Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة البقرة : الآية ٤٣
التاسعة عشرة: واختلفوا في إمامة وَلَدِ الزِّنَى، فقال مالك: أكرهُ أن يكونَ
إماماً راتباً. وكره ذلك عمرُ بنُ عبد العزيز، وكان عطاء بنُ أبي رباح يقول: له أن
يَؤمَّ إذا كان مرضيّاً، وهو قولُ الحسنِ البصريِّ، والزُّهريِّ، والنَّخَعيِّ، وسفيانَ
الثوريِّ، والأوزاعيِّ، وأحمدَ، وإسحاق، وتُجزئ الصلاةُ خلفَه عند أصحاب
الرأي(١)، وغيرُه أحبُّ إليهم، وقال الشافعيُّ: أكرهُ أن يُنْصَبَ إماماً راتباً مَن لا
يُعرفُ أبوه، ومَنْ صلَّى خلفَه أجزأه. وقال عيسى بنُ دينار: لا أقول بقول مالك في
إمامة ولد الزِّنى، وليس عليه من ذنبٍ أبويه شيءٌ. ونحوه قال ابنُ عبد الحَكّم إذا
كان في نفسه أهلاً للإمامة. قال ابن المنذر: يؤمُّ لدخولهِ في جملةٍ قولِ
رسولِ اللهِ وَلّهِ: ((يؤمُّ القومَ أقرؤهم))(٢). وقال أبو عمر(٣): ليس في شيء من الآثار
الواردة في شرط الإمامةِ ما يدلُّ على مراعاةَ نسَبٍ، وإنما فيها الدلالةُ على الفقه
والقراءةِ والصَّلاح في الدِّين.
الموفيةُ عشرين: وأما العبدُ؛ فروى البخاريُّ(٤) عن ابن عمر قال: لمَّا قَدِمَ
المهاجرون الأَوَّلون العَصْبة(٥) موضعاً(٦) بقُباء قبل مَقْدَم النبيِّ وََّه كان يؤمُّهم سالمٌ
مولى أبي حُذيفة، وكان أكثرَهم قرآناً.
وعنه قال(٧): كان سالمٌ مولى أبي حُذيفةً يؤُّ المهاجرين الأوَّلين وأصحابَ النبيِّ
وَ لّ في مسجد قُباء، فيهم أبو بكر، وعمرُ، وزيدٌ، وعامر بنُ ربيعة(٨)، وكانت عائشةٌ
(١) الأوسط ٤/ ١٦٠-١٦١.
(٢) قولُ ابن المنذر هذا في الأوسط ١٥٢/٤ في إمامة غير المدرك، أما قوله في إمامة ولد الزنى فلفظه فيه
١٦١/٤: يؤمُّ إذا كان مرضيًّا، ولا تضره معصية غيره.
(٣) هو ابن عبد البرّ، وكلامه في الاستذكار ٣٨٠/٥.
(٤) في صحيحه (٦٩٢).
(٥) قيَّدها البكري في معجم ما استعجم ٩٤٦/٣ بفتح العين وإسكان الصاد، وهو المعصّب.
(٦) في (م): موضع.
(٧) صحيح البخاري (٧١٧٥).
(٨) أبو عبد الله العنزي، من السابقين الأولين، شهد بدراً، وتوفي سنة (٣٥هـ). السير ٣٣٣/٢.

٤٢
سورة البقرة : الآية ٤٣
يؤمُّها عبدُها ذَكْوانُ من المصحف(١). قال ابنُ المنذر(٢): وأَمَّ أبو سعيد(٣) مولى أبي
أُسَيد - وهو عبدٌ - نَفراً من أصحاب رسول الله وَّهِ، منهم حُذيفةُ وأبو مسعود (٤).
ورَأَخَّصَ في إمامة العبدِ: النَّخَعيُّ، والشعبيُّ، والحسنُ البصريُّ، والحَكَمُ (٥)،
والثوريُّ، والشافعيُّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحابُ الرأي، وكره ذلك أبو مِجْلَز.
وقال مالك: لا يؤمُّهم إلا أن يكون العبد قارئاً ومَن معه من الأحرار لا يقرؤون، إلا
أن يكون في عيد أو جمعة، فإنَّ العبد لا يؤمُّهم فيهما(٦). ويُجزئُ عند الأوزاعيِّ إن
صَلَّوْا وراءه. قال ابن المنذر: العبدُ داخلٌ في جملة قول النبيِّ وَّرِ: ((يؤمُّ القومَ
أقرؤهم»(٧).
الحادية والعشرون: وأمَّا المرأةُ؛ فروى البخاريُّ(٨) عن أبي بَكْرَةَ قال: لما بلغَ
رسولَ اللهِوَ﴿ أَنَّ أهل فارسَ قد مَلَّكُوا بنتَ كسرى قال: ((لن يُفْلِحَ قومٌ وَلَّوْا أمْرَهُم امرأةً)».
وذكر أبو داود عن عبد الرحمن بن خلَّاد، عن أمِّ وَرَقَةَ بنتِ عبدِ الله قال: وكان
رسول الله ﴿ يزورُها في بيتها، قال: وجعلَ لها مؤذِّناً يؤذِّن لها، وأمرَها أن تؤمّ أهلَ
دارِها. قال عبدُ الرحمن: فأنا رأيتُ مؤذِّنَها شيخاً كبيراً (٩).
(١) علقه البخاري في الأذان، باب إمامة العبد والموالي. ووصله ابن أبي شيبة ٣٣٨/٢، وابن أبي داود في
المصاحف ص١٩٢، وابن المنذر في الأوسط ١٥٦/٤. وقال الحافظ في تغليق التعليق ٢٩١/٢: وهو
سند صحيح.
(٢) الأوسط ١٥٥/٤.
(٣) أورده ابن حجر في الإصابة ١١/ ١٨٧ وقال: ذكره ابن منده في الصحابة، ولم يذكر ما يدل على
صحبته، لكن ثبت ما يدل على أنه أدرك أبا بكر رضي الله عنه.
(٤) عقبة بن عمرو الأنصاري الخزرجي شهد المشاهد كلها مع رسول الله وَلتر، نزل الكوفة، وكان من
أصحاب علي، وتوفي بعد سنة (٤٠هـ). الإصابة ٧/ ٢٤.
(٥) ابن عتيبة، أبو محمد الكندي مولاهم، عالم أهل الكوفة، توفي سنة (١١٥هـ). السير ٢٠٨/٥.
(٦) في (م) و(د): فيها.
(٧) المسألة بتمامها في الأوسط ١٥٦/٤ -١٥٧.
(٨) رقم (٤٤٢٥)، وهو في المسند (٢٠٤٣٨).
(٩) سنن أبي داود (٥٩٢)، وهو في المسند (٢٧٢٨٣). قال الباجي في المنتقى ٢٣٥/١: وهذا الحديث
مما لا يجب أن يعوَّل عليه. وينظر المغني لابن قدامة ٣٣/٣ .

٤٣
سورة البقرة : الآية ٤٣
قال ابنُ المنذر(١): والشافعيُّ يُوجِبُ الإعادةَ على مَنْ صِلَّى من الرجال خَلْفَ
المرأة. وقال أبو ثَوْر: لا إعادةَ عليهم. وهذا قياسُ قول المُزَنِيِّ.
قلتُ: وقال علماؤنا: لا تصحُّ إمامتُها للرجال ولا للنساء. وروى ابنُ أيمن جوازَ
إمامتها للنساء (٢). وأما الخُنْثَى المُشْكِلُ؛ فقال الشافعي: لا يؤمُّ الرجالَ، ويَؤُمُّ
النساء. وقال مالك: لا يكون إماماً بحال، وهو قولُ أكثرِ الفقهاء.
الثانية والعشرون: الكافرُ المُخالِفُ للشرع، كاليهودي والنصراني، يؤمُّ المسلمين
وهم لا يعلمون بكفره. وكان الشافعيُّ وأحمدُ يقولان: لا يُجزئُهم ويُعيدون. وقاله
مالك وأصحابُه، لأنه ليس من أهل القُربة. وقال الأوزاعي: يعاقَب. وقال أبو ثَور
والمُزَنِيّ: لا إعادةَ على مَنْ صلَّى خلفَه، ولا يكون بصلاته مسلماً عند الشافعي وأبي
ثور. وقال أحمد: يُجبر على الإسلام(٣).
الثالثة والعشرون: وأما أهلُ البِدَع من أهل الأهواء، كالمعتزلة والجَهْمِيَّة
وغيرِهما؛ فذكر البخاري عن الحسن: صلّ، وعليه بدعتُه (٤).
وقال أحمد: لا يُصَلَّى خلفَ أحدٍ من أهلِ الأهواء إذا كان داعيةً إلى هواه. وقال
مالك: ويُصَلَّى خَلْفَ أئمةِ الجَوْرِ، ولا يُصَلَّى خَلْفَ أهلِ البِدَع من القَدَريَّة وغيرهِم.
وقال ابن المنذر: كلُّ مَنْ أخرجَتْه بدعتُه إلى الكفر لم تَجُزِ الصلاةُ خلفَه، ومَنْ لم
يكن كذلك؛ فالصلاةُ خلفَه جائزة، ولا يجوزُ تقديمُ مَنْ هذه صفتُه(٥).
الرابعة والعشرون: وأما الفاسقُ بجوارحه، كالزاني، وشارب الخمر، ونحوِ
ذلك، فاختلفَ المذهبُ فيه، فقال ابنُ حَبِيب: مَنْ صَلَّى وراء مَنْ شَربَ الخمر فإنه
(١) الأوسط ٤/ ١٦٢، بنحوه.
(٢) نقله عنه الباجي في المنتقى ٢٣٥/١. وابن أيمن هو أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن أيمن بن فرج
القرطبي شيخ الأندلس ومسندها في زمانه، كان بصيراً بالفقه، مفتياً، بارعاً، عارفاً بالحديث وطرقه،
عالماً به. صنف كتاباً في السنن خرجه على سنن أبي داود. توفي سنة (٣٣٠هـ). السير ٢٤١/١٥.
(٣) الأوسط ٤/ ١٦٢.
(٤) علَّقه البخاري بصيغة الجزم، في كتاب الأذان، باب إمامة المفتون والمبتدع، (فتح الباري ١٨٨/٢).
ووصله الحافظ في تغليق التعليق ٢٩٢/٢-٢٩٣.
(٥) الأوسط ٢٣٢/٢.

٤٤
سورة البقرة : الآية ٤٣
يُعيد أبداً، إلا أن يكون الواليَ الذي تُؤدّى إليه الطاعة، فلا إعادةَ على مَنْ صلَّى خَلفَه
إلا أن يكون حينئذ سكرانَ. قاله مَنْ لقيتُ من أصحاب مالكٍ(١).
ورُوِيَ من حديث جابر بنِ عبدِ الله أنَّ رسولَ اللهِوَ لَّ قال على المنبر: ((لا تَؤْمَّنَّ
امرأةٌ رجلاً، ولا يَؤْمَّنَّ أعرابيٌّ مُهاجِراً، ولا يَؤُمَّنَّ فاجرٌ بَرّاً، إلا أن يكونَ ذلك ذا
سلطان))(٢). قال أبو محمد عبدُ الحق(٣): هذا يرويه عليّ بنُ زيد بنِ جُدْعانَ، عن
سعيد بن المسيّب، [عن جابر]، والأكثرُ يُضَعِّفُ عليَّ بنَ زید.
وروى الدار قطنيُّ(٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إن سَرَّكُم أن تُزَكُوا
صلاتكم، فقَدِّمُوا خِيارَكم)). في إسناده أبو الوليد خالد بنُ إسماعيل المخزوميُّ، وهو
ضعيفٌ. قاله الدَّارَ قطني. وقال فيه أبو أحمدَ بنُ عَدِيٌّ(٥): كان يضعُ الحديث على
ثقات المسلمين، وحديثُه هذا يرويه عن ابن جُريج، عن عطاء، عن أبي هريرة.
وذكر الدَّارقطنيُّ عن سلام بن سليمان، عن عمر، عن محمد بن واسع، عن
سعيد بن جُبير، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَ له: ((اجعلوا أئمتكم خيارَكم؛
فإنَّهم وفدٌ (٦) فيما بينكم وبين الله)). قال الدَّار قطنيُّ: عمرُ هذا هو عندي عمر بنُ يزيد
قاضي المدائن، وسَلَّام بنُ سليمان أيضاً مدائنيٌّ ليس بالقويِّ. قاله عبد الحق(٧).
الخامسةُ والعشرون: رَوى الأئمةُ أن رسولَ الله ◌ِوَ ﴿ قال: ((إنما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتَمَّ
به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كَبَّرَ فكَبِّرُوا، وإذا رَكَعَ فاركعوا، وإذا قال: سمعَ الله لمن
(١) المنتقى للباجي ٢٣٦/١.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٠٨١)، والبيهقي في السنن ١٧١/٣، وأعلَّه بعبد الله بن محمد العدوي، ونقل عن
البخاري قوله فیه: منکر الحديث، لا يتابع في حديثه.
(٣) الأحكام الوسطى ٣٢٩/١، وما بين حاصرتين منه.
(٤) سنن الدار قطني ٣٤٦/١.
(٥) الكامل ٩١٢/٣، ونقله عنه أبو محمد عبد الحق في الأحكام الوسطى ٣٢٢/١. وابن عدي هو عبد الله
ابن عدي الجُرْجاني، الحافظ الناقد، توفي سنة (٣٦٥هـ). السير ١٥٤/١٦.
(٦) في سنن الدارقطني ٨٧/٢ -٨٨: وفدكم.
(٧) الأحكام الوسطى ٣٢٢/١-٣٢٣. والكلام في سلام بن سليمان من كلام عبد الحق. ثم إن في إسناد
الحديث الحسين بن نصر، قال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ١٤٩/٣: لا يعرف.

٤٥
سورة البقرة : الآية ٤٣
حمده، فقولوا: اللّهُمَّ ربَّنا ولك الحمد، وإذا سجدَ فاسجُدُوا، وإذا صلَّى جالساً
فصَلُّوا جلوساً أجمعون))(١).
وقد اختلف العلماءُ فيمن رَفَعَ(٢) أو خَفَضَ قبلَ الإمام عامداً على قولَين:
أحدُهما: أنَّ صلاتَه فاسدةٌ إنْ فعلَ ذلك فيها كلِّها أو في أكثرها، وهو قولُ أهل
الظاهر، ورُويّ عن ابن عمر (٣)؛ ذكر سُنيد قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّة، عن أيوبَ، عن أبي
قِلابة، عن أبي الوَرْد الأنصاريِّ قال: صَلَيْتُ إلى جَنْبِ ابنِ عمر، فجعلتُ أرفعُ قبلَ
الإمام، وأضَعُ قبلَه، فلما سلَّمَ الإمامُ، أخذَ ابنُ عمر بيدي، فلواني وجَذَبَنِي، فقلتُ:
مالَك؟! قال: مَنْ أنتَ؟ قلتُ: فلانُ بن فلان، قال: أنتَ من أهل بيتٍ صدقٍ! فما
يمنعُك أن تصلِّي؟ قلتُ: أوَما رأيتَني إلى جنبك؟! قال: قد رأيتُك ترفعُ قبلَ الإمام،
وتَضَعُ قبلَه، وإنه لا صلاةً لمن خالفَ الإمام (٤).
وقال الحسن بن حَيٍّ فیمن رکعَ أو سجد قبل الإمام، ثم رفعَ من ركوعه أو
سجوده قبل أن يركعَ الإمام أو يسجدَ: لم يُعتدَّ بذلك، ولم يَجْزِه.
وقال أكثر الفقهاء: مَنْ فَعَلَ ذلك فقد أساءَ، ولم تفسد صلاتُه؛ لأنَّ الأصلَ في
صلاة الجماعة والائتمام فيها بالأئمة سُنَّةٌ حسنةٌ، فمن خالفَها بعد أنْ أدَّى فرضَ
صلاته بطهارتها وركوعها وسجودِها وفرائضِها، فليس عليه إعادتُها، وإن أسقطَ بعضَ
سُنَّتِها؛ لأنه لو شاءَ أن ينفردَ، فصلَّى قبلَ إمامه تلك الصلاةَ، أجْزَأَتْ عنه، ويئسَ ما
فعلَ في تركه الجماعةً .
قالوا: ومن دَخَلَ في صلاة الإمام، فرکعَ برکوعِه، وسجدَ بسجودِه، ولم یکنْ في
ركعة وإمامُه في أخرى، فقد اقتدَى [به]، وإن كان يرفعُ قبلَه، ويخفضُ قبلَه؛ لأنه
(١) في (د): أجمعين، وأخرجه أحمد (٨١٥٦)، والبخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤١٤) من حديث أبي هريرة.
وفي الباب عن ابن عمر وأنس وجابر وعائشة رضي الله عنهم.
(٢) في (د) و(ظ) و(م): رکع، والمثبت من (ز).
(٣) الأوسط لابن المنذر ١٩١/٤.
(٤) ذكره بتمامه ابن عبد البر في الاستذكار ٣٠٦/٤-٣٠٧. وأخرجه ابن المنذر بنحوه في الأوسط
٤/ ١٩٠-١٩١ من طريق وهب، عن أيوب، عن قيس بن عباية، عن رجل من الأنصار قال:
أتيت المدينة ... وذكر القصة.

٤٦
سورة البقرة : الآية ٤٣
بركوعه يركع، وبسجوده يسجد، و[برفعه] يرفع، وهو في ذلك تَبَعٌ له، إلا أنه مسيءٌ
في فعلِه ذلك؛ لخلافه(١) سنةَ المأموم المجتمع عليها(٢).
قلت: ما حكاه ابنُ عبدِ البَرّ(٣) عن الجمهور ينبني (٤) على أنَّ صلاةَ المأموم
عندَهم غيرُ مرتبطةٍ بصلاة الإمام؛ لأن الاتِّباع الحسيَّ والشرعيَّ مفقود، وليس الأمرُ
هكذا عند أكثرهم. والصحيحُ في الأثر والنظر القولُ الأوَّل، فإنَّ الإمامَ إنما جُعِلَ
ليؤتمَّ به ويُقْتَدَى به بأفعاله، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]
أي: يأتَمُّون بك، على ما يأتي بيانه(٥).
هذا حقيقةُ الإمام لغةً وشرعاً، فمن خالفَ إمامَه لم يتبعه، ثم إنَّ النبيَّ وَّهِ بِيِّنَ
فقالَ: ((إذا كَبَّر فكبِّروا)) الحديث(٦). فأتى بالفاء التي تُوجِبُ التعقيب، وهو المبيِّن عن
الله مُرَادَه. ثم أُوْعَدَ مَنْ رَفَعَ أو ركعَ قبلُ وعيداً شديداً، فقال: ((أمَا يخشى الذي يرفعُ
رأسَه قبلَ الإمام أن يُحَوِّلَ اللهُ رأسَه رأسَ حمار - أو صورتَه صورةً حمار )) أخرجه
(الموظّا))، والبخاريُّ، ومسلم، وأبو داودَ، وغيرُهم(٧). وقال أبو هريرة: إنَّما ناصيتُه
بيد شيطانٍ(٨). وقال رسول الله وَّه: ((كُلُّ عَمَلٍ ليس عليه أَمْرُنا فهو رَدِّ)(٩). يعني
مردود(١٠). فمن تَعَمَّدَ خلافَ إمامِه عالماً بأنه مأمورٌ باتِّباعه، منهيٍّ عن مخالفته، فقد
(١) في (د) و(ظ): بخلاف.
(٢) الاستذكار ٤/ ٣٠٧، وما بين حاصرتين منه.
(٣) حكى المصنف هنا ردَّه على ابن عبد البر، ولم يصرح قبلُ بكلامه، وهو في الاستذكار كما في التعليق قبله.
(٤) في (ز): يبنى، وفي (م) ينبئ.
(٥): ٣٦٧/٢.
(٦) سلف ٢ / ٤٤.
(٧) لم نقف عليه في الموطأ، وهو عند البخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧)، وأبي داود (٦٢٣) من حديث
أبي هريرة. وهو في المسند (٩٨٨٤).
(٨) أخرجه مالك ٩٢/١.
(٩) أورده بهذا اللفظ ابن عبد البر في الاستذكار ٣٠٦/٤، والتمهيد ٨٢/٢، وأخرج البخاري (٢٦٩٧)،
ومسلم (١٧١٨) عن عائشة رضي الله عنها، مرفوعاً: ((مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردًّ»،
وفي لفظ لمسلم: ((مَنْ عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو ردًّ».
(١٠) في (د) و(ز): مردوداً.

٤٧
سورة البقرة : الآية ٤٣
استَخَفَّ بصلاته، وخالفَ ما أُمِرَ به، فواجبٌ ألَّا تُجزِئَ عنه صلاتُه تلك(١)، والله
أعلم.
السادسةُ والعشرون: فإنْ رفَعَ رأسَه ساهياً قبلَ الإمام؛ فقال مالكٌ رحمه الله:
السُّنّةُ فيمن سَهَا ففعلَ ذلك في ركوع أو (٢) سجود أن يرجعَ راكعاً أو ساجداً، ولا
ينتظر (٣) الإمامَ، وذلك خطأُ ممَّن فَعَلَه؛ لأن النبيَّ ◌َّه قال: ((إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ
به، فلا تختلفوا عليه»(٤).
قال ابنُ عبد البَرِّ(٥): ظاهرُ قولٍ مالكِ هذا لا يُوجِبُ الإعادةَ على مَنْ فَعَلَه
عامداً، لقوله: وذلك خطأً ممن فعله؛ لأن الساهيّ الإثمُ عنه موضوعٌ.
السابعةُ والعشرون: وهذا الخلافُ إنما هو فيما عدا تكبيرةَ الإحرام والسلامَ؛ أمَّا
السلامُ؛ فقد تقدَّمَ القولُ فيه (٢). وأمَّا تكبيرةُ الإحرام؛ فالجمهور على أنَّ تكبيرَ المأمومِ
لا يكونُ إلا بعد تكبيرِ الإمام، إلا ما رُويَ عن الشافعيِّ في أحد قولَيه: إنه إنْ كَبَّرَ قبلَ
إمامِه تكبيرة الإحرام، أجْزَأَتْ عنه، لحديث أبي هريرة: أن رسول الله وَ ل و جاء إلى
الصلاة، فلما كبّر، انصرف، وأومأ إليهم، أي: كما أنتم، ثم خرجَ، ثم جاء ورأسُه
يقطُرُ(٧)، فصلَّى بهم، فلما انصرفَ قال: ((إني كنتُ جُنُباً، فَنَسِيتُ أن أغتسل))(٨). ومن
(١) الاستذكار ٣٠٦/٤.
(٢) في (م) أو في سجود.
(٣) في (م) وينتظر.
(٤) سلف ٢/ ٤٤.
(٥) الاستذكار ٣٠٦/٤.
(٦) ٢٦٨/١.
(٧) في (د) و (ظ) و (م): تقطر، والمثبت من (ز).
(٨) أخرجه بنحوه ابن ماجه (١٢٢٠)، والدار قطني ٣٦١/١، واللفظ له، وهو في المسند (٩٧٨٦). وفيه
أسامة بن زيد الليثي: صدوق له أوهام، وقوله: فلما كبَّر انصرف، هو من أوهامه، فقد أخرجه
البخاري (٦٣٩)، ومسلم (٦٠٥): (١٥٧) وفيهما أن ذلك إنما كان قبل أن يكبِّر. وانظر شرح مشكل
الآثار ٢ / ٩٠.

٤٨
سورة البقرة : الآية ٤٣
حديث أنس ((فكبَّرَ وكبّرْنا معه))(١) وسيأتي بيانُ هذا عند قوله تعالى: ((وَلاَ جُنُباً)) في
((النساء)) إن شاء الله تعالى.
الثامنةُ والعشرون: ورَوَى مسلم(٢) عن أبي مسعود قال: كان رسولُ اللهِ وَه
يمسحُ مَناكِينا في الصلاة، ويقول: ((استؤُوا، ولا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم، ولِيَلِني(٣)
منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونَهم، ثم الذين يلونَهم)). قال أبو (٤) مسعود:
فأنتم اليومَ أشدُّ اختلافاً. زاد من حديث عبد الله: ((وإيَّاكم وهَيْشاتِ الأسواقِ))(٥).
قوله(٦): ((اسْتَوُوا)): أمرٌ بتسوية الصفوف، وخاصَّةً الصفَّ الأوّلَ، وهو الذي يلي
الإمام، على ما يأتي بيانه في سورة الحجر إن شاء الله تعالى (٧). وهناك يأتي الكلامُ
على معنى هذا الحديث بحول الله تعالی.
التاسعة والعشرون: واختلفَ العلماءُ في كيفية الجلوسِ في الصلاة؛ لاختلاف
الآثار في ذلك، فقال مالكٌ وأصحابُه: يُفْضِي المصلّ بأَلْيَتِهِ (٨) إلى الأرض، وينصبُ
رجله اليُمنى، ويَثْنِي رِجْلَه اليُسرى، لِما رواه في موّئه(٩) عن يحيى بن سعيد: أن
القاسمَ بنَ محمد أراهم الجلوسَ في التشهُّد، فنَصَبَ رِجْلَه اليمنى، وثَنَی رِجْلَه
اليُسرى، وجَلَسَ على وَرِكِه الأيسر، ولم يجلسْ على قدمه، ثم قال: أراني هذا
عبدُ الله بنُ عمر، وحدَّثني أن أباه كان يفعلُ ذلك.
(١) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٦٢٤)، والبيهقي ٣٩٩/٢ من طريق عبيد الله بن معاذ، عن
أبيه، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه، قال البيهقي: خالفه عبد الوهاب بن
عطاء، فرواه عن سعيد، عن قتادة، عن بكر بن عبد الله المزني، عن النبي وَلقر، مرسلاً.
(٢) رقم (٤٣٢): (١٢٢). وهو في المسند (١٧١٠٢).
(٣) في (م): ليلني.
(٤) في النسخ: ابن، وهو خطأ، والمثبت من (م).
(٥) صحيح مسلم (٤٣٢): (١٢٣). وهو في المسند (٤٣٧٣). والهيشات، ويقال أيضاً: الهوشات، جمع
هوشة: وهي الفتنة والهيج والاضطراب.
(٦) في (م): وقوله.
(٧) عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِيْنَا الْمُشْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلْنَا الْمُسْتَصِينَ
(٨) في (د) و(م): بأليتيه، والمثبت موافق لما في الاستذكار.
(٩) ٩٠/١، وينظر الاستذكار ٢٦٣/٤ -٢٦٤.

٤٩
سورة البقرة : الآية ٤٣
قلتُ: وهذا المعنى قد جاء في صحيح مسلم(١) عن عائشة قالَتْ: كان رسولُ الله
رَّم يستفتحُ الصلاةَ بالتكبير، والقراءةَ بالحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وكان إذا ركعَ لم
يُشْخِصْ رأسَه، ولم يُصَوِّبْه، ولكن بينَ ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجدْ
حتى يستويّ قائماً، وكان إذا رفَعَ رأسَه من السجدة(٢) لم يسجُدْ حتى يستويَ
جالساً(٣)، وكان يقرأ(٤) في كلِّ ركعتين التحيةَ، وكان يَفْرُشُ رِجْلَه اليُسرى، وينصبُ
رِجْلَه اليُمنى، وكان يَنْهى عن عُقْبَةِ الشيطانِ، ويَنْهى أن يفْتَرِشَ الرجل ذراعَيْه افتراش
السَّبُع، وكان يختمُ الصلاةَ بالتسليم.
قلت: ولهذا الحديث - والله أعلم - قال ابن عمر: إنما سُنَّهُ الصلاةِ أن تَنْصِبَ
رجلك اليمنى، وتَثْنِيَ الْيُسْرى(٥). وقال الثَّوْريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والحسنُ بنُ
صالح بنِ حَيّ: يَنْصِبُ اليُمنى، ويقعدُ على اليُسرى(٦)، لحديث وائل بنِ حُجْر (٧).
وكذلك قال الشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ في الجلسة الوُسْطى. وقالوا في الآخرة من
الظهرِ، أو العصرِ، أو المغربِ، أو العشاءِ، كقول مالك(٨)، لحديث أبي حُمَيْد
الساعدي؛ رواه البخاريُّ(٩) قال: رأيتُ النبيَّ وَِّ إذا كبَّرَ جعلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْه،
وإذا ركعَ أمكنَ يَدَيْه من ركبتيه، ثم هَصَرَ ظهره، فإذا رفع اسْتَوَى حتى يعودَ كلٌّ فَقَار
مكانّه، فإذا سجدَ وَضَعَ يَدَيْه غيرَ مُفْتَرِشٍ ولا قابِضِهما، واستقبلَ بأطراف أصابعِ
(١) سلف ١٤٧/١، ٢٦٩ و٢٦/٢.
(٢) في (ظ): السجود.
(٣) في (ز) و(ظ): قاعداً.
(٤) في (م): يقول.
(٥) أخرجه البخاري (٨٢٧).
(٦) مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٢١٢/١، والاستذكار ٢٦٤/٤.
(٧) يشير إلى ما أخرجه أبو داود (٧٢٦)، والترمذي (٢٩٢) - واللفظ له -، والنسائي في المجتبى ٢٣٦/٢،
وفي الكبرى (٧٥٠) عن وائل بن حُجر قال: قدمت المدينة، قلت: لأنظرنَّ إلى صلاة رسول الله ◌ِصَ﴾،
فلما جلس - یعني - للتشهد، افترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى - يعني - على فخذه الیسری،
ونصب رجله اليمنى. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٨) الأوسط لابن المنذر ٢٠٣/٣، والاستذكار ٢٦٤/٤.
(٩) في صحيحه (٨٢٨)، وذكر المصنف شطراً منه في المسألة السابعة.

٥٠
سورة البقرة : الآية ٤٣
رِجْلَيه القبلةَ، وإذا جلسَ في الركعتين جلسَ على رِجْلِه اليُسرى(١) ونصبَ الأخرى،
وإذا جلسَ في الركعة الآخِرة قدَّمَ رِجْلَه الْيُسْرى، ونصبَ اليمنى، وقَعَدَ على مَفْعَدَتِهِ .
قال الطبري(٢): إن فعل هذا فَحَسَنٌ، وإن فعلَ هذا فَحَسَنٌ(٣) كلُّ ذلك قد ثَبَتَ
عن النبي صَل ـ
الموفية ثلاثين(٤): مالك(٥) عن مسلم بنِ أبي مريمَ، عن عليٍّ بنِ عبد الرحمن
المُعاوِيِّ أنه قال: رآني عبدُ الله بنُ عُمر وأنا أعْبَتُ بالحَضْباء في الصلاة، فلما
انصرفَ نَهاني، وقال: اصنَعْ كما كان رسول الله وَّهِ يصنَعُ. فقلتُ: وكيف كان رسولُ
الله وَلِ﴿ يصنَعُ؟ قال: كان إذا جلسَ في الصلاة، وضَعَ كَفَّه اليُمنى على فَخِذِه اليُمنى،
وقبضَ أصابِعَه كلَّها، وأشارَ بأُصبُعِه التي تلي الإبهامَ، ووضعَ كفَّه الْيُسْرى على فَخِذِهِ
اليُسْرى، وقال: هكذا كان يفعل.
قال ابن عبد البرّ(٦): وما وصَفَه ابنُ عمر من وَضْع كفِّه اليمنى على فَخِذِه اليمنى،
وقَبْضٍ أصابع يدِه تلك كلِّها إلا السبابةَ منها؛ فإنه يُشيرُ بها، ووَضْع كفّه اليسرى على
فخذه اليسرى مفتوحةٌ مَفْروجةَ الأصابع؛ كلُّ ذلك سُنَّةٌ في الجلوس في الصلاة مُجْمَعٌ
عليها(٧)، لا خلافَ عَلِمتُه بين العلماء فيها، وحسبُكَ بهذا. إلا أنهم اختلفوا في
تحريك أُصبعِه السبابةِ: فمنهم من رأى تحريكها، ومنهم من لم يَرَه، وكلُّ ذلك مروِيٌّ
في الآثار الصِّحاحِ المسنَدةِ عن النبيِّ ◌ََّ، وجميعُه مُباحٌ، والحمد لله.
ورَوى سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ هذا الحديث عن مسلم بنِ أبي مريمَ بمعنى ما رواه مالك،
وزاد فيه: قال سفيان: وكان يحيى بنُ سعيد حدَّثَناه عن مسلم، ثم لقيتُه فسمعتُه منه،
(١) في (ظ): اليمنى وهو خطأ.
(٢) نقله عنه ابنُ عبد البر في الاستذكار ٢٦٥/٤.
(٣) لم تكرر العبارة في (م)، والمثبت من (ز) و(د)، وهو الموافق للاستذكار، وكررت في (ظ) ثلاث
مرات.
(٤) في (م): الثلاثين.
(٥) الموطأ ٨٨/١ -٨٩. ومن طريقه أخرجه مسلم (٥٨٠): (١١٦).
(٦) الاستذكار ٢٦١/٤ - ٢٦٢.
(٧) في (د): مجتمع عليه، وفي (ز): فيجتمع عليها، وفي (م): مجمع عليه، والمثبت من (ظ).

٥١
سورة البقرة : الآية ٤٣
وزادني فيه قال: «هي مَذَبَّةُ الشيطان، لا يسهو أحدُكم ما دامٍ يُشيرُ بأصبعه ويقولُ
هكذا)»(١).
قلت: روى أبو داود في حديث ابن الزبير أنه عليه السلام كان يُشير بأصبعه إذا
دعا ولا يُحرِّكُها(٢). وإلى هذا ذهبَ بعضُ العراقيين، فمنَعَ من تحريكها، وبعضُ
علمائنا رأوا أنَّ مدَّها إشارةٌ إلى دوام التوحيد.
وذهب أكثرُ العلماء من أصحاب مالكِ وغيرِهم إلى تحريكها، إلا أنهم اختلفوا
في الموالاة بالتحريك على قولين، تأوَّل مَن وَالاهُ بأن قال: إنَّ ذلك يُذَكِّر بموالاة
الحضور في الصلاة، وبأنها مَقْمَعةٌ ومَدْفَعة للشيطان على ما رَوَى سفيان، ومن لم
يُوالٍ؛ رأى تحريكها عند التلفّظ بكلمتي الشهادة، وتأوَّلَ في الحركة كأنها نُطْقٌ بتلك
الجارحة بالتوحيد، والله أعلم(٣).
الحادية والثلاثون: واختلفُوا في جلوس المرأة في الصلاة، فقال مالك: هي
كالرَّجُل، ولا تخالفُه فيما بعد الإحرام إلا في اللباس والجَهْر. وقال الثوريُّ: تَسْدُلُ
المرأةُ رِجْلَيْها (٤) من جانب واحد، ورواه عن إبراهيم النَّخْعِيِّ. وقال أبو حنيفة
وأصحابه: تجلسُ المرأة كأيسرٍ ما يكونُ لها. وهو قولُ الشَّعْبي: تقعدُ كيف تَسَّرَ لها.
وقال الشافعيّ: تجلسُ بأسترِ ما يكونُ لها(٥).
الثانيةُ والثلاثون: روى مسلم(٦) عن طاوس قال: قلنا لابن عباس في الإقعاء
على القدمين، فقال: هي السُّنَّة، فقلنا له: إنا لَنراه جَفاءً بالرجل، فقال ابنُ عباس:
[بل]َ هِي سُنَّهُ نبِّك ◌َلِ.
(١) رواية سفيان أخرجها مسلم كذلك عقب (٥٨٠): (١١٦) وليس فيها هذه الزيادة، وأخرجها بذكر تلك
الزيادة الحميدي (٦٤٨)، وابن عبد البر في التمهيد ١٩٦/١٣.
(٢) سنن أبي داود (٩٨٩)، وأخرجه أيضاً النسائي في المجتبى ٣٧/٣، وفي الكبرى (١١٩٤). وقد أخرجه مسلم
(٥٧٩) إلا أنه لم يذكر فيه قوله: ((ولا يحركها)». وهو في المسند (١٦١٠٠) وليس فيه أيضاً: ((ولا يحركها)».
(٣) المفهم ٢/ ٢٠٢، وينظر النوادر والزيادات ١٨٨/١ - ١٨٩، وإكمال المعلم ٥٣٠/٢ - ٥٣١.
(٤) في (م): جلبابها، وهو خطأ.
(٥) الاستذكار ٢٦٦/٤ -٢٦٧.
(٦) رقم (٥٣٦)، وما بين حاصرتين منه.

٥٢
سورة البقرة : الآية ٤٣
وقد اختلف العلماءُ في صفةِ الإقعاء ما هو، فقال أبو عبيدة(١): الإقعاء جلوسُ
الرَّجُلِ على ألْيَتَيْه (٢) ناصباً فَخِذَيْهِ مثلَ إقعاء الكلب والسّبُع. قال ابنُ عبد البر(٣):
وهذا إقعاء مجتمع عليه، لا يختلِفُ العلماء فيه. وهذا تفسير أهل اللغة وطائفةٍ من
أهل الفقه. وقال أبو عبيد(٤): وأما أهلُ الحديث؛ فإنهم يجعلون الإقعاءَ أن يجعلَ
أَلْيَتَيْه على عَقِبَيْهِ بين السجدتين. قال القاضي عياض(٥): والأشبهُ عندي في تأويل
الإقعاء الذي قال فيه ابنُ عباس: إنه من السُّنَّة، الذي فَسَّرَ به الفقهاء من وضع الألْيَتَيْن
على العَقِبَيْن بين السجدتين، وكذا جاء مُفَسَّراً عن ابن عباس: من السُّنَّةِ أن تُمِسَّ
عَقِبَك ألْيَتَك. رواه إبراهيم بنُ مَيْسرة، عن طاوس، عنه، ذكره أبو عمر (٦).
قال القاضي (٧): وقد رُويّ عن جماعة من السَّلَفِ والصحابةِ أنهم كانوا يفعلونه،
ولم يقلْ بذلك عامَّةُ فقهاءِ الأمصار، وسَمَّوْه إقعاءً. ذكر عبد الرزاق عن مَعْمَر، عن
ابن طاوس، عن أبيه، أنه رأى ابنَ عمر وابن عباس وابنَ الزبير يُفْعُون بين
السجدتين(٨).
الثالثة والثلاثون: لم يختلف من قالَ من العلماء بوجوب التسليم وبعدم وجوبه
أنَّ التسليمةَ الثانيةَ ليست بفرض، إلا ما رُوِيَ عن الحسن بنِ حَيّ أنه أوْجَبَ
التسليمتينِ معاً. قال أبو جعفر الطحاوِيُّ(٩): لم نجد عن أحد من أهل العلم الذين
ذهبوا إلى التسليمتينٍ أن الثانية من فرائضها غيرَه .
(١) في (ز) و(ظ) و(م): أبو عبيد، وكلاهما محتمل، والمثبت من (د)، فقد نقله أبو عبيد القاسم بن سلام
في غريب الحديث ٢١٠/١ و١٠٨/٢، والأزهري في تهذيب اللغة ٣١/٣ عن أبي عبيدة معمر بن
المثنى، وفي مطبوع الاستذكار ٢٦٩/٤ - وعنه نقل المصنف -: أبو عبيد.
(٢) في (ز) و(ظ): أليته.
(٣) الاستذكار ٢٦٩/٤-٢٧٠.
(٤) غريب الحديث ٢١٠/١ و١٠٩/٢، والاستذكار ٢٧٠/٤.
(٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٤٥٩/٢.
(٦) الاستذكار ٢٧١/٤.
(٧) إكمال المعلم ٤٥٩/٢، ٤٦٠.
(٨) مصنف عبد الرزاق (٣٠٢٩)، والاستذكار ٢٧١/٤.
(٩) لم نقف عليه، وهو في الاستذكار ٢٩٨/٤، ونقله المصنف عنه.

٥٣
سورة البقرة : الآية ٤٣
قال ابنُ عبد البَرِّ(١): مِن حُجَّة الحسنِ بنِ صالح - في إيجابه التسليمتين جميعاً،
وقولِه: إنَّ مَنْ أحدثَ بعد الأولى وقبل الثانية فَسَدَتْ صلاتُه - قولُهُ وَِّ: «تحليلُها
التسليمُ))(٢). ثم بَيَّنَ كيف التسليم، فكان يُسلِّمُ عن يمينه وعن يساره.
ومِن حُجَّة مَنْ أوجبَ التسليمةَ الواحدةَ دون الثانية قولُهُ وَّهِ: ((تحليلُها التسليم))؛
قالوا: والتسليمةُ الواحدةُ يقعُ عليها اسمُ تسليم.
قلت: هذه المسألةُ مبنيّةٌ على الأخذِ بأول(٣) الاسم أو بآخره، ولما كان الدخولُ
في الصلاة بتكبيرةٍ واحدةٍ بإجماع، فكذلك الخروجُ منها بتسليمةٍ واحدة (٤)، إلا أنه
تواردت السننُ الثابتةُ من حديث ابن مسعود - وهو أكثرُها تواتراً - ومن حديث وائلٍ
ابنِ حُجْر الحضرميِّ، وحديثِ عمّار، وحديثِ البراء بنِ عازب، وحديثٍ ابن عمر،
وحديثٍ سَعْد بنِ أبي وَقَّاص، أنَّ النبيَّ ◌َّ﴿ كان يُسلِّمُ تَسْلِیمَتَيْنِ(٥). روى ابن جُریج،
وسليمانُ بنُ بلال، وعبدُ العزيز بنُ محمد الدَّراوَرْدِيُّ، كلَّهم عن عمرو بنٍ يحيى
المازني، عن محمد بنِ يحيى بنِ حَبَّان، عن عمه واسع بنِ حَبَّان قال: قلتُ لابن
عمر: حدِّثْني عن صلاة رسولِ اللهِوَ ﴿ كيف كانت؟ فذكَرَ التكبيرَ كلَّما رَفَعَ رأسَه
وكلَّما خَفَضَه، وذَكَرَ السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه، السلام عليكم ورحمة الله
(١) الاستذكار ٢٩٩/٤.
(٢) سلف تخريجه ٢٦٨/١.
(٣) في (ز) و(ظ) و(م): بأقلّ.
(٤) في (ز) و(ظ): بتکبیر واحد ... بتسلیم واحد.
(٥) أخرج حديث ابن مسعود أحمد (٣٦٦٠)، وأبو داود (٩٩٦)، والترمذي (٢٩٥)، والنسائي ٦٢/٣،
وابن ماجه (٩١٤)، وابن عبد البر في الاستذكار ٤/ ٣٠٠.
وأخرج حديث وائل بن حجر الحضرمي أحمد (١٨٨٥٣)، وأبو داود (٩٩٧).
وأخرج حديث عمار ابنُ أبي شيبة ٢٩٩/١، وابنُ ماجه (٩١٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار
٢٦٨/١، والدارقطني ٣٥٦/١.
وأخرج حديث البراء ابنُ أبي شيبة ٢٩٩/١، والطحاوي ٢٦٩/١، والدار قطني ١/ ٣٥٧.
وأخرج حديث سعد بن أبي وقاص أحمد (١٤٨٤)، ومسلم (٥٨٢)، والنسائي ٦١/٣، وسيورد
المصنف حديث ابن عمر.

٥٤
سورة البقرة : الآية ٤٣
عن يساره (١). قال ابن عبد البر(٢): وهذا إسنادٌ مدنيٍّ صحيح، والعملُ المشهورُ
بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عملٌ قد توارثَه أهلُ المدينة كابراً عن كابر، ومثلُه
يصحُّ فيه الاحتجاجُ بالعمل في كل بلد؛ لأنه لا يَخْفَى؛ لوقوعه في كلِّ يوم مراراً.
وكذلك العملُ بالكوفة وغيرِها مستفيضٌ عندهم بالتسليمتين، ومتوارَثٌ عندهم أيضاً.
وكلُّ ما جَرَى هذا المجرى فهو اختلافٌ في المباح، كالأذان، ولذلك(٣) لا يُرْوَى عن
عالم بالحجاز ولا بالعراق ولا بالشام ولا بمصر إنكارُ التسليمةِ الواحدة، ولا إنكارُ
التسليمتين، بل ذلك عندهم معروف(٤)، وحديث التسليمة الواحدة رواه سعد بن أبي
وقّاص، وعائشةٌ، وأنس، إلا أنها معلولةٌ لا يُصحَّحها أهلُ العلم بالحديث(٥).
الرابعة والثلاثون: روى الدّارَقُظْنيُّ عن ابن مسعود أنه قال: من السُّنة أن يُخْفِيَ
التشهُّد(٦).
(١) أخرجه الشافعي في مسنده ٩٩/١ (بترتيب السندي)، وأحمد (٥٤٠٢) و(٦٣٩٧)، والنسائي في
المجتبى ٦٢/٣ و ٦٣.
(٢) الاستذكار ٣٠٢/٤.
(٣) في (ز) و(ظ) و(م): وكذلك، والمثبت من (د)، وهو الموافق للاستذكار.
(٤) الاستذكار ٢٩٦/٤-٢٩٧.
(٥) أخرج حديث سعد بن أبي وقاص الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٦٦/١، وأورده ابن عبد البر في
الاستذكار ٢٩١/٤ وقال: أخطأ فيه الدراوردي، فرواه على غير ما رواه الناس: تسليمة واحدة، وغيره
پروي فيه تسلیمتین.
وأخرج حديثَ عائشة الترمذيُّ (٢٩٦)، وابنُ ماجه (٩١٩)، والطحاويُّ في شرح معاني الآثار ١/ ٢٧٠،
وابنُ حبان (١٩٩٥) من طريق زهير بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
قال الترمذي: وحديث عائشة لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه. وقال الطحاوي: هذا حديثٌ أصله
موقوفٌ على عائشة، وأورده ابنُ عبد البر في الاستذكار ٢٩٣/٤ وقال: لم يرفعه أحد إلا زهير بن
محمد وحدّه، وزهير بن محمد ضعيف عند الجميع، كثير الخطأ، لا يحتج به.
وأخرج حديث أنس ابنُ أبي شيبة ١/ ٣٠١، والبزار في مسنده (٥٦٦) (زوائد) من طريق أيوب
السختياني، والبيهقي في السنن الكبرى ١٧٩/٢ من طريق حميد، كلاهما عن أنس، به.
قال ابن عبد البر في الاستذكار ٢٩٦/٤ بعد أن أورد طريق أيوب: لم يسمع أيوب من أنس.
(٦) لم نقف عليه عند الدار قطني لا في سننه ولا في علله، وأخرجه أبو داود (٩٨٦)، والترمذي (٢٩١)،
وابن خزيمة (٧٠٦)، والحاكم ٢٣٠/١، والبيهقي ١٤٦/٢، والبغوي في شرح السنة (٦٨٠). قال
الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن غريب، والعمل عليه عند أهل العلم.

٥٥
سورة البقرة : الآية ٤٣
واختارَ مالكٌ(١) تَشَهُّدَ عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه، وهو: التحيَّاتُ لله،
الزاكيات لله، الطيباتُ الصلواتُ لله، السلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاتهُ،
السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمداً
عبدُه ورسولُه .
واختارَ الشافعيُّ(٢) وأصحابُه واللَّيثُ بنُ سعد تشهُّدَ ابنِ عباس، قال: كان
رسولُ اللهِوَله يعلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كما يُعلِّمُنا السورةَ من القرآن، فكان يقولُ: ((التحيَّاتُ
المباركاتُ الصلواتُ الطيباتُ لله، السلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُه، السلامُ
علينا وعلى عبادِ الله الصالحين، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأشهدُ أن محمداً رسولُ الله)).
واختارَ الثّوْرِيُّ والكوفيون وأكثرُ أهلِ الحديثِ تَشَهُّدَ ابنِ مسعود الذي رواه
مسلم(٣) أيضاً قال: كنَّا نقولُ في الصلاة خلفَ رسولِ الله وَّهِ: السلامُ على الله،
السلامُ على فلان، فقال رسولُ اللهِ وَ ﴿ ذات يوم: ((إن الله هو السلامُ، فإذا قَعدَ
أحدُكم في الصلاة، فلْيقُلْ: التَّحِيَّاتُ [لله]، والصلواتُ والطيباتُ، السلامُ عليك أيُّها
النَّبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين - فإذا قالها أصابَتْ
كلَّ عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض - أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه
ورسولُه، ثم يتخيَّرُ من المسألةِ ما شاء)». وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وداودُ. وكان
أحمد بنُ خالد بالأندلس يختارُه ويميلُ إليه(٤) .
ورُوي عن أبي موسى الأشعريِّ مرفوعاً وموقوفاً نحوُ تشهُّدِ ابنِ مسعود(٥).
(١) الموطأ ٩٠/١، وذكره ابن عبد البر في الاستذكار ٢٧٤/٤.
(٢) مسند الشافعي ٩٧/١ (بترتيب السندي)، والرسالة (٧٤٣)، واختلاف الحديث ص٤٣-٤٤، والأم
١٠١/١٠، وذكر ذلك ابن عبد البر في الاستذكار ٢٨٠/٤.
وأخرجه أحمد (٢٦٦٥)، ومسلم (٤٠٣): (٦٠)، وأبو داود (٩٧٤)، والترمذي (٢٩٠)، والنسائي
٢٤٢/٢-٢٤٣، وابن ماجه (٩٠٠).
(٣) برقم (٤٠٢): (٥٥) وما بين حاصرتين منه، وهو في مسند أحمد (٤١٠١). وينظر الاستذكار ٢٧٩/٤.
(٤) الاستذكار ٢٧٩/٤، ٢٨٠، وأحمد بن خالد: هو أبو عمر القرطبي، ويعرف بابن الجبّاب نسبة إلى بيع
الجِباب، كان من أفراد الأئمة، عديم النظير، توفي سنة (٣٢٢ هـ). السير ٢٤٠/١٥.
(٥) أخرجه مرفوعاً أحمد (١٩٦٦٥)، ومسلم (٤٠٤)، وأبو داود (٩٧٢)، والنسائي ٢٤١/٢ -٢٤٢، وابن
ماجه (٩٠١). وذكر الدارقطني في العلل ٧/ ٢٥٤ من وقفه.

٥٦
سورة البقرة : الآية ٤٤
وهذا كلُّه اختلافٌ في مُباح، ليس شيءٌ منه على الوجوب، والحمد لله(١).
فهذه جملةٌ من أحكام الإمام والمأموم، تَضَمَّنَها قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ
الرَّكِعِينَ﴾.
وسيأتي القولُ في القيام في الصلاة عند قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِنِينَ﴾
[البقرة: ٢٣٨]. ويأتي هناك حكمُ الإمام المريض وغيرُه من أحكام الصلاة، ويأتي في
(آل عمران))(٢) حكمُ صلاة المريض غير الإمام، ويأتي في ((النساء))(٣) في صلاة
الخوف حكمُ المفترض خلفَ المُتنفِّل، ويأتي في سورة ((مريم))(٤) حكمُ الإمام يصلي
أرفعَ من المأموم، إلى غير ذلك من الأوقات والأذان والمساجد؛ وهذا كلُّه بيانٌ
لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾، وقد تقدَّمَ في أوّل السورة جملةٌ من أحكامها(٥)،
والحمدُ لله على ذلك.
قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
فيه تسع مسائل:
الأولى: قولُه تعالى: ﴿أَتَأْمُونَ النَّاسَ بِلْبِرِ﴾ هذا استفهامٌ معناه التوبيخُ، والمرادُ
في قول أهلِ التَّأويل: علماءُ اليهود. قال ابن عباس: كان يهودُ المدينةِ يقولُ الرجل
منهم لصِهْرِهِ ولِذِي قَرابَتِهِ، ولمن بينه وبينه رَضاعٌ من المسلمين: اثبُتْ على الذي أنت
عليه وما يأمرُك به هذا الرجلُ - يريدون محمَّداً وَ﴿ـ فإنَّ أُمْرَه حقٌّ. فكانوا يأمرون
الناسَ بذلك ولا يفعلونه(٦).
وعن ابن عباسٍ أيضاً: كان الأحبارُ يأمرون مُقَلِّدِيهم وأتباعَهُم باتِّباع التَّوراة،
وكانوا يُخالفونها في جَخْدِهم صفةً محمد {َلِ(٧).
(١) في (م): والحمد لله وحده.
(٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ الآية ١٩١.
(٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَيُّمْ فِى الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَرَةِ﴾ الآية ١٠١.
(٤) عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَخْرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١)﴾.
(٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِلْغَيْبٍ وَيُعِمُونَ الصََّلَوَةَ وَمِنَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ )).
(٦) أخرجه الواحدي في أسباب النزول عند قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُونَ النَّاسَ بِلْبِّ﴾.
(٧) تفسير الثعالبي ١/ ٥٧.
٤٤

٥٧
سورة البقرة : الآية ٤٤
وقال ابن جُرَيْج: كان الأحبارُ يَحُضُّون على طاعة الله، وكانوا هم يُواقِعون
المعاصي. وقالت فِرْقةٌ: كانوا يحضُّون على الصدقةِ ويَبْخلُون(١). والمعنى مُتقارِب.
وقال بعض أهلِ الإشارات: المعنى: أتُطالِبونَ الناسَ بحقائقِ المعاني وأنتم تخالفون
عن ظواهر رُسُومِها(٢)؟ !.
الثانية: في شِدَّة عذابٍ مَنْ هذه صفَتُه؛ روى حمَّاد بنُ سَلَمة، عن عليّ بنِ زيد،
عن أنسٍٍ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((ليلةً أُسرِيَ بي مرَرْتُ على ناس تُقْرَضُ شِفاهُهم
بمقاريضَ من نار، فقلتُ: يا جبريلُ، مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء الخطباءُ من أمَّتِكَ(٣)،
يَأْمُرُونَ الناسَ بالبِرِّ وَيَنسَوْن أنفسَهم وهم يَتلونَ الكتابَ أفلا يَعْقِلون»(٤).
وروى أبو أمامةً قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الذين يأمُرون الناس بالبِرِّ ويَنْسَوْن
أنفُسَهم يَجُرُّونَ قُصْبَهُم في نارٍ جَهَنَّم، فيُقَالُ لهم: مَن أنتم؟ فيقولون: نحن الذِين كنّا
نأمُرُ الناسَ بالخير ونَنْسى أَنفُسَنا».
قلتُ: وهذا الحديثُ وإن كان فيه لِينٌ؛ لأنَّ في سنده الخَصِيبَ بنَ جَحْدر (٥)،
كان الإمامُ أحمد يَستَضْعِفُه، وكذلك ابنُ مَعين، يرويه عن أبي غالب، عن أبي أمامةً
صُدَيِّ بنِ عَجْلانَ الباهليِّ. وأبو غالب هو _ فيما حَكى يحيى بنُ مَعِين - حَزَوَّرُ
القُرَشيّ(٦) مولى خالدِ بنِ عبد الله بن أسيد، وقيل: مولى باهِلَة، وقيل: مولى عبدٍ
الرحمن الحَضْرميِّ، كان يختَلِفُ إلى الشّام في تجارتِهِ؛ قال يحيى بنُ مَعين: هو
صالحُ الحديث، فقد رواه مسلمٌ(٧) في صحيحه بمعناهُ عن أسامةَ بنِ زيد قال : سمعتُ
(١) المحرر الوجيز ١٣٦/١-١٣٧.
(٢) في (ظ): عن ظواهرها ورسومها.
(٣) في (م): من أهل الدنيا.
(٤) أخرجه وكيع في ((الزهد)) (٢٩٧)، وابن أبي شيبة في مصنفه ٣٠٨/١٤، وأحمد في مسنده (١٢٢١١).
(٥) قال الذهبي في ميزان الاعتدال ١/ ٦٥٣: كذَّبه شعبة والقطّان وابن معين وقال أحمد: لا يكتب
حديثُه، وقال البخاري: كذاب، استعدى عليه شعبة.
(٦) قال الذهبي في ميزان الاعتدال ١/ ٤٧٦: ضعفه النسائي، وقال ابن حبان: لا يحتج به، وقد صحح له
الترمذي.
(٧) رقم (٢٩٨٩)، وما بين حاصرتين منه، وأخرجه أيضاً البخاري (٣٢٦٧)، وهو في مسند أحمد
(٢١٧٨٤).

٥٨
سورة البقرة : الآية ٤٤
رسولَ الله وَّه يقول: ((يُؤتَى بالرجل يومَ القيامة، فيُلقَى في النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بطنِهِ،
فيدورُ بها كما يدورُ الحمارُ بالرَّحى، فيجتمِعُ إليه أهلُ النَّار، فيقولون: يا فُلان، ما
لكَ، ألم [تكنْ] تأمرُ بالمعروفِ وتنهى عن المُنكَر؟! فيقول: بلى، قد كنتُ آمُرُ
بالمعروف ولا آتِيه، وأنهى عن المُنكَرِ وآتيه)».
القُصْبُ، بضمِّ القاف: المِعَى، وجمعُه أَقْصَابٌ. والأقْتَابُ: الأَمعاءُ(١)، واحدُها
قِتْبٌ. ومعنى فَتَنْدَلِقُ: تخرُجُ(٢) بسُرعة. وروينا: فَتَنْفَلِقُ.
قلتُ: فقد دلَّ الحديثُ الصحيحُ، وألفاظُ الآيةِ، على أنَّ عُقوبة مَن كان عالِماً
بالمعروفِ وبالمنكر وبوُجوب القيام بوظيفة كُلِّ واحدٍ منهما أشَدُّ ممَّن لم يعلَمْه، وإنَّما
ذلك لأنَّه كالمُستَهينِ بحُرُمات الله تعالى، ومُستَخِفٍّ بأحكامه، وهو ممَّن لم(٣) ينتَفِعْ
بعلمه، قال رسولُ اللهِوَ ل ◌ِ: ((أشدُّ الناسِ عذاباً يومَ القيامةِ عالِمٌ لم ينفَعْهُ الله بعِلْمه)).
أخرجه ابنُ ماجه في ((سُنته))(٤).
الثالثة: إِعلم وقَّقَك اللهَ تعالى أنَّ التَّبِيخَ في الآية بسببٍ تَرْكِ فعْلِ البِرِّ، لا بسببٍ
الأمرِ بالبِرِّ، ولهذا ذمَّ الله تعالى في كتابهِ قوماً كانوا يأمُرون بأعمالِ البِرِّ ولا يعملون
بها ذمّاً، وبَّخَهُم بها(٥) توبيخاً يُتْلَى على طول الدَّهرِ إلى يوم القيامةِ، فقال: ﴿أَتَأْمُونَ
النَّاسَ بِالْبِرِ﴾ الآية .
(١) في (د): المعى.
(٢) في (م): فتخرج.
(٣) في (م): لا.
(٤) لم نجده في سنن ابن ماجه، وأخرجه الطبراني في المعجم الصغير (٥٠٧)، وابن عدي في الكامل
٩١١/٣ و١٨٠٧/٥، والقضاعي في مسند الشهاب (١١٢٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٧٧٨)
من طريق عثمان بن مقسم البري، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وأورده المنذري في الترغيب
والترهيب (٢٢٢) ونسبه إلى الطبراني في الصغير والبيهقي. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨٥/١
وقال: فيه عثمان البُرّي، قال الفلاس: صدوق لكنه كثير الغلط صاحب بدعة، ضعَّفه أحمد والنسائي
والدارقطني. وينظر ميزان الاعتدال ٥٨/٣.
(٥) في (د) و(ظ) و(م): به، والمثبت من (ز)، وهو موافق لما في جامع بيان العلم لابن عبد البرّ ص
٢٣٥، وعنه نقل المصنف.

٥٩
سورة البقرة : الآية ٤٤
وقال منصور الفقيهُ(١) فأحسنَ:
بالَّذي لا يَفْعَلُونا
إنَّ قوماً يأمُرونا
لم يكونوا يُضْرَعُونا
لمجانينُ وإِنْ هُمْ
وقال أبو العتاهية(٢):
وَصَفْتَ الثُّقَى حتَّى كأَنَّك ذو تُقّى
ورِيحُ الخطايا من ثيابِكَ(٣) تَسْطَعُ
وقال أبو الأسود الدُّؤَلِيُّ:
عارٌ عليك إذا فَعَلْتَ عظيمُ
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَه
وابْدَأْ بنفسِكَ فانْهَهَا عن غَيِّها
فهناك يُقبَلُ إن وعظتَ ویُقتدى
فإنِ انْتَهَتْ عنه فأنت حكيمُ
بالقولِ منكَ ويَنفَعُ الشَّعليمُ (٤)
وقال أبو عمرو بنُ مطَر(٥): حضرتُ مجلسَ أبي عثمانَ الحِيْرِيِّ الزَّاهدِ(٦)،
فخرجَ وقعدَ على موضعِه الذي كان يقعُد عليه للتَّذكير، فسكت حتى طالَ سُكوتُه،
فناداه رجلٌ كان يُعرفُ بأبي العِبَّاس: ترى أنْ تقولَ في سكوتِكَ شيئاً؟ فأنشأً يقولُ:
طبيبٌ يُداوِي وَالطبيبُ مريضُ
وغيرُ تَقِيٍّ يأمرُ النَّاسَ بالثُّقَى
قال: فارتفعَتِ الأصواتُ بالبُكاءِ والضَّجيجِ(٧).
الرابعة: قال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: إنّي لأكرَهُ القَصصَ لثلاثِ آيات، قولهِ تعالى:
(١) ابن إسماعيل، أبو الحسن التميمي الشافعي، الضرير، الشاعر، فقيه مصر، توفي سنة (٣٣٦هـ). السير
٢٣٨/١٤. والبيتان في جامع بيان العلم ص٢٣٨ .
(٢) إسماعيل بن قاسم بن سويد العَنّزي، أبو إسحاق، رأس الشعراء، نزيل بغداد، تنسَّك بأَخّرة، وقال في
المواعظ والزهد فأجاد، توفي سنة (٢١٣ هـ). السير ١٩٥/١٠. والبيت في ديوانه ص٢١٢، وجامع
بیان العلم ص٢٣٥.
(٣) في (د) وجامع بيان العلم: ثناياك.
(٤) نسبت هذه الأبيات إلى المتوكل الكناني، والأخطل، وسابق البربري، والطّرِمَّاح، والمشهور أنها لأبي
الأسود الدؤلي. انظر خزانة الأدب ٥٦٥/٨ - ٥٦٩، وجامع بيان العلم ص٢٣٧ و٢٣٨.
(٥) محمد بن جعفر بن محمد بن مطر، النيسابوري، المحدث، توفي سنة (٣٦٠هـ). السير ١٦٢/١٦.
(٦) هو سعيد بن إسماعيل النيسابوري الحيري، المحدث الواعظ، توفي سنة (٢٩٨هـ). السير ١٤/ ٦٢.
(٧) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٩٢٨) و (٧٣٠٣).

٦٠
سورة البقرة : الآية ٤٤
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِأَلْبِرّ﴾ الآية، وقوله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]،
وقوله: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنَكُمْ عَنَّهُ﴾ [هود: ٨٨].
وقال سَلْمُ بن عَمْرو(١):
يُزَهِّدُ النَّاسَ ولا يَزْهَدُ
ما أقبحَ التَّزهيدَ من واعظٍ
أَضْحَى وأمْسَى بيتَه المسجدُ
لو كان في تزهيدِهِ صادِقاً
يَستَمْنِحُ النَّاسَ ويَسْتَرْفِدُ
إنْ رَفَضَ الدُّنْيا فما بالُهُ
يسعى(٢) له الأبيضُ والأسودُ
الرِّزقُ مَقْسُومٌ على مَنْ تَرَى
وقالَ الحَسَنُ لمطرِّفِ بنِ عبدِ الله: عِظْ أصحابَك، فقال: إنِّي أخافُ أنْ أقولَ ما
لا أَفْعَلُ. قال: يرحَمُكَ الله! وأيُّنا يفعَلُ ما يقولُ؟! وَيَودُّ الشَّيطانُ أنَّه قد ظَفِر بهذا،
فلم يأمُرْ أحدٌ بمعروفٍ، ولم يَنْه عن مُنْكَر.
وقال مالك عن ربيعةً بنِ أبي عبد الرَّحمن، سمعتُ سعيدَ بنَ جُبير يقولُ: لو كان
المَرْءُ لا يأمُرُ بالمَعْروفِ ولا يَنْهى عن المُنْكَرِ حتَّى لا يكونَ فيهِ شيءٌ، ما أمرَ أحدٌ
بمعروفٍ، ولا نَهَى عن منكرٍ. قال مالك: وصدَقَ، مَنْ ذا الذي ليس فيه(٣) شيءٌ(٤)؟!
الخامسة: قولُه تعالى: ﴿يَلْبِرِ﴾. البِرُّ هنا: الطّاعةُ والعملُ الصَّالحُ. والبرُّ:
الصِّدَقُ. والبِرُّ: وَلَدُ الثَّعلَبِ. والبِرُّ: سَوْقُ الغَنَم، ومنه قولُهم: ((لا يَعْرِفُ هِرّاً من
بِّ))(٥) أي: لا يعرفُ دُعاءَ الغنَمِ من سَوْقِها. فهو مُشتَرك.
وقال الشَّاعر:
(١) من شعراء الدولة العباسية، وهو راوية بشار بن برد وتلميذُه، كان منقطعاً إلى البرامكة، مات قبل
الرشيد. الأغاني ١٩/ ٢٦١، وسير أعلام النبلاء ١٩٣/٨.
(٢) في (م): يناله، والأبيات في الأغاني ٢٦٩/١٩، وجامع بيان العلم ص٢٣٥، ومعجم الأدباء
٢٣٩/١١، ووفيات الأعيان ٣٥٢/٢.
(٣) في (د) و(ظ): عليه.
(٤) ينظر إحياء علوم الدين ٣١٢/٢-٣١٣.
(٥) أورده العسكري في جمهرة الأمثال ٤٠١/٢، وقال: قال الأصمعي: معناه لا يعرف شيئاً من شيء،
وقيل: معناه: لا یعرف من یبُّه ممن یکرهه.