Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سورة البقرة : الآية ٤٩
وهذا وما بعدَه تذكيرٌ ببعض النِّعم التي كانت له عليهم، أي: اذكروا نعمتي
بإنجائكم من عدوّكم، وجَعْلِ الأنبياءِ فيكم. والخطابُ للموجودين(١)، والمرادُ مَنْ
سَلَفَ من الآباء، كما قال: ﴿إِنَّا لَمَّا ◌َنَا الْمَاءُ حَمَلْتَكُمْ فِي الْجَرِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] أي: حملنا
آباءكم، وقيل: إنما قال: ((نجَّيناكم)) لأن نجاةَ الآباء كان(٢) سبباً لنجاةِ هؤلاء
الموجودين.
ومعنى ﴿بَيَّنَكُمْ﴾: ألقيناكم على نَجْوَة من الأرضِ: وهي ما ارتفَعَ منها(٣).
هذا هو الأصل، ثم سُمِّيَ كلُّ فائزٍ ناجياً، فالنَّاجي مَنْ خرجَ من ضِيقٍ إلى سَعَة.
وقُرئ(٤): ((وإذ نَجَّيتُكم)) على التوحيد.
الثانية: قوله تعالى: ﴿مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ آل فرعون: قومُه وأتباعُه وأهلُ دينه،
وكذلك آلُ الرسول وَّهِ: مَنْ هو على دينه ومِلَّته في عَصْره وسائرِ الأعصار، سواءٌ كان
نسيباً له أو لم يكن، ومَن لم يكن على دينه ومِلَّته فليس من آله ولا أهله، وإن كان
نسيبَه وقريبه، خلافاً للرافضة حيث قالت: إنَّ آلَ رسول الله وَّهِ فاطمةُ والحسنُ
والحسين فقط.
دليلُنا: قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾ [الأنفال: ٥٤]، ﴿أَدِْظُوْ ءَالَ فِرْعَوْنَ
أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] أي: آلَ دِينه، إذ لم يكن له ابنٌ، ولا بنتٌ، ولا أبٌ، ولا
عمّ، ولا أُخْ، ولا عَصَبة، ولأنه لا خلافَ أنَّ مَنْ لیس بمؤمنٍ ولا مُؤَخِّد فإنه ليس من
آلٍ محمدٍ، وإن كان قريباً له، ولأجل هذا يقال: إنَّ أبا لهبٍ وأبا جهلٍ ليس من آله
ولا من أهلِه؛ وإن كان بينهما وبين النبيِّ وَله قرابةٌ، ولأجل هذا قال الله تعالى في ابن
نوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌَ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِحْ﴾ [هود: ٤٦].
وفي ((صحيح)) مسلم(٥) عن عمرو بن العاص قال: سمعتُ رسول الله وَله جِهاراً
(١) في (ظ): للموحدين!
(٢) في (م): كانت.
(٣) في النسخ: منه، والمثبت من (م).
(٤) هي قراءة إبراهيم النخعي، كما في القراءات الشاذة لابن خالويه ص٥.
(٥) (٢١٥)، وما بين حاصرتين منه. وأخرجه البخاري كذلك (٥٩٩٠)، وهو في المسند (١٧٨٠٤).

٨٢
سورة البقرة : الآية ٤٩
غيرَ سِرِّ يقول: (([ألا] إنَّ آلَ أَبي - يعني فلاناً - لَيسُوا لي بأولياءَ، إنَّما وَلِيَ اللهُ وصالحُ
المؤمنین».
وقالت طائفة: آلُ محمدٍ أزواجُه وذُرِّيَّتُه خاصَّةً، لحديث أبي حُميد السَّاعديِّ
أنهم قالوا: يا رسولَ الله، كيف نُصَلِّي عليك؟ قال: ((قُولُوا: اللّهمَّ صلِّ على محمدٍ
وعلى أزواجهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما صلَّتَ على آل إبراهيمَ، وبارِكْ على محمدٍ وعلى أزواجهِ
وذُرِّيَّتَهِ، كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ، إنكَ حميدٌ مجيدٌ)) رواه مسلم(١).
وقال طائفةٌ من أهل العلم: الأهلُ معلومٌ، والآلُ: الأتباع. والأوَّل أصحّ لما
ذكرناه، ولحديث عبد الله بن أبي أَوْفَى أنَّ رسولَ الله ◌ِ ﴿﴿ كان إذا أتاه قومٌ بصَدَقتهم
قال: ((اللهمَّ صلِّ عليهم)) فأتاه أَبي بصَدَقته، فقال: ((اللهمَّ صلِّ على آلِ أبي أَوفَى)) (٢).
الثالثة: اختلفَ النُّحاةُ: هل يُضافُ(٣) الآلُ إلى البلدان أَوْ لا؟ فقال الكِسائيّ:
إنما يقال: آلُ فلانٍ، وآلُ فلانةٍ، ولا يُقال في البلدان: هو من آل حمصَ، ولا من آلٍ
المدينة. قال الأخفش: إنما يُقال في الرئيس الأعظم، نحو: آل محمدٍ ﴿﴿، وآل
فرعون؛ لأنه رئيسُهم في الضَّلالة.
قال: وقد سمعناه في البلدان، قالوا: أهلُ المدينة، وآلُ المدينة (٤).
الرابعةُ: واختَلفَ النُّحاةُ أيضاً، هل يُضافُ الآلُ إلى المُضمَر أَوْ لا؟
فمنَع من ذلك النَّخَّاسُ والزُّبيديُّ والكِسائيُّ، فلا يقال إلا: اللَّهُمَّ صلِّ على محمدٍ
وآلٍ محمدٍ، ولا يُقال: وآله، والصوابُ أن يقال: أهله.
وذهبت طائفةٌ أخرى إلى أنَّ ذلك يقالُ، منهم ابنُ السَّيْد(٥)، وهو الصوابُ؛ لأنَّ
السَّماعَ الصَّحِيحَ يَعْضُده، فإنَّه قد جاء في قولِ عبدِ المطّلب:
(١) صحيح مسلم (٤٠٧). وأخرجه البخاري كذلك (٣٣٦٩)، وهو في المسند (٢٣٦٠٠).
(٢) أخرجه أحمد (١٩١١١)، والبخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨).
(٣) في (د) و(ز): تُضاف.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٣/١.
(٥) هو عبد الله بن محمد بن السيد النحوي اللغوي، أبو محمد البطَلْيَوْسي، صاحب التصانيف، منها
كتاب: الاقتضاب في شرح أدب الكُتَّاب، توفي سنة (٥٢١هـ). السير ١٩/ ٥٣٢.

٨٣
سورة البقرة : الآية ٤٩
ـنَعُ رَحْلَهُ فَامْنَغْ حِلالَكْ
لاهُمَّ إِنَّ العبدَ يمـ
ـبٍ وعابِديهِ اليومَ آلَكْ(١)
وانْصُرْ على آلِ الصَّليـ
وقال نُذْبة(٢):
أنا الفارسُ الحامي حقيقةً والدي
وآلي كما تَحْمِي حقيقةَ آلِكا(٣)
الحقيقة، بقافين: ما يَحُقُّ على الإنسان أنْ يحميه، أي: تجبُ علیه حمایتُه.
الخامسةُ: واختلفُوا أيضاً في أصلِ ((آل))، فقال النَّخَّاسُ(٤): أصلُه: ((أهل)»، ثم
أبدلت(٥) من الهاء ألفاً، فإنْ صغَّرتَه ردَدْتَه إلى أصلِه، فقلتَ: ((أُهَيْل».
وقال المهدوِيُّ: أصلُه: ((أوْل))، وقيل: ((أهْل))، قُلِبت الهاءُ همزةً، ثم أُبدِلَتِ
الهمزةُ ألفاً. وجمعُه ((آلُون))، وتَصغيرُه ((أُوَيْل))، فيما حكى الكِسائيُّ. وحكى غيرهُ:
((أُهَيْل))، وقد ذكرناه عن النَّحاس. وقال أبو الحسن بنُ كَيْسانَ: إذا جَمعتَ ((آلاً)،
قلتَ: ((أَلُونَ))، فإنْ جمَعتَ ((آلاً)) الذي هو السَّرابُ، قلت: («آوال)»، مثل: مال
وأموال(٦).
السادسةُ: قوله تعالى: ﴿فِرْعَوْنَ﴾ ((فرعونَ)) قيل: إنَّه اسمُ ذلك المَلِكِ بعينِهِ،
وقيل: إنه اسمُ كلِّ مَلِكٍ من ملوكِ العمالقة، مثلُ كسرى للفُرس، وقَيْصَر للرؤُم،
والنَّجاشِيِّ للحبشةِ. وإنَّ اسمَ فرعونِ موسى: قابوسُ، في قولِ أهلِ الكتاب. وقال
(١) سيرة ابن هشام ٥١/١، والحيوان للجاحظ ١٩٩،١٩٨/٧ قوله: حلالك، بكسر الحاء: القوم
المقيمون المتجاورون، يريد بهم سكان الحرم. النهاية (حلل).
(٢) كذا في النسخ، ولعله يريد خفاف بن ندبة.
(٣) ديوان خفاف بن ندبة ص ٦٧، ولفظه:
أنا الفارس الحامي الحقيقة والذي
به أُدرِكُ الأبطالَ قدماً كذلكا
وذكره في الخزانة ٥/ ٤٤٠ بلفظ :
به تُذْرَكُ الأوتارُ قِدْما كذلكا
أنا الفارس الحامي حقيقة والدي
وحينئذ فلا شاهد فيه، وأورده ابن قيم الجوزية في جلاء الأفهام ص٢٠٥، بمثل ما أورده المصنف نقلاً
عن أبي عبد الله بن مالك، ولم يذكر اسم الشاعر.
(٤) إعراب القرآن ٢٢٣/١.
(٥) في (د) و(م): أبدل، وسقطت من (ز)، والمثبت من (ظ).
(٦) إعراب القرآن ٢٢٣/١.

٨٤
سورة البقرة : الآية ٤٩
وهب: اسمُه الوليدُ بنُ مصعب بنِ الريَّان(١)، ويُكْنَى أبا مُرَّة، وهو من بني عمليق بن
لاوذ بن إرَمَ بن سام بن نوح عليه السلام. قال السهيليّ(٢): وكلُّ مَن وَلِي القِبطَ ومصرَ
فهو فرعون، وكان فارسيّاً من أهل إضطَخْر، قال المسعوديُّ: لا يعرفُ لفرعونَ تفسيرٌ
بالعربيَّة. قال الجَوهري(٣): فرعونُ لقبُ الوليدِ بن مُصعب ملكِ مصر، وكلُّ عاتٍ
فرعون. والعُتاة: الفراعنة. وقد تفرعنَ، وهو ذو فَرْعَنةٍ، أي: دهاء ونُكْر(٤). وفي
الحديث: ((أخذنا فرعون هذه الأمة))(٥).
و((فرعون)» في موضع خَفْض، إلا أنه لا يَنصرِفُ لعُجْمته.
السابعة: قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ قيل: معناه: يُذِيقونكم، ويُلزمونكم إيَّاه.
وقال أبو عُبيدة(٦): يُولُونكم، يقال: سامَه خُظَّةَ خَسْف (٧): إذا أوْلاه إيَّها، ومنه قولُ
عمرو بن كلثوم(٨):
إذا ما المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفاً أَبَيْنا أنْ نُقِرَّ الخَسْفَ فينا
وقيل: يُديمون تعذيبَكم. والسَّوْمُ: الدوامُ، ومنه سائمةُ الغنم؛ لمداومتها الرَّغْيَ.
قال الأخفش(٩): وهو في موضع رفع على الابتداء، وإن شئتَ كان في موضع نصبٍ
على الحال، أي: سائمين لكم.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿سُوَّهَ الْعَذَابِ﴾ مفعول ثان لـ ((يَسومونكم))، ومعناه: أشدَّ
العذاب. ويجوزُ أنْ يكونَ بمعنى: سَوْمَ العذاب. وقد يَجوزُ أنْ يكونَ نعتاً، بمعنى: سَوْماً
(١) النكت والعيون للماوردي ١١٨/١، والتفسير الكبير للفخر الرازي ٦٧/٣.
(٢) التعريف والإعلام ص٢١.
(٣) الصحاح: (فرعن).
(٤) في (د) و(ظ): مكر، وفي اللسان: تكبّر.
(٥) أورده الجوهري في صحاحه، ونقله المصنف عنه.
(٦) مجاز القرآن ٤٠/١.
(٧) في (د): حصف، وفي (ظ): حسب!
(٨) في معلقته بشرح ابن كيسان ص١١٤، وشرح القصائد المشهورات لابن النحاس ١٢٤/٢، وشرح
القصائد العشر للتبریزي ص٢٨٨.
(٩) معاني القرآن ٢٦٤/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٢٣/١.

٨٥
سورة البقرة : الآية ٤٩
سيِّئاً. فرُويَ أنَّ فرعونَ جعلَ بني إسرائيلَ خَدَماً وخَوَلاً، وصنَّفهم في أعماله، فصِنفٌ
يَبْنُون، وصِنْفٌ يحرُتُون ويزرعون، وصِنفٌ يتخذَّمون - وكان قومُه جنداً مُلوكاً -ومن لم يكن
منهم في عمل من هذه الأعمالِ، ضُرِبَتْ عليه الجِزْيةُ، فذلك سوءُ العذاب(١).
التاسعة: قوله تعالى: ﴿يُذَبِحُونَ أَبْنَآءَ كُمْ﴾ ((يُذبِّحون)) بغير واو: على البدل من
قوله: ((يسومونكم)) كما قال - أنشده سيبويه(٢) -:
مَتَى تأتنا تُلْمِمْ بنا في ديارنا تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تأجَّجًا
قال الفَرّاءُ(٣) وغيرُه: ((يُذْبِّحون)) بغير واوٍ على التَّفسير لقوله: ((يَسُومُونكم سُوءً
العذابِ)) كما تقولُ: أتاني القومُ زيدٌ وعمرو، فلا تحتاجُ إلى الواو في زيد، ونظيرهُ:
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ [الفرقان: ٦٨]، وفي سورة إبراهيم:
﴿وَيُدَتُِّونَ﴾ [إبراهيم: ٦] بالواو، لأن المعنى: يعذِّبونكم بالذَّبح وبغير الذَّبح. فقولُه:
(وَيُذَبِّحون أبناءَكم)) جنس آخرُ من العذاب، لا تفسيرٌ لما قبلَه. والله أعلم.
قلت: قد يحتملُ أن يقال: إنَّ الواو زائدةٌ بدلیل سورة البقرة. والواو قد تُزاد،
كما قال:
فلمَّا أجَزْنا ساحةَ الحيِّ وانتَحَى(٤)
أي: قد انتَخَى .
وقال آخرُ:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ وَلَيْثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ(٥)
أرادَ: إِلى المَلِكِ القَرْمِ ابنِ الهُمام لَيْثِ الكتيبةِ. وهو کثیر.
(١) أخرجه ابن جرير في التفسير ٦٤٥/١، والتاريخ ٣٨٦/١، ٣٨٧.
(٢) القائل هو عبيد الله بن الحُرّ، والبيت في الكتاب ٨٦/٣، وشرح المفصل ٥٣/٧، وخزانة الأدب ٩٠/٩.
(٣) معاني القرآن ٦٩/٢.
(٤) صدرُ بیتٍ لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ١٥، وعجزه:
بنا بطنُ حِقْفٍ ذِي رُكام عَقَنْقَلِ
(٥) البيت في الإنصاف ٤٦٩/٢، ومعاني القرآن للفراء ١٠٥/١، والكشاف ١٣٣/١، وخزانة الأدب ١/ ٤٥١
من غير نسبة. قوله القَرم، بفتح القاف: السيِّد، والهُمام: الملك العظيم الهمة، والمزدحم: محل
الازدحام ... أراد به المعركة. قاله في الخزانة.

٨٦
سورة البقرة : الآية ٤٩
العاشرةُ: قولُه تعالى: ﴿يُذَِحُونَ﴾ قراءةُ الجماعةِ بالتشديدِ على التكثير. وقرأ ابنُ
مُحَيْصِن: (يَذْبَحون)) بفتح الياء(١). والذَّبْح: الشَّقُّ. والذُّبْح: المذبوح. والذُّبَّاح: تَشْقُّقٌ
في أصول الأصابع. وذَبحتُ الذَّنَّ (٢): بَزَلتُه، أي: كشفتُه(٣). وسعدٌ الذَّابحُ: أحدُ
السُّعود. والمذابحُ: المحاريبُ. والمذابحُ: جمع مَذْبَح، وهو إذا جاء السَّيلُ فَخَدَّ في
الأرض، فما كان كالشِّبْر ونحوِه سُمِّي مَذْبَحاً(٤). فكان فرعونُ يَذْبِحُ الأطفالَ، ويُبقي
البناتِ، وعبَّر عنهم باسم النِّساء بالمآل. وقالت طائفةٌ: ((يُذبِّحون أبناءَكم)) يعني:
الرِّجالَ، وسُمُّوا أبناءً لما كانوا كذلك، واستدلَّ هذا القائلُ بقوله: ((نِساءكم)). والأوَّل
أصحُّ؛ لأنه الأظهرُ، والله أعلم.
الحاديةَ عَشْرةَ : نسبَ اللهُ تعالى الفعلَ إلى آل فرعونَ، وهم إنما كانوا يفعلون بأمره
وسلطانِه(٥)؛ لتولِّيهم ذلك بأنفسِهم، ولِيُعلَم أنَّ المباشِرَ مأخوذٌ بفعله. قال الطَّبريُّ (٦):
ويقتضي هذا (٧) أنَّ مَنْ أمَرَه ظالمٌ بقتل أحدٍ، فقتلَه المأمورُ، فهو المأخوذُ به.
قلت: وقد اختلف العلماءُ في هذه المسألةِ على ثلاثة أقوال: يُقتَلان جميعاً، هذا
بأمره، والمأمورُ(٨) بمباشرته. هكذا قال النَّخَعيُّ(٩)، وقاله الشَّافعيُّ ومالكٌ في تفصيل
لهما؛ قال الشَّافعيُّ(١٠): إذا أمَرَ السُّلطانُ رجُلاً بقَتل(١١) رجلٍ، والمأمورُ يَعلم أنه
(١) في (م): الباء. والقراءة في إعراب القرآن للنحاس ٢٢٣/١، والمحتسب ٨١/١، وعزاها ابن خالويه
في القراءات الشاذة ص٥ للزهري وجماعة.
(٢) أي: وعاء الخمر.
(٣) كذا قال. وفي معاجم اللغة: بزلَ الخمر وغيرها: ثقبَ إناءها.
(٤) مجمل اللغة (ذبح) ٣٦٤/١ دون قوله: أي كشفته.
(٥) قوله: وسلطانه، ليس في (ظ).
(٦) في تفسيره ١/ ٦٤٥ ونقله عنه المصنف بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ١٤٠.
(٧) ليس في (م).
(٨) في (ظ): وهذا.
(٩) أخرجه عبد الرزاق (١٧٨٨٢) كما في نسخة ذكرها محقق مصنَّفه، وابن أبي شيبة ٩/ ٣٧٠، وأورده ابن
عبد البر في الاستذكار ٢٥٩/٢٥، ٢٦٠.
(١٠) الاستذكار ٢٦٠/٢٥.
(١١) في (ز): أمره السلطان بقتل.

٨٧
:
سورة البقرة : الآية ٤٩
أمرَ بقتلِه ظُلماً، كان عليه وعلى الإمام القَوَدُ، كقاتلَيْن معاً، وإنْ أكرهَه الإمامُ عليه،
وعَلِم أنَّه يَقتُلُه ظلماً، كان على الإمام القَوَدُ، وفي المأمورِ قولان:
أحدُهما: أنَّ عليه القَوَدَ.
والآخِرُ: لا قَوَدَ عليه، وعليه نصفُ الدِّيّة، حكاه ابنُ المنذر.
وقال علماؤنا: لا يخلُو المأمورُ أنْ يكونَ(١) ممن تَلزمُه طاعةُ الآمر، ويَخافُ
شرَّه، كالسُّلطانِ، والسيِّدِ لعبدِه، فالقَوَدُ في ذلك لازمٌ لهما، أو يكون ممن لا
يَلزمُهُ(٢) ذلك، فيُقتَلُ المباشِرُ وحدَه دونَ الآمِر، وذلك كالأبٍ يأمرُ ولَدَه، أو المعلِّمِ
بعضَ صِبيانهِ، أو الصَّانع بعضَ مُتعلِّميه إذا كان مُحْتَلِماً، فإن كان غيرَ محتَلِم فالقتلُ
على الآَمِرِ، وعلى عاقِلةِ الصبيِّ نصفُ الدِّيَةِ.
وقال ابنُ نافع: لا يُقتلُ السَّيِّدُ إذا أمرَ عبدَه - وإنْ كان أعجمِيّاً - بقتلِ إنسانٍ. قال
ابنُ حَبيب: ويقول ابنِ القاسم أقول: إنَّ القتلَ عليهما. فأمَّا أمْرُ مَن لا خوفَ على
المأمورِ في مخالفتِهِ، فإنَّه لا يلحقُ بالإكراه، بل يُقتلُ المأمورُ دونَ الآمِر، ویُضربُ
الآمرُ ويُحبَسُ.
وقال أحمد في السَّيِّدِ يأمرُ عبدَه أنْ يقتلَ رجلاً: يُقتَلُ السيِّدُ ورُوِيَ هذا القولُ
عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ وأبي هريرةَ رضي الله عنهما. وقال عليٍّ: ويُستودَعُ العبدُ
السِّجنَ. وقال أحمد: ويُحبَسُ العبدُ ويُضرَبُ ويؤذَّبُ. وقال الثَّوريُّ: يُعَزَّرُ السَّيِّدُ.
وقال الحَكَّمُ وحمّادٌ(٣): يُقتلُ العبدُ. وقال قتادةُ: يُقتلان جميعاً. وقال الشَّافعيُّ: إن
كان العبدُ فصيحاً يَعقِلِ، قُتلَ العبدُ وعُوقبَ السيِّدُ؛ وإن كان العبدُ أعجمِيّاً فعلى
السيِّدِ القَوَدُ (٤).
(١) قوله: أن يكون، ليس في (ظ).
(٢) في (ز): أو يكون ما يلزمه.
(٣) هو ابن أبي سليمان، أبو إسماعيل بن مسلم الكوفي، مولى الأشعريين، فقيه العراق، شيخ أبي حنيفة،
وتلميذ إبراهيم النخعي، توفي سنة (١٢٠هـ). السير ٢٣١/٥.
(٤) الاستذكار ٢٥٩/٢٥. وقول علي وأبي هريرة أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٧١ .

٨٨
سورة البقرة : الآية ٤٩
وقال سليمان بنُ موسى(١): لا يُقتلُ الآمِرُ، ولكن يَدِيهِ (٢)، ثم يُعاقَبُ ويُحبَسُ -
وهو القولُ الثاني - ويُقتلُ المأمورُ للمباشرة. كذلك قال عطاءٌ والحَكَمُ وحمَّادٌ
والشَّافعيُّ وأحمدُ وإِسحاقُ في الرجل يأمرُ الرجلَ بقتلِ الرَّجلِ(٣)؛ ذكره ابنُ المنذِر.
وقال زُفَرُ(٤): لا يُقتلُ واحدٌ منهما - وهو القولُ الثَّالثُ - حكاه أبو المعالي في
البرهان(٥)، ورأى أنَّ الآمِرَ والمباشرَ ليس كلُّ واحدٍ منهما مُستقِلًّا في القَوَد، فلذلك
لا يُقتلُ واحدٌ منهما عندَه. والله أعلم.
الثانيةَ عشرةَ: قرأ الجمهورُ: ((يُذبِّحون))، بالتَّشديدِ على المبالغةِ. وقرأ ابنُ
مُحَيْصِن (يَذْبَحون)) بالتَّخفيفِ(٦). والأُولى أرجحُ إذِ الذَّبحُ متكرِّرٌ. وكان فرعونُ - على
ما رُوِيّ - قد رأى في منامه ناراً خرجتْ من بيت المَقْدِس، فأحرقَتْ بيوتَ مصرَ،
فأُوَّلَتْ له رُؤياه: أنَّ مولوداً من بني إسرائيلَ ينشأُ، فيكونُ خرابُ مُلكِه(٧) على يديه(٨).
وقيلَ غير هذا، والمعنى متقارِبٌ.
الثالثةَ عشرةَ: قولُه تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى جملة الأمر، إذ هو خبر، فهو
كمفردٍ حاضرٍ(٩)، أي: وفي فِعلِهم(١٠) ذلك بكم بلاءٌ، أي: امتحانٌ واختبارٌ. و((بَلاَءٌ))
نعمةٌ (١١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِىَ اَلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءٌ حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧]. قال أبو
(١) الدمشقي الأشدق، مولى آل معاوية بن أبي سفيان، مفتي دمشق، توفي سنة (١١٥هـ)، وقيل:
(١١٩ هـ). السير ٤٣٣/٥.
(٢) من: وَدَى القتيلَ، يَدِيهِ: إذا أعطى دِيَتَهُ. ووقع في (م): تقطع يديه! وهو خطأ فاحش.
(٣) الاستذكار ٢٥٩/٢٥-٢٦٠.
(٤) ابن الهذيل العنبري، أبو الهذيل، الفقيه المجتهد، أكبر تلامذة أبي حنيفة، توفي سنة (١٥٨هـ). السير
٣٨/٨.
(٥) ٧٩٦/٢، وفيه قول زفر أن القصاص على المكرّه دون المكرِه.
(٦) ذكر المصنف ذلك في المسألة العاشرة.
(٧) في (د) و(ظ): ملكك.
(٨) تفسير الطبري ٦٤٨/١، والمحرر الوجيز ١/ ١٤٠، وتفسير البغوي ١٧٠/١.
(٩) المحرر الوجيز ١٤١/١.
(١٠) في (د): وفعلهم.
(١١) أخرج هذا التفسير ابن جرير ٦٥٣/١، وابن أبي حاتم ١/ ١٥١ عن ابن عباس رضي الله عنهما.

٨٩
سورة البقرة : الآية ٥٠
الهيثم (١): البلاءُ يكونُ حَسَناً، ويكونُ سَيِّئاً، وأصلُه المِحنةُ، والله عزَّ وجلَّ يَبلُو(٢)
عبدَه بالصُنع الجميلِ ليمتَحنَ شُكرَه، ويَبْلُوه بالبَلوَى التي يَكرهُها ليمتَحِنَ صبرَه، فقيل
للحَسَن: بلاءٌ، وللسَّيِّئ: بلاءٌ، حكاه الهَرَوِيُّ(٣).
وقال قومٌ: الإشارةُ بـ ((ذلكم)) إلى التَّنجية، فيكونُ البلاءُ على هذا في الخير،
أي: تَنجيتُكم نعمةٌ من الله عليكم.
وقال الجمهورُ: الإشارةُ إلى الذَّبح ونحوهِ، والبلاءُ هنا في الشَّرِّ، والمعنى: وفي
الذَّبح مكروهٌ وامتحان (٤).
وقال ابنُ كَيْسانَ: ويقالُ في الخير: أبلاه الله وبَلاه، وأنشد:
جزَى اللهُ بالإحسانِ ما فَعلا بكم فأَبلاهما(٥) خيرَ البلاءِ الذي يَبْلُو (٦)
فجمَعَ بين اللُّغتين. والأكثرُ في الخير: أَبْلِيتُه، وفي الشرِّ: بَلَوتُه، وفي الاختبار:
ابتَلَيْتُه وبَوتُه، قاله النَّحاسُ.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَعْرَ فَأَنَّنَكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأََّ كُمْ﴾ ((إذ)) في موضع نصبٍ. و((فَرَقْنَا)) فَلَقْنا
﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَطَّوْرِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] أي: الجبلِ العظيم. وأصلُ الفَرْقِ:
الفَصْلُ، ومنه فَرْقُ الشَّعر، ومنه الفُرقانُ؛ لأنه يَفْرُقُ بين الحقِّ والباطَلِ، أي: يَفصِلُ،
ومنه: ﴿فَلْفَرِقَتِ فَقًا﴾ [المرسلات: ٤] يعني: الملائكة تنزلُ بالفَرْقِ بين الحقِّ والباطلِ،
ومنه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يومَ بَدْر، كان فيه فَرْقٌ بين الحقِّ
والباطلِ، ومنه: ﴿وَقُرَّءَانًا فَقْتَهُ﴾ [الإسراء: ١٠٦] أي: فصَّلناه وأحْكَمناه.
(١) لعله أبو الهيثم الرازي، اشتهر بكنيته، كان نحوياً إماماً، له الشامل في اللغة، الفاخر في اللغة، زيادات
معاني القرآن للفراء، توفي سنة (٢٧٦ هـ). إنباه الرواة ١٨٢/٤، بغية الوعاة ٣٢٩/٢.
(٢) في (د): يبلي.
(٣) في كتاب ((الغريبين: غريبي القرآن والحديث)) ص ٢٠٩- ٢١٠.
(٤) المحرر الوجيز ١٤١/١.
(٥) في (م): وأبلاهما.
(٦) البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه ص١٠٩، وفيه: ((رأى)) بدل ((جزى))، وهي رواية الأصمعي
كما ذكر محققه.

٩٠
سورة البقرة : الآية ٥٠
وقرأ الزُّهْرِيُّ: ((فَرَّقْنا)) بتشديدِ الرَّاء(١)، أي: جعلناه فَرْقاً. ومعنى ((بكم)) أي:
لكم، فالباءُ بمعنى اللام. وقيل: الباءُ في مكانها، أي: فَرَقْنا البحرَ بدُخولِكم إِيَّاه،
أي: صارُوا بين الماءَين، فصار الفرقُ بهم(٢)، وهذا أوْلى(٣)، يُبيِّنُه: ((فانفَلَقَ)).
قولهُ تعالى: ﴿اَلْبَعْرَ﴾ البحرُ معروفٌ، سُمِّي بذلك لاتِّساعِه. ويُقالُ: فَرَسٌ بَحرٌ
إِذا کان واسعَ الجزي، أي: کثیره. و من ذلك قول رسول الله پے في مَنْذُوپٍ فرسٍ
أبي طلحةَ: ((وإنْ وجدناه لَبحراً))(٤).
والبحرُ(٥): الماءُ الملحُ، ويقالُ: أبْحَرَ الماءُ: مَلُح، قال نُصَيبٌ(٦):
وقد عادَ ماءُ الأرضِ بَخراً فزادني إلى مَرَضِي أنْ أبْحَرَ المَشْرِبُ العذْبُ
والبَحْرَةِ(٧): البلدةُ، يقالُ: هذه بَحْرَتُنا، أي: بلدتُنا. قاله الأُمويُّ(٨). والبَحَرُ:
السُّلال(٩) يُصيبُ الإنسان. ويقولون: لقِيتُه صَحْرةً(١٠) بَحْرَةً، أي: بارزاً مكشوفاً(١١).
وفي الخبر عن كعب الأحبارِ، قال: إنَّ للهِ ملَكاً يقالُ له: صَنْدَفاييلُ، البحارُ كلُّها
في نقرةٍ إبهامِهِ. ذكره أبو نعيم(١٢) عن ثور بنٍ يزيد، عن خالد بنِ مَعْدانَ، عن كعب.
(١) القراءات الشاذة لابن خالويه ص٥، والمحتسب ٨٢/١.
(٢) في (د): به، وفي (ظ): منهم.
(٣) قوله: وهذا أولى، ليس في (ظ).
(٤) قطعة من حديث أنس رضي الله عنه، أخرجه أحمد (١٢٧٤٤)، والبخاري (٢٦٢٧)، ومسلم (٢٣٠٧).
(٥) في (ظ): والبحر المالح.
(٦) ابنُ رَباح، كان مكاتّباً، مدحَ عبد العزيز بن مروان، فوصله، واشترى ولاءه، الشعر والشعراء ١/ ٤١٠،
والبيت في دیوانه ص٦٦.
(٧) في النسخ: البحر، والمثبت من مجمل اللغة ١١٧/١ (بحر) والكلام منه.
(٨) عبد الله بن سعيد بن أبان، أبو محمد، كان حافظاً للشعر والأخبار وأيام العرب، ذكره الزّبيدي في
الطبقة الثالثة من اللغويين الكوفيين، طبقات النحويين واللغويين ص ١٩٣.
(٩) هو مرض يصيب الرئة، يُهزل صاحبه ويُضنيه ويقتله. المعجم الوسيط.
(١٠) في (د) و(ظ): ضحوة.
(١١) مجمل اللغة ١/ ١١٧ (بحر) دون قوله: مكشوفاً.
(١٢) في الحلية ٨/٦، وفيه: ((صند يائيل)). وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٣٢) - ومن طريقه أبو نعيم في
الحلية ٦/ ٦١ - بنحوه من قول شهر بن حوشب، والخبر من الإسرائيليات.

٩١
سورة البقرة : الآية ٥٠
قوله تعالى: ﴿فَأَنَّنَكُمْ﴾ أي: أخرجناكم منه، يقالُ: نجوتُ من كذا نَجاءً،
ممدودٌ، ونجاة، مقصور. والصِّدقُ مَنجاةٌ. وأنجَيتُ غيري ونَجَّيتُه، وقُرئَ بهما: ﴿وَإِذْ
نَّنَكُمْ﴾، ﴿فَأَنَّكُمْ﴾(١).
قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾ يقالُ: غَرِقَ في الماءِ غَرَقاً، فهو غَرِقٌ وغارقٌ
أيضاً، ومنه قول أبي النَّجْم:
من بينٍ مقتولٍ وطافٍ غارِقٍ (٢)
وأغْرَقَه غيرُه وغَرَّقَه، فهو مُغرَّقٌ وغَرِيقٌ. ولِجامٌ مُغرَّقٌ بالفضَّة، أي: مُحَلَّى.
والتَّغريقُ: القَتلُ، قال الأعشى:
ألا ليتَ قَيْساً غَرَّقَتْه القَوابِلُ(٣)
وذلك أنَّ القابلةَ كانت تُغرِّقُ المولودَ في ماء السَّلَى (٤) عامَ القَخْط، ذكراً كان أو
أُنثى حتى يموت، ثم جُعِلَ كلُّ قتلٍ تغريقاً، ومنه قولُ ذي الرُّمَّة:
بتَيْهاءَ لم تُصبح رَؤُوماً سَلُوبُها(٥)
إذا غَرَّقَتْ أرباضُها ثِنْيَ بَكْرةٍ
الأرباضُ: الحِبالُ. والبَكْرةُ: الناقةُ الفَتِيّة. وثِنْيُها: بطنُها الثاني، وإنما لم تعطف
على ولدها لِما لحِقَها من التعب(٦).
(١) الصحاح: (نجا)، وفيه: (فاليوم نُنجِّيك) بدل: ((وإذ نجيناكم))، ((فأنجيناكم)) فذكر المصنف مثالاً في
موضعین.
(٢) ديوانه ص١٤٤، والصحاح: (غرق)، وصدره:
فأصبحوا في الماء والخنادق
(٣) ديوانه ص١٣٦، وصدره:
أطورَين في عام غزاةٌ ورحلةٌ
(٤) السَّلَى: غشاء رقيق يحيط بالجنين، ويخرج معه من بطن أمه. المعجم الوسيط.
(٥) لم يُجَّد البيت في النسخ الخطية، والمثبت من المصادر، والبيت في ديوانه ٢/ ٧٠١ بشرح الأصمعي.
قوله: تيهاء: أي أرض واسعة، لا جبال فيها ولا أعلام، ورؤوم، أي: عطوف، وسَلُوب، أي: مات
ولدها، أو ألقته لغير تمام، كذا في معجم متن اللغة. قال الأصمعي في شرح البيت: المعنى إذا حُزِمَ
الحَقَبُ (أي: الحَبْلُ)، غَرِقَ هذا في بطنها في ماء الولد حتى يموت ... أي: هذه الناقة التي سُلبت
ولدها لا ترأم ولدها.
(٦) الكلام السالف من قوله: غرق في الماء غرقاً، في الصحاح (غرق).

٩٢
سورة البقرة : الآية ٥٠
القولُ في اختلاف العلماء في كيفيَّة إنجاء بني إسرائيل
فذكر الطبريُّ(١) أنَّ موسى عليه السلام أُوحِيَ إليه أن يَسْرِيَ من مصرَ ببني
إسرائيل، فأمرَهم موسى أن يَستعيرُوا الحُلِيَّ والمتاعَ من القِبْط، وأحَلَّ الله ذلك لبني
إسرائيل، فسَرَى بهم موسى من أول الليل، فأُعْلِمَ فرعونُ، فقال: لا يتبعهم أحدٌ حتى
تَصِيحَ الدِّيَكةُ، فلم يَصِحْ تلك الليلةَ بمصرَ ديكٌ، وأماتَ الله تلك(٢) الليلةَ كثيراً من
أبناء القِبْط، فاشتغلوا في الدَّفْن، وخرجوا في الأتباع مُشْرِقين، كما قال تعالى:
﴿فَتْبَعُوهُمْ تُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]، وذهبَ موسى إلى ناحيةِ البحر حتى بَلَغَه، وكانت
عِدَّةُ بني إسرائيل نَّيِّفاً على ستِّ مئة ألف، وكانت ◌ِدَّةُ فرعونَ ألفَ ألفٍ ومئتي ألف.
وقيل: إنَّ فرعونَ اتَّبَعَه في ألفِ ألفِ حصانٍ سوى الإناث(٣).
وقيل: دخَلَ إسرائيلُ - وهو يعقوبُ عليه السلام - مصرَ في ستة وسبعين نَفْساً من
ولده وولدٍ ولده، فأَنمى الله عددَهم وباركَ في ذرِّيَّته، حتى خَرَجُوا إلى البحر يومَ
فرعونَ، وهم ستُّ مئة ألفٍ من المُقاتِلة سوى الشُّيوخ والذُّرِّيَّة والنساءِ(٤).
وذكر أبو بكر عبدُ الله بنُ محمد بن أبي شيبة(٥) قال: حدَّثنا شَبَابةُ بنُ سَوَّار، عن
يونسَ بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عَمرو بنٍ مَيْمون، عن عبد الله بن مسعود
أنَّ موسى عليه السلام حين أَسْرَى ببني إسرائيل، بَلَغَ فرعونَ، فأمرَ بشاةٍ فذُبحَتْ، ثم
قال: لا والله، لا يُفْرَغُ من سَلْخِها حتى يجتمعَ لي ستُّ مئة ألفٍ من القِبْط. قال:
فانطلقَ موسى حتى انتهى إلى البحر، فقال له: افْرُقْ، فقال له البحر: لقد
استكثرتَ(٦) يا موسى! وهل فَرَقْتُ لأحدٍ من ولد آدَمَ، فأفرُقَ لك؟! قال: ومع موسى
(١) تفسير الطبري ١/ ٦٥٧-٦٥٨، ٦٦٠-٦٦١، ٦٧٠-٦٧١، ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز ١٤١/١.
(٢) في (د): في تلك.
(٣) أخرجه الطبري ٦٥٨/١-٦٥٩، من قول ابن عباس.
(٤) أخرجه بنحوه الطبري في تفسيره ١٤/ ٣٦٢-٣٦٣ من قول ابن مسعود وعبد الله بن شداد رضي الله
عنهما، وأورده الترمذي في نوادر الأصول ص ١٠٠، وعنه نقل المصنف.
(٥) المصنَّف ٥٢٨/١١ - ٥٢٩.
(٦) في (د) و(ظ) و(م): استكبرت، والمثبت من (ز)، وهو الموافق لما في مصنف ابن أبي شيبة.

٩٣
سورة البقرة : الآية ٥٠
رجلٌ على حصانٍ له، قال: فقال له ذلك الرجل: أين أُمِرْتَ يا نبيَّ الله؟ قال: ما
أُمِرتُ إلا بهذا الوجهِ، قال: فَأَقْحَمَ فرسَه، فسَبَح به، فَخرِجَ، فقال: أين أُمِرْتَ يا نبيَّ
الله؟ قال: ما أُمِرْتُ إلا بهذا الوجه، قال: والله ما كَذَبتَ ولا كُذِبتَ، ثم اقتحَمَ
الثانيةَ، فسَبَحَ به، ثم (١) خَرَجَ، فقال: أين أُمِرْتَ يا نبيَّ الله؟ فقال: ما أُمِرْتُ إلا بهذا
الوجهِ، قال: والله ما كَذَبتَ ولا كُذِبْتَ، قال: فأوْحَى اللهُ إليه: ﴿أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ
الْبَحْرٌ﴾ فضربَه موسى بعصاه، ﴿فَأَنْقَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَّوْرِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]،
فكان فيه اثنا عَشَرَ فِرْقاً (٢) لاثْنَي عَشَرَ سِبْطاً، لكلِّ سِبْطٍ طريقٌ يتراءَوْن، وذلك أنَّ
أطوادَ الماء صارَ فيها طِيقاناً وشبابيكَ يَرَى منها بعضُهم بعضاً(٣)، فلما خرجَ أصحابُ
موسى وقامَ(٤) أصحابُ فرعون، التقى (٥) البحرُ عليهم فأغرقَهم.
ويُذكَرُ أنَّ البحرَ هو بحرُ القُلْزُم(٦)، وأن الرجلَ الذي كان مع موسى على الفرس
هو فتاه يوشّعُ بنُ نُون، وأن الله تعالى أوحى إلى البحر أنِ انْفِرِقْ لموسى إذا ضربَكَ،
فباتَ البحرُ تلك الليلةَ يضطربُ، فحين أصبحَ ضربَ موسى البحرَ، وكنَّاه أبا خالد.
ذكره ابنُ أبي شَيْبة أيضاً(٧).
وقد أكثرَ المفسِّرون في قصص هذا المعنى، وما ذكرناه كافٍ، وسيأتي في سورة
يونس والشعراء(٨) زيادةُ بيانٍ إن شاء الله تعالى.
فصل
ذَكَرَ الله تعالى الإنجاءَ والإغراقَ، ولم يَذْكُر اليومَ الذي كان ذلك فيه.
(١) في (م): حتى.
(٢) في المصنف: طريقاً.
(٣) قوله: وذلك أن أطواد الماء صار فيها ... ليس في رواية مصنف ابن أبي شيبة.
(٤) في (د): وأقام، وفي مصنف ابن أبي شيبة، وتتامَّ، وهو الأشبه، ففي رواية الطبري ١/ ٦٥٨: حتى إذا
تتاموا فيه أطبقه الله علیھم.
(٥) اختلف لفظ الكلمة في النسخ، فوقع في (٥): انتظم، وفي (ز): التط، وفي (ظ): الشط اكتط (كذا)،
وفي (م): التطم، والمثبت من مصنف ابن أبي شيبة، والخبر منه.
(٦) يعني: البحر الأحمر.
(٧) المصنف ٥٢٧/١١.
(٨) عند قوله تعالى: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِيَّ إِسْرَوِيلَ ... ﴾ [يونس: ٩٠]، وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى ... ﴾،
[الشعراء: ٥٢] وما بعدها.

٩٤
سورة البقرة : الآية ٥٠
فروى مسلمٌ(١) عن ابن عباس أنَّ رسول الله وَ ﴿ قَدِمَ المدينةَ، فوجدَ اليهودَ صياماً
يومَ عاشوراءَ، فقال لهم رسول الله وَّةٍ: ((ما هذا اليومُ الذي تَصُومونَه؟)) فقالوا: هذا
يومٌ عظيمٌ، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغَرَّقَ فرعونَ وقومَه، فصامَه موسى شكراً،
فنحن نصومُه. فقال رسول الله وَله: ((فنحن أحقُّ وأَوْلى بموسى منكم))، فصامَه رسولُ
الله وَّهِ وَأَمرَ بصيامه.
وأخرجه البخاريُّ(٢) أيضاً عن ابن عباس، وأنَّ النبيَّ ◌َّ قال لأصحابه: ((أنتُم
أحقُّ بموسى منهم، فصُومُوه(٣)).
مسألة :
ظاهرُ هذه الأحاديثِ يدلُّ على أنَّ النبيَّ وَّلَهَ إِنَّما صامَ عاشوراءَ، وأَمرَ بصيامه
اقتداءً بموسى عليه السلام على ما أخبرَه به اليهودُ، وليس كذلك، لِما روته عائشةٌ
رضي الله عنها قالت: كان يومُ عاشوراءَ تصومُه قريشٌ في الجاهلية، وكان رسول الله
وَلِّ يصومُه في الجاهلية، فلما قَدِمَ المدينةَ صامَه، وأمَرَ بصيامه، فلما فُرِضَ رمضانٌ،
تركّ صيامَ يوم عاشوراء، فمن شاء صامَه، ومن شاءَ تركّه(٤). أخرجه البخاريُّ
ومسلم(٥).
فإن قيل: يَحتمِلُ أن تكون قريشٌ صامَتْه بإخبارِ اليهود لها؛ لأنهم كانوا يسمعون
منهم؛ لأنهم كانوا عندَهم أهلَ علم، فصامَه النبيُّ عليه السلام كذلك في الجاهلية،
أي: بمكة، فلمَّا قَدِمَ المدينةَ، ووجدَ اليهودَ يصومُونَه، قال: ((نحنُ أحَقُّ وأَوْلى
بموسی منکم)). فصامه اتباعاً لموسى، وأمر بصيامه، أي: أوجبه وأگَد أمره، حتی
كانوا يُصَوِّمونَه الصغار.
(١) صحيح مسلم (١١٣٠): (١٢٧)، وهو في المسند (٢٦٤٤).
(٢) صحيح البخاري (٤٦٨٠).
(٣) في (د) و(م): فصوموا.
(٤) في (ظ): أفطره.
(٥) صحيح البخاري (٢٠٠٢)، وصحيح مسلم (١١٢٥)، وهو في المسند (٢٤٠١١). وانظر المفهم
١٩١/٣ - ١٩٢.

٩٥
سورة البقرة : الآية ٥٠
قلنا: هذه شُبهةُ من قال: إنَّ النبيَّ ◌َّهِ لعلَّه كان متعبَّداً بشريعةٍ موسى، وليس كذلك،
على ما يأتي بيانُه في ((الأنعام))، عند قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةْ﴾ [الآية: ٩٠].
مسألة :
اختُلِفَ في يوم عاشوراء: هل هو التاسعُ من المحرَّم أو العاشر؟ فذهبَ الشافعيُّ
إلى أنه التاسعُ، لحديث الحَكّم بنِ الأعرج(١) قال: انتهيتُ إلى ابن عباسٍ رضي الله
عنهما وهو مُتَوَسِّدٌ رداءَه في زمزم، فقلتُ له: أخبرني عن صوم عاشوراء، فقال: إذا
رأيتَ هلالَ المحرَّم، فاعْدُدْ وأَضبح يومَ التاسع صائماً. فقلتُ: هكذا كان محمدٌ وَله
يصومُه؟ قال: نعم. خرَّجه مسلم (٢).
وذهب سعيدُ بن المُسيّب والحسنُ البصريُّ ومالكٌ وجماعة من السَّلَف إلى أنه
العاشرُ(٣).
وذكر الترمذيُّ(٤) حديث الحَكّم، ولم يَصِفْه بصحةٍ ولا حُسْن، ثم أردَفَه:
حدثنا (٥) قُتِيبةُ، حدثنا عبدُ الوارث، عن يونس، عن الحسن، عن ابن عباس قال: أَمرَ
رسولُ اللهِ وَ بصوم يوم عاشوراء يوم العاشر. قال أبو عيسى: حديثُ ابنِ عباس
حديثٌ حسنٌ صحيح. قال الترمذي: ورُوي عن ابن عباس أنه قال: صوموا التاسعَ
والعاشر، وخالفوا اليهود(٦). وبهذا الحديث يقولُ الشافعي وأحمد وإسحاق.
قال غيرُه: وقولُ ابن عباس للسائل: فاعْدُدْ وأَصبخ يومَ التاسعِ صائماً، ليس فيه
دليلٌ على ترك صوم العاشر، بل وَعَدَ أن يصومَ التاسعَ مضافاً إلى العاشر، قالوا:
فصيامُ اليومين جَمْعٌ بين الأحاديث.
وقولُ ابنِ عباس للحَكّم لمَّا قال له: هكذا كان محمدٌ وَ* يصومه؟ قال: نعم.
(١) ابن عبد الله بن إسحاق، البصري، وثَّقه الإمام أحمد، تهذيب الكمال ٧/ ١٠٣.
(٢) صحيح مسلم (١١٣٣)، وهو في المسند (٢١٣٥).
(٣) المفهم ٣/ ١٩٠، ١٩١، وإكمال المعلم ٤/ ٨٥.
(٤) سنن الترمذي (٧٥٤) و(٧٥٥).
(٥) في (م): أنبأنا (في الموضعين).
(٦) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٨٧/٤، وفي شعب الإيمان ٣/ ٣٦٤، وابن حزم في المحلى ١٨/٧.

٩٦
سورة البقرة : الآية ٥٠
معناه: أَنْ لو عاشَ، وإلا، فما كان النبيُّ وَ ﴿ صامَ التاسع قطّ، يبيِّنُه ما خرَّجه
ابنُ ماجه في ((سُننه)) ومسلم في ((صحيحه)) (١) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله
وَله: (لئن بَقِيتُ إلى قابلٍ، لأصُومَنَّ اليومَ التاسعَ)).
فضيلة :
روى أبو قتادةَ أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((صيامُ يوم عاشوراء؛ أخْتَسِبُ على الله أن يُكَفِّرَ
السنةَ التي قبلَه)). أخرجه مسلم والترمذيُّ(٢)، وقال: لا نعلمُ في شيء من الروايات
أنه قال في صيام(٣) يوم عاشوراء: كفَّارةُ سنة، إلا في حديث أبي قتادة.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ جملةٌ في موضع الحال، ومعناه: بأبصاركم،
فيقال: إنَّ آلَ فرعونَ طَفَوْا على الماء، فنظروا إليهم يَغْرقون، وإلى أنفسهم يَنْجُون،
ففي هذا أعظمُ المِنَّة.
وقد قيل: إنهم أُخرجوا لهم حتى رَأَوْهم، فهذه مِنَّةٌ بعد مِنَّة. وقيل: المعنى
﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي: ببصائركم للاعتبار؛ لأنهم كانوا في شُغْل عن الوقوف والنَّظر
بالأبصار. وقيل: المعنى: وأنتم بحالٍ من ينَظُرُ لو نَظَر، كما تقول: هذا الأمرُ منك
بمرأى ومَسْمَع، أي: بحالٍ تراهُ وتسمَعُه إنْ شِئْتَ(٤). وهذا القولُ والأولُ أشبَهُ(٥)
بأحوال بني إسرائيل؛ لتوالي عدم الاعتبارِ فیما صَدرَ من بني إسرائيل بعد خروجهم
من البحر، وذلك أنَّ الله تعالى لمَّا أنجاهم وغَرَّقَ عدوَّهم، قالوا: يا موسى إنَّ قلوبَنا
لا تطمئنُّ أنَّ فرعون قد غَرِقَ، حتى أَمر الله البحرَ، فلفَظّه، فنظروا إليه (٦).
(١) صحيح مسلم (١١٣٤): (١٣٤)، وسنن ابن ماجه (١٧٣٦)، وهو في المسند (١٩٧١). قال أبو العباس
القرطبي في المفهم ٣/ ١٩٤: ظاهره أنه كان عزم على أن يصوم التاسع بدل العاشر، وهذا هو الذي
فهمه ابنُ عبَّاس، حتى قال للذي سأله عن يوم عاشوراء: إذا رأيتَ هلالَ المحرَّم، فاعدُذ وأصبح يومَ
التاسع صائماً، وبهذا تمسك من رآه التاسع.
(٢) صحيح مسلم (١١٦٢): (١٩٦)، وسنن الترمذي (٧٥٢)، وهو في المسند (٢٢٥١٧).
(٣) في (م): أنه قال: صيام.
(٤) المحرر الوجيز ١٤٢/١.
(٥) في (ظ): وهذا القول أشبه.
(٦) نوادر الأصول ص ١٠١.

٩٧
سورة البقرة : الآية ٥٠
ذكر أبو بكر بنُ أبي شيبة (١)، عن قَيْس بن عُبَاد أنَّ بني إسرائيل قالت: ما ماتَ
فرعونُ، وما كان ليموتَ أبداً! قال: فلما أَنْ(٢) سمعَ الله تكذيبَهم نبيَّه عليه السلام،
رمَى به على ساحل البحر كأنه ثورٌ أحمرُ يتراءاه بنو إسرائيل، فلمَّا اطمأنوا وبُعِثُوا من
طريق البرِّ إلى مدائنٍ فرعونَ حتى نقلوا كنوزَه وغَرِقُوا في النِّعمة، رأوا قوماً يعكُفُون
على أصنامٍ لهم ﴿قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّاَ إلَهَا كَمَا لَمْ ءَالِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] حتى
زجَرَهم موسى وقال: ﴿أَغَيْرَ الَّهِ أَبْفِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَِّينَ﴾
[الأعراف: ١٤٠] أي: عالَمي زمانِهم(٣). ثم أَمَرَهم أن يسيروا إلى الأرضِ المُقدَّسة
التي كانت مساكنَ آبائهم، ويتطهَّروا من أرضٍ فرعون، وكانت الأرضُ المقدسة في
أيدي الجبَّارين قد غلبُوا عليها، فاحتاجوا إلى دَفْعهم عنها بالقتال، فقالوا: أتريدُ أن
تجعلَنا لُحْمَةً للجَّارين؟! فلو أنكَ تركتَنا في يد فرعونَ كان خيراً لنا، قال: ﴿يَقَوْمِ
ادْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَتِىِ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢١] حتى
دعا عليهم، وسَمَّاهم فاسقين، فبَقُوا في التِّيهِ أربعين سنةً عقوبةٌ، ثم رَحِمَهُم، فمنَّ
عليهم بالسَّلْوَى وبالغَمام على ما يأتي بيانُه (٤)، ثم سارَ موسى إلى طُورِ سَيْناء ليجيئهم
بالتوراة، فاتَّخَذُوا العجلَ، على ما يأتي بيانُه(٥)، ثم قيل لهم: قد وصلتُم إلى بيتٍ
المَقْدِس، فادخُلوا البابَ سُجَّداً وقولُوا: حِظَّة، على ما يأتي(٦).
وكان موسى عليه السلام شديدَ الحياء سِتِّيراً، فقالوا: إنه آدَرُ، فلما اغتسلَ وضَعَ
على الحَجَر ثوبَه، فعدا الحجرُ بثوبه إلى مجالس بني إسرائيل، وموسى على أَثَره
عُزْيانٌ وهو يقول: يا حجرُ ثوبي! فذلك قوله تعالى: ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ
ءَذَوْا مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ﴾ [الأحزاب: ٦٩] على ما يأتي بيانُه(٧).
(١) المصنَّف ٥٢٧/١١ -٥٢٨، والكلام منه إلى قوله: يتراءاه بنو إسرائيل، وتتمته من نوادر الأصول ص ١٠١.
(٢) في (ز) و(ظ): فلم يَعْدُ أنْ.
(٣) في (ز) و(ظ) و(م): زمانه، والمثبت من (د)، وهو الموافق لنوادر الأصول.
(٤) ١١٧/٢ - ١١٨.
(٥) في الآية الآتية.
(٦) ٢/ ١٢٤.
(٧) في تفسير الآية المذكورة، والحديث أخرجه أحمد (٨١٧٣)، والبخاري (٢٧٨)، ومسلم (٣٣٩) من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

٩٨
سورة البقرة : الآية ٥١
ثم لما مات هارونُ قالوا له: أنتَ قتلتَ هارونَ وحسدتَه، حتى نزلتِ الملائكةُ
بسريره وهارونُ ميِّتٌ عليه، وسيأتي في المائدة(١).
ثم سألوه أن يعلموا آيةً في قَبول قُربانهم، فجَعلت نارٌ تجيءُ من السماء فتقبَلُ
قُربانَهم، ثم سألوه أَنْ بَيِّن لنا كفَّاراتٍ ذنوبنا في الدنيا، فكان مَنْ أذنَبَ ذنباً أصبح
على (٢) بابه مكتوبٌ: عملتَ كذا، وكفَّارتُه قطعُ عضوٍ من أعضائك، يُسمِیه له، ومن
أصابَه بَولٌ لم يَظْهُر حتى يَقْرِضَه ويُزِيلَ جلدَته من بدنه، ثم بدَّلوا التوراةَ، وافتروا
على الله، وكتبوا بأيديهم، واشتروا به عَرَضاً، ثم صار أمرُهم إلى أن قتلُوا أنبياءهم
ورُسُلَهم، فهذه معاملتُهم مع ربِّهم، وسيرتُهم في دينهم وسوءِ أخلاقهم (٣). وسيأتي
بيانُ كلِّ فصلٍ من هذه الفصول مستوفّى في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال الطبري(٤): وفي إخبار القرآن على لسان محمد عليه السلام بهذه المُغيَّات
التي لم تكن من علمٍ(٥) العربٍ، ولا وقعَتْ إلا في حقِّ(٦) بني إسرائيل، دليلٌ واضحٌ
عند بني إسرائيل قائمٌ عليهم بنبوَّة محمدٍ وَله.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَىٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ الَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ
ظَالِمُونَ
فیه ستُّ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَىٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ﴾ قرأ أبو عمرو: ((وَعَدْنا)) بغير
ألفٍ (٧)، واختاره أبو عُبيد ورجَّحه، وأنكر ((واعَدْنا))(٨)؛ قال: لأنَّ المواعدةَ إنما
(١) في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ﴾ [الآية: ٢٦].
(٢) في نوادر الأصول ص ١٠٢: وعلى.
(٣) نوادر الأصول ص ١٠١ - ١٠٢.
(٤) في تفسيره ٢/ ٢٤٣، وقد نقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ١٤٢.
(٥) في (ظ): عادة.
(٦) في المحرر الوجيز: خفي علم، بدل: حق.
(٧) السبعة لابن مجاهد ص ١٥٤، والتيسير ص ٧٣.
(٨) قال أبو حيان في البحر ١٩٩/١: لا وجه لترجيح إحدى القراءتين على الأخرى؛ لأن كلّ منهما
متواتر، فهما في الصحة على حدٍّ سواء.

٩٩
سورة البقرة : الآية ٥١
تكونُ من البشر، فأما الله جلَّ وعزَّ؛ فإنما هو المنفردُ بالوعد والوعيد، على هذا
وجدنا القرآنَ، كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وقوله: ﴿وَعَدَ
اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [النور: ٥٥]، وقوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى
اُلْطَّبِفَنِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧](١).
قال مكيّ (٢): وأيضاً؛ فإنَّ ظاهرَ اللفظ فيه وَعْدٌ من الله تعالى لموسى، وليس فيه
وعدٌ من موسى، فوجَبَ حملُه على الواحد لظاهرٍ النصِّ(٣)، لأنَّ(٤) الفعلَ مضافٌ
إلى الله تعالى وحدَه، وهي قراءةُ الحَسَن وأبي رجاء وأبي جعفرٍ (٥) وشَيْبة(٦) وعيسى بن
عُمر (٧)، وبه قرأ قتادةُ وابنُ أبي إسحاق. قال أبو حاتم: قراءةُ العامة عندنا: ((وَعَدْنا))
بغير ألفٍ؛ لأنَّ المواعدةَ أكثرُ ما تكون بين المخلوقَيْن والمتكافئَیْنِ، كلُّ واحدٍ منهما
يَعِدُ صاحبه.
قال الجوهريُّ: الميعادُ: المُواعدةُ، والوقت، والموضعُ.
قال: مكيّ (٨): المُواعدةُ أصلُها من اثنين، وقد تأتي المُفاعلةُ من واحدٍ في كلام
العرب، قالوا: طارقتُ النَّعلَ، وداوَيْتُ العليلَ، وعاقَبْتُ اللصَّ، والفعلُ من واحدٍ،
فيكون لفظُ المُواعدةِ من الله خاصَّةً لموسى، كمعنى ((وعدنا))، فتكونُ القراءتان بمعنّی
واحد. والاختيارُ ((واعدنا)) بالألف، لأنه بمعنى ((وَعَدْنا)) في أحد معنييه، ولأنه لا بدَّ
لموسى من وعد، أو قَبولِ يقومُ مَقامَ الوعد، فتصحّ المُفاعلة.
قال النحاس(٩): وقراءةُ ((واعدنا)) بالألف أجودُ وأحسنُ، وهي قراءةُ مجاهدٍ
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٣/١ - ٢٢٤.
(٢) الكشف عن وجوه القراءات ٢٣٩/١.
(٣) في (ز): حمله على ظاهر النص.
(٤) في النسخ الخطية و(م): أن، والمثبت من الكشف عن وجوه القراءات.
(٥) يزيد بن القعقاع المدني، وهو من العشرة.
(٦) ابن نصاح بن سرجس، مقرئ المدينة مع أبي جعفر وقاضيها، ومولى أم سلمة، وهو أول من ألف في
الوقوف، وكتابه مشهور، توفي سنة (١٣٠هـ). طبقات القراء ٣٢٩/١ - ٣٣٠.
(٧) الهمداني، الكوفي القارئ، كان مقرئ أهل الكوفة بعد حمزة، قال الثوري: أدركت الكوفة وما بها
أحد أقرأ من عيسى الهمداني. توفي سنة (١٥٦ هـ). معرفة القراء الكبار ١/ ٢٧٠.
(٨) الكشف عن وجوه القراءات ٢٤٠/١.
(٩) إعراب القرآن ٢٢٤/١.

١٠٠
سورة البقرة : الآية ٥١
والأعرج وابن كثير ونافع والأعمشٍ وحمزةَ والكسائيّ(١)، وليس قوله عز وجل: ﴿وَعَدَ
اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ من هذا في شيء، لأن ﴿وَعَدْنَا مُوسَى﴾ إنما هو من
باب المُوافاة، وليس هذا من باب الوعد والوعيد في شيء، وإنما هو من قولك:
موعدُك يومُ الجمعة، وموعدُك موضعُ كذا، والفصيحُ في هذا أن يقال: واعدتُه.
قال أبو إسحاق الزجَّاج(٢): ((واعَدْنا)) هاهنا بالألف جيّدٌ، لأن الطاعةَ في القَبول
بمنزلة المُواعدة، فمِنَ الله جلَّ وعزَّ وَعْدٌ، ومن موسى قَبولٌ واتِباٌ يجري مجرى المُواعدة.
قال ابن عطية(٣): ورجَّح أبو عُبيد(٤) ((وَعَدْنا))، وليس بصحيح، لأن قَبول موسى
لوعدِ الله والتزامَه، وارتقابَه، يُشبه المُواعدة.
الثانية: قوله تعالى: ﴿مُوسَى﴾ ((موسى)) اسمٌ أعجميٌّ، لا ينصرفُ، للعُجْمة
والتعريف. والقِبطُ - على ما يُروى - يقولون للماء: مو، وللشجر: سا(٥)، فلما وُجِد
موسى في التابوت عند ماءٍ وشجرٍ، سُمِّيَ: موسى(٦).
قال السُّدِّيُّ: لما خافت عليه أُمُّه جعلته في التابوت، وألقته في اليَمِّ كما أوحى
الله إليها، فألقته في اليَمِّ بين أشجارٍ عند بيتٍ فرعون، فخرجَ جَواري آسيةً امرأةٍ
فرعون يغتسلنَ، فوجَدْنَه، فسُمِّيَ باسم المكان(٧). وذكر النَّقَّاشُ وغيره: أن اسم الذي
التقطه (٨) صابوث(٩).
(١) ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي: من القراء السبعة، ووافقهم على قراءة: ((واعدنا)) من السبعة أيضاً:
ابن عامر، وعاصم. انظر السبعة ص ١٥٤، والتيسير ص ٧٣ .
(٢) معاني القرآن ١٣٣/١.
(٣) المحرر الوجيز ١٤٢/١.
(٤) في (م): أبو عبيدة، وهو خطأ.
(٥) في (ز) و(م): شا، بالمعجمة، وفي القاموس: سا، بالمهملة. قال الزبيدي في تاج العروس: هكذا في
سائر النسخ (يعني بالمهملة في نسخ القاموس)، وقال ابن الجواليقي: هو بالشين المعجمة.
(٦) المحرر الوجيز ١/ ١٤٢. وقال ابن منظور في اللسان (موسى): قيل: هو بالعبرانية موسى، ومعناه
الجذب، لأنه جُذب من الماء.
(٧) النكت والعيون ١/ ١٢٠، وفيه: فألقاء بين أشجار، بدل: فألقته في اليم بين أشجار.
(٨) في (د) و(ز) و(م): التقطته، والمثبت من (ظ).
(٩) في (ظ): تهاموت.