Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
الُعُ (٣٠) - الليل: ٩٢ / ١٢-٢١
﴿وَإِنَّ لَنَا لَلَّخِرَةَ وَاَلْأُوْلَى ®)﴾ أي لنا كل ما في الآخرة، وكل ما في الدنيا،
نتصرف به كيف نشاء، فمن أراد شيئاً من الدارين، فليطلبه منا، نهب ونعطي
ما نشاء لمن نشاء، ولا يضرنا ترك الاهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا
اهتداؤهم، بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم أيها الناس. ومن ملك الدنيا
والآخرة وكان هو المتصرف فيهما، كان هديه وشرعه هو الذي يجب اتباعه.
ثم حذر من سلوك طريق النار، فقال:
الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّ
١٥
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَّى ﴿﴿ لَا يَصْلَنَهَا إِلََّ الْأَشْقَى
أي لقد خوفتكم ناراً عظيمة شديدة تتوهج وتتلهب، لا يدخلها
ويذوق حرها إلا الكافر الذي كذب الحق الذي جاءت به الرسل، وكذب
رسول الله الر فيما جاء به عن ربه، وأعرض عن الإيمان بالله واتباع شرائعه
وأحكامه، وطاعة أوامره.
وأبان سبيل النجاة من النار، فقال:
أي وسيباعد عن النار
﴿ وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْقَى (٣) الَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزََّ (4)
المتقي للكفر والمعاصي اتقاء بالغاً، قال الواحدي كما مرَّ: الأتقى أبو بكر
الصديق في قول جميع المفسرين، أي إنها نزلت فيه، وإلا فحكمها عام.
وهذا الأتقى هو الذي ينفق ماله ويعطيه في وجوه الخير، طالباً أن يكون
عند الله زكياً متطهراً نقياً من الذنوب، لا يريد بذلك رياء ولا سمعة، ولا
مديحاً وثناء من الناس.
روى الإمام أحمد والبخاري عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله
وَله يقول: ((إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة: رجل توضع في أخمص
قدمیه بجْرتان يغلي منهما دماغه)) .
وروى مسلم الحديث بلفظ آخر: ((إن أهون أهل النار عذاباً: من له نعلان

٦٦٢
لُرُ (٣٠) - الليل: ٩٢ / ١٢-٢١
وشراكان من نار يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل، ما يريد أن أحداً أشد
منه عذاباً، وإنه لأهونهم عذاباً)) .
وروى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((لا يدخل النار إلا
شقي، قيل: ومن الشقي؟ قال: الذي لا يعمل بطاعة ولا يترك لله معصية)).
وروى أحمد أيضاً والبخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالو: ((كل
أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟
قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)) .
ثم ذكر صفة الإخلاص في العمل، فقال:
وَلَسَوْفَ
٢٠
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَ ﴿ إِلَّا أَبِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَ
يَرْضَى ﴿3﴾ أي لا يتصدق بماله مقابل نعمة لأحد من الناس عليه، يكافئه
عليها، وإنما يريد بذلك طلب رضوان الله ومثوبته، لا لمكافأة نعمة، وتالله
لسوف يرضى بما نعطيه من الكرامة والجزاء العظيم.
جاء في الصحيحين أن رسول الله وَال قال: ((من أنفق زوجين في سبيل
الله، دعته خزنة الجنة: يا عبد الله! هذا خير، فقال أبو بكر: يا رسول الله،
ما على من يُدْعَى منها ضرورة، فهل يُدْعَى منها كلها أحد؟ قال: نعم وأرجو
أن تكون منهم)) .
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - اقتضت حكمة الله تعالى ورحمته بعباده أن يبين لهم كل ما هو رشاد
وهداية موصلة إلى جنته ورضاه، وقد تعهد الله عز وجل بذلك لبيان أحكام
الحلال والحرام، والطاعة والمعصية.

٦٦٣
الخُرُ (٣٠) - اللي: ٩٢ / ١٢-٢١
أَ - لله تعالى ملك الدنيا والآخرة، وهو المتصرف فيهما، ومانح ثوابهما،
يعطي ما يشاء لمن يشاء، فمن طلبهما من غير مالكهما ومن غير المتصرف
فيهما، فقد أخطأ الطريق. ولا يضره عصيان العاصين، ولا ينفعه طاعة
المطيعين، وإنما يعود ضره أو نفعه إليهم.
٣ - حذر الله تعالى بعد هذه البيانات الوافية من نار جهنم التي تتوهج
وتتوقد، ولا يجد صَلاها وهو حرها على الدوام إلا الشقي الكافر الذي كذّب
نبي الله محمداً وَّر، وأعرض عن الإيمان.
٤ - سيكون بعيداً من النار المتقي المعاصي، الخائف من عذاب الله، وصفة
الأتقى أو المتقي: هو الذي يعطي ماله طالباً أن يكون عند الله زاكياً طاهراً
متطهراً من الآثام والذنوب، لا يطلب بذلك رياء ولا سمعة، ولا مكافأة
لأحد، بل يتصدق به مبتغياً به وجه الله تعالى، قاصداً ثوابه ورضاه، ولسوف
يرضى عن الله، ويرضى الله عنه، فيكون راضياً مرضياً. وهو وعد كريم من
رب رحيم.
والخلاصة: أن كلاً من الأتقى والأشقى يشمل قسمين، فالأتقى: يشمل
المؤمن البار الذي ابتعد عن الفواحش كلها، والمؤمن الذي يذنب أحياناً
فيتوب ويندم، وثواب كل منهما الجنة.
والأشقى: يشمل الكافر الجاحد بالله وبرسله وبما أنزل عليه، والمسلم
الذي آمن في قلبه بالله ورسله، ولكنه يصر على بعض المعاصي والسيئات ولا
يتوب منها، وهذا دليل على نقص تصديقه، بدليل قوله وير فيما أخرجه ابن
ماجه: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق
وهو مؤمن)).
والأول مخلّد في النار، والثاني معذب فيها على وفق مشيئة الله، ثم يخرج إلى
الجنة. وأما صفة الأتقى والأشقى فهو كلام وارد على سبيل المبالغة.

٦٦٤
الْجُزْءُ (٣٠) - الليل: ٩٢ / ١٢-٢١
قال الزمخشري: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين،
وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين، فقيل:
﴿الْأَشْقَى﴾ وجعل مختصاً بالصَلي، كأن النار لم تخلق إلا له، وقيل: ﴿اٌلْأَنْقَى﴾
وجعل مختصاً بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية
بن خلف، وأبو بكر رضي الله عنه(١).
أخرج الإمام أحمد وابن ماجه وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ◌َ: ((لا يدخل النار إلا من شقي، قيل: ومن الشقي؟ قال:
الذي لا يعمل لله تعالى طاعة، ولا يترك لله تعالى معصية)).
(١) الكشاف: ٣٤٤/٣

٦٦٥
اِلُ (٣٠) السورة (٩٣) الضّعى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُؤْدَةُ الصَّعَى
مڪية، وهي إحدى عشرة آية
تسميتها:
سميت سورة الضحى تسمية لها باسم فاتحتها، حيث أقسم الله بالضحى:
وهو صدر النهار حین ترتفع الشمس، تنويهاً بهذا الوقت المهم الذي هو نور،
ولأنها نزلت في شأن النبي وَالرَ، فافتتحت بالضحى. ولما كانت سورة الليل
نازلة في بخيل، افتتحت بالليل.
مناسبتها لما قبلها:
هذه السورة متصلة بسورة الليل من وجهين:
اً - ختمت سورة الليل بوعد كريم من الله تعالى بإرضاء الأتقى في الآخرة،
وقال تعالى في سورة الضحى مؤكداً وعده لنبيه وَ له بقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ
٥
رَبُّكَ فَتَرْضَ
أَ - ذكر تعالى في السورة السابقة:
• ثم عدد الله
آلألقى
٢٤٠٠٠٠٠٠
وسيجنـ
تعالى نعمه على سيد الأتقياء في هذه السورة وهو محمد وله
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع سورة الضحى المكية الحديث عن شخصية النبي وَطله. وقد تضمنت
أربعة مقاصد:

٦٦٦
الُ (٣٠) السورة (٩٣) الضّعى
اً - ابتدأت بالقسم الإلهي العظيم على أن الله عز وجل ما قلا رسوله ولا
أبغضه، ولا هجره ولا تركه، وإنما هو محل العناية الربانية، وهو عظيم القدر
عند الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى ﴿ وَأَلَيْلِ إِذَا سَجَى ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى
٣
وَلَلَّخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ اُلْأُوْلَى (2)﴾ [الآيات: ١-٤].
اً - بشَره ربه بالعطاء الجمّ في الآخرة ومنه الشفاعة العظمى: ﴿وَلَسَوْفَ
يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ ﴿َ﴾ [الآية: ٥].
◌َّ - عددت نعم الله على نبيه منذ صغره ;﴿أَلَمْ يَحِدْكَ بَتِيمًا فَشَاوَى
[الآيات: ٦ -٨] .
٤ - ختمت بإيصائه بفضائل ثلاث: العطف على اليتيم، وصلة المسكين،
وشكر النعمة العظمى وهي النبوة وغيرها من هذه النعم المذكورة: ﴿فَأَمَّا
اَلْيَّتِيَمَ فَلَ نَفْهَرْ ﴿ وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلَ نَنْهَرْ ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
[الآيات: ٩-١١].
فضلها:
ثبت عن الإمام الشافعي أنه يسن التكبير بأن يقول ((الله أكبر)) أو ((الله
أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر)) عقب قراءة سورة ﴿وَالضُّحَى (®)) وخاتمة
كل سورة بعدها. وذكر القراء في مناسبة التكبير: أنه لما تأخر الوحي عن
رسول الله ﴿ وفتر مدة، ثم جاء الملك، فأوحى إليه: ﴿وَالضُّحَى ﴾ وَالَّيْلِ
إِذَا سَجَى ﴾﴾ السورة بتمامها، كبَر فرحاً وسروراً. قال ابن كثير: ولم يرو
ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف.

٦٦٧
الجُرُ (٣٠) - الضّعى : ٩٣ / ١-١١
صَلَى اللّهِ
وَسَلم
نعم اللّه تعالى على النبي محمد
وَلَلَخِرَةُ خَيْرٌ
﴿ وَالضُّحَىِ ﴿ وَاَلَّلِ إِذَا سَجَى ﴿﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى
لَّكَ مِنَ اُلْأُوْلَى جَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ ﴿ أَلَمْ يَحِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى
فَأَمَّا الْقِيْمَ فَلَا نَقْهَرْ
٨
وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى
وَوَجَدَكَ ضَالَّا فَهَدَى
٦
وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلَ نَنْهَرْ
٩
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
١٠
الإعراب:
﴿وَالضُّحَى ﴾﴾ قسم، وجواب القسم: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى
٣
والتوديع: مبالغة في الودع؛ لأن من ودعك مفارقاً فقد بالغ في تركك،
وقرئ: (وَدَعَك) أي تركك. و﴿ وَمَا قَلَى﴾ أي ما قلاك، أي ما أبغضك،
فحذف الكاف وهي مفعول، كما حذف الكاف التي هي المفعول من قوله:
﴿فَشَاوَى﴾ أي فآواك، وفي قوله: ﴿فَأَغْنَى﴾ أي فأغناك، والحذف للتخفيف
كثير. وهنا حذفت المفاعيل رعاية للفواصل.
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾ دخلت اللام على (سوف) دون السين؛ لأن
(سوف) أشبهت الاسم؛ لأنها على ثلاثة أحرف. ولما دخلت اللام عليها علم
أنها لام قسم، لا لام ابتداء، لأن لام الابتداء لا تدخل على (سوف).
و﴿ يُعْطِيكَ﴾ فعل متعد إلى مفعولين، وحذف هنا أحدهما، وتقديره:
ولسوف يعطيك ربك ما تريده، فترضى. وهو من الأفعال التي يجوز الاقتصار
فيها على أحد المفعولين دون الآخر، فيجوز أن تقول في (أعطيت زيداً
درهماً): (أعطيت زيداً).
(@) (الْنِيمَ﴾
﴿ فَمَّا الْيَنِيْمَ﴾ ﴿وَأَمَّا السَّآئِلَ﴾ ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
مفعول ﴿نَقْهَرُ﴾، و﴿السَّآئِلَ﴾ مفعول ﴿نَنْهَرْ﴾، والباء في ﴿بِنِعْمَةِ﴾ تتعلق بـ

٦٦٨
الزرعُ (٣٠) - الضّعى: ٩٣ /١-١١
﴿فَحَدِّثْ﴾ والفاء في ﴿فَلَا نَقْهَرْ﴾، و﴿فَلَ نَنْهَرْ﴾، و﴿فَحَدِّثْ﴾ جواب (أمّا)
في هذه المواضع؛ لأن فيها معنى الشرط.
البلاغة:
﴿وَلَلَخِرَةُ﴾ ﴿الْأُولَى﴾ بينهما طباق، أي بين الآخرة والدنيا.
٨ ٥ مقابلة بينها
(٤) ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى
١٠
وَأَمَّا السَّآيِلَ فَلَا نَنْهَرْ
وبين ﴿فَمَّا الْيَنِيْمَ فَلَا نَفْهَرْ
﴿نَقْهَرْ﴾ و﴿فَنْهَرْ﴾ جناس ناقص لتغير الحرف الثاني من الكلمة.
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ بَنِيمًا فَشَاوَى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى (٣) وَوَجَدَكَ عَائِلًا
فَأَغْنَى (®﴾ سجع مرضّع: وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿وَاَلْضُّحَى ﴾﴾ وقت ارتفاع الشمس أول النهار. ﴿ وَأُلَّيْلِ إِذَا سَجَى
٤ سكن وغطى بظلامه الأشياء. وإنما قدم ذكر الليل في السورة السابقة،
وأخره في هذه السورة، للتنويه بفضيلة كل واحد من الليل والنهار، فالليل له
فضيلة السبق، وللنهار فضيلة النور، فيقدم هذا تارة، وهذا تارة أخرى. وإنما
حلف بالضحى والليل فقط للتنويه بقيمة الزمان الذي يدل عليه مرور النهار
والليل. وخص وقت الضحى بالذكر؛ لأنه وقت اجتماع الناس، وكمال
الأنس بعد وحشة زمان الليل. وذكر الضحى وهو ساعة من النهار، وذكر
الليل كله إشارة إلى أن ساعة من النهار في الإنتاج توازي جميع الليل، كما أن
محمداً إذا قورن بغيره يوازي جميع الأنبياء(١).
﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ ما قطعك أو فارقك قطع المودّع أو مفارقته، وقرئ (وَدَعَك)
(١) تفسير الرازي: ٢٠٧/٣١-٢٠٨

٦٦٩
الجُرُ (٣٠) - الضّعى: ٩٣ /١-١١
بالتخفيف، أي تركك. وهو جواب القسم .﴿ وَمَا قَلَى﴾ ما أبغضك ربك،
والقِلَى: شدة الكُرْه، وقد نزل هذا لما قال الكفار عند تأخر الوحي عنه خمسة
عشر يوماً: إن ربه ودعه وقلاه. ﴿ وَلَلَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ اُلْأُوْلَىِ ﴿َ﴾ لما فيها
من الكرامات، ولأنها باقية خالصة عن الشوائب، والدنيا فانية مشوبة
بالمضارّ. وهذا تنويه بقدر النبي وَ لير وإعداده للنبوة، ومواصلته بالوحي
والكرامة في الدنيا، والإخبار بعلو منزلته في الآخرة، فإنه لا يزال يتصاعد في
الرفعة والكمال.
يعطيك ربك في الآخرة من
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ
الخيرات عطاء جزيلاً، فترضى به، وهو وعد شامل بالعطاء الجزيل، ومنه
الشفاعة العظمى، فقال هل﴿ فيما رواه الخطيب في تلخيص المتشابه: ((إذن لا
أرضى، وواحد من أمتي في النار)) . وهذا تمام جواب القسم بمثبتين بعد
منفیین.
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ﴾ استفهام تقرير، أي وجدك ﴿يَتِيمًا﴾ بفقد أبيك قبل
ولادتك أو بعدها . ﴿فَشَاوَى﴾ ضمك إلى عمك أبي طالب. وهذا وما بعده
تعداد لما أنعم الله به على نبيه محمد رَليه، تنبيهاً على أنه كما أحسن إليه فيما
مضى، يحسن إليه فيما يستقبل. ﴿وَوَجَدََ ضَآَلَّا فَهَدَى (٣)﴾ لا يمكن حمل
الضلال هنا على ما يقابل الهدى؛ لأن الأنبياء معصومون من ذلك، قال
العلماء: إنه ما كفر بالله طرفة عين، وإنما المراد بالضلال: الخطأ في معرفة
أحكام الشرائع، فهداه إلى مناهجها وكيفياتها. والمراد: الحيدة عن معالم
الشريعة الحنيفية، كقوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾
[الشورى: ٤٢ /٥٢].
﴿عَائِلًا﴾ فقيراً. ﴿فَأَغْنَ﴾ بالقناعة بربح التجارة وغيرها، جاء في الحديث
الذي أخرجه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة: (ليس

٦٧٠
الجُرُ (٣٠) - الضعف: ٩٣ /١-١١
الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس)). ﴿فَلَا نَقْهَرْ﴾ فلا تستذله
وتستضعفه بأخذ ماله أو بتسخيره ونحو ذلك .﴿فَلَ ثَنْهَرْ﴾ تزجره لفقره. ﴿وَأَمَّا
بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ أي نعمته عليك بالنبوة وغيرها. ﴿فَحَدِّثْ﴾ أخبر واشكر مولاك.
سبب النزول:
نزول الآية (١) وما بعدها:
أخرج الشيخان وغيرهما عن جندب قال: اشتكى النبي ◌َّ، فلم يقم ليلة
أو ليلتين، فأتته امرأة، فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك،
وَالَتْلِ إِذَا سَجَى ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبِّكَ وَمَا فَلَى
فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى ﴾
وأخرج سعيد بن منصور والفريابي عن جندب قال: أبطأ جبريل على النبي
وَّة، فقال المشركون: قد وُدِّع محمد، فنزلت.
وأخرج الحاكم عن زيد بن أرقم قال: مكث رسول الله وَليل أياماً لا ينزل
عليه جبريل، فقالت أم جميل امرأة أبي لهب: ما أرى صاحبك إلا قد ودَّعك
الآيات.
وقَلاك، فأنزل الله: ﴿ وَالضُّحَى إ
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن شداد: أن خديجة قالت للنبي وَّ: ما
أرى ربك إلا قد قلاك، فنزلت. والخبر مرسل، ورواته ثقات. قال الحافظ
ابن حجر: فالذي يظهر أن كلاً من أم جميل وخديجة قالت ذلك، لكن أم
جميل قالته شماتة، وخديجة قالته توجعاً.
والخلاصة: أبطأ جبريل عليه السلام على النبي ◌َّ، فقال المشركون: قلاه
الله وودّعه؛ فنزلت الآية.
نزول الآية (٤):
﴿ وَلَلَّخِرَةُ خَيْرٌ﴾ : أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: قال

٦٧١
الجُرُ (٣٠) - الضّعى: ٩٣ /١-١١
· رسول الله ◌َ﴾: ((عُرض عليّ ما هو مفتوح لأمتي بعدي، فسرّني)) فأنزل الله:
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ اُلْأُوْلَى (ج) وإسناده حسن.
نزول الآية (٥):
أخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل والطبراني وغيرهم عن ابن عباس قال:
عُرض على رسول الله وَ﴿ ما هو مفتوح على أمته كَفْراً كَفْراً - أي قرية قرية -
٥
فسُرّ به، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى
التفسير والبيان:
وَأَلَيْلِ إِذَا سَجَى ﴿٣َ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا فَلَى (®﴾ أي قسماً
﴿وَالضُّحَى (4)
بالضحى: وقت ارتفاع الشمس أول النهار، والمراد به النهار، لمقابلته
بالليل، وبالليل إذا سكن وغطى بظلمته النهار مثلما يُسَجَّى الرجل بالثوب،
ما قطعك ربك قطع المودِّع، وما تركك، ولم يقطع عنك الوحي، وما
أبغضك وما كرهك، كما يزعم بعضهم أو تتوهم في نفسك. وهذه الواقعة
تدل على أن القرآن من عند الله؛ إذ لو كان من عنده لما توقف.
ثم بشره بأن مستقبله أفضل من ماضيه، فقال:
{ وَلَلَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ اُلْأُوْلَى ﴾﴾ أي وللدار الآخرة خير لك من هذه
الدار، إذا فرض انقطاع الوحي وحصل الموت، وكذلك فإن أحوالك الآتية
خير لك من الماضية، وأنك كل يوم تزداد عزاً إلى عز، ومنصباً إلى منصب،
فلا تظن أني قليتك، بل تكون كل يوم يأتي أسمى وأرفع، فإني أزيدك رفعة
وسمواً، وإن شرف الدنيا يصغر عنده كل شرف، ويتضاءل بالنسبة إليه كل
مكرمة في الدنيا.
أخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود قال: اضطجع
رسول الله وَلّ على حصير، فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه،

٦٧٢
الجُرُ (٣٠) - الضّعَى: ٩٣ /١-١١
وقلت: يا رسول الله، ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئاً؟ فقال
رسول الله وَّة: ((ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب، ظلَّ تحت
شجرة، ثم راح وتركها)) .
وبشره بعطاء جزيل فقال:
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ ﴿3﴾ أي ولسوف يمنحك ربك عطاء
جزيلاً ونعمة كبيرة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فهو الفتح في الدین،
وأما في الآخرة فهو الثواب والحوض والشفاعة لأمتك، فترضى به. وهذا
دليل على تحقيق العلو والسمو في الدارين، فيعلو دينه على كل الأديان،
ويرتفع قدره على جميع الأنبياء والناس بالشفاعة العظمى يوم العرض الأكبر
يوم القيامة. وإنما أتى بحرف التوكيد والتأخير، ليفيد بأن العطاء كائن لا
محالة، وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة.
ثم عدد الله تعالى نعمه على رسوله وَ له قبل إرساله، وكأنه قال: ما تركناك
وما قليناك قبل أن اخترناك واصطفيناك، فتظن أنا بعد الرسالة نهجرك
ونخذلك، فقال :
ـ وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى ﴿ وَوَجَدَكَ عَآيِلًا
﴿أَلَمْ يَجِدْلَكَ يَتِيمًا فَاوَى الشَّـ
فَأَغْنَ ﴾﴾ أي ألم يجدك ربك يتيماً لا أب لك، فجعل لك مأوى تأوي
إليه، وهو بيت جدك عبد المطلب وعمك أبي طالب، فإنه فقد أباه وهو في
بطن أمه، أو بعد ولادته، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب، وله من العمر ست
سنين، ثم كان في كفالة جده عبد المطلب، إلى أن توفي، وله من العمر ثمان
سنين، فكفله عمه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره بعد أن ابتعثه الله على
رأس أربعين سنة.
ووجدك غافلاً عن أحكام الشرائع حائراً في معرفة أصح العقائد، فهداك
لذلك، كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ نَدْرِى مَا

٦٧٣
لُرُ (٣٠) - الصّعَ الَ: ٩٣ /١-١١
اُلْكِتَبُ وَلَ اُلْإِيمَنُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:
٤٢ /٥٢] .
ووجدك فقيراً ذا عيال لا مال لك، فأغناك بربح التجارة في مال خديجة،
وبما منحك الله من البركة والقناعة، أخرج الشيخان في الصحيحين عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله وَلطاهر: ((ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى
غنى النفس)). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله
: ((قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنَّعه الله بما آتاه)).
روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ بَتِيمًا فَشَاوَى
قال: كانت هذه
﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى
وَوَجَدَكَ ضَّآلّا فَهَدَى
منازل رسول الله ولو قبل أن يبعثه الله عز وجل.
ثم أمره ربه ببعض الأخلاق الاجتماعية وبشكره على هذه النعم، فقال:
أي كما كنت يتيماً فآواك الله، فلا
١ - ﴿فَمَّا أُلْيَنِيَمَ فَلَا نَفْهَرْ
تستذل اليتيم وتهنه وتتسلط عليه بالظلم لضعفه، بل أدّه حقه، وأحسن إليه،
وتلطف به، واذكر يتمك. لذا كان رسول الله وَل يحسن إلى اليتيم ويبره
ويوصي باليتامى خيراً.
٢ - ﴿ وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلَ نَنْهَرْ (®﴾ أي وكما كنت ضالاً، فهداك الله، فلا
تنهر السائل المسترشد في العلم، وطلب المال، ولا تزجره، بل أجبه، أو ردّ
عليه رداً جميلاً.
٣ - ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (3)) أي تحدث بنعمة ربك عليك، واشكر
هذه النعمة وهي النبوة والقرآن، وما ذكر في الآيات، والتحدث بنعمة الله
شكر، فكما كنت عائلاً فقيراً، فأغناك الله، فتحدث بنعمة الله عليك، كما
جاء في الدعاء النبوي المأثور: ((واجعلنا شاكرين لنعمتك، مُثْنِين عليها،
قابليها، وأتمها علينا)).

٦٧٤
الجُزءُ (٣٠) - الصّعى): ٩٣ /١-١١
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه عن أبي هريرة عن النبي وَّ قال:
((لا يشكر الله من لا يشكر الناس)).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - أقسم الله بالضحى، أي بالنهار، وبالليل إذا سكن، على أنه ما ترك
نبيه وما أبغضه منذ أحبه. قال ابن جريج: احتبس عنه الوحي اثني عشر يوماً.
وقال ابن عباس: خمسة عشر يوماً. وقيل: خمسة وعشرين يوماً. وقال مقاتل:
أربعين يوماً.
قال الرازي: هذه الواقعة تدل على أن القرآن من عند الله، إذ لو كان من
عنده لما امتنع(١). كما تقدم.
أَ - بشر الله نبيه بيشارتين عظيمتين: الأولى - أنه جعل أحواله الآتية خيراً
له من الماضية، ووعده بأنه سيزيده كل يوم عزاً إلى عز، وجعل ما عنده في
الآخرة حين مرجعه إليه، خيراً له مما عجل له من الكرامة في الدنيا.
والثانية - أنه سيعطيه غاية ما يتمناه ويرتضيه في الدنيا بالنصر والتفوق
وغلبة دينه على الأديان كلها، وفي الآخرة بالثواب والحوض والشفاعة.
روى الخطيب أنه رَ ليه، لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ
فَتَرَّضَ ﴿3﴾ قال: ((إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار))، كما تقدم.
والخلاصة: آية ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾ عدة كريمة شاملة لما أعطاه الله عز
وجل في الدنيا من كمال النفس وعلوم الأولين والآخرين، وظهور الأمر
(١) تفسير الرازي: ٢١٠/٣١
:

٦٧٥
الجُرُ (٣٠) - الضّعَى: ٩٣ /١-١١
وإعلاء الدين بالفتوحات وانتشار الدعوة في المشارق والمغارب، ولما ادخر له
عليه السلام في الآخرة من الكرامات التي لا يعلمها إلا هو عز وجل.
وورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص: ((أن النبي ◌َّ
تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَنْ
تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى﴾ [إبراهيم: ٣٦/١٤] وقول عيسى عليه السلام: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ
عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرِبِزُ الْحَكِيمُ
[المائدة: ١١٨/٥] فرفع
يديه، وقال: اللهم أمتي أمتي، وبكى؛ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام،
فسأله، فأخبره وَّي بما قال، وهو أعلم؛ فقال الله: يا جبريل اذهب إلى
محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نَسوءُك)).
سَّ - عدد الله تعالى نعمه ومِنَتَه على نبيه محمد وَّل، وذكر منها في السورة
ثلاثاً هي الإيواء بعد اليتم، والهدى بعد الغفلة، والإغناء بعد الفقر.
أما الإيواء فقد تكفله بعد موت أبيه وأمه وجده عبد المطلب، ثم عمه أبي
طالب، فكفله وآزره، ودفع عنه الأذى.
وأما الهدى فهو بيان القرآن والشرائع، فهداه الله إلى أحكام القرآن
وشرائع الإسلام، بعد الجهل بها والغفلة عنها. وليس معنى الضلالة الكفر أو
كونه على دين قومه؛ لأن الأنبياء معصومون عن ذلك. واتفق جمهور العلماء
على أنه وَلّ ما كفر بالله لحظة واحدة. وقالت المعتزلة: هذا غير جائز عقلاً،
لما فيه من التنفير.
وأما الإغناء فهو الإمداد بالفضل والمال والرزق بالتجارة في مال خديجة
رضي الله عنها. وفي زمان الرسالة أغناه بمال أبي بكر، ثم بمال الأنصار بعد
الهجرة، ثم بالغنيمة.
والحكمة في اختيار اليتم له: أن يعرف قدر اليتامى، ويقوم بحقهم وصلاح

٦٧٦
الجزرءُ (٣٠) - الضّعى ): ٩٣ /١-١١
أمرهم. ثم إن اليتم والفقر نقص في حق الناس عادة، فلما صار محمد عليه
الصلاة والسلام نبياً ورسولاً، وأكرم الخلق، مع هذين الوصفين، كان ذلك
قلباً للعادة، فكان من جنس المعجزات.
٤ - أدّب الله نبيه محمداً بَّر بأن يتعامل مع الخَلْقِ مثل معاملة الله معه،
فأمره بألا يظلم اليتيم، ويدفع إليه حقه، ويذكر أنه كان يتيماً مثله. ودلت
الآية على طلب اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه، حتى قال قتادة: كن
لليتيم كالأب الرحيم. وروي عن أبي هريرة أن رجلاً شكا إلى النبي وَ ل قسوة
قلبه، فقال: ((إن أردت أن يلين، فامسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين)) وفي
الصحيح الذي رواه البخاري وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة: أن رسول الله
وَ لي قال: ((أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين)) وأشار بالسبابة والوسطى.
ونهى الله تعالى نبيه وَل عن زجر السائل وعن إغلاظ القول له، وأمره
بأن يردّه ببذل يسير، أو ردّ جميل، وأن يتذكر فقره. روي عن أبي هريرة أن
رسول الله وَلِ﴿ل قال: ((لا يمنعن أحدكم السائلَ، وأن يعطيه إذا سأل، ولو
رأى في يده قُلْبين(١) من ذهب)). وقال النبي ◌َّ أيضاً: ((رُدُّوا السائل ببذل
يسير، أو ردّ جميل، فإنه يأتيكم من ليس من الإنس ولا من الجن، ينظر كيف
صنيعكم فيما خوَّلكم الله))(٢).
وأمر الله تعالى رسوله وَله بشكر نعمة الله عليه وهي النبوة والرسالة،
وإنزال القرآن الكريم عليه. ويكون الشكر بنشر ما أنعم الله عليه، والتحدث
بنعم الله، والاعتراف بها شكر لها.
ويلاحظ أنه تعالى نهاه عن شيئين وأمره بواحد: نهاه عن قهر اليتيم جزاء
(١) القُلْب: السوار.
(٢) تفسير القرطبي: ١٠١/٢٠

٦٧٧
الُزُ (٣٠) - الصّعَى: ٩٣ /١-١١
﴾. ونهاه عن نهر
لما أنعم به عليه في قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى
السائل في مقابلة قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (®). وأمره بالتحديث بنعمة
٧
ربه، وهو في مقابلة قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاَ فَهَدَى
قال العلماء المحققون: التحديث بنعم الله تعالى جائز مطلقاً، بل مندوب
إليه إذا كان الغرض أن يقتدي به غيره، أو أن يشيع شكر ربه بلسانه، وإذا لم
يأمن على نفسه الفتنة والإعجاب، فالستر أفضل.
وإنما أخر التحديث تقديماً لمصلحة المخلوقات على حق الله؛ لأن الله غني
وهم المحتاجون، ولهذا رضي لنفسه بالقول فقط.
وروي عن الشافعي أنه رأى التكبير سُنَّةً في خاتمة ﴿وَالضُّحَى (ج) إِلى
آخر القرآن؛ لأنه حين انقطع الوحي كما تقدم، وأنزلت السورة، قال رسول
الله اَلير: ((الله أكبر)) تصديقاً لما أتى به القرآن.
وهذا التكبير ليس بقرآن؛ لأنه لم ينقل كالقرآن نقلاً متواتراً بسوره وآياته
وحروفه، دون زيادة ولا نقصان. وقال العلماء: لا نقول: إنه لا بدّ لمن ختم
أن يفعله، ولكنه من فعل فقد أحسن، ومن ترك فلا حرج.
ولفظ التكبير إما بأن يقول: ((الله أكبر)) أو يقول: ((لا إله إلا الله والله
أکبر)».

٦٧٨
شرح
لُعُ (٣٠) السورة (٩٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ الشرح
مڪية، وآياتها ثمانٍ
تسميتها:
سميت سورة الشرح أو الانشراح أو ﴿أَلَّمْ نَشْرَحْ﴾ لافتتاحها بالخبر عن
شرح صدر النبي ◌َّ﴾، أي تنويره بالهدى والإيمان والحكمة، وجعله فسيحاً
رحيباً واسعاً، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ
[الأنعام: ١٢٥/٦] .
مناسبتها لما قبلها:
هي شديدة الاتصال بسورة الضحى، لتناسبهما في الجمل والموضوع؛ لأن
فيهما تعداد نعم الله تعالى على نبيه وَّر، مع تطمينه وحثه على العمل والشكر،
حيث قال في السورة السابقة: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى (٦) وأضاف هنا
وعطف: ﴿أَلَمَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
ولهذا ذهب بعض السلف إلى أنهما سورة واحدة بلا بسملة بينهما،
والأصح المتواتر كونهما سورتين، وإن اتصلتا معنىً.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كسابقتها الحديث عن شخصية النبي صلو وما أمده الله
به من نعم عظيمة، تستحق الحمد والشكر.

٦٧٩
الُرُ (٣٠) - الشرح: ٩٤ /١-٨
وقد اشتملت على أمور أربعة:
اً - تعداد نعم ثلاث أنعم الله بها على نبيه المصطفى وَّر وهي شرح صدره
بالحكمة والإيمان، وتطهيره من الذنوب والأوزار، ورفع منزلته ومقامه وقدره
وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴿﴿ الَّذِىّ
في الدنيا والآخرة: ﴿أَلَّمَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
[الآيات: ١-٤] وذلك بقصد تسلية
وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (3)
أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (
الرسول و 9 وإيناسه عما يلقاه من أذى قومه الشديد في مكة والطائف
وغيرهما.
أَ - وعد الله له بتيسير المعسر، وتفريج الكرب عليه، وإزالة المحن
والشدائد، وتبشيره بقرب النصر على الأعداء: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًّا ﴿ إِنَّ مَعَ
الْعُسْرِ يُسْرًا (٤) [الآيات: ٥-٦].
٢ - أمره بالمواظبة على العبادة والتفرغ لها بعد القيام بتبليغ الرسالة؛ شكراً
[الآية: ٧] .
٧
لله على ما أنعم عليه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ
٤ - أمره بعد كل شيء بالتوكل على الله وحده، والرغبة فيما عنده: ﴿وَإِلَى
﴾ [الآية: ٨].
٨
رَبِّكَ فَأَرْغَب
نعم الله على نبيه وما أمره به
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
٣
وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًّا (٢جَ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ
اُلَّذِىّ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
٣
وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزُرَكَ
٨
وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَبِ
فَاُنصَبُ
البلاغة:
استفهام تقريري للتذکیر بنعم الله، أي قد
﴿أَلَمَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
شرحنا لك صدرك.

٦٨٠
الجُزءُ (٣٠) - الشرح: ٩٤ / ١-٨
٣
وَوَضَعْنَا عَنْكَ وَزُرَكَ
● استعارة تمثيلية، شبه
٣
الَّذِىّ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
الذنوب بحمل ثقيل يرهق كاهل حامله بطريق التمثيل.
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًّا (٦) تنكير اليسر للتعظيم والتفخيم، كأنه قال: يسراً
عظيماً.
﴿الْعُسْرِ﴾ و﴿ يُبْرًا﴾
بينهما جناس ناقص.
إطناب بتكرير الجملة،
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بُتْرًا ()
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا أَـ
لتثبيت معناها في النفوس، وبما أن العسر معروف فهو مفرد، واليسر منكر فهو
متعدد، أي مع كل عسر يسران، فالعسر الأول عين الثاني، واليسر تعدد.
(١ سجع مرصع مراعاة
٨
وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ (4)
الرؤوس الآيات. وكذا في قوله: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ جَ الَّذِىّ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
: وهو من المحسنات البديعية.
٣
المفردات اللغوية:
(ج) ألم نُفْسِخْ ونبسط ونوسع لك يا محمد
﴿أَلَّمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
صدرك، حتى وسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق، بما أودعنا فيه من الحكمة
والإيمان والنبوة، وأزلنا عنه ضيق الجهل. والعرب تطلق سعة الصدر وعظمه
على الحلم والقوة، فهو كناية عن السرور وانبساط النفس وراحة البال وسعة
الأفق. وهو استفهام تقرير، أي قد شرحنا وأفسحنا.
﴿وَوَضَعْنَا﴾ خططنا وأزلنا وخفَّفْنا عنك. ﴿وِزْرَكَ﴾ حملك الثقيل. ﴿أَنْقَضَ﴾
أثقل، حتى سمع له نقيض أي صوت. وهذا كقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن
ذَنْيِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾ [الفتح: ٢/٤٨]. وليس المراد بالذنوب المعاصي والآثام، فإن
الرسل معصومون من ارتكاب الذنوب، وإنما المراد ما فعله اجتهاداً مما هو
خلاف الأولى، كإذنه للمنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك، وأخذ الفداء من