Indexed OCR Text

Pages 841-860

٨٤١
الجزءُ (٣٠) - الكافِرُونَ: ١٠٩ / ١-٦
البلاغة:
(يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ خطاب بالوصف للتوبيخ والتشنيع.
طباق السلب، فالأول نفي والثاني إثبات.
﴿لَآَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ
من مقابلة
(٤) و﴿وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ
﴿لَآَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ
بين الجملتين في الاستقبال.
مقابلة
﴿ وَلَّ أَنَاْ عَاِدٌ مَّا عَبَدُ ﴾﴾ ﴿وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ
بين الجملتين في الحال أو الماضي.
وفي هذه المقابلة نفي لعبادة الأصنام في الحال والاستقبال.
توافق الفواصل في الحرف
﴿يَُّهَا الْكَفِرُونَ، لَآّ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ
الأخير.
المفردات اللغوية:
﴿يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ يعني كفرة مخصوصين قد علم الله منهم أنهم لا
يؤمنون، وهم زعماء الشرك في مكة. ﴿لَآّ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾﴾ أي في
المستقبل، فإن (لا) لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الاستقبال، كما أن (ما)
لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال، أي لا أعبد في المستقبل ما تعبدون
من الأصنام في الحال.
﴿ وَلَّ أَنْتُمْ عَيِّدُونَ مَآ أَعْبُدُ (3) أي ولا تعبدون في المستقبل ما أعبد في .
الحال، وهو الله تعالى وحده. ﴿ وَلَآَ أَنَاْ عَاِدٌ مَّا عَبَدُمْ ﴾ أي ولست أنا
عابداً في الحال أو في الماضي ما عبدتم فيما سلف . ﴿ وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ
﴾ أي وما عبدتم في وقت ما أنا عابده، ويجوز أن تكون الجملتان تأكيدين
على طريقة أبلغ. والأدق أن يقال: إن الآيتين (٢، ٣) تدلان على الاختلاف

٨٤٢
الجُرُءُ (٣٠) - الكافِرُونَ: ١٠٩ / ١-٦
في المعبود الذي يعبد، فالنبي ◌َّ يعبد الله، وهم يعبدون الأصنام والأوثان.
والآيتان (٤، ٥) تدلان على الاختلاف في العبادة نفسها، فعبادة النبي عليه
الصلاة والسلام عبادة خالصة لله لا يشوبها شرك ولا غفلة من المعبود،
وعبادتهم كلها شرك وإشراك، فلا يلتقيان.
﴿لَكُمْ دِيِئُكُمْ﴾ وهو الشرك الذي أنتم عليه . ﴿وَلِىَ دِينِ﴾ وهو التوحيد أو
الإسلام الذي أنا عليه، لا أرفضه، قال البيضاوي: فليس فيه إذن في الكفر،
ولا منع عن الجهاد، ليكون منسوخاً بآية القتال. وقال الزمخشري: والمعنى أني
نبي مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة، فإذا لم تقبلوا مني، ولم تتبعوني،
فدعوني كفافاً، ولا تدعوني إلى الشرك.
التفسير والبيان:
هذه سورة البراءة من عمل المشركين، وهي آمرة بالإخلاص في العبادة،
فقال تعالى :
لَّ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٣) أي قل أيها النبي
T
﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ
لكفار قريش: يا أيها الكافرون، لا أعبد على الإطلاق ما تعبدون من
الأصنام والأوثان، فلست أعبد آلهتكم بأية حال. والآية تشمل كل كافر على
وجه الأرض. وفائدة كلمة ﴿قُلْ﴾: أنه وَليل كان مأموراً بالرفق واللين في جميع
الأمور، ومخاطبة الناس بالوجه الأحسن، فلما كان الخطاب هنا غليظاً أراد
الله رفع الحرج عنه، وبيان أنه مأمور بهذا الكلام، لا أنه ذكره من عند نفسه.
﴿ وَلَّ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ (٣)﴾ أي ولستم أنتم ما دمتم على شرككم
وكفركم عابدين الله الذي أعبد، فهو الله وحده لا شريك له.
وهاتان الآيتان (٢، ٣) تدلان على الاختلاف في المعبود، فالنبي ◌َّ يعبد
الله وحده، وهم يعبدون الأصنام والأوثان أو الأنداد والشفعاء، أو أن المعنى

٨٤٣
الُرع (٣٠) - الكافرون: ١٠٩ / ١-٦
دفعاً للتكرار كما ذكر الزمخشري: لا أعبد في المستقبل ما تعبدون في الحال،
وعلامته (لا) التي هي للاستقبال، بدليل أن (لن) للاستقبال على سبيل
التوكيد أو التأبيد، وأصله في رأي الخليل: لا أن. وما: للحال(١)، وخلاصة
المعنى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم، ولا أنتم
فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي . ﴿وَلَّ أَنَاْ عَائِدٌ مَّا عَبَدُمُ
وَلَّ أَنْتُمْ عَِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿3﴾ أي ولا أعبد عبادتكم، أي لا أسلكها
ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه، وأنتم لا
تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئاً من تلقاء أنفسكم،
فعبادة الرسول وَله وأتباعه خالصة لله لا شرك فيها ولا غفلة عن المعبود،
وهم يعبدون الله بما شرعه، ولهذا كانت كلمة الإسلام: ((لا إله إلا الله،
محمد رسول الله)) أي لا معبود إلا الله، ولا طريق إليه في العبادة إلا بما جاء
به الرسول ێ.
والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن الله بها، فكلها شرك وإشراك،
ووسائلها من صنع الهوى والشيطان.
فالآيتان (٤، ٥) تدلان على الاختلاف في العبادة نفسها. ويرى بعضهم
كالزمخشري: وما كنت قط في الحال أو في الماضي عابداً ما عبدتم، يعني لم
تعهد مني عبادة صنم في الجاهلية، فكيف ترجى مني في الإسلام؟! وما عبدتم
في وقت ما أنا على عبادته.
وقيل: في الآيات تكرار، والغرض التأكيد، لقطع أطماع الكفار عن أن
يجيبهم رسول الله وَّ إلى ما سألوه من عبادته آلهتهم.
(١) قد فهم بعضهم خطأ ما أراده الزمخشري هنا وفي الآيتين بعدهما، فقلب الوضع، وجعل
الاستقبال محل الحال وبالعكس.

٨٤٤
الْجُرحُ (٣٠) - الكافرون: ١٠٩ /١-٦
)) أي لكم شرکكم أو کفركم، ولي ديني وهو
﴿لَكُمْ دِئُكُمْ وَلِىَ دِينِ
التوحيد والإخلاص أو الإسلام، فدينكم الذي هو الإشراك، لكم لا
يتجاوزكم إليّ، وديني الذي هو التوحيد مقصور علي لا يتجاوزني، فيحصل
لكم. وقيل: الدين: الجزاء، والمضاف محذوف، أي لكم جزاء دينكم، ولي
جزاء ديني. وقيل: الدين: العبادة.
وليست السورة منسوخة بآية القتال، والمحققون على أنه لا نسخ، بل المراد
التهديد، كقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠/٤١].
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوَكَ فَقُل لِِّ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ
أَنْتُم بِرِعُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ
[يونس: ٤١/١٠] وقوله :
٤١
﴿لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥/٢٨]. والمراد بذلك كله التهديد، لا
الرضا بدين الآخرين.
وقد استدل الإمام أبو عبد الله الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة:
(٤) على أن الكفر كله ملة واحدة، فورَّث اليهود من
دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ
النصارى وبالعكس إذا كان بينهما نسب أو سبب يتوارث به؛ لأن الأديان ما
عدا الإسلام كلها كالشيء الواحد في البطلان.
وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود
وبالعكس، لحديث أحمد وأبي داود وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده قال: قال رسول الله وَله: ((لا يتوارث أهل ملتين شتى)).
قال الرازي: جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية ﴿لَكُمْ دِيِئُكُمْ وَلِىَ
دِينِ (٣) عند المتاركة، وذلك غير جائز؛ لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل
به، بل ليتدبر فيه، ثم يعمل بموجبه(١).
(١) تفسير الرازي: ١٤٨/٣٢

٨٤٥
الجُرُ (٣٠) - الكافرون: ١٠٩ / ١-٦
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت السورة على اختلاف المعبود واختلاف العبادة بين المسلمين وغيرهم،
وعلى أن الكفر ملة واحدة في مواجهة الإسلام، وهذه العوامل الثلاثة تدل
على أنه لا لقاء بين الكفر والإيمان، ولا بين أصحاب العداوة الدينية الحاقدة
المتأصلة في النفس مع الإسلام وأهله.
أما اختلاف المعبود بين النبي ◌َّلله وأتباعه المؤمنين وبين الكفار: فهو أن
الفريق الأول يعبد الله وحده لا شريك له، والفريق الثاني يعبد غير الله من
الأصنام والأوثان والأنداد والشفعاء من البشر أو الملائكة أو الكواكب أو
غير ذلك من أباطيل الملل والنحل.
وأما اختلاف العبادة فالمؤمنون يعبدون الله بإخلاص لا شرك فيه ولا غفلة
عن المعبود، وبما شرع الله لعباده من كيفية العبادة المرضية له، وأما الكفار
والمشركون فيعبدون معبوداتهم بكيفيات فيها الشرك والإشراك وبنحو
اخترعوه لأنفسهم، لا يرضى عنه ربهم.
وأما الكفر فكله ملة واحدة في مواجهة الإسلام؛ لأن الدين الحق المقبول
عند الله هو الإسلام، وهو الإخلاص لله والتوحيد. وأما أنواع الكفر
المعارضة لمبدأ التوحيد فتشترك في صلب الاعتقاد المنحرف عن أصل التوحيد.

٨٤٦
الُ (٣٠) السورة (١١٠) النَّصْ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ النَّصْ
مدنية، وهي ثلاث آيات
تسميتها:
سميت سورة النصر؛ لافتتاحها بقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ
اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾﴾ أي الفتح الأكبر والنصر المؤزر الذي سمي فتح الفتوح،
وهو فتح مكة المكرمة. وتسمى أيضاً سورة (التوديع).
مناسبتها لما قبلها:
لما أخبر الله تعالى في آخر السورة المتقدمة باختلاف دين الإسلام الذي
يدعو إليه الرسول عن دين الكفار، أنبأه هنا بأن دينهم سيضمحل ويزول،
ودينه سيعلو وينتصر وقت مجيء الفتح والنصر، حيث يصبح دين الأكثرين.
وفي ذلك بيان فضل الله تعالى على نبيه وَله بالنصر والفتح، وانتشار الإسلام،
وإقبال الناس أفواجاً إلى دينه: دين الله، كما أن فيه إشارة إلى دنو أجله وَ له.
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة المدنية بالإجماع تشير إلى فتح مكة، وانتصار النبي وَلّ على
المشركين، وانتشار الإسلام في أرجاء الجزيرة العربية، وانحسار ظلمة الشرك
والوثنية، والإخبار بدنو أجل النبي وَّر، وأمره بتسبيح ربه وحمده واستغفاره.

٨٤٧
إِلُُّ (٣٠) السورة (١١٠) التّصّْ
فضلها:
تقدم في تفسير سورة الزلزال أنها في حديث الترمذي عن أنس بن مالك
تعدل ربع القرآن، و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل ربع القرآن.
وأخرج النسائي عن عبيد الله بن عبد الله بن عُثْبة قال: قال لي ابن عباس:
يابن عُتْبة، أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟ قلت: نعم: ﴿إِذَا جَآءَ
نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (!) قال: صدقت.
وروى الحافظان أبو بكر البزار والبيهقي عن ابن عمر قال: أنزلت هذه
على رسول الله عَليه أوسط
السورة: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ
أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت، ثم قام،
فخطب الناس، فذكر خطبته المشهورة، أي خطبة حجة الوداع.
سبب نزولها:
أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: ((كان عمر بن الخطاب رضي
الله عنه يُدْخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وَجَد في نفسه، فدعاهم ذات
يوم، فأدخلني معهم. قال ابن عباس: فما رُئيتُ أنه دعاني فيهم يومئذ إلا
ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله عز وجل: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ
وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نَصَرنا وفَتَح
علينا، وسكت بعضهم، فلم يقل شيئاً، فقال لي: أكذاك تقول يا بن عباس؟
فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله وَليل أعلمه الله له،
قال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾ فذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ
(٣) فقال عمر: لا أعلم منها إلا
بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا
ما تقول)).
وقت نزول هذه السورة:
هناك قولان في ذلك :

٨٤٨
◌ِلُ (٣٠) السورة (١١٠) النَّصْرَة
أحدهما - أن فتح مكة كان سنة ثمان في رمضان، ونزلت هذه السورة سنة
عشر، وروي أنه عاش بعد نزول هذه السورة سبعين يوماً، وتوفي في ربيع
الأول سنة عشر، ولذلك سميت سورة التوديع.
والقول الثاني - أن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة، وهو وعد لرسول الله
وَله أن ينصره على أهل مكة، وأن يفتحها عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ
اَلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَآَذَُّ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥/٢٨]. وقوله:
﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ج) يقتضى الاستقبال، إذ لا يقال فيما
وقع: إذا جاء، وإذا وقع ..
وعلى هذا القول يكون الإخبار بفتح مكة قبل وقوعه إخباراً بالغيب
معجزاً، فهو من أعلام النبوة (١).
والظاهر القول الأول، بدليل ما قال ابن عمر: نزلت هذه السورة بمِنى في
حِجَّة الوداع، ثم نزلت ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِ﴾
[المائدة: ٣/٥] فعاش بعدهما النبي ◌َّ ثمانين يوماً. ثم نزلت آية الكَلالة (آخر
سورة النساء)، فعاش بعدها خمسين يوماً. ثم نزل ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ
مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨/٩] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوماً. ثم نزل:
﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١/٢] فعاش أحداً وعشرين
يوماً. وقال مقاتل: سبعة أيام (٢).
لكن قال الرازي: الأصح هو أن السورة نزلت قبل فتح مكة (٣).
(١) تفسير الرازي: ١٥٥/٣٢
(٢) تفسير القرطبي: ٢٣٣/٢٠
(٣). تفسير الرازي: ١٦٤/٣٢
١

٨٤٩
الُ (٣٠) - التَّصْر: ١١٠ /١-٣
فتح مكة
﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اُللَّهِ
أَفْوَجًا ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا
٣
الإعراب:
﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ تقديره: إذا جاءك نصر الله، فحذف الكاف التي
هي المفعول. وجواب ﴿إِذَا﴾ إما قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ والفاء
غير مانعة من هذا على ما عليه الجمهور، أو محذوف تقديره: إذا جاءك نصر
الله والفتح، جاء أجلك، وهو العامل في ﴿إِذَا﴾.
يدخلون: جملة فعلية
﴿ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اُللَّهِ أَفْوَاجًا
في موضع نصب على الحال من ﴿النَّاسَ﴾ وأفواجاً: منصوب على الحال من
واو ﴿ يَدْخُلُونَ﴾.
البلاغة:
﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾ خاص بعد عام، فإن نصر الله
يشمل جميع الفتوحات، قال الرازي: وهو الغلبة على قريش، أو على جميع
العرب، فعطف عليه فتح مكة تعظيماً لشأنه.
﴿ وَرَأَيْنَ النَّاسَ﴾ عام أريد به الخاص، فلفظ الناس عام، والمراد به
العرب.
﴿دِينِ اللَّهِ﴾ هو الإسلام، وأضافه تعالى إليه تشريفاً وتعظيماً، مثل:
بيت الله، وناقة الله. ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ تواب: صيغة مبالغة على وزن
(فعَّال).

٨٥٠
:
لِزُرُ (٣٠) - النَّصْر: ١١٠ /١-٣
المفردات اللغوية:
﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ النصر: العون أو الإعانة على تحصيل المطلوب.
﴿ وَاَلْفَتْحُ﴾ تحصيل المطلوب الذي كان متعلقاً أو موقوفاً، أو الفصل بين
الفريقين المتحاربين بانتصار أحدهما على الآخر، والمراد به هنا فتح مكة،
فالفرق بين النصر والفتح: أن النصر كالسبب للفتح، فلهذا بدأ بذكر النصر،
وعطف الفتح عليه.
﴿دِينِ اللَّهِ﴾ أي الإسلام. ﴿أَفْوَاجًا﴾ جماعات كثيفة، كأهل مكة والطائف.
واليمن وهوازن وسائر قبائل العرب، جمع فوج: وهو الجماعة والطائفة. وقد
دخلت الجماعات في الإسلام بعدما كان الدخول فيه فردياً واحداً بعد الآخر،
وذلك بعد فتح مكة، جاءه العرب من مختلف الأنحاء طائعين . ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدٍ
رَبِّكَ﴾ أي نزِّه الله، وصلّ له حامداً على نعمه، روي: أنه عليه السلام لما دخل
مكة بدأ بالمسجد، فدخل الكعبة، وصلى ثماني ركعات . ﴿ وَأَسْتَغْفِرْهُ﴾ اسأله
المغفرة لك ولمن اتبعك، وطلب الاستغفار من النبي كان لترك الأولى، وليقتدي
به غيره، ولم يكن بسبب ارتكاب معصية أو ذنب. وكان رَّ ل بعد نزول هذه
السورة يكثر من قول: ((سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه)). وعلم
بذلك أنه قد اقترب أجله، فتوفي بعد فتح مكة بعامين سنة عشر.
التفسير والبيان:
﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ ﴾﴾ أي إذا تحقق لك يا محمد نصر الله
وعونه وتأييده على من عاداك وهم قريش، وفتح عليك مكة، وتحققت لك
الغلبة، وإعزاز أمرك، فسبّح الله تعالى، أي نزهه حامداً له جلّ وعلا زيادة
في عبادته والثناء عليه لزيادة إنعامه عليك. وفائدة قوله: ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ مع أن
النصر لا يكون إلا من الله: هو أنه نصر لا يليق إلا بالله، ولا يليق أن يفعله
إلا الله، أو لا يليق إلا بحكمته. والمراد تعظيم هذا النصر. وقوله: ﴿جَآءَ
نَصْرُ اللَّهِ﴾ مجاز، أي وقع نصر الله.

٨٥١
الُعُ (٣٠) - النَّصْر: ١١٠ /١-٣
روى الإمام أحمد والبيهقي والنسائي عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذَا
جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ج) قال رسول الله وَّ: (نُعيتْ إلي نفسي)) فإنه
مقبوض في تلك السنة.
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أنه قال: ((لما نزلت هذه السورة:
﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾﴾ قرأها رسول الله وَّ حتى ختمها
فقال: الناس خَيِّر، وأنا وأصحابي حَيِّز، والحيِّز: الجهة أو الناحية)). وقال
فيما رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن ابن عباس: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن
جهاد ونية)) . وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس: أن
رسول الله وَ﴾ قال يوم الفتح: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا
استنفرتم فانفروا)) .
﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِىِ دِيْنِ اللَّهِ أَفْوَجًا ﴾﴾ أي أبصرت الناس من
العرب وغيرهم يدخلون في دين الله الذي بعثك به، جماعات، فوجاً بعد
فوج، بعد أن كانوا في بادئ الأمر يدخلون واحداً واحداً، واثنين اثنين،
فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام.
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرَهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا ﴾﴾ أي إذا فتحت
مكة وانتشر الإسلام، فاشكر الله على نعمه، بالصلاة له، وبتنزيهه عن کل ما
لا يليق به، وعن أن يخلف وعده الذي وعدك به بالنصر، واقرن الحمد
بالتسبيح، أي اجمع بينهما، فإن ذلك النصر والفتح يقتضي الحمد لله على عظيم
مِنَّته وفضله، وما منحك من الخير.
واطلب أيضاً من الله المغفرة لك تواضعاً لله، واستقصاراً لعملك، وتعليماً
لأمتك، وكذا اسأله المغفرة لمن تبعك من المؤمنين ما كان منهم من القلق
والخوف لتأخر النصر، فإن الله سبحانه من شأنه التوبة على المستغفرين له،
يتوب عليهم ويرحمهم بقبول توبتهم، وهو كثير القبول لتوبة عباده، حتى لا
بيأسوا ويرجعوا بعد الخطأ.
-

٨٥٢
المُعُ (٣٠) - النَّصِّ: ١١٠ /١-٣
روى الأئمة - واللفظ للبخاري - عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((ما
صلى رسول الله وَّيه صلاة بعد أن نزلت عليه سورة ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ
وَاَلْفَتْحُ ج) إلا يقول: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)). وعنها
قالت: ((كان رسول الله وَله يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك
اللهم، ربَّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن)).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت السورة على ما يأتي:
اً - كل نعمة من الله تعالى تستوجب الشكر والحمد والثناء على الله بما
هو أهل له، ومن أجلّ النِّعم على نبي الله وأمته تحقيق النصر والغلبة على
الأعداء، وفتح مكة عاصمة العرب والإسلام، ومقر البيت الحرام أو الكعبة
المشرفة قبلة المسلمين.
وتوج الله سبحانه هذه النعمة العظمى بنعمة كبرى أخرى هي دخول
العرب وغيرهم في دين الإسلام جماعات، فوجاً بعد فوج. وذلك لما فُتحت
مكة، قالت العرب: أمّا إذا ظفر محمد بأهل الحرم، وقد كان الله أجارهم من
أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان، أي طاقة. فكانوا يسلمون أفواجاً: أمَّة
أمَّة.
أَ - لهذا ختم الله هذه السورة بأمر الله نبيه بالإكثار من الصلاة، والتسبيح
لله، أي تنزيه الله عن كل ما لا يليق به ولا يجوز عليه، والحمد لله على ما آتاه
من الظفر والفتح، وسؤال الله الغفران مع مداومة الذكر، والله كثير القبول
للتوبة على المسبحين والمستغفرين، يتوب عليهم ويرحمهم، ويقبل توبتهم.
والأمة أولى بذلك، فإذا كان ◌َ﴿، وهو معصوم، يؤمر بالاستغفار، فما
الظن بغيره؟
.

٨٥٣
الجُزُ (٣٠) - النَّصِّ: ١١٠ / ١-٣
روى مسلم عن عائشة قالت: ((كان رسول الله وَله يُكثر من قول: سبحان
الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، قالت: فقلت: يا رسول الله، أراك
تكثر من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، وأتوب إليه؟ فقال: خبَّرني
ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله
وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ
وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾ - فتح مكة - ﴿وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا
٣
٣
فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا
◌َ - دين الله هو الإسلام لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾
[آل عمران: ١٩/٣] وقوله: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيِّرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى
(جِذَا﴾ [آل عمران: ٨٥/٣].
اُلْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ
٤ - قال جمهور الفقهاء وكثير من المتكلمين: إن إيمان المقلِّد صحيح؛ لأنه
تعالى حكم بصحة وإيمان أولئك الأفواج، وجعله من أعظم المنن على محمد
وَلّر، ولو لم يكن إيمانهم صحيحاً، لما ذكره في هذا المجال.
٥ - أمر الله تعالى بالتسبيح أولاً ثم بالحمد ثم بالاستغفار؛ لأنه قدم
الاشتغال بما يلزم للخالق وهو التسبيح والتحميد على الاشتغال بالنفس.
وقدم الأمر بالتسبيح حتى لا يتبادر إلى الذهن أن تأخير النصر سنين لإهمال
مثلاً، فالله يُنزّه ويُقدَّس عن إهمال الحق. وأتى بالاستغفار حتى لا يفكر النبي
* بالاشتغال بالانتقام ممن آذاه.
أَ - الآية تدل على فضل التسبيح والتحميد، حيث جعل كافياً في أداء ما
وجب على النبي وَالر وأمته من شكر نعمة النصر والفتح.
٧ - اتفق الصحابة على أن هذه السورة دلت على أنه نعي لرسول الله وَله.

٨٥٤
الُعُ (٣٠) - النَّصْرِّ: ١١٠ /١-٣
روي أنه لما نزلت هذه السورة خطب وَ له وقال: ((إن عبداً خيره الله بين
الدنيا، وبين لقائه والآخرة، فاختار لقاء الله))(١). وقد عرفوا ذلك؛ لأن
الأمر بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقاً دليل على أن أمر تبليغ الدعوة قد ثمّ
وكمل، وذلك يوجب الموت؛ لأنه لو بقي بعد ذلك، لكان كالمعزول عن
الرسالة، وهو غير جائز. ثم إن الأمر بالاستغفار تنبيه على قرب الأجل.
(١) تفسير الكشاف: ٣٦٥/٣

٨٥٥
اِلُحُ (٣٠) السورة (١١١) المُتَلِ
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ
سُورَةُ المَسَلِ
مڪية، وهي خمس آيات
تسميتها:
سميت سورة المسد؛ لقوله تعالى في آخرها: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن ◌َّسَلِمٍ
(ج) أي في عنق أم جميل زوجة أبي لهب حبل مفتول من ليف. وسميت أيضاً
سورة ﴿تَبَّتْ﴾ لقوله تعالى في مطلعها: (تَبَّتْ يَدَا أَّبِىِ لَهَبٍ﴾ أي هلكت
وخسرت يدا أبي لهب، كما سميت سورة أبي لهب، أو سورة اللهب.
مناسبتها لما قبلها:
هناك تقابل بين هذه السورة والسورة التي قبلها، ففي السورة السابقة
(النصر) ذكر الله تعالى أن جزاء المطيع حصول النصر والفتح في الدنيا،
والثواب الجزيل في الآخرة، وفي هذه السورة ذكر أن عاقبة العاصي الخسار في
الدنيا والعقاب في الآخرة أو العقبى.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة المكية بالإجماع الكلام عن مصير أبي لهب عبد العُزّى
ابن عبد المطلب، عمّ النبي ◌َّلو، ومصير زوجته أم جميل أروى بنت حرب بن
أمية، أخت أبي سفيان، وهو هلاك أبي لهب عدو الله تعالى ورسوله وَله في

٨٥٦
الُعُ (٣٠) السورة (١١١) المسَِّ
الدنيا، ودخوله نار جهنم؛ لشدة إيذائه النبي وَلّ ومعاداته له، وصدّه الناس
عن الإيمان به.
وكذلك زوجته شريكة معه في هذا العقاب؛ لأنها كانت عوناً لزوجها على
كفره وجحوده وعناده، فتكون يوم القيامة عوناً عليه في عذابه في نار جهنم.
سبب نزول السورة:
ثبت في الصحيحين وغيرهما - واللفظ لمسلم - عن ابن عباس قال: لما
(gِيَ﴾ [الشعراء: ٢١٤/٢٦] ورَهْطَك منهم
نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِنَ
المخلصين، خرج رسول الله وَيهر حتى صعد الصَّفا، فهتف: يا صباحاه!
فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه، فقال: يا بني
فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب!
فاجتمعوا إليه، فقال:
((أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدِّقيَّ؟
قالوا: ما جرَّبنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد،
فقال أبو لهب: تبّاً لك! أما جمعتنا إلا لهذا!(١) ثم قام، فنزلت هذه السورة:
(تَبَّت يدا أبي لهب، وقد تبّ)) كذا قرأ الأعمش وعبد الله وأبي إلى آخر السورة.
وقراءة حفص: ﴿وَتَبَّ﴾ أي الأول دعاء عليه، والثاني خبر عنه.
وعن طارق المحاربي قال: ((بينا أنا بسوق ذي المجاز، إذ أنا بشاب حديث
السن يقول: أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، وإذا رجل خلفه
يرميه، قد أدمى ساقيه وعرقوبيه - مؤخر القدم - ويقول: يا أيها الناس، إنه
كذاب فلا تصدقوه، فقلت: من هذا؟ فقالوا: محمد، زعم أنه نبي، وهذا
عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب(٢))).
(١) وفي رواية البخاري: ألهذا جمعتنا؟
(٢) تفسير القرطبي: ٢٣٦/٢٠

٨٥٧
الجُرُ (٣٠) - المُسِكَادِ: ١١١ / ١-٥
جزاء أبي لهب وامرأته
﴿َتَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿ مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ
٢
سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَبٍ ﴿ وَأَمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ اُلْحَطَبِ ج فِى جِيدِهَا حَبْلٌ
مِّن مَّسَدِ
٥
القراءات:
﴿أَبِ لَهَبٍ﴾
:
وقرأ ابن كثير (لَهْب).
﴿حَمَّالَةَ﴾:
قرأ عاصم (حمالةَ) وقرأ الباقون (حمالةُ).
الإعراب:
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾ ﴿مَا﴾: إما استفهامية في موضع نصب بـ ﴿أَغْنَ)
أو نافية، ومفعول ﴿أَغْنَ﴾ محذوف، وتقديره: ما أغنى عنه ماله شيئاً.
﴿وَمَا كَسَبَ﴾ ﴿وَمَا﴾: إما مصدرية، أي وكسبه، أو اسم
موصول، أي الذي كسبه، فحذف العائد تخفيفاً.
﴿) ﴿ وَأَمْرَأَتُهُ﴾: إما معطوف على ضمير
﴿ وَأَمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْخَطَبِ
﴿سَيَصْلَى﴾ أي سيصلى هو وامرأته، وجاز العطف على الضمير المرفوع؛
لوجود الفصل؛ لأنه يقوم مقام التأكيد في جواز العطف. وإما أنه مبتدأ
مرفوع، و(حمالةُ الحطب) خبره، على قراءة الرفع. ومن قرأ بالنصب ﴿حَمَّالَةَ
اٌلْحَطَبِ﴾ فهو منصوب على الذم، وتقديره: أذمّ حمالة الحطب.

٨٥٨
الُ (٣٠) - المَدِ: ١١١ / ١-٥
(®) ﴿في جِيدِهَا﴾: حال من ﴿حَمَّالَةَ
﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن ◌َّسَدٍ
اَلْخَطَبِ﴾ أو خبر مبتدأ مقدر.
البلاغة:
﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ﴾ مجاز مرسل، أطلق الجزء وأراد الكل، أي هلك.
﴿أَبِىِ لَهَبٍ﴾ ﴿نَارًا ذَاتَ لٍَ﴾ بينهما جناس، فالأول كنية له، والثاني
وصف للنار. والجناس: أن يتشابه اللفظان في النطق، ويختلفا في المعنى، وهو
نوعان: تام، وغير تام.
﴿أَبِ لَهَبٍ﴾ كنية للتصغير والتحقير، كأبي جهل.
حَمَّالَةَ الْخَطَبِ﴾ استعارة، استعير هذا التعبير للنميمة بين الناس.
(ب) منصوب على الذم، أي أخص بالذم
﴿ وَأَمْرَأَتُمُ حَمَّالَةَ الْخَطَبِ
حمالة الحطب.
﴿وَتَبَّ﴾، ﴿كَسَبَ﴾، ﴿لَبَ﴾، ﴿اُلْحَطَبِ﴾ توافق الفواصل
مراعاة لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ﴾ أي هلك وخسر، قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ
فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧/٤٠] وهذه الجملة دعاء عليه، وأبو لهب:
أحد أعمام النبي ◌َّ واسمه: عبد العُزَّى بن عبد المطلب، وكنيته: أبو عتيبة،
وإنما كني أبا لهب لحمرة وجهه . ﴿وَتَبَّ﴾ أي قد خسر، وهذا خبر بعد الدعاء
عليه، كقولهم: أهلكه الله وقد هلك، والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه . ﴿وَمَا
كَسَبَ﴾ أي وكسبه أو مكسوبه بماله من النتائج والأرباح، وقوله: ﴿مَآ
أَغْنَ﴾ أي یغني.

٨٥٩
الُرُ (٣٠) - المَدِ: ١١١ / ١-٥
﴿سَيَصْلَى نَارًا﴾ سيجد حرها ويذوق وبالها. ﴿ذَاتَ لَهَبٍ﴾ لهب النار: ما
يسطع منها عند اشتعالها، وذات لهب: أي تلهب وتوقد، وهي مناسبة لكنيته
بأبي لهب: أي تلهب وجهه إشراقاً وحمرة . ﴿وَأَمْرَأَتُهُ﴾ هي من ساداتِ
قريش، وكنيتها: أم جميل، واسمها: أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت
أبي سفيان. ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ أي تحمله حقيقة، فتحمل حزمة الشوك
والحسك، وتنثرها بالليل في طريق رسول الله وَلؤ. أو تحمل حطب جهنم؛
لأنها تحمل الأوزار بمعاداة الرسول وَله، وتحمل زوجها على إيذائه. أو أن
التعبير كناية عن النميمة التي توقد الخصومة بين الناس.
﴿فِي جِيدِهَا﴾ في عنقها. ﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ حبل مفتول من ليف، أي
مما مسِّد، أي فتل وربط الحبل على هذه الصورة: تصوير لها بصورة الحطّابة
التي تحمل الحزمة، وتربطها في عنقها، تحقيراً لشأنها، أو بياناً لحالها في نار
جهنم حيث يكون على ظهرها حزمة من حطب جهنم كالزقوم والضريع، وفي
جيدها سلسلة من النار.
التفسير والبيان:
) (١) أي هلكت يداه وخسرت وخابت،
﴿تَبَّتْ بَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ
وهو مجاز عن جملته، أي هلك وخسر، وهذا دعاء عليه بالهلاك والخسران. ثم
قال: ﴿ وَتَبَّ﴾ أي وقد وقع فعلاً هلاكه، وهذا خبر من الله عنه، فقد خسر
الدنيا والآخرة. وأبو لهب: عم النبي ◌ََّ، واسمه عبد العُزَّى بن عبد المطلب،
وقد كان كثير الأذى والبغض والازدراء لرسول الله مطهر ولدينه.
ثم أخبر الله تعالى عن حال أبي لهب في الماضي، فقال:
(١) لم يقل في أول هذه السورة: قل - كما في سورة (الكافرون)، حتى لا يشافه عمّه بما يزيد في
غضبه، رعاية للحرمة، وتحقيقاً لمبدأ الرحمة.

٨٦٠
الُعُ (٣٠) - المِدِ: ١١١ / ١-٥
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (3) أي لم يدفع عنه يوم القيامة ما
جمع من المال، ولا ما كسب من الأرباح والجاه والولد، ولم يفده ذلك في دفع
ما يحل به من الهلاك، وما ينزل به من عذاب الله، بسبب شدة معاداته لرسول
الله وَلّ، وصدّه الناس عن الإيمان به، فإنه كان يسير وراء النبي وَّ، فإذا
قال شيئاً كذَّبه.
روى الإمام أحمد عن ربيعة بن عبَّاد من بني الدَّيل، وكان جاهلياً فأسلم،
قال: ((رأيت النبي صَلّ في الجاهلية في سوق ذي المجاز، وهو يقول: يا أيها
الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا. والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل
وضيء الوجه، أحول، ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث
ذهب، فسألت عنه، فقالوا: هذا عمه أبو لهب)). والفرق بين المال
والكسب: أن الأول رأس المال، والثاني هو الربح.
ثم ذكر الله تعالى عقابه في المستقبل، فقال:
﴾﴾ أي سيذوق حرّ نار جهنم ذات اللهب
﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَبٍ
المشتعل المتوقد، أو سوف يعذب في النار الملتهبة التي تحرق جلده، وهي نار
جهنم. قال أبو حيان: والسين للاستقبال، وإن تراخى الزمان، وهو وعيد
كائن إنجازه لا محالة، وإن تراخى وقته(١).
﴿وَأَمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ اُلْحَطَبِ ﴾﴾ أي وتصلى امرأته أيضاً ناراً ذات
لهب، وهي أم جميل، أروى بنت حرب، أخت أبي سفيان، كانت تحمل
الشوك والغضى، وتطرحه بالليل على طريق النبي ◌َّةٍ. وقيل: المراد أنها كانت
تمشي بالنميمة، فيقال للمشاء بالنمائم، المفسد بين الناس: يحمل الحطب
بينهم، أي يوقد بينهم النائرة، ويورّث الشر، وهذا رأي الكثيرين.
قال أبو حيان: والظاهر أنها كانت تحمل الحطب، أي ما فيه شوك،
(١) البحر المحيط: ٥٢٦/٨