Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١
لُرُ (٣٠) - الشَّمْسِّ: ٩١ / ١- ١٠
﴿إِذَا﴾ في المواضع الثلاثة لمجرد الظرفية والعامل فيها فعل القسم.
(@) ﴿وَمَا﴾ إما مصدرية، أي وبنائها، أو بمعنى
﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا
الذي، أي والذي بناها، وهو الأحسن، أو بمعنى (مَنْ) أي ومن بناها، وقد
جاءت (ما) بمعنى (من) قال أهل الحجاز للرعد: سبحان ما سبَّحتَ له، أي
سبحان من سبَّحت له.
﴿قَدْ أَفَحَ مَنْ زَّكَّنِهَ ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنِهَا (®﴾ ﴿دَسَّنْهَا﴾ أصله:
دسَّسَها، فاجتمعت الأمثال، فوجد الاستثقال، فأبدل من السين الأخيرة
ياء، كما قالوا: قصَّيت أظفاري، في قصصت، فصار (دسيها) ثم قلبت الياء
ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها.
البلاغة:
﴿وَالشَّمْسِ﴾ ﴿وَاَلْقَمَرِ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿وَاَلَيْلِ﴾ ﴿ وَاَلنََّارِ﴾ وبين
لُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا﴾ .
﴿ وَالنَّهَارِ إِذَا جََّهَا (٣)﴾ مقابلة بينها وبين ﴿وَآَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَنُهَا (2) وكذا
بين ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّنْهَا (ج))
وبين ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنهَا
طباق
والمقابلة من المحسنات البديعية، كما هو معروف.
في السورة كلها سجع مرصع، وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس
الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿وَضُحَنْهَا﴾ قال مجاهد: هو ارتفاع الضوء وكماله، وقال أبو حيان: المعروف
في اللغة أن الضحى هو بعيد طلوع الشمس قليلاً، فإذا زاد فهو الضَّحاء - بالمد
وفتح الضاد: إلى الزوال .﴿فَلَّهَا﴾ تبعها، أي إن القمر يتبع الشمس طالعاً عند
غروبها.﴿جَلَّهَا﴾ أي جلّ الشمس وكشفها وأتم وضوحها.
٦٤٢
الُرُ (٣٠) - الشَمْسِّ: ٩١ / ١- ١٠
﴿ يَغْشَنهَا﴾ يغشى الشمس فيغطي ضوءها بظلمته، أي يزيله ويحجبه.
﴿ وَالسَّمَاءِ﴾ كل ما علاك وارتفع فوق رأسك فهو سماء، والمراد به الكون الذي
فوقك، وفيه الكواكب . ﴿وَمَا بَنَهَا﴾ أي ومن رفعها، وجعل كل كوكب
بمنزلة لبنة من بناء سقف، قال الزمخشري والبيضاوي: وإنما أوثرت (ما) على
(من) لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها.
طَهَا﴾ بسطها، مثل دحاها.
﴿سَوَّهَا﴾ أحكم خلقتها وتسويتها وتعديل أعضائها بخلق القوى والغرائز
فيها، وجعل وظيفة لكل منها. ﴿فَأَهَمَهَا لُورَهَا وَتَقْوَنَهَا (®) عرَّفها
وأفهمها، وبيَّن لها طريق الخير والشر. والفجور: الفسوق والشر وكل ما
يؤدي إلى الخسارة والهلاك. والتقوى: التزام جادة الاستقامة، وإتيان ما يحفظ
النفس من سوء العاقبة.
﴿أَفْلَحَ﴾ فاز ونجا وأدرك المطلوب. ﴿مَن زَّكْنِهَا﴾ طهرها من الذنوب،
وهذَّبها ونَمَّاها بالعلم والعمل، وهو جواب القسم. ﴿خَابَ﴾ خسر. ﴿دَسَّنْهَا﴾
أهمل تهذيبها، والتدسية: النقص والإخفاء، فمن فعل الشر والمعصية، أنقص
نفسه عن مرتبة الكمال، وأخفاها بالذنوب والمعاصي، وهي ضدّ التزكية.
التفسير والبيان:
أقسم الله تعالى في مطلع هذه السورة بسبعة أشياء، فقال:
وَاُلْقَمَرِ إِذَا نَهَا (٣)﴾ أي أقسم بالشمس
اَ - ٢َّ - ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا
المضيئة نفسها، سواء غابت أم طلعت؛ لأنها شيء عظيم، أبدعها الله،
وأقسم بضوئها وضحاها، وهو وقت ارتفاع الشمس بعد طلوعها إذا تمّ
ضَوءُها؛ لأنه مبعث حياة الأحياء.
وأقسم بالقمر المنير إذا تبع الشمس في الطلوع بعد غروبها، وبخاصة في
٦٤٣
الجُزُ (٣٠) - الشَّمْسِّ: ٩١ / ١- ١٠
الليالي البيض: وهي الليالي الثالثة عشرة إلى السادسة عشرة وقت امتلائه
وصيرورته بدراً بعد غروب الشمس إلى الفجر. وهذا قسم بالضوء وقت الليل
کله.
وَأَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَنَهَا (٣)﴾ أي وأقسم بالنهار
◌َ - ◌َ - ﴿وَاَلَّهَارِ إِذَا جَلََّهَا
إذا جلّ الشمس وكشفها وأظهر تمامها، ففي اكتمال النهار كمال وضوح
الشمس، وأقسم بالليل إذا يغشى الشمس ويغطي ضوءها بظلمته، فيُزيل
الضوء وتغيب الشمس، وتظلم الدنيا في نصف الكرة الأرضية، ثم تطلع في
النصف الآخر.
وفي هذا التبدل والتغير ردّ على المشركين الذين يؤلهون الكواكب، والثنوية
الذين يقولون بأن للعالم إلهين اثنين: النور والظلمة؛ لأن الإله لا يغيب ولا
يتبدل حاله.
وبعد التنويه بعظم هذه الأشياء الكونية، ذكر الله تعالى صفات حدوثها،
فقال :
وَاُلْأَرْضِ وَمَا طَهَا ﴾﴾ أي وأقسم
٥
٥ - أَ - ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا
بالسماء وبناء الله تعالى لها بالكواكب، كأن كل كوكب لبنة في سقف، أو قُبَّة
تحيط بالأرض وأهلها. وأقسم بالأرض كوكب الحياة البشرية، والذي بسطها
من كل جانب، وجعلها ممهدة موطأة للسكنى مثل قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ
[النازعات: ٣٠/٧٩] أي بسطها، والطحو كالدحو وهو
ذَلِكَ دَحَتُهَا
البسط، ثم مكّن الناس من الانتفاع بها ظاهراً بالنبات، وباطناً بالمعادن
والثروات. ونظير الآية: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءَ﴾
[البقرة: ٢٢/٢] .
وختم الأشياء المحلوف بها بالنفس البشرية التي خلقت هذه الأشياء من
أجلها، وكونها أداة الانتفاع بها ووسيلة ترقي الحياة وتقدمها، فقال:
٦٤٤
الجزءُ (٣٠) - الشَّمْسِ: ٩١ / ١- ١٠
فَأَلْهَمَهَا لُورَهَا وَتَفْوَنِهَا (®﴾ أي وأقسم
اً - ﴿ وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنهَا
٧
بالنفس الإنسانية، والذي خلقها سوية، مستقيمة، على الفطرة القويمة،
وتسويتها: إعطاء قواها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن، وهي الحواس
الظاهرة والباطنة، والقوى الطبيعية، أي تعديل أعضائها، وتزويدها بطاقات
وقوى ظاهرية وباطنية متعددة، وتحديد وظيفة لكل عضو فيها.
ثم إنه تعالى عرّف هذه النفس وأفهمها ما هو شر وفجور، وما هو خير
وتقوى، وما فيهما من قبح وحسن، لتمييز الخير من الشر، كما قال تعالى:
﴾ [البلد: ١٠/٩٠] أي علمناه وعرفناه سلوك طريقي
﴿ وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ
وَقَدْ خَابَ مَن دَسَنُهَا
الخير والشر. ويعضده ما بعده: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكَّتِهَا
﴾. وهذا قول المعتزلة، وقال أهل السنة: الضميران في قوله تعالى:
١٠
فَأَلْهُمَهَا﴾ وقوله: ﴿وَهَدَيْنَهُ﴾ لله تعالى، والمعنى: قد سعدت نفس زكاها الله
تعالى، وخلقها طاهرة، وخابت نفس دسّاها الله، وخلقها كافرة فاجرة(١).
والظاهر التفسير الأول، بدليل ما قال ابن كثير: ﴿فَأَنْهَمَهَا لُورَهَا وَتَقْوَنهَا
﴾: أي فأرشدها إلى فجورها وتقواها، أي بيّن لها ذلك، وهداها إلى ما
٨
قُدِّر لها(٢). وقال ابن عباس: ﴿فَأَلْهَمَهَا لُجُورَهَا وَتَقْوَنِهَا
بيّن لها الخير
٨
والشر(٣). وهذا دليل على مبدأ الاختيار للإنسان.
ثم ذكر الله تعالى جزاء ما تختاره النفس، فقال:
أي قد فاز بكل
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكْنَهَا ﴿جَ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّلَهَا
مطلوب، وظفر بكل محبوب من زكى نفسه فهذبها وتمَّاها وأعلاها بالتقوى
والعمل الصالح، وقد خسر من أضل نفسه وأغواها وأهملها وأخملها، ولم
(١) وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومقاتل والكلبي.
(٢) تفسير ابن كثير: ٤ /٥١٦
(٣) المرجع السابق، وهذا أيضاً قول مجاهد وقتادة والضحاك والثوري.
٦٤٥
الُ (٣٠) - الشَّمْسِّ: ٩١ / ١- ١٠
يهذبها، ولم يتعهدها بالطاعة والعمل الصالح. وهذا جواب القسم الذي
افتتحت به السورة.
روى الطبراني عن ابن عباس قال: كان رسول الله وَلّ إذا مرَّ بهذه الآية:
﴾ وقف وقال: ((اللهم آت
◌َ فَأَهَمَهَا تُجُورَهَا وَتَقْوَنهَا (
ونفسِ وَمَا سَوَّنِهَا
نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها)).
وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَله يقرأ:
﴿ فَأَنْهُمَهَا ثُورَهَا وَتَقْوَنِهَا (٣)﴾ قال: ((اللهم آت نفسي تقواها، وزكّها أنت
خير من زكاها، أنت وليها ومولاها)).
وروى الإمام أحمد عن عائشة: أنها فقدت النبي ◌ُّر من مضجعه، فلمسته
بيدها، فوقعت عليه، وهو ساجد، وهو يقول: ((رب أعطِ نفسي تقواها،
وزّها أنت خير من زكّاها، أنت وليها ومولاها)).
وروى أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله وَليه يقول:
((اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والهرم والجبن والبخل وعذاب
القبر، اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكاها، أنت وليها
ومولاها. اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، وعلم
لا ينفع، ودعوة لا يستجاب لها)) قال زيد: كان رسول الله لو يعلمناهن،
ونحن نعلمكموها.
فقه الحياة أو الأحكام:
أقسم الله تعالى بسبعة أشياء: لقد أفلح وفاز من زكى نفسه بالطاعة،
وخسرت نفس أهملها صاحبها وتركها تنغمس في المعصية.
والأشياء السبعة: هي الشمس وضوءُها وإشراقها، وهو قسم ثان،
والقمر إذا تبع بالطلوع الشمس بعد غروبها، فاستوى واستدار، وكان مثلها
٦٤٦
الُ (٣٠) - الشَّمْسِ: ٩١ /١١-١٥
في الضياء والنور، والنهار إذا جلّ أو كشف الشمس، أي أبان بضوئه
جِرْمها، والليل إذا يغشى الشمس، أي يذهب بضوئها عند غروبها، والسماء
وبنيانها وبانيها وهو الله، والأرض ومن طحاها أي بسطها، والنفس
الإنسانية وتسويتها ومن سوّاها وهو الله عز وجل، بأن عدَّلها وزوَّدها
بالأعضاء المتناسبة، وبالقوى العضلية والفكرية والحسية، وعرَّفها طريق
الفجور والتقوى، وسلوك سبيل الخير والشر، والطاعة والمعصية.
وقد أقسم الله عز وجل بهذه المخلوقات لما فيها من عجائب الصنعة الدالة
عليه، وأراد أن ينبه عباده دائماً بأن يذكر في القسم أنواع مخلوقاته المتضمنة
للمنافع العظيمة، حتى يتأمل المكلف فيها، ويشكر عليها؛ لأن الذي يقسم
الله تعالى به يحصل له وقع في القلب، فتكون الدواعي إلى تأمله أقوى(١).
العظة بقصة ثمود
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةً
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَنِهَاَ ﴿ إِذِ الْبَعَثَ أَشْقَنَهَا (49)
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيَّهِمْ رَبُّهُم بِذَنِهِمْ فَسَوَّدهَا
١٣
اللَّهِ وَسُقْيَهَا
١٥
وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا
١٤
القراءات:
﴿ وَلَا يَخَافُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن عامر (فلايخاف).
الإعراب:
﴿فَسَوَّنَهَا ، وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا
١١٥
ولا
سوَّاها : تعود على الدمدمة،
(١) تفسير الرازي: ١٨٨/٣١
٦٤٧
الُعُ (٣٠) - الشّمْسِر: ٩١ / ١١-١٥
(5) في موضع نصب على الحال، وتقديره: سوّاها غير خائف
يَخَافُ عُقْبَهَا
عاقبتها.
البلاغة:
﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ الإضافة للتكريم والتشريف.
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَئِهِمْ﴾ تهويل، فالتعبير بالدمدمة يدل على
هول العذاب.
المفردات اللغوية:
﴿بِطَغْوَنِهَا﴾ أي بسبب طغيانها، والطغوى والطغيان: تجاوز الحد المعتاد.
﴿إِذِ اُنْبَعَثَ﴾ حين أسرع أو قام، وهو ظرف لكذَّبت أو طغوى. ﴿أَشْقَنهَا﴾
أشقى ثمود، وهو قُدَارُ بن سالف، الشخص الذي عقر الناقة . ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾
صالح عليه السلام . ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ أي ذروا ناقة الله، واحذروا التعرض لها
وعقرها.﴿ وَسُقْيَهَا﴾ شِرْبها الخاص بها في يومها، فلا تذودوها عنها.
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فيما حذرهم من حلول العذاب إن فعلوا . ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ نحروها
أو ذبحوها.﴿فَدَمْدَمَ﴾ فأطبق عليهم العذاب. ﴿فَسَوَّنَهَا﴾ سوى الدمدمة
عليهم أي عمهم بها، فلم يفلت منها صغير ولا كبير. ﴿عُقْبَهَا﴾ عاقبتها
وتبعتها. أي عاقبة الدمدمة.
المناسبة:
بعد الحلف بأشياء عظيمة على فوز من زكّى نفسه وهذبها وطهرها من
الذنوب، وخيبة وخسار من أهملها وتركها تعيث في الأرض فساداً بفعل
المعاصي، وترك فعل الخير، وعظهم الله تعالى بقصة ثمود، لقربها من ديار
العرب، ليحذروا معاندة الرسول وَ﴿ وتكذيبه، وإلا حلّ بهم ما حلّ بأمثالهم
من الأمم السابقة.
٦٤٨
اِلُءُ (٣٠) - الشَمَسِّ: ٩١ / ١١-١٥
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم صالحاً عليه السلام، بسبب ما
كانوا عليه من الطغيان والبغي، فيقول:
إِذِ اُنْبَعَثَ أَشْقَنْهَا (19)﴾ أي كذبت قبيلة ثمود
﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَنِهَا
نبيها صالحاً عليه السلام بسبب طغيانها وبغيها، فإنه الذي حملها على
التكذيب. والطغيان: مجاوزة الحد في المعاصي.
وذلك حين قام أشقى ثمود، وهو قُدار بن سالف، أحيمر ثمود، فعقر
الناقة، بتحريض قومه ورضاهم بما يفعل، فكان عقرها دليلاً على تكذيبهم
جميعاً لنبيهم، وبرهاناً على صدق رسالته إذ حلّ بهم العذاب الذي أوعدهم به.
[القمر: ٢٩/٥٤] . وكان
٢٩
ونظير الآية: ﴿فَدَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَعَاطَى فَعَقَرَ
أشقى ثمود عزيزاً فيهم، شريفاً في قومه، نسيباً رئيساً مطاعاً، كما ذكر أحمد
والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن زَمْعة قال: خطب
رسول الله ◌َ، فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها، فقال: ((إذ انبعث أشقاها،
انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه، مثل أبي زمعة)) .
ثم يذكر الله تعالى ما توعدهم به رسولهم على فعلهم، فيقول:
أي فقال لهم -أي
﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا (®]
للجماعة الأشقياء- النبي صالح عليه السلام: ذروا ناقة الله واحذروا
التعرض لها أو أن تمسوها بسوء، واتركوها وتناولها شِرْبها من الماء المخصص
لها، فإن لها شرب يوم، ولكم شرب يوم معلوم، ولا تتعرضوا لها يوم شربها.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ أي فكذبوه في تحذيره إياهم من العذاب، ولم
يبالوا بما أنذرهم به من العقاب، فعقر الأشقى الناقة، وجميع قومه رضوا بما
فعل. أو كذبوه فيما جاءهم به، فأعقبهم ذلك أن عقروا الناقة التي أخرجها
الله لهم من الصخرة آية لهم وحجة عليهم.
٦٤٩
الْجُرُ (٣٠) - الشَمْسِّ: ٩١ / ١١-١٥
ثم یبین ما عوقبوا به، فيقول:
﴾ أي
١٥
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّنَهَا، وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا
فأطبق عليهم العذاب وأهلكهم، وغضب عليهم فدمر عليهم، فسوّى
الدمدمة عليهم، وعمَّهم بها، أي فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء،
فاستوت على صغيرهم وكبيرهم. قال قتادة: بلغنا أن أحيمر ثمود لم يعقر الناقة
حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في
عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم، فسواها.
وقد فعل الله ذلك بهم، وأهلكهم، غير خائف هذا الأشقى من عاقبة ولا
تبعة، أي فإنه تجرأ على عقر الناقة دون أن يخاف الذي عقرها عاقبة إهلاك
قومه، وعاقبة ما صنع، والمراد بذلك أنه أقدم على عقرها، وهو كالآمن من
نزول الهلاك به وبقومه.
وقال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تبعة. قال ابن كثير: وهذا القول
أولى لدلالة السياق عليه. وقال أبو حيان: الظاهر عود الضمير إلى أقرب
مذكور، وهو ﴿رَبُّهُم﴾ أي لا دَرَك عليه تعالى في فعله بهم، لا يسأل عما
يفعل، قال ابن عباس والحسن، وفيه ذم لهم وتعقبة لآثارهم. والمراد أن الله
لا يخاف عاقبة ما فعل بهم؛ لأنه عادل في حكمه. وقال الزمخشري: ولا يخاف
الله عاقبتها وتبعتها، كما يخاف كل معاقب من الملوك، فيبقي بعض الإبقاء.
ويجوز أن يكون الضمير لثمود، على معنى: فسّاها بالأرض أو في الهلاك،
ولا يخاف عقبی هلاكها.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذا خبر قاطع من الله العلي القدير، أخبرنا به عن قبيلة ثمود التي تجاوزت
الحد بطغيانها وهو خروجها عن الحد في العصيان. وذلك حين نهض أشقاها
لعقر الناقة، واسمه قُدار بن سالف.
٦٥٠
الُزْءُ (٣٠) - الشَمْسِّ: ٩١ / ١١-١٥
ولكنَّ رسولهم صالحاً عليه السلام حذرهم عاقبة فعلهم، وقال لهم:
احذروا عقر ناقة الله، وذروها، كما قال: ﴿هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ
فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيّ أَرْضِ اُللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَّدٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[الأعراف: ٧٣/٧] وذروها وشِرْبها المخصص لها في يومها. فإنهم لما اقترحوا
الناقة، وأخرجها الله لهم من الصخرة، جعل لهم شِرْب يوم من بئرهم، ولها
شِرْب يوم مكان ذلك، فشقَّ عليهم.
وكذبوا صالحاً عليه السلام في قوله لهم: ((إنكم تُعَذَّبون إن عقرتموها))
فعقرها الأشقى، وأضيف العقر إلى الكل بقوله: ﴿فَعَقَّرُوهَا﴾ لأنهم رضوا
بفعله.
والْجُزْم وهو العَقْر وتكذيب النبي يستدعيان بلا شك عقاباً صارماً، فكان
العقاب أن أهلكهم الله، وأطبق عليهم العذاب بذنبهم الذي هو الكفر
والتكذيب والعَقْر، وسوَّى عليهم الأرض، أو سوى الدمدمة والإهلاك
عليهم؛ لأن الصيحة أهلكتهم فأتت على صغيرهم وكبيرهم.
والعبرة من ذلك أن الله فعل بهم ما فعل غير خائف أن تلحقه تبعة
الدمدمة من أحد، كما قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد. وهاء
﴿عُقْبَهَا﴾ ترجع إلى الفَعْلة. وقال السدّي والضحاك والكلبي: ترجع إلى
العاقر، أي لم يخف الذي عقرها عقبى ما صنع.
٦٥١
الُ (٣٠) السورة (٩٢) الليِّك
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَـ
سُؤَدَةُ اللَّيَِّك
مكية، وهي إحدى وعشرون آية
تسميتها:
سميت سورة الليل لافتتاحها بإقسام الله تعالى بالليل إذا يغشى، أي يغطي
الكون بظلامه، ويستر الشمس والنهار والأرض والوجود بحجابه.
مناسبتها لما قبلها:
لما ذكر في سورة الشمس قبلها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن
دَسَّنْهَا ﴾﴾ ذكر هنا من الأوصاف ما يحصل به الفلاح، وما تحصل به
٨
(@)) ﴿ وَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى
أَعْطَى وَأَنَّقَى
﴿ فَأمَّا مَنْ
الخيبة بقوله تعالى:
فهي كالتفصيل لما قبلها.
ولما كانت سورة الليل نازلة في بخيل، افتتحت بالليل الذي هو ظلمة.
ما اشتملت عليه السورة:
محور السورة سعي الإنسان وعمله وجزاؤه في الآخرة.
افتتحت السورة بالقسم بالليل والنهار وخالق الذكر والأنثى على أن عمل
الناس مختلف، فمنهم التقي ومنهم الشقي، ومنهم المؤمن ومنهم الفاجر:
[الآيات: ١- ٤] .
﴿وَأَِّلِ إِذَا يَغْشَى
٦٥٢
الُعُ (٣٠) السورة (٩٢) الليك
ثم أوضحت أن الناس فريقان، وحددت منهج وطريق كل فريق، وجزاء
كل منهم في الآخرة: أهل الإيمان والسعادة والجنة: وهم الذين بذلوا المال
وصدقوا بوعد الله في الآخرة، وأهل الكفر والشقاوة والنار: وهم الذين
بخلوا بالأموال واستغنوا عن ربهم عز وجل، وأنكروا ما وعد الله به من
الجنة: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّفَى (®َ﴾ [الآيات: ٥-١٠].
وأعقبت ذلك ببيان عدم جدوى المال في الآخرة، وأن الله واضع دستور
الهداية، وأنه مالك الدنيا والآخرة: ﴿وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُمْ إِذَا تَرَدََّ
[الآيات: ١١ - ١٣].
ودلّ هذا التحذير من عذاب الله والإنذار بالنار على أنه العقاب المستحق
لكل من كذب بآيات الله تعالى وبرسوله وَله: ﴿فَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَطّى
١٤
[الآيات: ١٤ - ١٦] .
يبذل ماله في طرق الخير مخلصاً لوجه الله، دون قصد مكافأة أحد، ولا
لمصلحة دنيوية عند إنسان، وذلكم المثال هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه :
﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَنْقَى
[الآيات: ١٧ - ٢١] .
فضلها:
تقدم حديث جابر في الصحيحين أن النبي وَ ل﴿ه قال لمعاذ: ((فهلاًّ صَلَّيتَ بـ:
﴿)، ﴿وَّلِ إِذَا يَغْشَى
﴿)، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا
﴿سَبِّحِ أُسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى
٦٥٣
الْجُ (٣٠) - الليَلِكَ: ٩٢ /١-١١
اختلاف مسعى الناس
١
إِنَّ سَعْيَكُمْ
وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَّىِ ﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَ لَ
﴿ وَأَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (
فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى
٦
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى
۵
) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى (®
لَشَنَّی
وَأَمَّا مَرْ
٧
وَكَذَّبَ بِالْمُسْنَى
٨
◌َخِلَ وَأَسْتَغْنَى
فَسَنُيَسِرُوُ لِلْعُسْرَى
4
وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ، إِذَا
تَرَدََّ
الإعراب:
في الموضعين: لمجرد الظرفية، والعامل
﴿ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿إِذَا تَجَلَى﴾ ﴿إِذَا﴾
فيها فعل القسم.
(ما) : فيها ثلاثة أوجه كما في السورة
{وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَّ (َا﴾
السابقة.
﴿وَمَا بَنَهَا﴾ إما أن تكون مصدرية، أو بمعنى الذي وهو الأولى، أو
بمعنى (مَنْ). ويجوز الجر في الذكر والأنثى على البدل من (ما).
إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَقَّ (3)
جواب القسم.
﴿وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ﴾ (ما): نافية.
البلاغة:
﴿ وَأَلَّيْلِ﴾ و﴿وَاُلْنَّهَارِ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنثَّ﴾ وبين
(اليسرى، والعسرى) وبين ﴿وَصَدَقَ﴾ و﴿ وَكَذَبَ﴾.
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى
و﴿ وَأَمَّا
فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَ
٥
لِلْعُسْرَى
فسنيسره
مَنْ بَحِلَ وَأَسْتَغْنَى ﴿ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى
بينهما مقابلة،
١٠
والمقابلة والطباق من المحسنات البديعية.
٦٥٤
الُزُ (٣٠) - الليَلِكَ: ٩٢ / ١-١١
﴾ بينهما جناس اشتقاق.
٧
{فَسَنُيَسُِّ لِلْيُسْرَى
حذف المفعول لإفادة التعميم وإطالة التأمل.
﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى اللَّ﴾
المفردات اللغوية:
﴿يَغْشَى﴾ يغطي كل شيء بظلامه. ﴿تَجَّ﴾ ظهر وانكشف. ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ
وَالْأُنثََّ ﴿3﴾ أي والقادر الذي خلق آدم وحواء وكل ذكر وأنثى في الإنسان
والحيوان والنبات. ﴿َسَعْيَكُمْ﴾ عملكم أو مسعاكم. ﴿لَشَتَّى﴾ مختلف متفرق،
جمع شتيت: وهو المتباعد عن غيره. واختلاف المنهج والمسعى إما بالعمل
للجنة بالطاعة، أو للنار بالمعصية.
﴿أَعْطَى﴾ بذل المال. ﴿ وَأَنَّقَى﴾ التزم الأوامر وفعل الخير، واجتنب النواهي
(٤) بالكلمة أو الخصلة الحسنى - صفة تأنيث
والشر. ﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى
الأحسن، وهي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، والجنة والثواب، وكل فضيلة.
﴿فَسَنْيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى (٣)﴾ نهيئه للحالة التي هي أيسر عليه وأهون والتي تؤدي
إلى الخير، وذلك في الدنيا والآخرة، كدخول الجنة.
﴿يَخِلَ﴾ أمسك المال وشحّ به ولم يؤد حق الله فيه. ﴿وَأُسْتَغْنَى﴾ عن ربه عز
نهيئه للحالة السيئة في الدنيا
١٠
وجل وعن الثواب. ﴿فَسَنْيَسِرُ لِلْمُسْرَى
والآخرة التي لا تنتج إلا شراً. ﴿وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ﴾ لا يفيده ماله وغناه. ﴿إِذَا
تَرَدَّ﴾ هوى وسقط في النار أو في القبر.
سبب النزول:
نزول الآية (٥):
﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾: أخرج ابن جرير والحاكم عن عامر بن عبد الله بن الزبير
قال: كان أبو بكر رضي الله عنه يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز
٦٥٥
الُ (٣٠) - الليَالَ: ٩٢ / ١-١١
ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه (أبو قحافة): أي بني! أراك تعتق أناساً
ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالاً جلداء، يقومون معك، ويمنعونك، ويدفعون
عنك، فقال: أي أبتِ، إنما أريد ما عند الله، فنزلت هذه الآيات فيه: ﴿فَأَمَّا
مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى جَ﴾ إلى آخر السورة.
نزول الآية (٨):
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾: قال ابن عباس: نزلت في أمية بن خَلَف.
التفسير والبيان:
وَلَّهَارِ إِذَا تَجَلَىِ ﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَّ [®َ﴾ أي
﴿ وَأَّلِ إِذَا يَغْشَى
أقسم بالليل حين يغطي بظلامه كل ما كان مضيئاً، وبالنهار متى ظهر
وانكشف ووضح، لزوال ظلمة الليل، والقادر العظيم الذي خلق الذكر
والأنثى من جميع الأجناس، من الناس وغيرهم، كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَكُمْ
أَزْوَجًا (®َ﴾ [النبأ: ٨/٧٨].
ولم يذكر مفعول ﴿يَغْشَى﴾ للعلم به، وقيل: يغشى النهار، أو الخلائق أو
الأرض أو كل شيء بظلمته.
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ®﴾ هذا هو المحلوف عليه جواب القسم، أي إن أعمال
العباد مختلفة متباعدة، فمن فاعل خيراً، ومن فاعل شراً، وبعض الأعمال
ضلال وبعضها هدى، وبعضها يوجب الجنة، وبعضها يوجب النار.
ويقرب من هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ
كَانَ
﴿أَفَمَن
[الحشر: ٢٠/٥٩] وقوله :
أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآِزُونَ
﴿أَمْ
[السجدة: ١٨/٣٢] وقوله:
مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقَاً لَّا يَسْتَوُنَ
حَسِبَ الَّذِينَ أُجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَن ◌َّجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءَ
﴾ [الجاثية: ٢١/٤٥] .
◌َّحْيَهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ سَآءَ مَا يَحْتُمُونَ
٦٥٦
المُعُ (٣٠) - الليل: ٩٢ /١-١١
ثم فصل أحوال الناس وقسمهم فريقين، فقال:
ج فَسَيَسِّرُهُ لِلْمُسْرَى
﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى: ﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى
أی فأما
V
من بذل ماله في وجوه الخير، واتقى محارم الله التي نهى عنها، وصدق بموعود
الله الذي وعده عوضاً عن الإيمان والنفقة الخيرية، فإنا نسهل عليه كل ما
كلِّف به من الأفعال والتروك، ونهيئه للخطة السهلة التي تؤدي به إلى الخير،
ونيسر له الإنفاق في سبيل الخير والعمل بطاعة الله.
فَسَنُيَسِرُ لِلْعُسْرَى
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى
٨
﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى
وَمَا يُغْنِى
١٠
أي وأما من بخل بماله، فلم يبذله في سبل الخير،
عَنْهُ مَالُهُوَ إِذَا تَرَّكَ
واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، وزهد في الأجر والثواب وفضل
الله، وكذَّب بالجزاء في الدار الآخرة، فسنهيئه للخصلة العسرى والطريقة
الصعبة التي لا تنتج إلا شراً، حتى تتعسر عليه أسباب الخير والصلاح،
ويضعف عن فعلها، حتى يصل إلى النار، ولا يغني عنه شيئاً ماله الذي بخل
به، إذا سقط في جهنم. ويلاحظ أن التيسير والبشارة في الأصل على الشيء
المفرح والسّار، لكن إذا جمع في الكلام بين خير وشر، جاء التيسير والبشارة
فيهما جميعاً.
أخرج البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا مع
رسول الله ◌َ في بقيع الغَرْقَد في جنازة، فقال: ((ما منكم من أحد إلا وقد
كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل؟
وَصَدَّقَ
فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له))/ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَانْقَى (الجَ)
وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ وَأَسْتَغْنَى: ﴿ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى
فَسَيَسِّرُهُ لِلْمُسْرَى
بِالْحُسْنَ
روزسوء
فسنَاسِّرَهُ
﴾. وهناك أحاديث كثيرة في هذا المعنى (١).
لِلْعُسْرَى
(١) انظر تفسير ابن كثير: ٥١٨/٤-٥١٩
٦٥٧
اِلُحُ (٣٠) - الليل: ٩٢ / ١-١١
فقه الحياة أو الأحكام:
أقسم الله عز وجل بالليل حينما يغطّي كل شيء بظلامه، وبالنهار إذا
انكشف ووضح وظهر، وبالذي خلق الذكر والأنثى؛ فيكون قد أقسم بنفسه
عز وجل، على أن عمل الناس مختلف في الجزاء، فبعضهم مؤمن وبر، وكافر
وفاجر، ومطيع وعاص، وبعضهم في هدى أو في ضلال، وبعضهم ساع في
فكاك نفسه من النار، وبعضهم بائع نفسه فموبقها في المعاصي، كما ذكر
الثعلبي من قوله ◌َّله: ((الناس غاديان: فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها)).
ثم أوضح سبحانه معنى اختلاف الأعمال المذكور من العاقبة المحمودة
والمذمومة، والثواب والعقاب، وذكر فريقين:
الأول - من بذل ماله في سبيل الله، وأعطى حق الله عليه، واتقى المحارم
والمنكرات، وصدَّق بوعد الله بالعوض على عطائه، فالله يهيئ له الطريق
اليسرى السهلة للوصول إلى غايته، ويرشده لأسباب الخير والصلاح، حتى
يسهل عليه فعلها. جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
وَ الى: ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ومَلَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم
أعط منفقاً خَلَفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تَلَفاً)).
والثاني - من ضنَّ بما عنده، فلم يبذل خيراً، وكذلك بتعويض الله، فالله
يسهل طريقه للشر، ويعشر عليه أسباب الخير والصلاح، حتى يصعب عليه
فعلها.
قال العلماء: ثبت بهذه الآية: ﴿وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا
رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣/٢] وقوله: ﴿اُلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَّيْلِ
وَالتَّهَارِ سِرًّا وَعَلَنِيَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٤/٢] إلى غير ذلك من الآيات أن الجود
من مكارم الأخلاق، والبخل من أرذلها، والجواد: هو الذي يعطي في موضع
العطاء، والبخيل: هو الذي يمنع في موضع العطاء، فكل من استفاد بما
٦٥٨
لُعُ (٣٠) - الليل: ٩٢ / ١٢-٢١
يعطي أجراً وحمداً، فهو الجواد، وكل من استحق ذماً أو عقاباً، فهو
البخيل، والمسرف المذموم، وهو من المبذِّرين الذين جعلهم الله إخوان
الشياطين، وأوجب الحَجْر عليهم(١).
ولا يفيد هذا البخيل ماله إذا مات أو صار في القبر أو سقط في جهنم.
قد أعذر من أنذر
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَمْهُدَى
.لَا
فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى
١٣
وَإِنَّ لَنَا لَلَخِرَةَ وَالْأُولَ
١٥
يَصْلَنَهَا إِلَّا الْأَشْقَى
اُلَّذِى
وَسَيُجَنَبُهَا الْأَنْفَى (9)
١٦
اُلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَى
يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزَّكَّى ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْرٌَ ﴿ إِلَّ أَبِْغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَ
وَلَسَوْفَ يَرْضَى
٢٠
الإعراب:
(يَتَزََّى﴾ بدل من ﴿يُؤْتِى﴾ أو حال من فاعله.
﴿إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ اٌلْأَعْلَى (®َ﴾ ﴿أَبْنِغَاءَ﴾ منصوب لأنه استثناء منقطع،
وهو قول أكثر النحويين؛ لأن الابتغاء ليس من جنس النعمة، أي لكن
ابتغاء.
البلاغة:
﴿اَلْأَشْقَى﴾ و﴿ اٌلْأَنْقَى﴾ بينهما طباق.
(1) سجع رصين غير
جِ﴾ ﴿وَسَيُجَتَّبُهَا الْأَنْقَى
﴿لَا يَصْلَنَهَا إِلَّا الْأَشْقَى
متكلف.
(١) تفسير القرطبي: ٨٤/٢٠-٨٥
٠
٦٥٩
لُعُ (٣٠) - الليل: ٩٢ / ١٢-٢١
المفردات اللغوية:
علينا الإرشاد إلى الحق، بموجب قضائنا، أو
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى
بمقتضى حكمتنا.﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأَوْلَى (®)﴾ أي لله الآخرة والدنيا، نعطي
ما نشاء لمن نشاء، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ، ولا يضرنا ترك
الاهتداء.﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾ خوفتكم.﴿تَلَّى﴾ تتلظى أي تتوقد وتتلهب . ﴿لَا
يَصْلَنَهَا﴾ لا يدخلها ولا يحترق بها إلى الأبد. ﴿ إِلَّا الْأَشْفَى﴾ الشقي الكافر
كأبي جهل وأمية بن خلف، أما الفاسق وإن دخلها فلا يلزمها.
﴿كَذَّبَ﴾ كذب النبي فيما جاء به. ﴿وَتَوَى﴾ أعرض عن الإيمان والطاعة
لربه.﴿وَسَيُجَنَبُهَا﴾ يبعد عنها. ﴿الْأَنْقَى﴾ التقي الذي اتقى الكفر والمعاصي.
﴿يَتَزَّلَى﴾ يتطهر بأن يخرجه لله تعالى، لا رياء ولا سمعة، فيكون زاكياً عند
الله. ﴿تَجْزَ﴾ تكافأ وتجازى. ﴿إِلَّا﴾ لكن فعل ذلك. ﴿آبِغَاءَ وَجْدِ رَبِهِ الْأَعْلَ﴾
أي طلب ثواب الله. ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾﴾ بما يعطاه من الثواب في الجنة ..
والآية تشمل كل من فعل مثل هذا، فيبعد عن النار ويثاب.
سبب النزول:
نزول الآية (١٧):
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن عروة: أن أبا بكر الصديق أعتق
سبعة، كلهم يعذب في الله، وفيه نزلت: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَنْقَى
® إلى آخر
١٧
السورة.
نزول الآية (١٩):
﴿وَمَا لِأَحَدٍ﴾ : روى عطاء عن ابن عباس قال: إن بلالاً لما أسلم، ذهب
إلى الأصنام فسلح عليها، وكان عبداً لعبد الله بن جُدْعان، فشكا إليه
المشركون ما فعل، فوهبه لهم، ومئة من الإبل ينحرونها لآلهتهم، فأخذوه
٦٦٠
المُ (٣٠) - الليَلاَ: ٩٢ / ١٢-٢١
وجعلوا يعذبونه في الرمضاء، وهو يقول: أحَدٌ أحَدٌ، فمرَّ به رسول الله وَلِّل
فقال: ينجيك أحدٌ أحدٌ. ثم أخبر رسول الله وَير أبا بكر: أن بلالاً يعذّب في
الله، فحمل أبو بكر رطلاً من ذهب، فابتاعه به.
فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك إلا ليد كانت لبلال عنده، فأنزل الله
تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نَّعْمَةٍ تُجْزَ ﴿ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِهِ الْأَعْلَ (
﴾(١).
٢٠
وأخرج البزار عن ابن الزبير قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن
إلى آخرها، في أبي بكر الصديق.
نِعْمَةٍ تُجْزَىٌ
المناسبة:
بعد أن عرّف الله تعالى أن سعي الناس شتى في العواقب، وبيّن ما
للمحسن من اليسرى، وما للمسيء من العسرى، أخبر أنه قد قام بما عليه
من البيان والدلالة، والترغيب والترهيب، والإرشاد والهداية، وأعلم أنه
مالك الدنيا والآخرة، ولا يزيد في ملكه اهتداء الناس، ولا يضره ترك
اهتدائهم بهداه، ويعطي ما يشاء لمن يشاء، فتطلب سعادة الدارين منه.
ثم أنذر الناس جميعاً بعذاب النار، وأبان من يصلاها ويحترق بها، ومن
يبعد عنها ويسلم من عذابها، وقد أعذر من أنذر.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لِلْهُدَى ﴾ أي علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال،
والحلال من الحرام، والحق من الباطل، والخير من الشر، من طريق الأنبياء
وإنزال الكتب التي فيها تشريع الأحكام، وتبيان العقائد والعبادات
والأخلاق وأنظمة المعاملات.
(١) أسباب النزول للنيسابوري: ص ٢٥٥ وما بعدها.