى
الحنيفية، يعني أنه مستقبلُ القبلة، وشامس: يعني مستقبل الشمس قبل المشرق، يقول: يستقبل الشمس
كأنه نصراني .
(٨) يعني سيبويه في الكتاب ٢٥٦/٣ و٤١١، ونسبه لأبي الأَخْزَر الحِمَّاني، وهو في تفسير الطبري ٢/ ١٤٤
(شاكر)، ومعاني القرآن للزجاج ١٤٧/١، والصحاح (نصر) بدون نسبه.
(٩) في (م): أسجدت .

١٦٠
سورة البقرة : الآية ٦٢
يقال: أَسْجَّدَ إِذا مال. ولكن لا يُستعمل نَصرانُ ونَصْرانةٌ إلا بياء(١) النَّسَب؛
لأنهم قالوا: رجلٌ نصرانيٍّ، وامرأة نصرانية. ونَصَّره: جعله نَصرانيًّا. وفي الحديث:
((فأبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِهِ))(٢)، وقال عليه السلام: ((والذي نفسي بيده(٣) لا يسمعُ بي
أحدٌ من هذه الأمة يَهُوديّ ولا نَصرانيٍّ ثم لم يُؤمِنْ بالذي أرسلتُ به، إلا كان من
أصحاب النار)) (٤) .
وقد جاءت جموعٌ على غير ما يُستعمل واحدُها، وقياسه النَّصرانيون.
ثم قيل: سُمُّوا بذلك لقرية تسمَّى ((ناصِرة))، كان ينزلها عيسى عليه السلام،
فُنُسِب إليها، فقيل: عيسى الناصريُّ(٥)، فلما نُسبَ أصحابُه إليه قيل: النصارى، قاله
ابن عباس وقتادة(٦). وقال الجوهريُّ: ونصرانُ قريةٌ بالشام، يُنسب إليها النصارى،
ويقال: ناصِرةُ(٧). وقيل: سُمُّوا بذلك لنُصرة بعضِهم بعضاً (٨)، قال الشاعر:
لما رأيتُ نَبَطاً أنصارا
شَمَّرتُ عن ركبتيَ الإزارا
كنتُ لهم مِن النصارى جارا(٩)
وقيل: سُمُّوا بذلك لقوله (١٠): ﴿مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُونَ غَحْنُ أَنْصَارُ
اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤](١١).
(١) في (م): بياءي.
(٢) أخرجه أحمد (٧١٨١)، والبخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وجاء بعده في (ز) ما نصُّه: أي يجعلاه (كذا) يهودياً أو نصرانياً.
(٣) قوله: والذي نفسي بيده، من (ز).
(٤) أخرجه أحمد (٨٢٠٣)، ومسلم (١٥٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
(٥) في النسخ: الناصر، والمثبت من (م) والمصادر.
(٦) تفسير الطبري ٣٤/٢، والنكت والعيون ١/ ١٣٢.
(٧) الصحاح: (نصر).
(٨) النكت والعيون ١٣٢/١.
(٩) تفسير الطبري ٣٣/٢، ومعاني القرآن للفراء ٤٤/١، وأمالي ابن الشجري ١١٨/١ و١٤٥/٢، والنكت
والعيون ١٣٢/١، ولم نقف على قائله .
(١٠) في (ز): لقول عيسى عليه السلام، وفي (ظ): لقوله تعالى.
(١١) النكت والعيون ١٣٢/١.