Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ سورة البقرة : الآية ٣ والصلاةُ: التسبيح، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينٌ﴾ [الصافات: ١٤٣] أي: من المُصَلِّين، ومنه سُبْحةُ الضُّحى. وقد قيل في تأويل ﴿نُسَبْحُ بِحَمْدِلَ﴾ [البقرة: ٣٠]: نصلّي. والصلاةُ: القراءة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، فهي لفظٌ مُشتركٌ. والصلاةُ: بيتٌ يُصَلَّى فيه، قاله ابنُ فارس(١). وقد قيل: إنَّ الصلاةَ اسمُ عَلَم وُضِعَ لهذه العبادة، فإنَّ الله تعالى لم يُخْلِ زماناً من شَرْع، ولم يَخْلُ شرعٌ من صلاة، حكاه أبو نصر القُشَيْريّ. قلتُ: فعلى هذا القولِ لا اشتقاقَ لها، وعلى قولِ الجمهور، وهي: الحادية عشرة: اختلف الأصوليُّون: هل هي مبقاةٌ على أصلها اللُّغويِّ الوضعيّ الابتدائيٌّ، وكذلكَ الإيمانُ والزكاةُ والصيامُ والحجّ، والشرعُ إنما تصرَّفَ بالشروطِ والأحكام، أو هل تلك الزيادةُ من الشرع تُصَيِّرها(٢) موضوعةً كالوضع الابتدائيّ من قِبَلِ الشرع؟ هنا اختلافُهم، والأَوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّ الشريعةَ ثَبَتَتْ بالعربية، والقرآنُ نزلَ بها بلسان عربيٍّ مبين، ولكن للعرب تحكّم في الأسماء، كالدَّابةِ وُضِعَتْ لكلِّ ما يَدِبُّ، ثم خَصَّصَها العُرْفُ بالبهائم، فكذلك لِعُرفِ الشرع تحكّمٌ في الأسماء، والله أعلم. الثانية عشرة: واختُلِفَ في المرادِ بالصلاةِ هنا، فقيل: الفرائضُ، وقيل: الفرائضُ والنوافلُ معاً، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ اللفظَ عامٌّ، والمتَّقي يأتي بهما. الثالثة عشرة: الصلاةُ سببٌ للرزق، قال الله تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ﴾ [طه: ١٣٢]، الآية، على ما يأتي بيانه في ((طه)) إن شاء الله تعالى. وشفاءٌ من وَجَعَ البطن وغيرِهِ، روى ابنُ ماجه، عن أبي هريرةً قال: هَجَّرَ النبيُّ نَّهِ، فهجَّرْتُ(٣)، فصلَّيتُ، ثم جلستُ، فالتفتَ إليَّ النبيُّ وَ﴿، فقال: ((اشكَمَتْ دَرْدَه)) قلتُ: نعم يا رسولَ الله، قال: ((قُمْ فَصَلٌ، فإنَّ في الصلاةِ شِفاءٌ)). وفي (٤) رواية: ((اشكَمَت دَرْد)) يعني: تشتكي (١) في مجمل اللغة (صلى) ٢/ ٥٣٨. (٢) في النسخ: يصيرها، والمثبت من (م). (٣) من هذا الموضع إلى قوله: لأنه مخالف للسواد ص ٢٨٣ سقط من (ز). (٤) في (د) و(م): في رواية، والمثبت من (ظ). ٢٦٢ سورة البقرة : الآية ٣ بطنَك؟ بالفارسية(١). وكان عليه الصلاة والسلام إذا حَزَبَهُ أمْرٌ، فَزِعَ إلى الصَّلاةُ(٢). الرابعة عشرة: الصلاةُ لا تَصِحُّ إلا بشروطٍ وفروض، فمن شُروطها: الطهارةُ، وسيأتي بيانُ أحكامها في سورة النساء والمائدة(٣). وسَتْرُ العورة، يأتي في الأعراف (٤) القولُ فيها إن شاء الله تعالى. وأما فروضُها: فاستقبالُ القبلةِ (٥)، والنيةُ، وتكبيرةُ الإحرام، والقيامُ لها، وقراءةُ أمِّ القرآن، والقيامُ لها، والركوعُ، والُّمأنينةُ فيه، ورفعُ الرأس من الركوع، والاعتدالُ فيه، والسجودُ، والطمأنينةُ فيه، ورفعُ الرأسِ من السجود، والجلوسُ بين السجدتين، والظُمأنينةُ فيه، والسجودُ الثاني، والطمأنينةُ فيه. والأصلُ في هذه الجُملةِ حديثُ أبي هريرةَ في الرجل الذي علَّمِه النبيُّ وَّ هِ الصلاةَ لمَّا أخَلَّ بها، فقال له: ((إذا قمت إلى الصلاةٍ، فَأَسْبغ الوضوءَ، ثم استقبلِ القبلةَ، ثم كَبِّرْ، ثم اقرَأَ ما تَيَسَّرَ معك من القرآن، ثم ارْكَعْ حتى تَظْمَئنَّ راكعاً، ثم ارفَعْ حتى تَعْتَدِلَ قائماً، ثم اسْجُدْ حتى تطمئنَّ ساجداً، ثم ارفَعْ حتى تطمئنَّ جالساً، ثم افعَلْ ذلك في صلاتِكَ كلِّها)) خرَّجه مسلم(٦). ومثلُه حديثُ رِفاعةً بن رافع (٧)، أخرجه الدار قطنيُّ وغيرُه(٨). قال علماؤنا: فبيَّنَ (٩) بَِّ﴿ أركانَ الصلاة، وسكتَ عن الإقامةِ، ورَفْعِ اليَدَيْن، (١) سنن ابن ماجة (٣٤٥٨). وفي إسناده ذوَّاد بن عُلْبة، ولَيْثُ بنُ أبي سُليم، وكلاهما ضعيف، وأخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢٧١) (٢٧٢) (٢٧٣)، وأخرجه أيضاً (٢٧٤) عن أبي الدرداء، ثم قال: هذان حدیثان لا یصحّان. (٢) أخرجه الإمام أحمد (٢٣٢٩٩)، وأبو داود (١٣١٩)، والطبري في التفسير ٦١٨/١-٦١٩ (واللفظ له) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه. (٣) النساء الآية (٤٣)، والمائدة الآية (٦). (٤) الآية (٢٦). (٥) الأكثر على أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة. (٦) (٣٩٧): (٤٦)، وأخرجه أيضاً أحمد (٩٦٣٥)، والبخاري (٧٥٧). (٧) الأنصاري، الخزرجي، شهد بدراً والعقبة وبقية المشاهد، مات سنة (٤١هـ)، الإصابة ٢٨١/٣. (٨) سنن الدار قطني ٩٥/١-٩٦، وأخرجه أحمد في المسند (١٨٩٩٧). (٩) في (م): فبين قوله. ٢٦٣ سورة البقرة : الآية ٣ وعن حَدِّ القراءة، وعن تكبيرِ الانتقالات، وعن التسبيح في الركوع والسجود، وعن الجَلْسةِ الوسطى، وعن التَّشْهُّدِ، وعن الجَلْسةِ الأخيرةِ، وعن السَّلام. أمَّا الإقامةُ وتعيينُ الفاتحة، فقد مضى الكلامُ فيهما(١). وأما رَفْعُ اليَدَيْن، فليس بواجبٍ عند جماعةِ العلماء وعامَّةِ الفقهاء، لحديث أبي هريرةَ وحديثٍ رِفاعةً بن رافع. وقال داودُ وبعضُ أصحابه بوجوب ذلك عند تكبيرةٍ الإحرام. وقال بعضُ أصحابه: الرفعُ عند الإحرامِ وعندَ الركوع وعند الرفع من الركوع واجبٌ، وإنَّ مَنْ لم يرفَعْ يديه، فصلاتُهُ باطلةٌ، وهو قولُ الحُميديِّ(٢)، وروايةٌ عن الأوزاعيّ. واحتجُّوا بقوله عليه السلام: ((صَلُّوا كما رَأَيْتُموني أُصَلِّي)) أخرجه البخاري(٣). قالوا: فوجبَ علينا أَنْ نفعلَ كما رأيناه يفعَلُ؛ لأنه المبلِّغُ عن الله مراده. وأما التكبيرُ ما عدا تكبيرة الإحرام، فمسنونٌ عند الجمهور، للحديث المذكور. وكان ابنُ القاسم صاحبُ مالك يقول: مَنْ أسقطَ من التكبير في الصلاة ثلاثَ تكبيرات فما فوقَها، سَجَدَ للسهو قبلَ السلام، وإنْ لم يسجُدْ بطلَتْ صلاتُه، وإنْ نَسِيَ تكبيرةً واحدةً أو اثنتين، سجدَ أيضاً للسهو، فإن لم يفعَلْ، فلا شيءَ عليه، ورُويَ عنه أنَّ التكبيرةَ الواحدةَ لا سهوَ على مَنْ سها فيها. وهذا يَدُلُّ على أنَّ عُظْمَ التكبير وجُملتَه عنده فرضٌ، وأنَّ اليسيرَ منه مُتجاوَزٌ عنه. وقال أَصْبَغُ بنُ الفَرَج (٤) وعبدُ الله بن عبد الحَكَم(٥): ليس على مَنْ لم يُكَبِّرْ في الصلاة من أوَّلها إلى آخرها شيءٌ إذا كَبَّرَ تكبيرةً الإحرام، فإنْ تَرَكَه ساهياً، سجدَ للسهو، فإن لم يسجُدْ، فلا شيءً عليه، ولا ينبغي (١) مضى الكلام عن تعيين الفاتحة في ص ١٨٠ - ١٨٢، ومضى الكلام عن الإقامة ص ٢٥٣ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصََّلَوَّةَ﴾. (٢) هو عبد الله بن الزبير بن عيسى، أبو بكر القرشي، الأسدي، المكي، شيخ الحرم، صاحب المسند، توفي سنة (٢١٩ هـ). السير ٦١٦/١٠. (٣) صحيح البخاري (٦٣١)، وقد سلف ص ٦٧، وينظر الاستذكار ١٠٣/٤٠ و١٠٧ والتمهيد ٢١٣/٩. (٤) أبو عبد الله، الأموي مولاهم، مفتي الديار المصرية. توفي سنة (٢٢٥هـ). السير ٦٥٦/١٠. (٥) أبو محمد، صاحب مالك، مفتي الديار المصرية، توفي سنة (٢١٤ هـ) السير ٢٢٠/١٠. ٢٦٤ سورة البقرة : الآية ٣ لأحد أن يترُكَ التكبيرَ عامِداً؛ لأنه سنةٌ من سُنن الصلاة، فإن فعلَ، فقد أساء، ولا شيءَ عليه، وصلاتُه ماضِيةٌ(١). قلت: هذا هو الصحيحُ، وهو الذي عليه جماعةُ فقهاءِ الأمصار من الشافعيين والكوفيين، وجماعةِ أهلِ الحديث، والمالكيين غيرَ من ذهب مَذْهَبَ ابنِ القاسم. وقد تَرْجَمَ البخاريُّ رحمه الله: باب إتمام التكبير في الركوع والسجود. وساقَ حديثَ مُطَرِّف بن عبد الله(٢) قال: صلَّيتُ خلفَ عليٍّ بن أبي طالب أنا وعمرانُ بنُ حُصين، فكان إذا سجدَ كَبَّر، وإذا رفعَ رأسَه كَبَّر، وإذا نهضَ من الركعتين كَبَّر، فلما قضى الصلاةَ، أخذ بيدي عمرانُ بنُ حُصين فقال: لقد ذكَّرني هذا صلاةَ محمدٍ وَّهِ، أو قال: لقد صلَّى بنا صلاةَ محمدٍ وَ﴾(٣). وحديثَ عكرمةَ قال: رأيتُ رجلاً عند المقام يُكبِّرُ في كلِّ خَفْضٍ وَرَفْع، وإذا قامَ، وإذا وَضَعَ، فأخبرتُ ابنَ عباس، فقال: أو ليس تلكَ صلاةَ النبيِّ وَّه لا أُمَّ لك(٤). فدَلَّكَ البخاريُّ رحمه الله بهذا البابِ على أنَّ التكبيرَ لم يكن معمولاً به عندهم. وروى(٥) أبو إسحاقَ السَّبِيعِيُّ عن بُرَيْدِ (٦) بنِ أبي مريم، عن أبي موسى الأشعري قال: صلَّى بنا عليٍّ يومَ الجَمَلِ صلاةً أذْكَّرَنا بها صلاةَ رسولِ الله وَّرِ؛ كان يُكَبِّرُ في كلِّ خَفْضٍ ورَفْع، وقيامٍ وقُعود. قال أبو موسى: فإمّا نسيناها، وإما تَرَكْناها عَمْداً (٧). قلتُ: أتراهم أعادوا الصلاة! فكيف يُقال: مَنْ ترك التكبيرَ بَطَلَتْ صلاتُهُ؟! ولو (١) التمهيد ٩/ ١٨٤. (٢) هو مطرف بن عبد الله بن الشخير، أبو عبد الله الحَرشي، العامري، البصري، توفي سنة (٩٥ هـ) وقيل غير ذلك. السير ٤/ ١٨٧. (٣) صحيح البخاري (٧٨٦). وهو في مسند أحمد (١٩٩٥٢). (٤) صحيح البخاري (٧٨٧). وهو في مسند أحمد (٣٠١٤). (٥) في (م): روی. (٦) في (م): يزيد، وهو خطأ. (٧) أخرجه أحمد (١٩٤٩٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار)) ٢٦٧/١، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٧٥/٩ من الطريق الذي ذكرها المصنف، وأخرجه أيضاً أحمد (١٩٧٢٢) بزيادة رجل من بني تميم في إسناده بين أبي إسحاق السَّبِيعي وبُريد، وهو الصواب فيما ذكر الدارقطني في العلل ٢٢٤/٧. ٢٦٥ سورة البقرة : الآية ٣ كان ذلك، لم يكن فرقٌ بين السُّنةِ والفَرْض، والشيءُ إذا لم يَجِبْ أفرادُه، لم يَجِبْ جمیعه، وبالله التوفيق. الخامسة عشرة: وأما التسبيحُ في الركوع والسجود، فغيرُ واجب عند الجمهور، للحديث المذكور، وأوجبه إسحاقُ بنُ راهَوَيه، وأنَّ من تَركَه، أعاد الصلاةَ، لقوله عليه السلام: ((أمَّا الركوعُ، فَعَظِّمُوا فيه الربَّ، وأمَّا السجودُ، فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجابَ لكم (١)). السادسة عشرة: وأما الجلوسُ والتشهدُ، فاختلفَ العلماءُ في ذلك، فقال مالكٌ وأصحابُه: الجلوسُ الأَوَّلُ والتشهُّدُ له سُنَّتان. وأوجبَ جماعةٌ من العلماء الجلوسَ الأوَّل، وقالوا: هو مخصوصٌ من بين سائرِ الفروضٍ بأن ينوبَ عنه السجودُ، كالعرایا من المُزَابنة، والقِراضٍ من الإجارات، وكالوقوفِ بعد الإحرام لمن وجدَ الإمامَ راكعاً. واحتجُوا بأنه لو كان سُنَّةً، ما كان العامِدُ لتركِه تبطُلُ صلاتُه كما لا تبطُلُ بتركِ سنن الصلاة. واحتجَّ من لم يُوجِبْه بأنْ قال: لو كان من فرائض الصلاةِ، لَرَجَعَ السَّاهي عنه إليه حتى يأتيَ به، كما لو ترك سجدةً أو ركعةً، ويُراعي فيه ما يُراعي في الركوع والسجودِ من الولاءِ والرُّتبة، ثم يسجدُ لسهوِه كما يصنَعُ مَن تركَ ركعةً أو سجدةً وأتى بهما(٢). وفي حديث عبد الله بن بُحَيْنةَ(٣): أنَّ رسولَ اللهِوَ له قام من ركعتين، ونَسِيَ أن يتشهَّدَ، فسبَّحَ الناسُ خلفَه كَيْما يَجلِسُ، فثبتَ قائماً، فقاموا، فلما فَرَغَ من صلاته، سَجَدَ سجدتي السهو قبلَ التسليم(٤). فلو كان الجلوسُ فرضاً، لم يُسقِظْهُ النِّسْيانُ (١) قطعة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أخرجه أحمد في المسند (١٩٠٠)، ومسلم (٤٧٩) وسيذكره المصنف في تفسير الآية الأخيرة من سورة العَلَق. (٢) التمهيد ١٨٨/١٠ - ١٩١، والاستذكار ٣٧٣/٤ - ٣٧٥. (٣) هو عبد الله بن مالك بن القِشْب، أبو محمد الأزدي، ويُحينة أمه، كان حليف بني المطلب بن عبد مناف، له صحبة، توفي سنة (٥٦هـ). الإصابة ٦/ ٢٠٤. (٤) أخرجه أحمد في المسند (٢٢٩١٩)، والبخاري (٨٢٩)، ومسلم (٥٧٠). وليس فيه لفظ: ((فسبح الناس خلفه)) وإنما ورد هذا اللفظ في حديث المغيرة بن شعبة كما في مصادر الحديث، ينظر مسند أحمد (١٨١٦٣). ٢٦٦ سورة البقرة : الآية ٣ والسَّهْو؛ لأنَّ الفرائضَ في الصلاة يستوي في تَرْكها السهوُ والعَمْدُ، إلا في المأُثم(١). واختلفوا في حُكْم الجلوسِ الأخير في الصلاة، وما الفرضُ(٣) من ذلك، وهي: السابعة عشرة: على خمسة أقوال: أحدها: أنَّ الجلوسَ فرضٌ، والتشهُّدَ فرضٌ، والسلامَ فرضٌ. وممن قال ذلك الشافعيُّ وأحمدُ بنُ حنبل في رواية، وحكاه أبو مصعب(٣) في ((مختصره)) عن مالك وأهلِ المدينة، وبه قال داود. قال الشافعي: مَنْ ترك التشهدَ الأَوَّلَ، والصلاةَ على النبيِّ وَّهِ، فلا إعادةَ عليه، وعليه سجدتا السهو لِتركِهِ. وإذا تَرَكَ التشهدَ الأخيرَ ساهياً أو عامداً، أعاد. واحتجُّوا بأنَّ بيانَ النبيِّ وَّهِ في الصلاة فرضٌ؛ لأنَّ أصلَ فَرْضِها مجملٌ يفتقرُ (٤) إلى البيان، إلا ما خرج بدليل. وقد قال ◌َّهِ: ((صَلُّوا كما رَأَيتموني أُصلِّي))(٥). القول الثاني: إنَّ الجلوسَ والتشهُّدَ والسلامَ ليس بواجب، وإنما ذلك كلُّه سنةٌ مسنونةٌ. هذا قولُ بعضِ البصريين، وإليه ذهبَ إبراهيمُ ابنُ عُليَّة(٦)، وصرَّح بقياس الجَلْسةِ الآخرة(٧) على الأُولى، فخالَفَ الجمهورَ وشَذَّ، إلا أنه يَرى الإعادةَ على من ترك شيئاً من ذلك كلِّه. ومن حُجَّتهم حديثُ عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبيِّ وَّ قال: ((إذا رَفَعَ الإمامُ رأسَه من آخِرٍ سجدةٍ في صلاته، ثم أَحْدَثَ، فقد تَمَّتْ صلاتُه)). وهو حديثٌ (١) في (د) و(م): المؤتم، وهو خطأ. وينظر التمهيد ١٩٦/١٠، والاستذكار ٣٧٤/٤. (٢) في (م): الغرض. (٣) هو أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث، الزهري، الفقيه، قاضي المدينة، لازم مالكاً وتَفَقَّه به. توفي سنة (٢٤١هـ) وقيل: (٢٤٢هـ). ((السير) ٤٣٦/١١. (٤) في (ظ): مفتقر. (٥) سلف الحديث ص ٦٧ و٢٦٣، وتنظر الأقوال التي ذكرها المصنف في التمهيد ٢١١/١٠، والاستذكار ٣٨٢/٤ - ٣٨٣، والأوسط ٢١٨/٣. (٦) إبراهيم بن إسماعيل ابن علية، جَهْميَّ هالك، كان يقول بخلق القرآن، له مصنَّفاتٌ في الفقه تُشبه الجدل، قال الشافعي: ابنُ عُلُيَّة ضالٌّ. وقال أحمد بن حنبل: ضالٌّ مُضلّ. توفّي سنة (٢١٨هـ). تاريخ بغداد ٦/ ٢٠، وميزان الاعتدال ٢٠/١. (٧) في (م): الأخيرة. ٢٦٧ سورة البقرة : الآية ٣ لا يَصِحُّ على ما قاله أبو عمر (١)، وقد بيَّناه في كتاب ((المقتبس))(٢). وهذا اللفظُ إنما يُسقِطُ السلامَ، لا الجلوسَ. القول الثالث: إنَّ الجلوسَ مقدارَ التشهدِ فرضٌ، وليس التشهدُ ولا السلامُ بواجب فرضاً. قاله أبو حنيفةً وأصحابُه وجماعةٌ من الكوفيين. واحتجُوا بحديث ابنِ المبارك، عن الإفريقيِّ عبد الرحمن بن زياد، وهو ضعيفٌ، وفيه أنَّ النبيَّ وَلِّ قال: ((إذا جلسَ أحدُكم في آخِرِ صلاته، فأَحدَثَ قبلَ أن يُسَلِّمَ، فقد تَمَّتْ صلاتُه))(٣). قال ابنُ العربي: وكان شيخُنا فخرُ الإسلام يُنشِدُنا في الدرس: ويَرى الخروجَ من الصلاةِ بِضَرْطَةٍ أينَ الضُّراطُ مِنَ السلامُ عليكُم! قال ابنُ العربي: وسلكَ بعضُ علمائنا من هذه المسألةِ فرعين ضعيفين، أما أحدُهما: فروى عبدُ الملك(٤) عن عبدِ الملك، أنَّ من سلَّمَ من ركعتين متلاعباً، فخرج البيانُ أنه إن كان على أربع أنه يُجزِئه، وهذا مذهبُ أهل العراق بعينه. وأما الثاني: فوقع في الكتب المنبوذة، أنَّ الإمامَ إذا أحدثَ بعد التشهُّدِ مُتعمِّداً وقبلَ السلام، أنه يُجزِئُّ مَنْ خَلْفَه، وهذا ممَّا لا ينبغي أن يُلتفَتَ إليه في الفتوى، وإن عَمَرَتْ به المجالسُ للذِّكرى(٥). القول الرابع: إنَّ الجلوسَ فرضٌ، والسلامَ فرضٌ، وليس التشهُّدُ بواجب، وممّن قال هذا: مالكُ بنُ أنس، وأصحابُه، وأحمدُ بنُ حنبل في رواية. واحتجُوا بأنْ قالوا: ليس شيءٌ من الذِّكْر يجبُ إلا تكبيرة الإحرام، وقراءةَ أمِّ القرآن [والتسليم] (٦). (١) في التمهيد ٢١٤/١٠، والاستذكار ٣٨٤/٤. والحديث المذكور أخرجه بنحوه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٧٤/١-٢٧٥، والبيهقي في السنن الكبرى ١٣٩/٢. (٢) هو المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس، كما سيصرح به المصنف في أكثر من موضع. (٣) هو نفسه الحديث الذي ذكره المصنف في القول الثاني، وهذا أحد ألفاظه، وقال فيه ابن عبد البر في التمهيد ٢١٤/١٠: لا يصح لضعف سنده واختلافهم في لفظه. (٤) ابنُ حبيب، وسلف ذكره ص ١٨٣، وأما عبد الملك (الذي بعده، وهو شيخه) فهو ابن عبد العزيز بن الماجشون، تلميذ الإمام مالك توفي سنة (٢١٣هـ). السير ١٠٢/١٢ و٣٥٩/١٠. (٥) لم نجد قول ابن العربي فيما بين أيدينا من مصادر. (٦) ما بين حاصرتين من التمهيد ٢١٢/١٠، والاستذكار ٣٨٣/٤. ٢٦٨ سورة البقرة : الآية ٣ القول الخامس: إنَّ التشهُّدَ والجلوسَ واجبان، وليس السلامُ بواجب، قاله جماعةٌ، منهم إسحاق بن راهويه، واحتجّ إسحاقُ بحدیث ابن مسعود حین علَّمه رسولُ الله ◌َ﴿ التشهُّدَ، وقال له: ((إذا فَرَغْتَ مِن هذا، فقد تَمَّتْ صلاتُك، وقضيتَ ما عليكَ))(١) قال الدارقطني: قوله: ((إذا فَرَغْتَ مِن هذا، فقد تَمَّتْ صلاتُك)) أدرجَه بعضُهم عن زهير في الحديث، ووصلَه بكلام النبيِّ ◌َّهِ، وفَصَلَه شَبَابَةُ عن زهير، وجعله من كلام ابن مسعود، وقولُه أشبهُ بالصواب مِن قول مَنْ أَدرجَه في حديث النبيِّ وَّ. وشَبابةُ ثقةٌ. وقد تابعه غسانُ بنُ الربيع على ذلك، جَعَلَ آخِرَ الحديثِ من كلام ابنِ مسعود، ولم يرفَعْه إلى النبيِّ ◌َيَّ(٢). الثامنة عشرة: واختلف العلماءُ في السلام، فقيل: واجبٌ، وقيل: ليس بواجب. والصحيحُ وجوبُه، لحديث عائشةً(٣) وحديثٍ عليٍّ الصحيح، خرَّجه أبو داود والترمذيُّ، رواه(٤) سفيانُ الثوريُّ عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن محمد ابنٍ الحنفيَّة، عن عليٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الظُهورُ، وتَحرِيمُها التّكبيرُ، وتَحلِيلُها الَّسليمُ))(٥). وهذا الحديثُ أصلٌ في إيجاب التّكبير والتَّسليم، وأنه لا يُجزِئُ عنهما غيرُهما، كما لا يُجزِئُّ عن الطهارة غيرُها باتِّفاق. قال عبدُ الرحمن بنُ مَهْدي(٦): لو افتتحَ رجلٌ صلاتَه بسبعين اسماً من أسماء الله (١) أخرجه أحمد في المسند (٤٠٠٦)، وأبو داود (٩٧٠)، وابن حبان (١٩٦٢)، والدارقطني في السنن ٣٥٣/١ و٣٥٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١٧٥/٢. والقولان الرابع والخامس في التمهيد ٢١٢/١٠ و٢١٤، والاستذكار ٣٨٣/٤-٣٨٤. (٢) سنن الدارقطني ٣٥٣/١، والعلل له ١٢٨/٥. وزهير: هو ابن معاوية، وشَبّابة: هو ابن سَوَّار. (٣) قالت: كان رسول الله ولو يستفتح الصلاة بالتكبير ... وكان يختم الصلاة بالتسليم. أخرجه أحمد (٢٤٠٣٠)، ومسلم (٤٩٨)، وسيذكره المصنف في الصفحة التالية. (٤) في (م): ورواه. (٥) سنن أبي داود (٦١) و(٦١٨)، وسنن الترمذي (٣). وهو في مسند أحمد (١٠٠٦). وسلف قطعة منه ص ٢٥٤. قال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. (٦) أبو سعيد العنبري، وقيل: الأزدي مولاهم، البصري، الناقد، توفي سنة (١٩٨ هـ). السير ٩/ ١٩٢. ٢٦٩ سورة البقرة : الآية ٣ عزَّ وجلّ، ولم يُكبِّرْ تكبيرة الإحرام، لم يَجْزِهِ، وإن أحدثَ قبلَ أن يُسَلِّمَ لم يَجْزِهِ. وهذا تصحيحٌ من عبدِ الرحمن بنِ مهديٍّ لحديثٍ عليٍّ، وهو إمامٌ في علم الحديث ومعرفةٍ صحيحِه من سَقِيمِه، وحَسْبُك به(١). وقد اختلف العلماءُ في وجوب التکبیرِ عند الافتتاح، وهي: التاسعة عشرة: فقال ابنُ شِهاب الزهريُّ، وسعيدُ بنُ المسيِّب، والأوزاعيُّ، وعبدُ الرحمن، وطائفةٌ: تكبيرةُ الإحرام ليست بواجبة. وقد رُوِيَ عن مالك في المأموم ما يَدُلُّ على هذا القول، والصحيحُ مِن مذهبه إيجابُ تكبيرة الإحرام، وأنها فَرْضٌ وركنٌ من أركان الصلاة، وهو الصوابُ، وعليه الجمهورُ، وكلُّ مَنْ خالفَ ذلكَ فَمَحْجُوجٌ بالسنَّةَ(٢). الموفية عشرين: واختلف العلماءُ في اللَّفظ الذي يدخلُ به في الصلاة. فقال مالكٌ وأصحابُه، وجمهورُ العلماء: لا يُجْزِئُ إلا التكبيرُ، لا يُجزِئُ منه تهليلٌ، ولا تسبيحٌ، ولا تَعظيمٌ، ولا تَحميدٌ. هذا قولُ الحجازيين وأكثر العراقيين. ولا يُجزئُّ عند مالك إلا ((الله أكبر)) لا غيرُ ذلك. وكذلك قال الشافعيُّ، وزاد: ويُجزِئُّ ((الله الأكبر))، و((الله الكبير». والحُجَّةٌ لمالك حديثُ عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ وَ﴿ يَسْتَفْتِحُ الصلاةَ بالتَّكبير، والقراءةَ بـ ((الحمدُ لله رَبِّ العالمين))، وحديثُ عليٍّ: ((وتَحرِيمُها التَّكبيرُ))(٣)، وحديثُ الأعرابي: (فَكَبِّرْ))(٤). وفي ((سنن)) ابن ماجه: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةً وعليُّ بنُ محمد الطّنافِسِيُّ قالا: حدثنا أبو أسامةَ قال: حدثني عبدُ الحميد بنُ جعفر قال: حدثنا محمدُ بنُ عمرو بنِ عطاء قال: سمعتُ أبا حُمَيْدِ الساعِديَّ يقول: كان رسول الله وَّ﴿ إذا قامَ إلى الصلاةِ، استقبلَ القِبلةَ، وَرَفَعَ يَدَيْه، وقال: ((الله أكبرُ))(٥). (١) الاستذكار ١٢٦/٤، والتمهيد ١٨٦/٩. (٢) الاستذكار ١٢٧/٤، والتمهيد ١٨٦/٩. (٣) سلف الحديثان في الصفحة السابقة. (٤) سلف في ص ٢٦٢ من حديث أبي هريرة ورفاعة. (٥) سنن ابن ماجه (٨٠٣)، ولم نجد في المطبوع منه طريق ابن أبي شيبة، وقد أشار إليه المِزِّي في تحفة الأشراف ١٥١/٩، وأخرجه أحمد (٢٣٥٩٩) عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الحميد بن جعفر، به، مطولاً. ٢٧٠ سورة البقرة : الآية ٣ وهذا نصٌّ صريحٌ، وحديثٌ صحيحٌ في تعيين لَفْظِ التَّكبير. وقال(١) الشاعرُ: رأيتُ الله أكبرَ كلِّ شيءٍ محاولةً وأعظمَه جنودا(٢) ثم إنه يَتَضَمَّنُ القَدْر (٣)، وليس يَتضمَّنُه كبيرٌ، ولا عَظيمٌ، فكان أبلغَ في المعنى، والله أعلم. وقال أبو حنيفة: إنِ افتتَحَ بلا إله إلا الله، يَجْزِيه، وإن قال: اللهمَّ اغفِرْ لي، لم يَجْزِه، وبه قال محمدُ بنُ الحسن. وقال أبو يوسف: لا يُجزِئه إذا كان يُحسِنُ التَّكبيرَ. وكانَ الحَكَمُ بنُ عُتَيْبةٍ(٤) يقول: إذا ذَكّر الله مكانَ التَّكبير، أَجْزَأَه. قال ابنُ المنذر: ولا أَعلمُهم يختلفون أنَّ مَنْ أَحسَنَ القراءةَ، فهلَّلَ وكَبَّرَ، ولم يقرأُ، أنَّ صلاتَه فاسدةٌ، فمن كان هذا مذهبَه، فاللَّازِمُ له أن يقولَ: لا يَجْزِيه مكانَ التكبير غيرُه. كما لا يَجزِي مكانَ القراءة غيرُها. وقال أبو حنيفة: يَجْزِيه التكبيرُ بالفارسية وإن كان يُحسِنُ العربية. قال ابنُ المنذر: لا يَجزِيه؛ لأنه خِلافُ ما عليه جماعاتُ المسلمين، وخِلافُ ما عَلَّمَ النبيُّ ◌َهِ أُمَّتَهُ، ولا نعلَمُ أحداً وافقَه على ما قال. والله أعلم (٥). الحادية والعشرون: واتفقتِ الأُمَّةُ على وجوبِ النيةِ عندَ تكبيرةِ الإحرام إلا شيئاً رُوِيَ عن بعض أصحابنا يأتي الكلامُ عليه في آية الطهارة. وحقيقتُها: قَصْدُ التقرُّبِ إلى الآمر بفعل ما أَمَرَ به على الوجهِ المطلوب منه. قال ابنُ العربي: والأصلُ في كلِّ نيةٍ أن يكونَ عَقْدُها مع التَّلَبُّسِ بالفعلِ المَنْويِّ (١) في (م): قال. (٢) قائله خِداش بن زهير، والبيت في ديوانه ص ٤١، وفيه: أكثر، وذكره المبرد في المقتضب ٤/ ٩٧، وعنده: محافظة وأكثرهم، بدل: محاولة وأعظمه. وذكره العيني في شرح الشواهد ٣٧١/٢، ضمن قصيدة. (٣) في (د) و(م): القدم. (٤) في (د): الحسن بن عتيبة، وفي (ظ): الحسن وابن عتيبة، وكلاهما خطأ، والمثبت من مصادر التخريج. (٥) الأوسط ٧٦/٣ -٧٨، والاستذكار ١٣١/٤ - ١٣٤. ٢٧١ سورة البقرة : الآية ٣ بها، أو قبلَ ذلك بشرط استصحابِها، فإنْ تقَدَّمَتِ النِّيَّةُ، وطرأَتْ غَفْلَةٌ، فوقَعَ التَّلَبُّسُ بالعبادة في تلك الحالةِ لم يُعتَدَّ بها، كما لا يُعَدُّ بالنيةِ إذا وقعَتْ بعد التَّلَبُسِ بالفعل، وقد رُخِّصَ في تقديمها في الصوم لِعِظَمِ الحَرَجِ في اقترانها بأوَّله. قال ابنُ العربي: وقال لنا أبو الحسن القروي بثَغْر عَسْقَلان: سمعتُ إمامَ الحرمين يقول: يُحضِرُ الإنسانُ عند التَّلَبُّس بالصلاة النِّيّةَ، ويُجَرِّدُ النَّظَرَ في الصانع، وحدوث العالَم، والنبؤَّات حتى ينتهيَ نظرُه إلى نِيَّةِ الصلاة، قال: ولا يَحتاجُ ذلك إلى زمان طويل، وإنما يكونُ ذلك في أوحى لحظةٍ؛ لأنَّ تعليمَ الجُمَلِ يفتقرُ إلى الزمان الطويل، وتَذْكارُها يكونُ في لحظة. ومِن تمامِ النِّيةِ أن تكونَ مُستصحَبةً على الصلاة كلِّها، إلا أنَّ ذلك لمَّا كان أمراً يُتعذَّرُ(١)، سمحَ الشرعُ في عُزوب النِّيةِ في أثنائها. سمعتُ شيخَنا أبا بكر الفِهري(٢) بالمسجد الأقصى يقولُ: قال محمدُ بن سُحنون: رأيتُ أبي سُحنوناً(٣) ربَّما يُكْمِلُ الصلاةَ، فَيُعِيدُها، فقلتُ له: ما هذا؟ فقال: عَزَبَتْ نِيَّتَي في أثنائها، فلأجل ذلك أَعَدْتُها. قلتُ: فهذه جُملةٌ من أحكام الصلاة، وسائرُ أحكامِها يأتي بيانُها في مواضِعها من هذا الكتاب بحول الله تعالى، فيأتي ذِكْرُ الركوع، وصلاةِ الجماعة، والقِبلةِ، والمبادرةِ إلى الأوقات، وبعضٍ صلاة الخوف في هذه السورة، ويأتي ذِكْرُ قَصْرِ الصَّلاة، وصلاةِ الخوف في ((النساء)»(٤)، والأوقاتِ في ((هود))، و((سبحان)) و((الروم))(٥) وصلاةٍ الليل في ((المزمل))(٦)، وسجودِ التلاوة في ((الأعراف))(٧)، وسجودِ الشُّكر في ((ص))(٨)، كلٌّ في مَوْضعِه إن شاء الله تعالى. (١) في (م): يتعذر عليه. (٢) محمد بن الوليد الأندلسي، الظُّرْطُوشي، شيخ المالكية. توفي سنة (٥٢٠هـ) انظر السير ٤٩٠/١٩. (٣) عبد السلام بن حبيب، التنوخي، الحمصي الأصل، المالكي، قاضي القيروان، وصاحب المدونة. توفي سنة (٢٤٠هـ). السير ١٢/ ٦٣. (٤) الآية (١٠١). (٥) هود الآية (١١٤)، والإسراء الآية (٧٨)، والروم الآيتان (١٧) و(١٨). (٦) الآيات (١ - ٤) و(٢٠). (٧) الآية (٢٠٦). (٨) الآية (٢٤). ٢٧٢ سورة البقرة : الآية ٣ الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾: رزقناهم: أعطيناهم. والرِّزق عند أهل السُّنة: ما صَحَّ الانتفاعُ به، حلالاً كان أو حراماً، خلافاً للمعتزلة في قولهم: إنَّ الحرامَ ليس برزق؛ لأنه لا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ، وإنَّ الله لا يرزُقُ الحرامَ، وإنما يرزُقُ الحلالَ، والرِّزْقُ لا يكونُ إلا بمعنى المِلْك(١). قالوا: فلو نشأ صَبيٍّ مع اللُّصوص، ولم يأكُلْ شيئاً إلا ما أطعموه(٢) اللصوص، إلى أن بلغ، وقَوِيَ وصار لِصَّا، ثم لم يَزَلْ يَتَلَصَّصُ، ويأكُلُ ما تَلَصَّصَهُ إلى أن ماتَ، فإنَّ الله لم يَرْزُقْه شيئاً، إذا لم يُمَلِّكه، وإنه يموتُ ولم يأكُلْ من رِزْقِ الله شيئاً !. وهذا قولٌ فاسدٌ(٣)، والدليلُ عليه: أنَّ الرزقَ لو كان بمعنى الثَّمليك، لوجب ألا يكونَ الطّفلُ مرزوقاً، ولا البهائمُ التي تَرْتَعُ في الصحراء، ولا السِّخالُ من البهائم؛ لأنَّ لبنَ أُمَّهاتها مِلْكٌ لصاحبها دون السِّخال. ولما اجتمعتِ الأُمَّةُ على أنَّ الطفلَ والسِّخالَ والبهائمَ مرزوقون، وأنَّ الله تعالى يَرزُقُهم مع كونهم غيرَ مالِكِين، عُلِمَ أنَّ الرِّزْقَ هو الغذاءُ، ولأنَّ الأُمَّةَ مُجمِعةٌ على أنَّ العبيدَ والإماءَ مرزوقون، وأنَّ الله تعالى يَرزُقُهم مع كونهم غيرَ مالِكين، فَعُلِمَ أنَّ الرِّزقَ ما قلناه، لا ما قالوه. والذي يَدُلُّ على أنه لا رازقَ سواه قولُه الحقُّ: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غْرُ الَهِ يَرْزُقُّكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ اَلَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ اُلْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وهذا قاطعٌ، فالله تعالى رازقٌ حقيقةً، وابنُ آدَمَ رازقٌ تَجوُّزاً، لأنه يَملِكُ مِلْكاً منتَزَعاً كما بيَّناه في الفاتحة(٤)، مرزوقٌ حقيقةً، كالبهائم التي لا مِلْكَ لها، إلا أنَّ الشيءَ إذا کان مأذوناً له في تناوله، فهو حلالٌ حُکماً، وما کان منه غير مأذونٍ له في تناوله، فهو حرامٌ حُكْماً، وجميعُ ذلك رِزْقٌ. وقد خَرَّجَ بعضُ النبلاء من قوله تعالى: ﴿كُواْ مِن رِّزْقِ رَيْكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهِّ بَلْدَةٌ لِبَةٌ (١) المحرر الوجيز ٨٥/١. (٢) كذا في النسخ الخطية، وهي لغة، وفي (م): أطعمه. (٣) في (م): وهذا فاسد. (٤) ص ٢١٦. ٢٧٣ سورة البقرة : الآية ٣ وَرَبُّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥]، فقال: ذِكْرُ المغفرة يُشير إلى أنَّ الرِّزقَ قد يكونُ فيه حرامٌ. الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ﴾، الرِّزقُ مصدرُ رَزَقَ يَرْزُقُ رَزْقاً ورِزْقاً، فالرَّزْقُ، بالفَتْحِ: المصدرُ، وبالكسر: الاسمُ، وجمعُه أرزاقٌ، والرَّزقُ: العطاء. والرَّازِقِيَّةُ: ثيابُ كَتانٍ. وارتزقَ الجندُ: أخذُوا أرزاقَهم. والرَّزْقةُ: المرَّةُ الواحدةُ. كذا(١) قال أهلُ اللغة. وقال ابنُ السِّكِّيت: الرِّزقُ بلغةٍ أَزْدشَنُوءَة: الشُّكْر، وهو قولُه عزَّ وجلّ: ﴿وَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، أي: شُكركم التَّكذيب. ويقول: رزقني، أي: شَكّرني(٢). الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿يُنفِقُونٌ﴾، يُنفقون: يُخرِجون. والإنفاقُ: إخراجُ المالِ من اليد، ومنه: نَفَقَ البيعُ، أي: خرجَ من يدِ البائع إلى المُشْتَري. ونَفَقتِ الدَّابةُ: خَرَجَتْ رُوحُها، ومنه النافِقاءُ، لِجُحْرِ الْيَرْبُوعِ الذي يَخرجُ منه إذا أُخِذَ من جهةٍ أُخرى. ومنه المنافق؛ لأنه يخرجُ من الإيمان، أو يخرجُ الإيمانُ من قلبه. ونَيْفَقُ السَّراويل معروفةٌ، وهو مَخرجُ الرِّجْل منها(٣). ونَفَقَ الزادُ: فَنِيَ، وأنفقَه صاحبُه. وأنفقَ القومُ: فَنِيَ زادُهم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا لَّأَمْسَكْتُ خَشْيَةَ الْإِفَائِ﴾ [الإسراء: ١٠٠]. الخامسة والعشرون: واختلف العلماءُ في المراد بالنفقة هاهنا، فقيل: الزكاةُ المفروضةُ - رُوِيَ عن ابن عباس - لمقارنتها الصلاةَ. وقيل: نفقةُ الرجل على أهله - رُوِيَ عن ابن مسعود (٤) - لأنَّ ذلك أفضلُ النفقة. روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ◌ِوَالحِ: ((دِينارٌ أَنْفقتَهُ في سبيلِ اللهِ، ودينارٌ أنفقتَه في رَقَّبَة، ودينارٌ تَصدَّقْتَ به على مسكين، ودينارٌ أَنفقته على أهلك، أَعْظمُها أجراً الذي أَنْفقتَه على أَهْلِكَ))(٥). (١) في (م): هكذا. (٢) مجمل اللغة (رزق) ٣٧٣/٢. (٣) في معاجم اللغة: نَيْفَقُ السراويل: الموضعُ المتَسعُ منها. (٤) أخرج هذين الخبرين الطبري في تفسيره ٢٤٩/١-٢٥٠. (٥) صحيح مسلم (٩٩٥). وهو في مسند أحمد (١٠١٧٤). ٢٧٤ سورة البقرة : الآية ٣ ورَوَى عن ثوبان(١) قال: قال رسولُ الله وَّهِ: ((أفضَلُ دينارٍ يُنفِقُهُ الرجلُ دینارٌ يُنفِقُه على عِياله، ودينارٌ يُنفِقُه الرجلُ على دابَّتِه في سبيل الله عزَّ وجلَّ، ودينارٌ يُنفِقُه على أصحابِهِ في سبيلِ الله)). قال أبو قلابةً(٢): وبدأَ بالعِيال [ثم] قال أبو قلابةً: وأيُّ رجلٍ أَعظمُ أجراً من رجلٍ يُنفِقُ على عِيالٍ صِغارٍ يُعِفُّهم، أو يَنْفعُهم الله به، (٣) ويُغْنِيهم(٣). وقيل: المرادُ صدقةٌ التطوّع - رُوي عن الضحَّاك - نظراً إلى أنَّ الزكاةَ لا تأتي إلا بلفظِها المُختَصِّ بها، وهو الزكاة، فإذا جاءَتْ بلفظِ غيرِ الزكاة، احتَملَتِ الفرضَ والتطوُّعَ، فإذا جاءَتْ بلفظِ الإنفاق، لم تكن إلا التطوُّعَ. قال الضخَّاكُ: كانت النفقةُ قُرباناً يتقرَّبون بها إلى الله جل وعز على قَدْرِ جُهْدِهم(٤) حتى نزلت فرائضُ الصَّدقات، والناسخاتُ في ((براءة)). وقيل: إنه الحقوقُ الواجبةُ العارضةُ في الأموال ما عدا الزكاةَ؛ لأنَّ الله تعالى لما قَرَنَه بالصلاة، كان فرضاً، ولمَّا عَدَلَ عن لفظها، كان فرْضاً سِواها. وقيل: هو عامٌّ، وهو الصحيحُ؛ لأنه خَرَجَ مَخْرَجَ المَلْحِ في الإنفاق مما رُزِقوا، وذلك لا يكونُ إلا من الحلال، أي: يُؤتون ما ألزمَهم الشرعُ من زكاة وغيرِها مما نصَّ(٥) في بعض الأحوال، مع ما ندَبَهم إليه. وقيل: الإيمانُ بالغيب: حظّ القلب، وإقامُ الصلاة: حظّ البَدَن، ومما رزقناهم يُنْفقون: حظّ المال، وهذا ظاهرٌ. وقال بعضُ المتقدِّمين في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾، أي: ممَّا علَّمناهم يُعلّمون. حكاه أبو نصر عبدُ الرحيم بنُ عبد الكريم القُّشيري. (١) مولى رسول الله وَله صحبه ولا زمه، وحفظ عنه كثيراً من العلم، مات بحمص سنة (٥٤هـ). السير ١٥/٣. (٢) أحد رواة الحديث عند مسلم، وهو عبد الله بن زيد الجرمي، البصري، هرب إلى الشام حين أراد الحجاج أن يوليه القضاء، وتوفي فيها سنة (١٠٤ هـ) وقيل بعدها. السير ٤٦٨/٤. (٣) صحيح مسلم (٩٩٤) وما بين حاصرتين منه، وهو في مسند أحمد (٢٢٤٥٣). (٤) في (ظ) و(م): جدتهم، والمثبت من (د) وهو الموافق لخبر الطبري ٢٤٩/١. (٥) في (م): مما يعنّ. ٢٧٥ سورة البقرة : الآية ٤ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ قيل: المرادُ مؤمنو أهلِ الكتابِ، كعبدِ الله بنِ سَلام(١) ، وفيه نزلت، ونزلت الأُولى في مُؤمني العرب. وقيل: الآيتان جميعاً في المؤمنين. وعليه فإعرابُ ((الذين)) خفضٌ على العطف، ويصحُّ أن يكونَ رفعاً على الاستئناف، أي: وهم الذين. ومن جعَلها في صِنفين، فإعرابُ (الذين)) رفعٌ بالابتداء، وخبره ((أولئك على هُدّى))، ويَحْتَمِلُ الخفضَ عطفاً(٢) . قوله تعالى: ﴿بِمَا أُنزِلَ إِلَّكَ﴾ يعني: القرآنَ: ﴿وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني: الكُتُبَ السالفةَ، بخلاف ما فعله اليهودُ والنصارى حسب ما أخبرَ الله عنهم في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ٩١]. ويقال: لما نزلت هذه الآيةُ: ((الذين يؤمنون بالغيب)) قالت اليهودُ والنصارى: نحن آمنًّا بالغيب، فلما قال: ((ويقيمُونَ الصلاةَ)» قالوا: نحن نقيمُ الصلاةَ، فلما قال: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)) قالوا: نحن نُنفِقُ ونتصدَّقُ، فلما قال: ((والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إليْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ)) نَفَرُوا من ذلك(٣). وفي حديث أبي ذرِّ قال: قلتُ: يارسولَ الله، كم كتاباً أنزلَ الله؟ قال: ((مئةٌ كتابٍ وأربعةُ كُتُبٍ، أنزلَ الله على شيثَ خمسين صحيفةً، وعلى أخْنُوخَ ثلاثين صحيفةً، وعلى إبراهيمَ عشرَ صحائفَ، وأنزل على موسى قبل التوراة عشْرَ صحائف، وأنزل التوراةَ والإنجيلَ والزَّبورَ والفرقانَ)). الحديث أخرجه [محمد بن] الحسين الآجُرِّي(٤)، وأبو حاتم البُسْتِيّ(٥) . (١) حليف الأنصار، من خواص أصحاب النبي و *، كان من أحبار اليهود، وأسلم وقت الهجرة، توفي في المدينة سنة (٤٣ هـ). السير ٤١٣/٢. (٢) المحرر الوجيز ٨٦/١. (٣) ذكره أبو الليث في تفسيره ١/ ٩١. (٤) سقط لفظ ((محمد بن)) من (ظ) و(م)، ووقع في (د): أبو حسين، وهو خطأ، وهو محمد بن الحسين الآجري أبو بكر، صاحب التأليف، توفي سنة (٣٦٠هـ). السير ١٣٣/١٦ ونقل ابن كثير الحديث عن الآجري في تفسير الآية (١٦٤) من سورة النساء. (٥) صحيح ابن حبان (٣٦١)؛ قوله: أخنوخ هو إدريس عليه السلام. ٢٧٦ سورة البقرة : الآية ٤ وهنا مسألة: إن قال قائلٌ: كيف يُمكن الإيمانُ بجميعها مع تنافي أحکامِها؟ قیل له : فیه جوابان: أحدهما: أنَّ الإيمانَ بأنَّ جميعَها نزلَ من عند الله، وهو قولُ من أسقطَ التعبُّدَ بما تقدَّم من الشرائع. الثاني: أنَّ الإيمانَ بما لم يُنسَخْ منها، وهذا قولُ من أوجب التزامَ الشرائع المتقدِّمة، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى(١) . قوله تعالى: ﴿وَآلْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: وبالبعث والنَّشْر هم عالمِون. واليقينُ: العِلْمُ دون الشَّكِّ، يقال منه: يَقِنْتُ الأمرَ، بالكسر، يَقْناً، وأَيْقَنْتُ، واسْتَيْقَنْتُ، وتَيَقَّنْتُ، كلُّه بمعنَى، وأنا على يقينٍ منه. وإنما صارت الياءُ واواً في قولك: مُوقِن، للضمة قبلَها، وإذا صَغَّرتَه، رَدَدْتَه إلى الأصل، فقلت: مُيَيْقِن - والتصغير يردُّ الأشياءَ إلى أصولها، وكذلك الجمع - وربما عبَّرُوا باليقين عن الظنِّ (٢). ومنه قول علمائنا في اليمين اللَّغْو: هو أن يحلفَ بالله على أمرٍ يُوقِنُه، ثم يَتَبَيَّنُ له أنه خلاف ذلك، فلا شيءَ عليه، قال الشاعر(٣): بها مُفْتدٍ مِن واحِدٍ لا أُغامِرُ:(٤) تَحسَّبَ هَوَّاسٌ وأيْقَنَ أنَّني يقول: تَشَمَّم الأسَدُ ناقتي، يظنُّ أنني مُفْتَدٍ بها منه، وأستَحمِي نفسي، فأتركُها له، ولا أقتحمُ المَهالِكَ بمقاتلته. فأما الظنُّ بمعنى اليقين، فوردَ في التنزيل، وهو في الشعر كثيرٌ، وسيأتي(٥). والآخرةُ: مُشتَقَّةٌ من التأخّر، لتأخّرها عنَّا، وتأخّرِنا عنها، كما أنَّ الدُّنيا مشتقّةٌ من الدُّنُوٌّ، على ما يأتي. (١) في تفسير الآية (٩٠) من سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الَهُ فِيَهُدَهُمُ أَنْتَدُِ﴾. (٢) الصحاح (يقن). (٣) هو أبو سِذْرَة الأسدي، ويقال: الهُجَيْمي، كما في اللسان (یقن). (٤) أورده سيبويه في الكتاب ٣١٥/١ (وفيه: وأقبل، بدل: وأيقن)، والجوهري في الصحاح (يقن)، والبكري في سمط اللآلي ٥٣٩/١، والبغدادي في خزانة الأدب ١١٨/٢. (٥) في تفسير الآية (٤٦) من هذه السورة. ٢٧٧ سورة البقرة : الآية ٥ قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَ هُدَّى مِّنْ زَيِّهِمْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفِعُونَ قال النحاس(١): أهلُ نَجْد يقولون: أُلَاك، وبعضُهم يقول: أُلالِكَ. والكاف للخطاب. قال الكسائيُّ: من قال: أولئك، فواحِدُه: ذلك، ومن قال: أُلَاك، فواحِدُه: ذاك. وأُلَالِك(٢) مثل أولئك، وأنشد ابنُ السِّكِّيت(٣): أُلَالِكَ قَومي لم يكونوا أُشابةً وهل يَعِظُ الضَّلِّيلَ إلا أُلالِكًا وربَّما قالوا: أولئك في غير العقلاء، قال الشاعر: والعيشَ بعد أولئكَ الأيام (٤) ذُمَّ المنازلَ بعد مَنْزِلَةِ اللّوَی وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَهَكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾(٥) [الإسراء: ٣٦]. وقال علماؤنا: إنَّ في قوله تعالى: ((مِنْ رَبِّهِمْ)) ردًّا على القَدَرِيَّة في قولهم: يخلُقون إيمانَهم وهُداهم، تعالى الله عن قولهم. ولو كان كما قالوا، لقال: ((مِنْ أنفسِهم))، وقد تقدَّمَ الكلامُ فيه وفي الهُدى(٦)، فلا معنى لإعادة ذلك. ﴿ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِعُونَ﴾: ((هم)) يجوزُ أن يكونَ مبتدأً ثانياً، وخبرُه ((المفلحون)»، والثاني وخبرُهُ خبرُ الأوَّل، ويجوزُ أن تكون ((هم)) زائدةً، يُسمِّيها البصريون فاصلةً، والكوفيون عِماداً، و((المفلحون)) خبرُ ((أولئك))(٧). (١) في إعراب القرآن ١٨٣/١. (٢) وقع رسم لفظَيْ: ((أَلَاك))، و((ألالِك)) في النسخ الخطية والمصادر بزيادة واو تارةً، وبدونها تارة، وآثرنا رسمها بدونها، إذ لا التباس في قراءتها كما هو الحال في ((أولئك)). قال السمين الحلبي في الدر المصون ١٠٣/١: كتبوا ((أولئك)) بزيادة واو قبل اللام، قيل: للفرق بينها وبين ((إليك)). (٣) في إصلاح المنطق ص٤٢٣. ونسبه ابن يعيش في شرح المفصل ٦/١٠ للأعشى. قوله: أُشابة، يعني أخلاطاً. (٤) قائله جرير، والبيت في ديوانه ٢/ ٩٩٠، وفيه: ((الأقوام)) بدل ((الأيام))، وعليه فلا شاهد فيه. (٥) ينظر الكلام السالف في الصحاح (ألا). (٦) ص ٢٣٠. (٧) إعراب القرآن للنحاس ١٨٤/١. ٢٧٨ سورة البقرة : الآية ٥ والفَلْح(١)، أصله في اللُّغة: الشَّقُّ والقَطْعُ، قال الشاعر: إن الحديدَ بالحديد يُفْلَحُ(٢) أي: يُشَقُّ، ومنه فِلاحَةُ الأَرَضين، إنما هو شَقُّها للحرث، قاله أبو عبيد(٣). ولذلك سُمِّيَ الأَكَّارُ فَلَّاحاً. ويقال للذي شُقَّت شَفَتُه السُّفْلى: أفلحُ، وهو بَيِّن الفَلَحة، فكأنَّ المُفْلِحَ قد قطَع المصاعبَ حتى نالَ مطلوبَه. وقد يُستعمل في الفوزِ والبقاءِ، وهو أصلُه أيضاً في اللغة، ومنه قولُ الرجل لامرأته: استفْلِحِي بأمْرِك، معناه: فُوزِي بأمرك، وقال الشاعر (٤): أَذْرَكَهُ مُلاعِبُ الرِّماحِ لو كان حَيٍّ(٥) مدركَ الفَلاَحِ وقال الأضْبِطُ بنُ قُرَيْع السَّعْدِي في الجاهلية الجَهْلاء: والمُسْيُ والصُّبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ(٦) لكلِّ هَمٍّ من الهموم سَعَهْ يقول: ليس مع كَرِّ الليلِ والنهارِ بقاءٌ. وقال آخر : نحلُّ بلاداً كُلُّها حُلَّ قَبْلَنا ونرجو الفَلاَحَ بَعْدَ عادٍ وحِمْيَرٍ (٧) أي: البقاءَ. وقال عَبِيد(٨): أَفْلِحْ بما شئتَ فقد يُدرَك بالضَّعْفِ وقد يُخْدَعُ الأرِيبُ (١) في (٥) و(ظ): الفلاح، والمثبت من (م). (٢) عجز بيت من الرجز، صدره: قد عَلِمَتْ خيلُك أني الصَّحْصَحُ، أوردَه الزَّجَّاج في معاني القرآن ٧٦/١. وينظر اللسان (فلح). (٣) في كتاب الأمثال ص٩٦. (٤) هو لَبِيدُ بنُ ربيعة، والبيت في ديوانه ص ٣٣٣. (٥) في الديوان: لو أنَّ حيًّا. (٦) البيت في غريب الحديث لأبي عُبيد ٣٨/٤، والأغاني ١٢٧/١٨، والمحرر الوجيز ٨٦/١، واللسان (فلح). والأضبط بن قريع من بني عوف بن كعب بن سعد، رهط الزبرقان بن بدر. الشعر والشعراء ٣٨٢/١. (٧) قائله لَبِید بن ربيعة، والبيت في دیوانه ص٥٧. (٨) هو عَبِيد بن الأبرص، والبيت في ديوانه ص٢٦. ٢٧٩ سورة البقرة : الآية ٥ أي: ابقَ بما شئتَ(١) من كَيْس وحُمْق، فقد يُرزق الأحمقُ، ويُحرم العاقلُ(٢). فمعنى ((وأولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُون)»، أي: الفائزون بالجنة والباقون فيها. وقال ابنُ أبي إسحاق(٣): المفلحون هم الذين أدركوا ما طلبوا، ونَجَوْا من شرِ ما منه هَرَبُوا، والمعنى واحدٌ. وقد استُعمِلَ الفَلاحُ في السَّحور، ومنه الحديث: حتى كادَ يَفُوتُنا الفلاحُ مع رسول اللهِوَ﴾. قلتُ: وما الفلاح؟ قال: السَّحور. أخرجه أبو داود(٤). فكأنَّ معنى الحديث: أنَّ السَّحورَ به بقاءُ الصوم، فلهذا سمَّاه فَلاحاً. والفلاح، بتشديد اللام: المُكارِي في قول القائل(٥): لها رِطلٌ تَكِيلُ الزيتَ فيه وفَلَاحٌ يَسوقُ لها حِماراً ثم الفَلاحُ في العُرْف: الَّفَرُ بالمطلوب، والنجاةُ من المَرْهوب. مسألة: إن قال قائلٌ: كيف قرأ حمزةٌ: عليهُم، وإليهُم، ولديهُم، ولم يقرأ: من ربِّهُم، ولا: فيهُم، ولا: جَنَتَيْهُم(٦)؟ فالجواب: أنَّ عليهم، وإليهم، ولديهم، الياء فيه منقلبةٌ من ألف، والأصل: علاهم ولداهم وإلا هم، فأُقرَّت الهاء علی ضمتها، ولیس ذلك في: فيهم، ولا: من ربِّهم، ولا: جَنَّتَيْهِمْ. ووافقَه الكِسائي في: ﴿عَلَيْهُمُ الذِلَّةُ﴾ [البقرة: ٦١] و﴿إِلَيْهُمُ اثْنَيْنِ﴾(٧) [يس: ١٤]. على ما هو معروف من القراءة عنهما. (١) في (د): اتقٍ وعش. (٢) غريب الحديث لأبي عبيد ٣٨/٤. (٣) كذا في النسخ الخطية و(م): ابن أبي إسحاق، وفي معاني القرآن للنحاس ٨٦/١: ابن إسحاق، وقد أخرج هذا القولَ الطبريُّ في تفسيره ٢٥٦/١ من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله. وأورده أبو الليث في تفسيره ٩١/١ ولم ينسبه. (٤) في السنن (١٣٧٥) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وهو في مسند أحمد (٢١٤٤٧). (٥) هو عمرو بن أحمر الباهلي، والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٣٠، ومعاني القرآن للزجاج ٧٦/١، واللسان (فلح). (٦) وافق يعقوبُ حمزةً في قراءة: عليهُم وإليهُم ولديهُم، بضم الهاء، لكن يعقوب يضم الهاء أيضاً في: فيهم، وجنتيهم، على أصله في ضم الهاء من ضمير التثنية والجمع إذا وقعت بعد ياء ساكنة. انظر السبعة ص ١٠٨، والتيسير ص ١٩، والنشر ١/ ٢٧٢. (٧) أي حالة الوصل. أما في الوقف فيكسر الهاء، وحمزة يضم الهاء في الحالين. ٢٨٠ سورة البقرة : الآية ٦ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ لما ذَكَرَ المؤمنين وأحوالَهم، ذكر الكافرين ومآلَهم. والكُفْرُ ضدّ الإيمان، وهو المراد في الآية. وقد يكون بمعنى جُحود النعمةِ والإحسانٍ، ومنه قولُه عليه السلام في النساء، في حديث الكسوف: ((ورأيتُ النَّارَ، فَلم أَرَ منظراً كاليوم قظُ أفْظَعَ، ورأيتُ أكثرَ أَهْلِها النِّساء)». قيل: بمّ يارسول الله؟ قال: ((بكُفْرِهنَّ)، قيل: أَيَكْفُرْنَ بالله؟ قال: (يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإحسانَ، لو أحْسَنْتَ إلى إحداهُنَّ الدهرَ كُلَّه، ثم رَأَتْ منك شيئاً، قالت: ما رأيتُ منك خيراً قطُ)). أخرجه البخاري وغيره(١). وأصلُ الكُفر في كلام العرب: السَّتْرُ والتغطيةُ، ومنه قولُ الشاعر(٢): في ليلةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمامُها أي: سَتَرَها. ومنه سُمِّيَ الليلُ كافراً؛ لأنه يُغَطِّي كلَّ شيءٍ بسواده، قال الشاعر: فَتَذَكَّرا ثَقَلاً رَثِيداً بعدَما ألقَتْ ذُكاءُ يَمينَها في كافر (٣) ذُكاء، بضم الذال والمدّ: اسمٌ للشمس. ومنه قول الآخر: فَوَرَدَتْ قبلَ انْبِلاجِ الفَجْرِ وابنُ ذُكاءَ كامنٌ في كَفْرٍ (٤) أي: في ليلٍ. والكافرُ أيضاً: البحر، والنهرُ العظيم(٥). والكافر: الزَّارِعُ، والجمع كُفَّار، قال الله تعالى: ﴿كَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَائُهُ﴾ [الفتح: ٢٩]. يعني: الزُّرَّاع؛ لأنهم يُغَطُّونِ الحَبَّ. ورمادٌ مَكْفُورٌ: سَفَتِ الريحُ عليه الترابَ. والكافرُ من الأرض: ما بَعُدَ (١) أخرجه أحمد (٢٧١١)، والبخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. (٢) هو لبيد بن ربيعة، والبيت في ديوانه ص٣٠٩، وشطره الأول: يعلو طريقةَ مَتْنِها متواترٌ. (٣) البيت لثعلبة بن صُعَيْر، يصف النعامة والَّلِيمَ، وأنهما تذكَّرا بيضَهما، فأسرعا إليه عند غروب الشمس. وهو في المفضّليات ص ١٣٠، وفيها: فتذكّرت، وإصلاح المنطق ص٥٧ و٣٧٤، والمحتسب ٢٣٤/٢، وتفسير الطبري ١/ ٢٦٢ . قوله: رئيداً، أي: منضوداً. وذكر صاحب الصحاح (كفر) أن الكافر في هذا البيت بمعنى البحر أيضاً، كما سيذكر المصنف. (٤) إصلاح المنطق ص ١٤٣ و٣٧٤، ونسبه لحميد الأرقط. قوله: ((ابن ذكاء)»: يعني الصبح. (٥) في (ظ): العظيمين.