Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب)
وهو مقلوبٌ منه، أَخَّرَ الواوَ، وقَدَّمَ الميمَ، ثم قُلِبَتِ الواوُ ياءً حيث صارَت
طَرَفاً، كما قالوا: أَدْلٍ في جمع دَلْوٍ(١).
الحادية والعشرون: الدِّين: الجَزاءُ على الأعمال، والحِسابُ بها، كذلك قال
ابنُ عباس وابنُ مسعود وابنُ جُريج وقتادةٌ وغيرُهم (٢)، ورُوِيّ عن النبيِّ ◌َّر.
ويَدُلُّ عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥]، أي: حِسابَهم.
وقال: ﴿اَلْيَّوْمَ تُّجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]، و﴿اَلْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[الجاثية: ٢٨]، وقال: ﴿أَنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣]، أي: مَجزِيُّونَ مُحاسَبونَ(٣).
وقال لَبِيدٌ :
حصَادُك يوماً ما زَرَعتَ وإنَّما يُدَانُ الفتى يوماً كما هو دائنُ(٤)
آخر (٥):
ودِنَّاهُمُ مثلَ ما يُقرِضُونا
إذا ما رَمَوْنا رَمَيْناهُمُ
آخر (٦):
واعلَمْ يقيناً أَنَّ مُلْكَّكَ زَائلٌ واعلَم بأنَّ كما تَدِينُ تُدَانُ
وحكى أهلُ اللّغةِ: دِنْتُهُ بِفِعلِهِ دَيْنا، بِفَتحِ الدَّال، ودِيناً، بِكَسرِها: جَزَيتُهُ. ومنه
الدَّيَّانُ في صفةِ الرَّبِّ تعالى، أي: المُجازِي. وفي الحديث: ((الكَيِّسُ مَن دانَ
نفسَه))(٧)، أي: حاسَبَ.
(١) الصحاح (يوم) .
(٢) المحرر الوجيز ١/ ٧١.
(٣) في (د) و(ز): مُجْزَوْن، وفي (ظ): ومحاسبون .
(٤) لم نجده في ديوانه، ولم نقف عليه في مصدر آخر .
(٥) هو كعب بن جُعَيل التغلبي. والبيت أورده نصر بنُ مُزاحم في وقعة صفين ص ٥٧، والمبرد في الكامل
٤٢٤/١، والطبري في تفسيره ١/ ١٥٧، وابن سيده في المخصص ١٥٥/١٧، وابن عطية في المحرر
الوجيز ١/ ٧١.
(٦) هو يزيد بن الصعق الكلابي، والبيت في مجاز القرآن ٢٣/١، والكامل ٤٢٦/١، وجمهرة اللغة
٣٠٦/٢، والمخصص ١٥٥/١٧، وينظر اللسان (دين).
(٧) أخرجه أحمد (١٧١٢٣)، والترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس، وفي
إسناده أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف .

٢٢٢
سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب)
وقيل: القضاءُ. رُوِيَ عن ابن عباس أيضاً (١)، ومنه قولُ طَرَفةً(٢):
على جُدِّها حَرباً لِدِينِكَ من مُضَرْ(٣)
لَعَمْرُكَ ما كانت حَمُولةٌ مَعبَدٍ
ومعاني هذه الثلاثةِ مُتُقارِبٌ.
والدِّينُ أيضا: الطّاعةُ، ومنه قولُ عمرو بنٍ كُلثوم:
عَصَيْنا المَلْكَ فيها أن نَدِينا (٤)
وأيام لنا غُرِّ ◌ِوَالٍ
فعلى هذا هو لفظٌ مشتركٌ، وهي:
الثانية والعشرون: قال ثَعلَبٌ: دانَ الرجلُ: إذا أطاع، ودان: إذا عَصَى، ودان:
إذا عَزَّ، ودان: إذا ذَلَّ، ودان: إذا قُهِرَ(٥). فهو من الأضدادِ.
ويُطلَقُ الدِّينُ على العادةِ والشأن، كما قال:
كدِينكَ من أمِّ الحُوَيْرِثِ قبلَها(٦)
وقال المُثَقِّب(٧) يذكر ناقتَه(٨):
(١) روي عن ابن عباس بمعنى السلطان، وعن قتادة بمعنى القضاء، فيما أخرجه الطبري في تفسير قوله
تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ دِينِ اَلْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦].
(٢) ابن العبد، من فحول شعراء الجاهلية، ومن أصحاب المعلقات، قُتل وهو ابن عشرين سنة. الشعر
والشعراء ١/ ١٨٥.
(٣) ذكره ابن الأنباري في شرح القصائد السبع ص ١٢٢، ولم نجده في ديوانه من طبعة دار صادر . قوله:
حَمولة - بفتح الحاء - هي من الإبل التي تُحمل الأحمالُ على ظهورها. وجُدّ - بضم الجيم - موضع فيه
ماء، ويقال: حُدّ، بالحاء المهملة . والخطاب لعمرو بن هند لما بعث إلى إبل طرفة فأخذها .
(٤) سلف في المسألة الرابعة عشرة من هذا الباب . وعمرو بن كلثوم التغلبي، أحدُ فحول شعراء الجاهلية،
وهو قاتل عمرو بن هند ملك الحيرة، ومات وله مئة وخمسون سنة. الشعر والشعراء ٢٣٤/١،
والأغاني ١١/ ٥٢.
(٥) تهذيب اللغة ١٤ / ١٨٤. ونقله فيه عن ثعلب عن ابن الأعرابي.
(٦) هذا صدر بيت لامرئ القيس، وعجزه: وجارتِها أمِّ الرباب بمأسَلٍ، وهو في ديوانه ص ٩، وفيه:
كدأبكَ من أم الحويرث ... وينظر شرح القصائد الطوال لابن الأنباري ص ٢٨، وفيه أيضا: كدأبك .
(٧) هو عائذ بن محصن بن ثعلبة العَبْدي، من فحول الشعراء، والمثقّب لقبّ له. وسماه ابن قتيبة في الشعر
والشعراء ٣٩٥/١: مِحصَنَ بن ثعلبة.
(٨) قوله: يذكر ناقته، من (م).

٢٢٣
سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب)
أهذا دينُه أبداً ودِيني؟(١)
تقول إذا دَرَأْتُ لها وَضِيني
والدِّين: سيرة الملك. قال زُهيرٌ:
في دِينِ عمرو وحالَتْ بينَنا فَدَهُ(٢)
لَيْن حَلَلْتَ بِجَوٍّ في بني أسدٍ
أراد: في موضع طاعة عمرو.
والدِّين: الدَّاءُ، عن اللِّحياني(٣)، وأنشد:
يا دِينَ قلبِكَ من سَلمَى وقد دِينًا(٤)
الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: رَجَعَ من الغَيبةِ إلى الخِطاب
على التلوين؛ لأنَّ من أوَّلِ السورة إلى هاهنا خَبَرٌ عن الله تعالى، وثناءٌ عليه، كقوله:
﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]. ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُرْ جَزَآءَ﴾.
وعكسُه: ﴿حََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢]، على ما يأتي.
و(نَعْبُدُ)) معناه: نُطِيعُ. والعبادةُ: الطاعةُ والتَّذلُّلُ. وطريقٌ مُعَبَّدٌ: إذا كان مُذَلَّلاً
للسالكين. قاله الهَرَوِيُّ.
ونُظْقُ المُكلَّفِ به إقرارٌ بالرُّبوبيَّةِ، وتحقيقٌ لعبادةِ الله تعالى، إذ سائرُ الناس
يعبُدون سواه من أصنامٍ وغيرِ ذلك.
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرُ﴾ أي: نطلُبُ العَوْنَ والتأييدَ والتوفيقَ.
(١) البيت في المفضَّلية ٧٦، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١ / ٢٤٧. الوَضِين: بِطانٌ عريض يُشَدُّ به الرَّحْل على
البعير . قال ابن منظور في اللسان (درأ): درأتُ وَضِينَ البعير: إذا بسطتَه على الأرض، ثم أبركتَه عليه
لتشدَّه به . وأورد بيت المثقّب العبدي هذا .
(٢) ديوانه ص ١٨٣، بشرحه لثعلب. قال: جَوّ: واد. ودين عمرو: طاعته . وذكره ابن منظور في اللسان
(خوا): لئن حللتَ بخوِّ (بالخاءِ المعجمة)، ونقل عن أبي محمد الأسود قوله: من رواه بالجيم، فقد
صحَّفه .
(٣) هو علي بن حازم أبو الحسن، ذكره الزبيدي في طبقات النحويين واللغويين ص ١٩٥، وقال: له كتاب
في النوادر شريف .
(٤) أوردَ ابنُ عطية ٧٢/١ قولَ اللحياني، والشاهدَ فيه، وذكر أنه يُتأول على غير هذا النحو. وأورده ابن
فارس في معجمه ٣١٩/٢، وقال: معناه: يا هذا دِينَ قلبُك، أي: أُذل . وأورده ابنُ الأنباري في شرح
القصائد السبع ص ٢٨ بلفظ: يا دين قلبك من أسماء يا دينا . وقال: يريد: يا حالَ قلبك وعادتَه .

٢٢٤
سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب)
قال السُّلَمِيُّ في ((حقائقه)): سمعتُ محمدَ بنَ عبد الله بن شاذان(١) يقول: سمعتُ
أبا حفص (٢) الفَرْغانيَّ يقول: مَن أقرَّ بـ ((إياكَ نعبدُ وإياكَ نستعينُ))، فقد بَرِىءَ من الجَبْرِ
والقَدَر.
الرابعة والعشرون: إن قيل: لِمَ قُدِّمَ المفعولُ على الفعل؟ قيل له: قُدِّمَ اهتماماً،
وشأنُ العرب تقديمُ الأهمِّ. يُذكر أنَّ أعرابيًّا سبَّ آخر، فأعرضَ المسبوبُ عنه، فقال
له السابُّ: إِيَّك أَعني، فقال له الآخرُ: وعنك أُغْرِضُ. فقدَّما الأهمَّ(٣).
وأيضا لئلا يتقدَّمَ ذكرُ العبدِ والعبادةِ على المعبود، فلا يجوز: نعبُدُكَ ونستعينكَ،
ولا: نعبُد إيَّاك، ونستعين إِيَّاك، فيقدَّم الفعل على كناية المفعول. وإنما يُتَّبَعُ لفظُ
القرآن. وقال العَجَّاجُ:
إيّاك أَدعُو فتقبَّلْ مَلَقِي واغفِرْ خطايايَ وكَثِّر وَرَقِي(٤)
ویُروی: وثَمِّرْ.
وأما قول الشاعر:
إليكَ حتى بَلَغَتْ إِيَّاكا(٥)
فشاذٌّ لا يُقاسُ عليه. والوَرِق، بكسر الرَّاء: من الدراهم، وبفتحها: المال.
وكرر الاسم لئلا يُتُوهَّمَ : إِيَّاك نعبُد ونستعينُ غيرَك.
الخامسة والعشرون: الجمهورُ من القُرَّاء والعلماء على شدِّ الياء من ﴿إِيَّاكَ﴾ في
(١) محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن شاذان الرازي الصوفي. قال الذهبي في السير ٣٦٥/١٦: يروي
عنه أبو عبد الرحمن السُّلَمي بلايا وحكايات منكرة . مات سنة (٣٧٦هـ).
(٢) كذا في النسخ الخطية و(م)، ولعله أبو جعفر، وهو محمد بن عبد الله، له ذكر في طبقات الصوفية
للسُّلَمي، وانظر أنساب السمعاني ٩/ ٢٧٦.
(٣) المحرر الوجيز ١/ ٧٢.
(٤) ذكره ابن فارس في معجمه ٦/ ١٠٢، وابن منظور في اللسان (ورق) .
(٥) هو من شواهد سيبويه ٢/ ٣٦٢ وترجم له: باب ما يجوز في الشعر، ولا يجوز في الكلام . وقائله:
حُميد الأرقط . وهو في أمالي ابن الشجري ٥٨/١، والإنصاف لأبي البركات ابن الأنباري ٦٩٩/٢،
والخزانة ٢٨٠/٥، وذكر أن قبله: أَتَتْك عَنْسٌ تقطعُ الأَرَاكا .

٢٢٥
سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب)
الموضعين. وقرأ عمرو بن فائد(١): ((إِيَاك)) بكسرِ الهمزةِ، وتخفيفِ الياء، وذلك أنه
كره تضعيفَ الياء، لِثِقَلها وكونِ الكسرة قبلَها(٢). وهذه قراءةٌ مرغوبٌ عنها، فإنَّ
المعنى يصيرُ: شمسَك نعبد، أو ضوءَك. وإِيَاةُ الشمس - بكسر الهمزة -: ضَوْءُها،
وقد تُفْتَح. وقال:
أُسِفَّ فلم تَكْدِم عليه بإثمِدٍ(٣)
سَقَتْهُ إِيَاةُ الشمسِ إلَّا لِثاتِهِ
فإن أَسقَطْتَ الهاء، مَدَدْتَ(٤). ويقال: الإياةُ للشمس كالهالةِ للقمر، وهي الدَّارةُ
حولَها.
وقرأ الفضلُ الرَّقاشيّ(٥): ((أَيَّاك)) بفتح الهمزة(٦)، وهي لغةٌ مشهورةٌ. وقرأ أبو
السوار الغَنَوِي(٧): ((هِيَّاك)) في الموضعين، وهي لغة(٨)، قال:
فهِيَّاكَ والأمرَ الذي إن تَوَسَّعتْ مواردُه ضاقَتْ عليك مَصادِرُه(٩)
(١) أبو علي الأسواري البصري. ذكره ابن الجزري في طبقات القراء ٦٠٢/١، وذكر له هذه القراءة . وقال
ابن حجر في لسان الميزان ٣٧٢/٤: قدري معتزلي، توفي بعد المئتين .
(٢) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١. وقال ابن جني في المحتسب ١/ ٤٠: لم نر لذلك أثراً في
اللغة، ولا رسماً، ولا مرَّ بنا في نثر ولا نظم .
(٣) البيت لِطَرَفَّةَ بن العبد، وهو في ديوانه ص ٢١. قوله: لِئات: هو جمع لِئة. وأُسفَّ: ذُرَّ عليه.
والكَذْمُ: العَضُّ بأدنى الفم .
(٤) الذي ذكره ابن الأنباري في شرح القصائد السبع ص ١٤٦، وابن النحاس في شرح القصائد التسع
٢١٧/١ - ٢١٨، وابن منظور في اللسان (أيا)، أنه يقال: إياة الشمس، بكسر الهمزة والهاء، وإيا
الشمس، بحذف الهاء (يعني بالقصر وكسر الهمزة)، وأياء الشمس، بالمدّ وفتح الهمزة .
(٥) الفضل بن عيسى الرَّقاشي. قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣٥٦/٣: ضعَّفوه.
(٦) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١، والنحاس في إعراب القرآن ١/ ١٧٣، وابن جني في
المحتسب ١/ ٣٩. وانظر المحرر الوجيز ١/ ٧٢.
(٧) ذكره ابن النديم في الفهرست ص٥٠، وفيه: أبو سرَّار، وفي نسخة منه: أبو السَّوَّار، وقال: كان فصيحاً
أخذ عنه أبو عبيدة ومَن دونه. وله ذكر في مجالس العلماء للزجاجي ص ٦٠، وإنباه الرواة للقفطي ٤/ ١٢٢.
(٨) القراءات الشاذة ص ١، والمحرر الوجيز ١/ ٧٢.
(٩) أنشده أبو تمَّام في الحماسة (٤١٨) (شرح المرزوقي) بلفظ: إياك والأمرَ. وأورده ابن جني في سر صناعة
الإعراب ٢/١، والإستراباذي في شرح الشافية ٢٢٣/٣، وقال البغدادي في شرحها ص ٤٧٦: أنشده أبو
تمَّام .. بحذف الفاء على أنه مخروم، مع بيت ثان .. ونسبهما إلى مضرِّس بن ربعي. ثم ذكر أنه أورده في
كتاب مختار أشعار القبائل لطُفَيْل الغَنَوي الجاهلي من جملة أبيات، وفيها: وإياك والأمرَ الذي إن تَراحَبَتْ.

٢٢٦
سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب)
السادسة والعشرون: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ عطفُ جُملةٍ على جُملةٍ. وقرأ يحيى بنُ
وَثَّابٍ(١) والأعمشُ(٢): ((نستعين)) بكسر النون(٣)، وهي لغةُ تميم، وأسد، وقيس،
وربيعة، ليدُلَّ على أنه مِن: استعانَ. فَكُسِرَت النونُ كما تُكسَرُ ألفُ الوصل.
وأصلُ ((نستعين)): نَستَعْوِن، قُلِبَتْ حركةُ الواو إلى العين، فصارت ياءً، والمصدرُ:
استعانة، والأصلُ: إِسْتِعْوَان، قُلِبَتْ حركةُ الواوٍ إلى العين، فانقلبت ألفاً،
ولا يلتقي ساكنان، فَحُذِفَتِ الألفُ الثانيةُ؛ لأنها زائدةٌ، وقيل: الأولى؛ لأنَّ الثانيةَ
للمعنى، ولَزِمَتِ الهاء ◌ِوَضاً(٤).
السابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿اهْدنَا الصراط الْمُستَقِيمَ﴾: ((إِهْدِنا)) دعاءٌ
ورغبةٌ من المَربوبِ إلى الرَّبِّ. والمعنى: دُلَّنا على الصراطِ المستقيم، وأَرْشِدْنا إليه،
وأَرِنا طريقَ هِدايتك المُؤْصِلةَ إلى أُنْسِكَ وَقُرْبِكَ.
قال بعضُ العلماء: فجعلَ اللهُ جلَّ وعَزَّ عُظْمَ الدُّعاءِ وجُملَتَه موضوعاً في هذه
السورةِ، نِصْفُها فيه مَجْمَعُ الثَّناء، ونصفُها فيه مَجْمَعُ الحاجات، وجعلَ هذا الدعاءَ
الذي في هذه السورةٍ أفضلَ من الذي يدعو به(٥)؛ لأنَّ هذا كلام(٦) قد تكلّم به ربُّ
العالمين، فأنتَ تدعُو بدعاءٍ هو كلامُه الذي تكلّم به. وفي الحديث: ((ليس شيءٌ
أكرمَ على الله من الدُّعاء))(٧).
وقيل: المعنى: أَرشِدنا باستعمال السُّنَنِ في أداء(٨) فرائضك. وقيل: الأصلُ فيه
الإمالةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَاً إِلَيْكٌ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، أي: مِلْنا. وخَرَجَ عليه
(١) الأسدي مولاهم، الكوفي، شيخ القراء، توفي سنة (١٠٣ هـ) روى له الجماعة غير أبي داود. السير ٣٧٩/٤.
(٢) سليمان بن مهران، أبو محمد الأسدي الكاهلي مولاهم، الكوفي، شيخ المقرئين والمحدثين، مات
سنة (١٤٧ هـ)، روى له الجماعة . السير ٦/ ٢٢٦.
(٣) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١. ونسبها لجناح بن حبيش.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٧٣/١ - ١٧٤.
(٥) أي: يدعو به الداعي، كما هو واضح من سياق كلامه.
(٦) في (م): الكلام .
(٧) أخرجه أحمد (٨٧٤٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٨) في (ظ): استعمال، بدل: أداء.

٢٢٧
سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب)
الصلاة والسلام في مَرَضِهِ يَتَهادَى بين اثنين، أي: يَتمايَلُ(١). ومنه الهَدِيَّةُ؛ لأنها
تُمال(٢) من مِلْكِ إلى مِلْكِ. ومنه الهَدْيُ، للحيوان الذي يُساقُ إلى الحَرَمِ. فالمعنى:
مِلْ بقلوبنا إلى الحَقِّ.
وقال الفُضَيْلُ بن عياض: ﴿الصراط المستقيم﴾ طريقُ الحَجِّ. وهذا خاصٌّ،
والعموم أولى. قال محمد ابنُ الحَنَفِيَّةِ(٣) في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿اهدنا الصراط
المستقيم﴾: هو دينُ الله الذي لا يُقْبَلُ من العبادِ غيرُه. وقال عاصمُ الأَحوَلُ (٤) عن
أبي العاليةِ: ﴿الصراط المستقيم﴾ رسولُ الله ◌َ ل﴿، وصاحباه، من بعده. قال عاصم:
فقلتُ للحسن: إن أبا العالية يقول: ﴿الصراط المستقيم﴾ رسول الله وَ لغيره وصاحباه،
قال: صَدَقَ ونَصَحَ(٥).
الثامنة والعشرون: أصلُ الصِّراطِ في كلام العرب: الطريقُ. قال عامرُ بنُ
الطُّفَيل(٦) :
تركناهم أَذَلَّ مِن الصِّراطِ(٨)
شَحَنَّا (٧) أَرْضَهم بالخَيلِ حتى
وقال جرير (٩):
إذا اعوَجَّ الموارِدُ مُسْتقيمٍ
أميرُ المؤمنينَ على صِراطٍ
(١) قطعة من حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه أحمد (٢٥٧٦١)، والبخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨)،
وعندهم: يُهادَى .
(٢) في (٥): تهاد، وفي (ز): تهال .
(٣) هو محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أبو القاسم وأبو عبد الله، أمه خولة بنت جعفر الحنفية.
توفي سنة (٨٠هـ)، وقيل: (٨١). سير أعلام النبلاء ٤/ ١١٠.
(٤) هو عاصم بن سليمان، أبو عبد الرحمن، محدّث البصرة، توفي سنة (١٤٢ هـ) السير ٦/ ١٣.
(٥) أخرج بعض هذه الأخبار الطبري في تفسيره ١/ ١٧٥، وذكر بعضها ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٧٤.
(٦) العامري، ابن عم لبيد الصحابي الشاعر، وَفَدَمع قومه سنة تسع للهجرة على رسول الله ێ وهو يريد الغدر
به فلم يفلح، وعاد ولم يسلم، ومات في طريق عودته . الشعر والشعراء ١/ ٣٤٣، وخزانة الأدب ٣/ ٨٠.
(٧) في (ظ): سفحنا .
(٨) لم نقف عليه في ديوانه، وذكره الطبري في تفسيره ١٧١/١ بلفظ:
تركناها أَدَقَّ من الصراط
صَبَخنا أرضَهم بالخيل حتَّى
ونسبه لأبي ذُؤيب الهُذَلي .
(٩) دیوانه ١/ ٢١٨.

٢٢٨
سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب)
وقال آخرٌ:
فَصدَّ عن نَّهِجِ الصِّراطِ الواضِحِ(١
وحكى النَّقَّاشُ: الصِّراطُ: الطريقُ بِلُغَةِ الرُّوم. قال ابنُ عطية: وهذا ضعيفٌ
جدًّا(٢). قُرِئ: السِّراط - بالسين(٣) - من الاستراط، بمعنى الابتلاع، كأنَّ الطريقَ
يَستَرِطُ مَن يَسْلُكُه(٤). وقُرِئ بين الزاي والصَّاد(٥)، وقُرِىءَ بزاي خالصة(٦)، والسين
الأصل. وحكى سَلَمةُ(٧)، عن الفرَّاء قال: الزِّراط - بإخلاص الزاي - لُغَةٌ لعُذْرةَ
وكَلْب وبني القَيْن(٨). قال: وهؤلاء يقولون: أَزْدَق. وقد قالوا: الأَزْد والأَسْد،
ولَسِقَ به ولَصِقَ به.
و((الصِّرَاطَ)) نصب على المفعول الثاني؛ لأنَّ الفعلَ من الهِداية يَتَعدَّى إلى
المفعول الثاني بحرف جَرِّ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ لْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣].
وبغیر حرفٍ كما في هذه الآية.
(المستقيم)) صفةٌ لـ((الصراط))، وهو الذي لا اعوجاجَ فيه، ولا انحرافَ، ومنه
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وأصلُه مُستَقْوِم، نُقِلَت الحركةُ إلى القاف، وانقلَبتِ الواوُ ياءً لانكسار ما قبلَها.
(١) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢٤/١، والطبري في تفسيره ١٧١/١، وابن عطية ١/ ٧٤. وعند أبي
عبيدة والطبري: الصراط القاصد .
(٢) المحرر الوجيز ١/ ٧٤.
(٣) هي قراءة ابن كثير في رواية قنبل من السبعة، وقراءة يعقوب في رواية رُويس من العشرة . انظر السبعة
ص ١٠٥، والتيسير ص ١٨، والنشر ٢٧١/١.
(٤) في (ظ): سلكه .
(٥) أي: بالصاد مشمَّة صوت الزاي، وهي قراءة حمزة في رواية خَلَف حيث وقعت، وخلاَّد في الموضع
الأول من الفاتحة. السبعة ص ١٠٦، والتيسير ص ١٨.
(٦) رواها الأصمعي عن أبي عمرو، وحكاها الفرَّاء عن حمزة، فيما ذكر ابنُ مجاهد في السبعة ١٠٥ - ١٠٦،
وقال أبو علي الفارسي في الحجة ١/ ٥١: وأما الزاي: فأحسبُ الأصمعي لم يضبط عن أبي عمرو، لأن
الأصمعي كان غير نحوي ... وأحسبُ أنه سمع أبا عمرو يقرأ بالمضارعة للزاي فتوهَّمها زاياً .
(٧) هو ابنُ عاصم، أبو محمد البغدادي النحوي، صاحب الفرَّاء . توفي بعد السبعين ومئتين . طبقات القراء
١/ ٣١١.
(٨) ذكره السيوطي في الدر المنثور ١٤/١ ونسبه لابن الأنباري .

٢٢٩
سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب)
التاسعة والعشرون: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: ((صراط)) بَدَلٌ من الأول،
بَدَلُ الشيء من الشيء، كقولك: جاءني زيدٌ أبوك. ومعناه: أَدِمْ هدايتَنا، فإنَّ الإنسانَ
قد يُهدَى إلى الطريق، ثم يُقطَعُ به.
وقيل: هو صراطٌ آخَرُ، ومعناه: العلمُ بالله جلَّ وعزَّ، والفَهمُ عنه. قاله جعفر بنُ
محمد(١). ولغةُ القرآن ((الَّذِين)) في الرفع والنصب والجر، وهُذَيْلٌ تقول: الذون(٢) في
الرفع، ومن العرب مَن يقول: اللَّذو، ومنهم من يقول: الذي. وسيأتي(٣).
وفي ((عليهم)) عَشْرُ لغات، قُرىءَ بعامَّتها: ((عَلَيْهُمْ)): بضمِّ الهاء وإسكانِ الميم.
و (عَلَيْهِمْ)): بكسْرِ الهاء وإسكانِ الميم. و((عَلَيْهِمِي(٤)): بكسرِ الهاء والميم، وإلحاقٍ
ياءٍ بعد الكسرة. و((عَلَيْهِمُو)»: بكسرِ الهاء وضمِّ الميم، وزيادةٍ (٥) واو بعد الضمة.
و((عَلَيْهُمُو)): بضمِّ الهاء والميم كلتيهما، وإدخالٍ واو بعدَ الميم. و((عَلَيْهُمُ)): بضم
الهاء والميم، من غير زيادة واو. وهذه الأوْجُهُ الستة مأثورةٌ عن الأئمة من القُرَّاء(٦).
وأوجهٌ (٧) أربعةٌ منقولةٌ عن العرب غيرُ مَحكِيَّة عن القُرَّاءِ: ((عَلَيْهُمِي)»: بضمِّ الهاء
وكسرِ الميم، وإدخالِ ياءِ بعد الميم، حكاها الحسنُ البصريُّ عن العرب. و((عَلَيْهُمِ)):
بضمِّ الهاء وكسرِ الميم، من غير زيادة ياء. و((عَلَيْهِمُ)): بكسر الهاء وضمِّ الميم، من
(١) ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله القرشي، الهاشمي، الإمام الصادق، أحد
الأعلام. توفي سنة (١٤٨هـ). السير ٦/ ٢٥٥.
(٢) في (م) و(ز): اللذون .
(٣) ينظر الأُزهِيَّة في علم الحروف للهروي ص ٢٩٧ - ٢٩٨، والبيان لأبي البركات ابن الأنباري ٣٩/١،
وتهذيب اللغة للأزهري ٣٨/١٥ - ٣٩. وينظر تفسير الآية (٤٩) من سورة غافر في هذا الكتاب .
(٤) في النسخ الخطية: عليهم، والمثبت من (م).
(٥) في (ظ): مع زيادة .
(٦) قرأ حمزة من السبعة، ويعقوب من العشرة: عليهُمْ، بضم الهاء وإسكان الميم، وقرأ الباقون: عليهِمْ،
بكسر الهاء وإسكان الميم، وقرأ قالون وابن كثير وأبو جعفر: عليهِمُو، حالة الوصل، وقرأ حمزة
والكسائي ويعقوب وخلف العاشر: عليهُمُ؛ إن جاء بعدها همزة وصل، وذلك في جميع القرآن.
السبعة ص ١٠٨-١٠٩، والتيسير ص ١٩. أما قراءة: عَلَيْهِمِي: بكسر الهاء وإثبات الياء، وعَلَيْهُمُو:
بضم الهاء وإثبات الواو، فمن الشواذ. قرأ بالأولى الحسن وعمرو بن فائد، وبالثانية ابن أبي إسحاق .
إعراب القرآن للنحاس ١٧٥/١، والمحتسب ١/ ٤٤.
(٧) في (ظ): ووجوه .

٢٣٠
سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب)
غير إلحاق واوٍ. و((عَلَيْهِم)): بكسر الهاء والميم، ولا ياءَ بعد الميم. وكلُّها
صوابٌ(١). قاله ابنُ الأنباري.
المُوفِيةُ الثلاثين: قرأ عمرُ بن الخطاب وابنُ الزبير رضي الله عنهما: ((صراطَ
مَن أنعمتَ عليهم))(٢). واختلف الناسُ في المُنعَم عليهم. فقال الجمهورُ من
المفسرين: إنه أراد صراطَ النبيِّين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحين. وانتزعوا ذلك
من قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَيْكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ
وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. فالآيةُ تقتضي أنَّ
هؤلاءِ على صراط مستقيم، وهو المطلوبُ في آية الحمد(٣)، وجميعُ ما قيل إلى
هذا يرجع، فلا معنى لتعديد الأقوال. واللهُ المستعان.
الحادية والثلاثون: في هذه الآيةِ ردٌّ على القَدَرِيَّةِ والمعتزلة والإماميَّة؛ لأنهم
يَعتقِدونَ أنَّ إرادةَ الإنسان كافيةٌ في صدور أفعاله منه، طاعةً كانت أو معصيةً؛ لأنَّ
الإنسانَ عندَهم خالقٌ لأفعاله، فهو غيرُ مُحتاج في صدورِها عنه إلى ربِّه، وقد أكذبَهم اللهُ
تعالى في هذه الآية إذ سألوه الهِدايةَ إلى الصِّراطِ المستقيم، فلو كان الأمرُ إليهم،
والاختيارُ بيدهم دون ربِّهم، لَما سألوه الهِدايةَ، ولا كرَّروا السؤالَ في كلِّ صلاة،
وكذلك تَضَرُّعُهم إليه في دَفْع المكروه(٤)، وهو ما يُناقِضُ الهِدايةَ، حيث قالوا: ﴿صِرَطَ
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ﴾. فكما سألوه أن يَهدِيَهم، سألوه ألاَّ
يُضِلَّهم، وكذلك يدعون، فيقولون: ﴿رَبََّ لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الآية.
الثانية والثلاثون: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ﴾: اختُلِفَ في ((المغضوب
عليهم)) و((الضالين)) مَن هم، فالجمهورُ على(٥) أنَّ المغضوب عليهم: اليهودُ،
(١) يعني لغةً، لكنها شاذة قراءةً، وقد ذكر ابن جني هذه الأوجه العشرة في المحتسب ٤٣/١ - ٤٥، نقل
سبعة منها عن أبي بكر أحمد بن موسى، والثلاثة الباقية عن الأخفش، ثم قال: فتلك عشرة أوجه،
خمسة مع ضم الهاء، وخمسة مع كسرها .
(٢) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١ إلى ابن مسعود، رضي الله عنه
(٣) المحرر الوجيز ١/ ٧٥.
(٤) في (ظ): كل مكروه .
(٥) لفظة على، من (ز).

٢٣١
سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب)
والضَّالِّين: النصارى، وجاء ذلك مُفَسَّرا عن النبيِّ نَ ﴿ في حديث عَدِيِّ بنِ حاتِم وقصةٍ
إسلامه. أخرجه أبو داود الطيالسيُّ في ((مسنده))، والترمذيُّ في ((جامعه)) (١). وشَهِدَ
لهذا التفسيرِ أيضا قولُه سبحانَه في اليهود: ﴿وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِنَ الَهُ﴾ [البقرة: ٦١]،
وقال: ﴿وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٦]، وقال في النصارى: ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ
وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].
وقيل: ((المغضوب عليهم)): المشركون. و((الضالين)): المنافقون. وقيل:
((المغضوب عليهم)): هو مَن أسقط فرضَ هذه السورةِ في الصلاة! و((الضالِّين)) عن
بَرَكَةٍ قراءتها. حكاه السُّلَمِيُّ في ((حقائقه))، والماوردي في ((تفسيره))، وليس بشيء.
قال الماورديُّ(٢): وهذا وجهٌ مردودٌ؛ لأنَّ ما تعارَضَتْ فيه الأخبارُ، وتقابلَت فيه
الآثارُ، وانتشر فيه الخِلافُ، لم يَجُزْ أن يُطلَقَ عليه هذا الحكمُ.
وقيل: ((المغضوب عليهم)) باتِباع البِدَعِ، و(الضالِين)) عن سنن الهُدى.
قلت(٣): وهذا حسنٌ، وتفسيرُ النبيِّوَّهِ أَوْلَى وأعلى وأحسنُ.
و((عليهم)) في موضع رَفْعِ(٤)؛ لأنَّ المعنى: غُضِبَ عليهم. والغَضَبُ في اللُّغةِ:
الشِّدَّةُ. ورجلٌ غَضوبٌ، أيّ: شديد الخُلُق، والغَضُوب: الحَيَّةُ الخبيئةُ، لِشِدَّتها .
والغَضبَةُ: الدَّرَقَةُ من ◌ِلدِ البعير، يُظْوَى بعضُها على بعض، سُمِّيَت بذلك لِشِدَّتها .
ومعنى الغَضَبِ في صفة الله تعالى إرادةُ العقوبةِ، فهو صفةُ ذات، وإرادةُ الله
تعالى من صفاتٍ ذاته، أو نفسُ العقوبةِ، ومنه الحديثُ: ((إنَّ الصدقةَ لَتُطفِئُ غَضَبَ
الرَّبِّ)»(٥) فهو صفةُ فِعل.
الثالثة والثلاثون: ﴿وَلَا الضَّآلّينَ﴾: الضَّلالُ في كلام العرب: هو الذَّهابُ عن
سَنَنِ القَصدِ، وطريقِ الحقِّ، ومنه: ضَلَّ اللَّبَنُ في الماء، أي: غابَ. ومنه: ﴿أَوِذَا
(١) مسند الطيالسي ص ٤٠، وسنن الترمذي (٢٩٥٤)، وهو في مسند أحمد (١٩٣٨١).
(٢) لم نقف على كلام الماوردي في المطبوع من تفسيره .
(٣) في (د) و(ز): قال الشيخ المؤلف رحمه الله .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١/ ١٧٦.
(٥) أخرجه الترمذي (٦٦٤)، وابن حبان (٣٣٠٩)، والبغوي في شرح السنة (١٦٣٤) من طريق الحسن عن
أنس بن مالك رضي الله عنه . قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه .

٢٣٢
سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب)
ضَلَلْنَا فِ الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠]، أي: غِبْنا بالموت وصِرْنا تراباً، قال:
أَلَم تَسْألْ فَتُخبِرَكَ الدِّيارُ عنِ الحَيِّ المُضَلَّلِ أينَ سارُوا (١)
والضُّلَضِلَةُ: حجرٌ أملسُ، يُرَدِّده الماءُ في الوادي. وكذلك الغَضْبةُ: صخرةٌ في
الجبل مخالفةٌ لونَه، قال:
وغَضْبَةٍ(٢) في هَضْبَةٍ ما أمْنَعا(٣)
الرابعة والثلاثون: قرأ عمرُ بن الخطاب وأُبَيُّ بن كعب: ((غير المغضوب عليهم
وغير الضالين))، ورُوِيَ عنهما في الراء النصبُ والخَفْضُ في الحرفين(٤)، فالخفضُ
على البَدَلِ من ((الذين))، أو من الهاء والميم في ((عليهم))، أو صفة لـ ((الذين)). و((الذين))
معرفة، ولا تُوصَفُ المعارفُ بالنَّكِراتِ، ولا النكراتُ بالمعارفِ، إلا أنَّ ((الذین)) لیس
بمقصود قصدهم، فهو عامٌّ، فالكلامُ بمنزلة قولك: إني لأَمُرُّ بمثلِك فَأُكْرِمُهُ، أو لأنَّ(٥)
((غير)» تعرَّفت لكونها بين شيئين، لا وسطً بينهما، كما تقول: الحيُّ غيرُ الميتِ،
والساكنُ غيرُ المتحرِّك، والقائمُ غيرُ القاعدِ، قولان: الأول للفارسيِّ، والثاني
للزمخشريٌّ(٦). والنصبُ في الراء على وجهين: على الحال مِنَ ((الذين))، أو مِنَ الهاءِ
والميم في ((عليهم))، كأنك قلتَ: أنعمتَ عليهم لامغضوباً عليهم. أو على الاستثناء،
كأنك قلتَ: إلا المغضوبَ عليهم. ويجوز النصبُ(٧) بأعني. وحُكِيَ عن الخليل(٨) .
الخامسة والثلاثون: ((لا)) في قوله: ((ولا الضالين))؛ اختُلِفَ فيها، فقيل: هي
(١) الدر المصون ١/ ٧٦.
(٢) في (م): أو غضبة .
(٣) العين ٣٦٩/٤، وجاء في اللسان (غضب): أو غَضْبةٍ في هَضْبةٍ ما أرفعا .
(٤) نقله عن ابن عطية ٧٨/١، وسلف ذكر هذه القراءة ص ١٣١. وذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص١ فتح الراء في غير المغضوب.
(٥) في (ظ): ولأن .
(٦) الحجة للقراء السبعة ١٤٢/١، والكشاف ٧٠/١، وإعراب القرآن للنحاس ١٧٦/١، ومشكل إعراب
القرآن لمكي ٧٢/١، والمحرر الوجيز ٧٦/١ - ٧٧.
والزمخشري: هو محمود بن عمر بن محمد، أبو القاسم الخوارزمي، النحوي، كبير المعتزلة، صاحب
الكشاف والمفصّل وغيرهما. توفي سنة (٥٣٨هـ). السير ٢٠/ ١٥١.
(٧) في (د): أن تنصب .
(٨) نقله عن ابن عطية ٧٧/١، وينظر إعراب القرآن للنحاس ١٧٦/١، ومشكل إعراب القرآن لمكي ١/ ٧٢.

٢٣٣
سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب)
زائدة. قاله الطبريُّ(١). ومنه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْبُدَ﴾ [الأعراف: ١٢].
وقيل: هي تأكيدٌ، دَخلَتْ لئلا يُتَوَهَّمَ أنَّ((الضالين)) معطوفٌ على ((الذين)). حكاه
مَكِّيٍّ (٢) والمَهدَوِيُّ. وقال الكوفيون: ((لا)) بمعنى ((غير))، وهي قراءةُ عُمر وأُبَيٍّ، وقد تقدَّم.
السادسة والثلاثون: الأصلُ في ((الضالِّين)): الضَّالِلين، حُذِفَتْ حركةُ اللَّام
الأُولى، ثم أُدغِمَتِ اللََّمُ في اللَّام، فاجتمع ساكنان: مَدَّةٌ(٣) الألف، واللَّمَّ
المُدغَمةُ (٤). وقرأ أيوبُ السَّخْتِيانيُّ: ((ولا الضأَلِّين)) بهمزةٍ غيرِ ممدودة(٥)، كأنه فَرَّ
من التقاء الساكنين، وهي لغةٌ. حكى أبو زيد قال: سمعتُ عمرو بن عُبيد يقرأُ :
((فَيَوْمَئِذ لايُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِه إنْسٌ ولا جَأَنٌّ)(٦) [الرحمن: ٣٩]. فَظَنَنْتُه قد لَحَنَ، حتى
سمعتُ من العرب: دَأَبَّة وشَأَبَّة. قال أبو الفتح(٧): وعلى هذه اللُّغةِ قولُ كُثَيّ (٨):
إذا ما العَوَالي بالعَبِيطِ احمَأَرَّتٍ (٩)
نَجِزَ تفسير سورة الحمد
ولله الحمدُ والمِنَّة
(١) تفسيره ١/ ١٩٠.
(٢) نقله المصنف عن ابن عطية، وليس في مشكل إعراب القرآن ٧٢/١ هذا اللفظ، وإنما قال مكي: ((لا))
زائدة للتوكيد عند البصريين، وبمعنى ((غير)) عند الكوفيين .
(٣) قوله: مَدَّة، ليس في (د).
(٤) قال النحاس في إعراب القرآن ١٧٦/١: وجاز ذلك لأن في الألف مدة، والثاني مدغم.
(٥) ذكرها ابن خالويه في الشاذة ص١، وأبو الفتح ابن جني في المحتسب ١/ ٤٦.
(٦) ذكرها ابن خالويه في الشاذة ص١٤٩، وأبو الفتح ابن جني في المحتسب ٤٧/١، وفيه ما أورده
المصنف من قول أبي زيد، إلى قول كُثَيِّر .
(٧) عثمان بن جني، الموصلي، إمام العربية، صاحب سر صناعة الإعراب والمحتسب والخصائص
وغيرها . توفي سنة (٣٩٢هـ). السير ١٧ / ١٧.
(٨) هو كُثَيِّر بن عبد الرحمن بن الأسود، أبو صخر الخُزاعي، المدني، من فحول الشعراء، كان قد تتيَّم
بَعَزَّة، وشيَّبَ بها، توفي سنة (١٠٧هـ). السير ٥/ ١٥٢.
(٩) كذا أورد ابن جني هذا الشطر في المحتسب ٤٧/١، ونقله عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ٧٨/١،
ونقله المصنف عن ابن عطية، ولفظه في ديوانه ٢/ ٩٧: إذا ما اخمأَرَّتْ بالعبيط العواملُ، وهكذا أورده
ابن منظور في اللسان (جنن)، وصدر البيت: وأنتَ ابنَ ليلى خيرُ قَومِك مشهداً . وهو من قصيدة يمدحُ
فيها عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أمير مصر .

٢٣٤
سورة البقرة (فضلها)
تفسير سورة البقرة
بحول الله و کرمه، لا ربّ سواه
وأوّلُ مبدوءٍ به الكلامُ في نزولها وفضلِها، وما جاء فيها، وهكذا كلُّ سورةٍ إنْ
وجدنا لها ذلك، فنقولُ:
سورةُ البقرة مَدَنِيَّةٌ، نزلَتْ في مُدَدٍ شَتَّى. وقيل: هي أوَّلُ سورةٍ نَزَلَتْ بالمدينة، إلا
قولَهُ تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ [٢٨١]، فإنَّهُ(١) آخِرُ آيَةٍ نزلَتْ من
السماء، ونزلَتْ يومَ النَّحْرِ في حِجَّةِ الوَداعِ بِمِنّى؛ وآياتُ الرِّبا أيضاً من أواخِرِ ما نزَلَ
من القرآنِ(٢).
وهذه السورةُ فضلُها عظيم وثوابُها جَسِيم. ويقال لها: فُسْطاط القرآن، قاله خالد بن
مَعْدَان(٣). وذلك لِعِظَمِها وبَهائها، وكثرةِ أحكامِها ومواعِظها. وتعلَّمها عمرُ رضي الله عنه
بفقهها وما تحتوي عليه في اثنتي عَشْرَةَ سَنَةً، وابنُه عبدُ الله في ثماني سنين كما تقدَّم(٤).
قال ابنُ العربيّ: سمعتُ بعضَ أشياخي يقولُ: فيها ألفُ أمْرٍ، وألْفُ نَهْي، وألفُ
حُكْم، وألفُ خَبَر (٥).
ويَعَثَ رسولُ اللهِوَّهِ بَعْثاً وهم ذَوُو عَدَد، وقدَّم عليهم أحْدَثَهم ◌ِنَّا، لِحِفْظِهِ سورةَ
البقرة، وقال له: ((اذْهَبْ، فأنتَ أميرُهم)). أخرجه الترمذيُّ عن أبي هُريرة، وصحّحَه(٦).
ورَوَى مسلمٌ عَنْ أبي أمامةَ الباهليّ قال: سمعتُ رسولَ الله وَله يقول: ((اقرؤوا
(١) في (د) و(ظ): فإنها.
(٢) أخرج البخاري (٤٥٤٤) عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت على النبي ونَ﴿ آيةُ الربا، وانظر ما سلف ص ٩٨.
(٣) أخرجه عنه الدارمي (٣٣٧٦). وخالد بن معدان: هو أبو عبد الله الكلاعي، الحمصي، من أئمة الفقه،
توفي سنة (١٠٣ هـ). السير ٥٣٦/٤.
(٤) في باب كيفية التعلم والفقه بكتاب الله تعالى ص ٦٨.
(٥) أحكام القرآن ٨/١.
(٦) سنن الترمذي (٢٨٧٦) وفي المطبوع منه قوله: هذا حديث حسن.

٢٣٥
سورة البقرة (فضلها)
سورةَ البقرة، فإنَّ أخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا يَسْتَطِيعُها البَطَلَة)). قال معاوية:
بلغني أنَّ البَطَلَةَ: السَّحَرَةُ(١).
ورَوَى أيضاً عن أبي هُريرة أنَّ رسولَ اللهِوَله قال: ((لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُم مَقَابِرَ، إنَّ
الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ(٢) مِنَ الْبَيْتِ الذي تُقْرَأُ فيه سورةُ البَقَرَة)»(٣).
ورَوَى الدارميُّ عن عبد الله (٤) قال: ما مِنْ بَيْتٍ يُقْرَأُ فيه سورةُ البقرة إلا خَرَجَ منه
الشيطانُ وله ضُراط. وقال: إنَّ لكلِّ شيءٍ سَناماً، وإنَّ سَنامَ القُرْآنِ سُورةُ البقرة، وإنَّ
لكلِّ شيءٍ لُباباً، وإن لُبابَ القُرآنِ المُفَصَّلُ. قال أبو محمد الدارميّ: اللُّباب:
الخالِصُ(٥).
وفي ((صحيح)) البُسْتِيّ: عن سهلِ بنِ سَعْدٍ قال: قال رسول الله وَالِهِ: ((إنَّ لكلِّ
شَيْءٍ سَناماً، وإنَّ سَنامَ القرآنِ سورةُ البقرةِ، ومَنْ قَرَّأَها في بيتِهِ ليلاً، لم يَدْخُلِ
الشيطانُ بِيتَهُ ثلاثَ ليالٍ، ومَنْ قَرَأَها نهاراً، لم يَدْخُلِ الشيطانُ بيتَه ثلاثةَ أيَّامٍ)). قال أبو
حاتم البُسْتِيّ: قوله وَّهِ: ((لم يدخلِ الشيطانُ بِيتَه ثلاثةَ أيام)) أراد: مَرَدَةَ الشياطينِ (٦).
وروى الدّارميُّ في ((مسنده)) عن الشَّعْبِيِّ قال: قال عبد الله: مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آياتٍ من
سورة البقرةٍ في ليلةٍ، لم يَدْخُلْ ذلك البيتَ شيطانٌ تلك الليلةَ، حتَّى يُصْبحَ: أَرْبَعاً من
أوَّلها، وآيةَ الكرسيِّ، وآيتَيْن بعدَها، وثلاثاً خواتيمَها، أوّلُها: ﴿لِلَّ مَا فِي السَّمَوَتِ﴾
[الآية ٢٨٤]. وعن الشعبي عنه: لم يَقْرَبْه ولا أهلَه(٧) يومئذٍ شيطانٌ، ولا شيءٌ يكرهُهُ،
ولا يُقْرَأْنَ على مجنونٍ إلا أفاقَ(٨). وقال المغيرة بنُّ سُبَيْع - وكان من أصحاب
(١) صحيح مسلم (٨٠٤)، وهو في مسند أحمد (٢٢١٤٦)، معاوية: هو ابن سلام، أحدرواة الحديث عند مسلم.
(٢) في (د) و(ز) وهامش (ظ): يفرُّ.
(٣) صحيح مسلم (٧٨٠)، وهو في مسند أحمد (٧٨٢١).
(٤) هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(٥) سنن الدارمي (٣٣٧٥) و(٣٣٧٧).
(٦) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (٧٨٠)، وفي إسناده خالد بن سعيد المدني، ذكره العقيلي في الضعفاء
الكبير ٦/٢، وقال: لا يتابع على حديثه، وأورد له هذا الحديث، ثم قال: وفي فضل سورة البقرة رواية
أحسن من هذا الإسناد وأصلح، بخلاف هذا اللفظ. وأما في تمثيل القرآن، فليس فيه شيء يثبت.
(٧) في (ظ): وأهله.
(٨) سنن الدارمي (٣٣٨٢) و(٣٣٨٣). وإسناده منقطع، الشعبي - وهو عامر بن شراحيل - لم يسمع من=

٢٣٦
سورة البقرة (فضلها)
عبد الله -: لم يَنْسَ القرآن. وقال إسحاق بنُ عيسى: لم ينسَ ما قد حَفِظ. قال أبو
محمد الدارميُّ: منهم مَنْ يقول: المغيرة بنُ سُمَيْع (١).
وفي كتاب ((الاستيعاب)) لابن عبدِ البر(٢): وكان لَبِيدُ بنُ ربيعةَ بنِ مالك(٣) بنِ
جعفرِ بنِ كلابٍ بنِ ربيعةَ بنِ عامرِ بنِ صَعْصَعَةً، من شعراءِ الجاهليةِ، أدركَ الإسلامَ،
فحَسُنَ إسلامُه، وتركَ قولَ الشِّعر في الإسلام، وسألَه عمرُ في خلافتِهِ عن شِعرِهِ،
واستنشدَه، فقرأ سورةَ البقرة، فقال: إنما سألتُك عن شِعرٍك، فقال: ما كنتُ لأقولَ
بيتاً من الشِّعر بعد إذْ علَّمني الله البقرةَ(٤) وآلَ عمرانَ، فأعجبَ عمرَ قولُه، وكان
عطاؤُه ألفَّيْنٍ، فزادَهُ خمسَ مئة. وقد قالَ كثيرٌ من أهلِ الأخبارِ: إن لبيداً لم يَقُلْ شِعْراً
منذُ أسْلَمَ. وقال بعضُهم: لم يقلْ في الإسلامِ إِلَّا قولَه(٥).
حتَّى اكْتَسَيْتُ من الإسلامِ سِرْبالا
الحمدُ للهِ إِذْ لَمْ يَأْتِني أَجَلي
قال ابنُ عبدِ البَرّ: وقد قيل: إنَّ هذا البيتَ لقَرَدَة بنِ نُفاثَةَ السَّلُوليّ(٦)، وهو أصحُ
عندي. وقال غيرُه: بل البيتُ الذي قاله في الإسلام:
والمرءُ يُصْلِحُهُ القَرِينُ الصالح(٧)
ما عاتبَ المرءَ الکریمَ كْنَفْسِه
وسيأتي ما ورد في آية الكرسيّ وخواتيم البقرة، ويأتي في أوّل سورة آل عمران
زيادةُ بيانٍ لفضل هذه السورة، إن شاء الله تعالى.
= عبد الله بن مسعود، كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٣٢.
(١) سنن الدارمي (٣٣٨٥). إسحاق بن عيسى: هو شيخ الدارمي الذي روى عنه هذا الأثر.
(٢) ٩/ ٢٧٥ بهامش الإصابة.
(٣) زاد محققو (م): ((بن عامر)) قبل: ((بن مالك)) استناداً إلى ما وقع في الاستيعاب وأسد الغابة والإصابة،
وهذه الزيادة في النسب في هذه المصادر خطأ؛ نبَّه عليه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في الشعر
والشعراء ٢٧٤/١.
(٤) في (ظ): بعد أن علمني الله سورة البقرة.
(٥) قال ذلك أبو اليقظان فيما نقله عنه ابن قتيبة في الشعر والشعراء ٢٧٥/١.
(٦) ذكره المرزباني في معجم الشعراء ص ٢٢٣، وابن عبد البر في الاستيعاب ٢٠٦/٩ (بهامش الإصابة)
وذكر أنه وفد على النبي وَ لزر في جماعة من بني سلول، فأسلموا، وأمَّره عليهم، وأورد له هذا البيت مع
بیتین آخرین.
(٧) ديوان لبيد ص ٣٤٩، وفيه: الجليس بدل: القرين. والقصة بتمامها في الشعر والشعراء ٢٧٥/١ في
ترجمة لبید.

٢٣٧
سورة البقرة : الآية ١
الرَّحِيـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ
ربِّ يسِّر وأعِنْ
قوله تعالى: الّمَ ﴿ ذَلِكَ الْكِنَبُ لَا رَيْبَ فِهِ هُدًى لِلْمَّقِينَ
اختلفَ أهلُ التأويلِ في الحروفِ التي في أوائلِ السُّورِ، فقال عامر الشَّعْبيُّ،
وسفيانُ الثَّوْرِيُّ، وجماعةٌ من المحدِّثين: هي سِرُّ الله في القرآنِ، ولله في كلِّ كتابٍ
من كُتُبِهِ سِرٌّ، فهي من المتشابهِ الذي انْفَرَدَ الله تعالى بعلمه، ولا يجبُ أنْ يُتَكَلَّمَ فيها،
ولكنْ يُؤْمَنُ بها، وتُمَرُّ(١) كما جاءت(٢). ورُوِيَ هذا القولُ عن أبي بكرِ الصِّدِّيقِ،
وعليّ(٣) بن أبي طالب، رضي الله عنهما (٤).
وذكر أبو الليث السَّمَرْ قَنْدِيُّ(٥) عن عمرَ، وعثمانَ، وابنٍ مسعود، أنهم قالوا:
الحروفُ المقطّعةُ من المكتومِ الذي لا يُفَسَّر.
وقالَ أبو حاتم: لم نجدِ الحروفَ المقطّعةَ في القرآنِ إلا في أوائلِ السُّوَرِ، ولا
ندري ما أرادَ الله جلَّ وعزَّ بها(٦).
قلت: ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباريُّ: حدثنا الحسن بنُ الحُباب،
حدّثنا أبو بكر بنُ أبي طالب، حدّثنا أبو المنذر الواسطي، عن مالك بن مِغْوَل، عن
سعيد بن مسروق، عن الرَّبيع بنٍ خُثَيْم قال: إن الله تعالى أنزلَ هذا القرآنَ، فاستأثرَ
منه بعلم ما شاء، وأظْلَعَكُم على ما شاء، فأمّا ما استأثرَ به لنفسه، فلستُم بنائليه، فلا
(١) في (د) و(م): وتقرأ.
(٢) المحرر الوجيز ٨١/١- ٨٢، دون قوله: ولله في كل كتاب من كتبه سرّ. ولم يرد في تأويل هذه الحروف
نصٌّ صحيح، لذا قال كثير من المفسرين فيها: الله أعلم بمراده.
(٣) في (م): وعن علي.
(٤) ذكره البغوي في التفسير ٢٦/١.
(٥) في تفسيره ١/ لوحه ٦.
(٦) أورده النحاس في معاني القرآن ٧٨/١.

٢٣٨
سورة البقرة : الآية ١
تسألُوا عنه، وأمَّا الذي أطْلَعَكُم عليه، فهو الذي تُسألُون عنه وتُخْبَرون به، وما بكلِّ(١)
القرآنِ تعلمون، ولا بكلِّ ماتعلمون تعملون.
قال أبو بكر: فهذا يُوَضِّحُ أن حروفاً من القرآنِ سُتِرَتْ معانيها عن جميع العالَم،
اختباراً من الله عزَّ وجلَّ وامْتِحاناً، فَمَنْ آمَنَ بها، أُثيبَ وسَعِدَ، ومن كَفَرَ وشَكَّ، أثِمَ
وبَعِدَ.
حدّثنا يوسف(٢) بنُ يعقوب القاضي، حدّثنا محمد بنُ أبي بكر، حدّثنا
عبد الرحمن بنُ مَهْدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن عُمارة، عن حُرَيْث بن
ظُهَيْرِ (٣)، عن عبد الله قال: ما آمَنَ مؤمنٌ أفضلَ من إيمانٍ بِغَيْبٍ، ثم قرأ: ﴿ الَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ﴾ [البقرة: ٣].
قلتُ: هذا القولُ في المتشابه وحُكمه، وهو الصحيحُ على ما يأتي بيانُهُ في ((آل
عمران)) إن شاء الله تعالى(٤). وقال جمعٌ من العلماء كبير: بل يجبُ أن يُتَكَلَّمَ فيها،
وتُلْتَمَسَ الفوائدُ التي تحتَها، والمعاني التي تتخرَّجُ عليها، واختلفوا في ذلك على
أقوال عديدة، فُرُويَ عن ابنِ عباس وعلي أيضاً، أن الحروفَ المقطعة في القرآنِ اسمُ
الله الأعظَمُ، إلا أنَّا لا نعرفُ تأليفَه منها(٥). وقال قُظْرُب والفرّاء وغيرهما: هي إشارةٌ
إلى حروف الهجاء، أعلمَ الله بها العربَ حين تحدَّاهم بالقرآنِ أنهُ مُؤتلَفٌ من حروف
هي التي منها بناءُ كلامِهم؛ ليكونَ عجزُهم عنه أبلغَ في الحجة عليهم، إذْ لم يخرجْ
عن كلامهم. قال قُظْرُب: كانوا يَنْفِرون عند استماع القرآن، فلما سمعوا (٦): ((الم))
(١) في (ز) و(ظ) في الموضعين: كل.
(٢) في (د) و(ز) و(م): أبو يوسف، وهو خطأ. وهو يوسف بن يعقوب بن إسماعيل، أبو محمد القاضي،
توفي سنة (٢٩٧هـ). السير ٨٥/١٤.
(٣) في (ظ): الحارث بن ظهير، ووقع عند السيوطي في الدر المنثور ٢٦/١ وقد نسبه لابن الأنباري في
المصاحف: الحارث بن قيس، ووقع عند سعيد بن منصور (١٨٠) (التفسير)، والحاكم ٢/ ٢٦٠ (وقد
أخرجاه من طريق أبي معاوية عن الأعمش): عبد الرحمن بن يزيد. والله أعلم.
(٤) عند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ مَايَكُ تُحُكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنِّ وَأَخَرُ مُتَثَنِهَتْ﴾ الآية (٧).
(٥) المحرر الوجيز ٨٢/١، وأخرج قول ابن عباس الطبري في تفسيره ٢٠٦/١.
(٦) في (د): أنزلت، وفي (ز): أنزل.

٢٣٩
سورة البقرة : الآية ١
و((المص)»، استنكروا هذا اللفظَ، فلما أَنْصَتوا له وَّهِ، أقبلَ عليهم بالقرآن المؤتَلَفِ
لِيُثبتَه في أسماعهم وآذانِهِمْ، ويقيمَ الحجَّةَ عليهم.
وقال قوم: رُوِيَ أنَّ المشركينَ لمَّا أعْرَضُوا عن سماع القرآنِ بمكة وقالوا: ﴿لَا
تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَغَوْاْ فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، نزلَتْ ليستغربوها، فيفتحون(١) لها
أسماعهم، فيسمعون(٢) القرآنَ بعدها، فتجب عليهم الحُجَّة(٣). وقال جماعة: هي
حروفٌ دالَّةٌ على أسماءٍ أُخِذَتْ منها، وحُذِفَتْ بقيَّتُها، كقول ابن عباس وغيره:
الألفُ من الله، واللامُ من جبريل، والميم من محمدٍ وَّهِ. وقيل: الألفُ مفتاحُ
اسمه الله، واللامُ مفتاح اسمه لطيف، والمیم مفتاح اسمه مجید.
ورَوَى أبو الضُّحَى(٤) عن ابن عباس في قوله: ((الم)) قال: أنا الله أعلمُ، ((الر)):
أنا الله أرى، ((المص)»: أنا الله أَفْصِلُ. فالألف تؤدّي عن معنى أنا، واللام تؤدِّي عن
اسم الله، والميم تؤدّي عن معنى أعلم(٥). واختار هذا القولَ الزَّجاجُ(٦)، وقال:
أذهبُ إلى أنَّ كلَّ حرفٍ منها يؤدِّي عن معنًى؛ وقد تكلَّمتِ العربُ بالحروف
المقطّعة، نَظْماً لها ووَضْعاً، بدلَ الكلمات التي الحروف منها، كقوله(٧):
فقلتُ لها قِفِي فقالت قاف(٨)
(١) في (ظ): ليفتحوا.
(٢) في (ز) و(ظ): فيسمعوا.
(٣) معاني القرآن للزجاج ٥٥/١ ٥٦، ومعاني القرآن للنحاس ٧٦/١، والمحرر الوجيز ٨٢/١، والنكت
والعيون ١/ ٦٥.
(٤) مسلم بن صبيح القرشي، الكوفي، مولى آل سعيد بن العاص، كان من أئمة الفقه والتفسير، مات سنة
(١٠٠هـ). السير ٧١/٥.
(٥) تفسير أبي الليث السمر قندي ٨٥/١-٨٦، وتفسير الماوردي ٦٤/١. وهذه الروايات وأمثالها ضعيفة.
قال العلامة ابن عاشور في التحرير والتنوير ٢٠٧/١: يحتاج في بيانها إلى توقيف، وأنَّى لهم به؟!
(٦) معاني القرآن ٥٧.٥٦/١.
(٧) قائله الوليد بن عقبة بن أبي معيط، له صحبة قليلة، وهو أخو أمير المؤمنين عثمانَ لأمه. قال الذهبي:
في ((السير» ٤١٢/٣: له أخبار طويلة في تاريخ دمشق.
(٨) معاني القرآن للزجاج ٦٢/١، والمحتسب ٢٠٤/٢، والخصائص ٣٠/١ و٨٠ و٢٤٦ و٣٦١/٢،
وشرح شواهد الشافية ص ٢٦٤، ببعض اختلاف. وانظر تفسير الطبري ٢١٦/١، والمحرر الوجيز
٨٢/١.

٢٤٠
سورة البقرة : الآية ١
أراد: قالت: وقفتُ. وقال زهيرٌ:
بالخير خيراتٍ وإن شرَّافَا ولا أريد الشرَّ إلا أنْ تَا(١)
أرادَ: وإنْ شرًّا فَشَرٌّ. وأرادَ: إلا أنْ تشاء.
وقال آخر :
نادَوْهُمْ أَلَا الجِمُوا أَلَاتَا قالُوا جميعاً كلُّهم أَلَا فَا(٢)
أراد: ألا تركبون، ألا فارْكَبُوا(٣). وفي الحديث: ((مَنْ أعانَ على قتْلٍ مسلمٍ
بِشَطْرِ كَلِمَةٍ (٤))) قال سفيان(٥): هو أن يقولَ في ((اقتُل)): اقْ، كما قال عليه الصلاة
والسلامُ: ((كَفَى بالسيف شا». معناه: شافياً (٦).
(١) البيت في الكتاب ٣٢١/٣، والكامل ٥٣١/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٦٣/١، ونسبه لِلْقَيْم بن سعد بن
مالك، وشرح شواهد الشافية ص ٢٦٢-٢٧٠، ونسبه لِلْقَيْم بن أوس، وانظر اللسان (معى) ولم نجد من
نسبه لزهير، وليس هو في ديوانه. وانظر تفسير الطبري ٢١٧/١، وتفسير ابن عطية ٨٣/١. قال ابن
عاشور في التحرير والتنوير ٢١١/١ في هذا التأويل: هو من نوادر كلام العرب، ومما أُخرج مخرجٌ
الألغاز والتلميح، وذلك لا يناسب مقام الكتاب المجيد.
(٢) البيت في معاني القرآن للزجاج ١/ ٦٢، وضرائر الشعر لابن عصفور ص ١٨٥، وشرح شواهد الشافية
ص ٢٦٤ و٢٦٦.
(٣) في (م): قالوا: ألا فاركبوا.
(٤) وتتمته: ((لقي الله عز وجل مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله)). أخرجه ابن ماجه (٢٦٢٠)، والبيهقي
في السنن الكبرى ٢٢/٨ من حديث أبي هريرة. وفي إسناده يزيد بن أبي زياد (أو ابن زياد) الشامي،
وهو متروك. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير ١٤/٤: بالغ ابن الجوزي فذكره في
الموضوعات، لكنه تبع في ذلك أبا حاتم، فإنه قال في العلل: إنه باطل موضوع.
(٥) في النسخ الخطية و(م): شقيق، وهو خطأ، وهو ابنُ عيينة، ونقل قوله المذكور الحافظ ابن حجر في
التلخيص الحبير ١٥/٤ عن الخطابي، والبوصيريُّ في مصباح الزجاجة ٢/ ٨٤ عن الأصبهاني.
(٦) كذا قال: شافياً، وفي المصنف والتمهيد: شاهداً، كما سنذكر. والحديث أخرجه عبد الرزاق
(١٧٩١٨) - ونقله عنه ابن عبد البر في التمهيد ٢٥٧/٢١ - عن الحسن في الرجل يجد مع امرأته رجلاً،
قال: قال رسول الله مَ: ((كفى بالسيف شاء يريد أن يقول: شاهداً، فلم يتم الكلام حتى قال: ((إذاً
تتابعَ فيه السكران والغَيْران)). وهو مرسل. قال ابن عبد البر: فسّر أبو عبيد التتابع قال: التهافت، فعلُ
الشيء بغير تثبّت. وقال الحافظ في التلخيص الحبير ٤/ ٨٥: لم أر قوله: ((كفى بالسيف شا»، على
الاكتفاء، إلا في مرسل الحسن.