Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
اِلُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ /١-١٤
فضلها:
روی النسائي عن جابر قال: صلى معاذ صلاة، فجاء رجل، فصلی معه،
فطوّل، فصلّ في ناحية المسجد، ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذاً، فقال: منافق،
فذكر ذلك لرسول الله ورسله، فسأل الفتى، فقال: يا رسول الله، جئت أصلي
معه، فطوّل علي، فانصرفت وصليت في ناحية المسجد، فعلفت ناقتي، فقال
رسول الله وَل﴾: ((أفتّان يا معاذ؟ أين أنت من: ﴿سَبِّحِ أُسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى
)﴾، ﴿ وَلَّلِ إِذَا يَغْشَى
﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا ﴾﴾، ﴿ وَاَلْفَجْرِ
حتمية عذاب الكفار وجزاء بعضهم في الدنيا
وَأَلَّلِ إِذَا يَسْرِ
وَالشَّفْعِ وَآلْوَثْرِ
وَلَيَالٍ عَشْرٍ
وَآلْفَجْرِ
هَلْ فِی
٤
ذَلِكَ قَسَمٌ لِِّىِ حِجْرٍ (®َ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ
إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ
٧
اَلَتِ لَمْ يُخْلَقِ مِثْلُهَا فِى الْبِلَدِ
وَفِرْعَوْنَ ذِى
٩
وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ
فَأَكْثَرُواْ فِيهَا اُلْفَسَادَ
الَّذِينَ طَغَوْاْ فِى أَلْبِلَدِ
آلْأُوْنَادِ
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ
١٣
رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادٍ
١٤
القراءات:
﴿ وَاُلْوَتْرِ﴾ :
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف (والوتر) وقرأ الباقون (والوَتر).
﴿يَسْرِ﴾:
قرأ نافع، وأبو عمرو: بإثبات الياء وصلاً، وقرأ ابن كثير بإثباتها وصلاً
ووقفاً.
وقرأ الباقون بالحذف مطلقاً.

٦٠٢
اِلُ (٣٠) - الفَجْزّ: ٨٩ / ١-١٤
الإعراب:
هذا قسم، وجوابه: إما قوله تعالى:
٢
وَلَيَالٍ عَشْرٍ
وَالْفَجْرِ
(٤) أو محذوف مقدر تقديره: لتبعثن. والأولى أن
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادٍ
يكون جواب القسم محذوفاً وهو ليعذبن، كما ذكر في الكشاف (٣٣٥/٣) أي
وربّ هذه الأشياء ليعذبن الكفار، وقد دلّ عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ
إلى قوله: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ
إِرَمَ﴾ ﴿إِرَمَ﴾: مجرور على البدل، أو
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ
عطف البيان، ولا يجوز أن يكون وصفاً أو نعتاً؛ لأنه ليس مشتقاً. و﴿ إِرَمَ﴾:
ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، ودليل التأنيث وصفها بقوله: ﴿ذَاتٍ
اَلْعِمَادِ﴾.
البلاغة:
﴾ استفهام تقريري، لتفخيم شأن الأمور
﴿أَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ
المقسم بها.
® بينهما طباق.
٣
﴿ وَالشَّفْعِ وَاُلْوَتْرِ
استعارة، شبّه العذاب الشديد
﴿فَصَبَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ
النازل بهم بالسوط المؤلم، واستعمل الصبّ للإنزال.
٤) وَأَلَيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) سجع رصين غير
﴿وَلَالٍ عَشْرٍ ﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَزِ لـ
وَفِرْعَوْنَ ذِى اُلْأَوْنَادِ
٩
متكلف، وكذا قوله: ﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ
الَّذِينَ طَغَوْاْ فِ اَلْبِلَدِ
المفردات اللغوية:
﴾ قسم بالوقت الذي ينبلج فيه نور الصبح كل يوم؛ لتبديد
وَالْفَجْرِ
٦

٦٠٣
الجُعُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ /١-١٤
حجب الظلام، وظهور النور وما يتبعه من الاستعداد والذهاب لقضاء
الحوائج وتحقيق المنافع وطلب الرزق، وهو مثل القسم في قوله تعالى:
١٣٤
﴿ وَالصَّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ
[التكوير: ١٨/٨١] وقوله:
١٨
﴿ وَلْضُّْحِ إِذَا نَنَفَسَ
[المدثر: ٧٤ / ٣٤].
﴿وَلَالٍ عَشْرٍ (٣) عشر ذي الحجة، وتنكيرها للتعظيم. ﴿ وَالشَّفْعِ﴾
الزوج. ﴿وَالْوَتَّرِ﴾ الفرد من تلك الليالي، والمراد: والأشياء كلها شفعها
ووترها، وكلمة (الوتر) : بفتح الواو وكسرها . ﴿يَسْرِ﴾ أي يسري بمعنى إذا
[المدثر: ٧٤ /٣٣] .
(٣٣)
يمضي، كقوله: ﴿وَلَتْلِ إِذْ أَدْبَرَ
﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِمْرٍ ﴾﴾ أي هل في ذلك القسم بهذه الأشياء
قسم مُقْنع لكل ذي عقل؟ كأنه يقول: إن هذا لقسم عظيم عند ذوي العقول،
فمن كان عاقلاً أدرك أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيها دلالة على
توحيده وقدرته. وجواب القسم محذوف، أي لتعذبن أيها الكفار. والْحِجْر:
العقل، سمي بذلك؛ لأنه يمنع من الوقوع فيما لا ينبغي.
﴿أَمَّ تَرَ﴾ ألم تعلم يا محمد . ﴿بِعَادٍ﴾ هي قبيلة عربية بائدة، من أولاد عاد
ابن عوص بن إرَم بن سام بن نوح عليه السلام، قوم هود عليه السلام، سموا
باسم أبيهم كما سمي بنو هاشم باسمه، وتلقب عاد بإرم أيضاً.
﴿إِرَمَ﴾ عطف بيان لعاد على تقدير مضاف، أي سبط إرم، و﴿إِرَمَ﴾:
هي عاد الأولى . ﴿ذَاتِ اٌلْعِمَادِ﴾ ذات البناء الرفيع، سكان الخيام العالية،
وهذا كناية عن الغنى والبسطة، وكانت منازلهم بالرمال في الأحقاف بلاد
الرمال بين عُمان وحضرموت جنوب جزيرة العرب . ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى
اَلْبِلَدِ﴾ في بطشهم وقوتهم.
﴿وَثَمُودَ﴾ قبيلة من العرب البائدة أيضاً من ولد كاتر بن إرم بن سام،
كانت تسكن بالْحِجْر بين الشام والحجاز، وهم قوم صالح عليه السلام . ﴿جَابُواْ

٦٠٤
الجُزءُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ /١-١٤
الصَّخْرَ﴾ قطعوا الصخر ونحتوه واتخذوه بيوتاً. ﴿بِلْوَادِ﴾ وادي القرى.
حاكم مصر في عهد موسى عليه السلام، صاحب
١٠)
وَفِرِعَوْنَ ذِى الْأوْنادِ
المباني العظيمة الثابتة ثبوت الأوتاد: جمع وتد، وهو ما يدق في الأرض.
﴿طَغَوْاْ﴾ تجبروا في البلاد وتجاوزوا الحد في الظلم، صفة للمذكورين:
بالقتل والتعذيب والمنكرات.
عاد وثمود وفرعون. ﴿فَأَكْثَرُواْ فِيَهَا الْفَسَادَ (َ.
﴿فَصَبَ﴾ أفرغ وألقى وأنزل بهم العقوبة متابعة. ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي نوع
عذاب ينزل بهم، وأصل السوط: الجلد الذي يضفر ليضرب به.
{ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ أي يرصد أعمال العباد فلا يفوته شيء منها، ليجازيهم عليها.
وأصل المرصاد: مكان الرَّصَد أو الراصد، والرَّصَد: من يرصُد الأمور، أي
يترقبها ليعرف ما فيها من خير أو ضرر، ويطلق أيضاً على الحارس، ويطلق
على الواحد والجمع والمؤنث، والترصُّد: الترقب.
التفسير والبيان:
وَلَيَالٍ عَشْرِ ﴾﴾ أي قسماً من الله بالفجر، أي الصبح
﴿ وَالْفَجْرِ
الذي يظهر فيه الضوء، وينبلج النور؛ لأنه وقت انفجار الظلمة عن الليل،
كل يوم، وما يترتب عليه من اليقظة والاستعداد لجلب المنافع وتحقيق المصالح
بالانتشار في الأرض وطلب الرزق من الإنسان والحيوان، كما في قوله
تعالى: ﴿ وَلْصُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ
﴾ [التكوير: ١٨/٨١]، وقوله:
وَالصَّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ
[المدثر: ٧٤/ ٣٤]. وقيل: المراد: القسم بصلاة الفجر.
وقسماً بالليالي العشر من ذي الحجة ذات الفضيلة؛ ثبت في صحيح
البخاري عن ابن عباس مرفوعاً: ((ما من أيام العمل الصالح أحبُّ إلى الله
فيهنّ من هذه الأيام - يعني عشر ذي الحجة - قالوا: ولا الجهادُ في سبيل الله؟
قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلاً خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من
ذلك بشيء)) .

٦٠٥
الُعُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ /١-١٤
﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) أي والزوج والفرد من كل الأشياء، ومنها هذه
الليالي، أي بما حوته من زوج وفرد.
وقيل: الشفع يوم النحر لأنه عاشر الأيام، والوتر يوم عرفة لأنه تاسع
الأيام، وقيل: الشفع: يوما التشريق الأول والثاني اللذان يجوز التعجل
فيهما بالنفر من منى، والوتر: اليوم الثالث.
﴿ وَلَّلِ إِذَا يَسْرِ (4) وقسماً بالليل إذا جاء وأقبل ثم ذهب وأدبر، كقوله
تعالى: ﴿وَأَلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ
[المدثر: ٣٣/٧٤]، وقوله: ﴿وَأَلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ
٣٣
﴾ [التكوير: ١٧/٨١] أي أقبل ظلامه، أو أدبر، فكما في إقبال الصبح من
عظيم النفع، في الظلام نفع أيضاً، حيث تهدأ النفوس، وتستريح من عناء
العمل، ثم في ذهابه نفع أيضاً حيث يستعان بالراحة التي ارتاحها الجسم
للعمل في النهار، ومجابهة المتاعب والأعمال.
﴿هَلْ فِ ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ ﴾﴾ أي أليس في القسم بهذه الأشياء قسم
مُقْنع لكل ذي عقل أو لبّ؟ والْحِجْر: العقل، فمن كان ذا عقل ولبّ، علم
أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق بأن يقسم به.
ثم ذكر الله تعالى بعض قصص الأمم السالفة للمثل والعبرة، فقال:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴿ أَلَتِ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى
اَلْبِلَدِ ﴾﴾ أي ألم تعلم أيها الإنسان المخاطب، كيف أهلك الله قبيلة عاد
الأولى، وهم ولد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، وتلقب
أيضاً بإرَم، فارم: اسم آخر لعاد الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ، أَهْلَكَ عَادًا
اُلْأُولَى (®َ﴾ [النجم: ٥٠/٥٣]، ويقال لمن بعدهم عاد الأخرى. ومساكنهم
الأحقاف بلاد الرمال بين عُمان وحضرموت، ونبيهم هود عليه السلام.
وقد كانوا أهل عَمَد وخيام عالية في الربيع، ثم يرجعون إلى منازلهم إذا

٦٠٦
الُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ /١-١٤
هاج النبت، وكانوا طوال القامة، ذوي أجسام قوية شديدة، وأشد الناس في
زمانهم خلقة، وأقواهم بطشاً، ولم يكن يوجد في البلاد كلها مدينة محكمة
البنيان ذات أعمدة طوال منحوتة كمدينتهم، والصواب لم يوجد مثل تلك
القبيلة في الطول والشدة والقوة كما قال تعالى: ﴿ وَأَذْكُرُوْاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ
مِنْ بَعْدٍ قَوْمِ نُوجِ وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْطَةً فَأَذْكُرُوْ ءَالَآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ
نُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩/٧]، وقال سبحانه: ﴿فَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبُواْ فِ الْأَرْضِ
بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ
[فصلت: ٤١ /١٥] .
قُوَّةً﴾
وجواب القسم المبدوء به في أول السورة محذوف تقديره: لتعذبن يا كفار
أهل مكة وأمثالكم، وقد دلّ على الجواب هذه الآية: ﴿أَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبِّكَ
بِعَادٍ (٦) وما بعدها.
وضمير ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ على الصواب عائد على القبيلة، أي لم يخلق مثل
عاد تلك القبيلة في البلاد، يعني في زمانهم، وليس على العماد لارتفاعها كما
قال ابن زيد؛ لأنه لو كان المراد ذلك لقال: التي لم يعمل مثلها في البلاد،
وإنما قال: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى الْبِلَدِ﴾(١).
﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِأَلْوَادِ ج) أي وقبيلة ثمود قوم صالح عليه
السلام الذين قطعوا الصخر ونحتوه، وبنوا بالأحجار بيوتاً يسكنون فيها،
وقصوراً وأبنية عظيمة، في الْحِجْر ما بين الشام والحجاز، أو وادي القرى،
كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ
[الشعراء:
٤٩
١٤٩/٢٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًاَ ءَمِنِينَ
١٨٣
[الحجر: ٨٢/١٥].
(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٠٧

٦٠٧
اِلُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ /١-١٤
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى اُلْأَوْنَادِ ﴾﴾ أي وحاكم مصر في عهد موسى عليه السلام،
الذي هو صاحب المباني العظيمة، ومنها الأهرام التي بناها الفراعنة لتكون
قبوراً لهم، وسخّروا في بنائها شعوبهم. وقيل: الأوتاد: الجنود والعساكر
والجموع والجيوش التي تشدّ ملكه.
والتعبير بالأوتاد عن الأبنية يشير إلى هياكلهم العظيمة التي لها شكل
الأوتاد المقلوبة، فهي عريضة القاعدة، ثم تصير رفيعة دقيقة في رأسها.
فَأَكْثَرُواْ فِيهَا اُلْفَسَادَ (4) أي هؤلاء الذين
﴿الَّذِينَ طَغَوْاْ فِى أَلْبِلَدِ (
سبق ذكرهم وهم عاد وثمود وفرعون الذين تجاوزوا في بلادهم الحدّ في الظلم
والجور، وتمردوا وعتوا، واغتروا بقوتهم، وأكثروا الفساد فيها بالكفر
والمعاصي وظلم العباد.
أي فأنزل الله تعالى على تلك
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (
الطوائف نوعاً من العذاب الشديد، مشبهاً ما أوقعه بهم بالسوط المؤلم الذي
يستعمل في تطبيق العقوبات. وقد ذكر نوع عقوباتهم تفصيلاً في سورة الحاقة
[الآيات: ٥-١٠] .
ثم ذكر الله تعالى سبب العذاب وهو الجريمة، فقال:
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادِ ﴾﴾ أي إن الله يرصد عمل كل إنسان، فلا يفوته
شيء، حتى يجازيه عليه بالخير خيراً، وبالشر شرّاً، ولا يهمل منه شيئاً قلّ أو
كثر، صغر أو كبر. والمرصاد: المكان الذي يرقب فيه الرصد.
والغرض من تكرار هذه القصص في مواضع مختلفة من القرآن الكريم هو
التذكير بها، والعظة والعبرة منها، إما بالاستدلال على قدرته تعالى، وإما
ببيان قهره العباد، وإما بإنذارهم وتخويفهم، ليدركوا أن ما جرى على شخص
أو قوم، يجري على النظير والمثيل.

ے
٦٠٨
الُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ /١-١٤
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اَ - حتمية عذاب الكفار، فقد أقسم الله تعالى بالفجر أي الصبح، أو
بصلاة الفجر، وبالليالي العشر من ذي الحجة، وبالشفع والوتر أي الزوج
والفرد من الأشياء كلها؛ لأن الموجودات لا تخلو من هذين القسمين، فتكون
(٢٩)﴾ [الحاقة: ٣٨/٦٩-٣٩]،
وَمَا لَ نُبُّصِرُونَ
كقوله: ﴿فَلَّ أُقِْمُ بِمَا نُصِرُونَ
﴾ [المدثر: ٣٣/٧٤]
٣٣
وبالليل إذا يسري أي يمضي كقوله: ﴿ وَلَِّلِ إِذْ أَذْبَرَ
والمراد عموم الليل كله، أقسم الله بهذه الأشياء على أنه ليعذبن الكفار.
وإقسام الله تعالى بهذه الأمور ينبئ عن شرفها، وأن فيها فوائد دينية
ودنيوية، مثل كونها دلائل باهرة على التوحيد، أو توجب الحثّ على
الشكر(١). قال القرطبي: قد يُقسِم الله تعالى بأسمائه وصفاته لعلمه، ويقسم
بأفعاله لقدرته؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَّ
[الليل: ٣/٩٢]
ويقسم بمفعولاته، لعجائب صنعه؛ كما قال: ﴿ وَالشَّمْسِ وَصُحَنَهَا
مس: ٥/٩١]، ﴿ وَمَاءِ وَالطَّارِقِ
[الشمس: ١/٩١]، ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا
[الطارق: ١/٨٦](٢).
أَ - أكّد الله تعالى ما أقسم به وأقسم عليه بقوله: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى
حِجْرٍ (6) أي بل في ذلك مَقْنع لذي لُبّ وعقل، فالمراد بالاستفهام تقرير أن
هذه المذكورات لشرفها وعظم شأنها يحق أن يؤكد بمثلها المقسم عليه، وهو
تعذیب الكفار، گَمَنْ ذکر حجة باهرة، ثم قال: هل فیما ذكرته حجة؟ یرید
أنه لا حجة فوق هذا. ومن هنا قال بعضهم: فيه دليل على أنه تعالى أراد ربّ
هذه الأشياء، ليكون غاية في القسم.
(١) تفسير الرازي: ١٦١/٣١
(٢) تفسير القرطبي: ٤١/٢٠

٦٠٩
اِخُُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ /١-١٤
٣ - ذكر الله تعالى للعبرة، ولتسلية النبي وقليل قصة ثلاث فرق على سبيل
الإجمال؛ لأنهم أعلام في القوة والشدة والتجبر، وهم عاد الأولى أو إرم ذات
الأبنية المرفوعة على العَمَد، ومعنى إرم: القديمة، والتي لم يخلق مثل تلك
القبيلة في زمنها في البلاد، قوة وشدة، وعظم أجساد، وطول قامة.
وثمود قوم صالح عليه السلام الذين قطعوا الصخر ونحتوه، وبنوا به
البيوت العظيمة بوادي القرى، قال المفسرون: أول من نحت الجبال والصور
والرخام: ثمود، فبنوا من المدائن ألفاً وسبع مئة مدينة كلها من الحجارة،
ومن الدور والمنازل ألفي ألف وسبع مئة ألف، كلها من الحجارة.
وفرعون حاكم مصر ذو الأوتاد أي صاحب الأبنية الشاهقة، أو الجنود
الكثيرة، أو الأوتاد الأربعة لتعذيب الناس.
٤ - هؤلاء الطوائف الثلاث: عاد وثمود وفرعون طغوا في البلاد، أي
تجاوزوا الحدّ في الظلم والعدوان، وتمرّدوا وعَتَوْا، فأكثروا فيها الفساد، أي
الجور والأذى، فعاقبهم الله عقاباً شديداً، وصبّ عليهم سوط عذاب، أي
أفرغ عليهم وألقى نوعاً من العذاب الشديد عليهم؛ لأن الجزاء من جنس
العمل.
وفيه إشارة إلى أن عذاب الدنيا بالنسبة إلى عذاب الآخرة كالسوط بالنسبة
إلى القتل مثلاً، ثم أشار إلى عذاب الآخرة أو إليه مع عذاب الدنيا بقوله:
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادِ (٣)﴾ أي يمهل ولكنه لا يهمل، ويرصد عمل كل إنسان
حتى يجازيه به.

٦١٠
لُ (٣٠) - الفَجْز: ٨٩ / ١٥-٢٠
توبيخ الإنسان على قلة اهتمامه بالآخرة
وفرط تماديه في الدنيا
وَأَمَّا إِذَا
١٥
﴿ فَمَّا أَلْإِنْسَنُ إِذَا مَا أَبْثَنْهُ رَبُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبَِّ أَكْرَمَنِ
١٧٦)
كَلَّ بَل لََّ تُكْرِمُونَ الْيِيمَ
١٦
مَا أَبْتَنَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنَنِ
١٩)
وَتَأْكُلُونَ الثُّرَاثَ أَكْلًا لَّمَّا
وَلَا تَُّونَ عَلَى طَعَامِ اٌلْمِسْكِينِ
٢٠
وَتُحِبُّونَ الْعَالَ حُبَّا جَمَّاً
القراءات:
﴿رَّ أَكْرَمَنِ﴾، ﴿رَبِّ أَهَنَنِ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (ربيَ أكرمن، ربيَ أهانن).
فَقَدَرَ﴾:
وقرأ ابن عامر (فقدَّر).
﴿ تُكْرِمُونَ﴾، ﴿ وَلَا تَحَضُونَ﴾، ﴿وَتَأْكُلُونَ﴾، ﴿وَتُحِبُّونَ﴾: قرئ:
١- (تكرمون، ولا تحضُون، وتأكلون، وتُحبون) وهي قراءة نافع، وابن
كثير، وابن عامر.
٢- (يُكرمون، ولا يُحُضُون، وتأكلون، ويُحبون) وهي قراءة أبي عمرو.
٣- (تُكرمون، ولا تحاضُون، وتأكلون، وتُحبون) وهي قرأ الباقين.
الإعراب:
﴿ فَمَّا الْإِنِسَنُ إِذَا مَا أَبْئَلَئُهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّتَ أَكْرَمَنِ
١٥)

٦١١
اِلُ (٣٠) - الفَجْز: ٨٩ / ١٥-٢٠
﴿اَلْإِنْسَنُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿فَيَقُولُ﴾ خبر المبتدأ، وأتى بالفاء لأن في (أما) معنى
الشرط بالإنعام. والظرف المتوسط: ﴿إِذَا مَا أَبْثَلَئُهُ﴾ في تقدير التأخير، كأنه
قيل: فأما الإنسان فقائل: ربي أكرمني وقت ابتلائه.
﴿وَلَا تَخَّضُونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾﴾ إما أن يكون ﴿طَعَامِ﴾
بمعنى إطعام، فيكون اسماً أقيم مقام المصدر، مثل: سلمت عليه سلاماً، أي
تسليماً، وكلمته كلاماً، أي تكليماً، وإقامة الاسم مقام المصدر كثير في كلام
العرب، وإما أن يكون التقدير فيه: ولا تحضون على إطعام طعام المسكين،
فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
البلاغة:
﴿فَمَّا أَلْإِنَنُ إِذَا مَا أَبْتَنْهُ رَبُُّ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ رَقَِّ أَكْرَمَنِ
وقوله: ﴿وَأَمَّ إِذَا مَا أَبْنَئُهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنِ
مقابلة، قابل بين ﴿أَكْرَمَنِ﴾ و﴿أَهَنَنِ﴾، وبين توسعة الرزق وتضييقه.
١٥
(١٦)® بينهما
(1) فيه التفات من ضمير الغائب إلى
﴿كَّ بَل لََّ تُكْرِمُونَ الْيَِّمَ
الخطاب زيادة في التوبيخ والعتاب. والأصل أن يقال: كلا بل لا يكرمون.
المفردات اللغوية:
١٤) ﴾ قال
﴿ فَمَّا أَلْإِنسَنُ﴾ متصل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ
البيضاوي: كأنه قيل: إنه لبالمرصاد في الآخرة، فلا يريد إلا السعي لها، فأما
الإنسان فلا يهمه إلا الدنيا ولذاتها. ﴿إِذَا مَا أَبْثَئُهُ رَبُّهُ﴾ اختبره بالغنى واليسر.
﴿فَكْرَمَنُ وَنَعَّمَهُ﴾ بالجاه والمال. ﴿فَيَقُولُ رََّ أَكْرَمَنِ﴾ فضّلني بما أعطاني،
وصيَّرني مكرماً، يتمتع بالنعيم.
﴿إِذَا مَا أَبْنَئُهُ﴾ بالفقر والتقتير ﴿فَقَّدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ ضيَّقه . ﴿أَهَنَنِ﴾ أذلني
وبادرني بالإهانة، وهذا لقصور نظره وسوء تفكيره، فإن التقتير قد يؤدي إلى
كرامة الدارين، والتوسعة قد تؤدي إلى الانهماك في حبّ الدنيا.

٦١٢
◌ِلُعُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ / ١٥-٢٠
كلمة للردع
كلّ ﴾
ولذلك ذمّه على قوليه السابقين وردعه بقوله:
والزجر، أي ليس الإكرام بالغنى، والإهانة بالفقر، وإنما هو بالطاعة
والمعصية، والكفار لا يتنبهون لذلك. ﴿لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ لا يحسنون
®) لا يحثون
إليهم مع غناهم . ﴿وَلَا تَحَّضُونَ عَلَى طَعَامِ اَلْمِسْكِينِ
أنفسهم أو غيرهم على إطعام المسكين. ﴿ وَتَأْكُلُونَ الثَُّاثَ﴾ الميراث.
﴿أَكْلًا لَّمَّا﴾ شديداً ذا لمّ، أي جمع بين الحلال والحرام، فإنهم لا
يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أنصباءهم. ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبَّا جَمًّا
حبّاً كثيراً.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى أنه بمرصد من أعمال بني آدم، يراقبهم ویجازيهم،
عقّبه بتوبيخ الإنسان على قلة اهتمامه بأمر الآخرة، وفرط تماديه في إصلاح
المعاش الدنيوي، كأنه قيل: إن الله يؤثر الآخرة ويرغّب فيها، وأما الإنسان
فلا يهمه إلا الدنيا ولذاتها وشهواتها، فإذا صار في راحة قال: ربي أكرمني
ورفعني، وإن فقد الراحة قال: ربي أهانني وأذلني.
وبعد بيان خطأ الإنسان في تصوره واعتقاده هذا، زجر الناس عن
تقصيرهم وارتكابهم المنكرات، ونبَّه لما هو شرّ من ذلك، وهو أنه يكرمهم
بكثرة المال، ثم لا يؤدون حق الله فيه، فلا يحسنون إلى اليتامى والمساكين،
ويتناهبون الميراث دون إعطاء النساء والصبيان حقوقهم، ويحرصون على جمع
المال حرصاً شديداً.
التفسير والبيان:
﴿ فَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْنَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَقَِّ أَكْرَمَنِ (3)﴾ أي
إن الإنسان مخطئ في تفكيره أنه إذا امتحنه ربّه واختبره بالنعم، فأكرمه بالمال،

٦١٣
اِخُرُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ / ١٥-٢٠
ووسع عليه الرزق، فيقول: ربي أكرمني وفضلني واصطفاني ورفعني وعافاني
من العقوبة، معتقداً أن ذلك هو الكرامة، فرحاً بما نال، وسروراً بما
أعطي، غير شاكر الله على ذلك، ولا مدرك أن ذلك امتحان له من ربّه.
والمراد بالإنسان الجنس، وليس الكافر فقط، ويوجد هذا في كثير من أهل
الإسلام(١).
والمقصود من الآية أن الله ينكر على الإنسان ويوبخه في اعتقاده أنه إذا وسع
الله عليه في الرزق ليختبره فيه، كان ذلك إكراماً من الله له، وليس كذلك،
بل هو ابتلاء وامتحان، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِذُّهُم بِهِ، مِن مَالٍ
[المؤمنون: ٢٣ /٥٥-٥٦] .
٥٦
◌ُشَارِعُ لَهُمْ فِ الْخَيْرَتِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ
وَبَنِينٌ
ونظيره أيضاً قوله تعالى في صفة الكفار: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ اُلْحَوَةِ الدُّنْيَا
[الروم: ٧/٣٠]، وقوله أيضاً: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
٧
وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ
يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُّ أَطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِئْنَةٌ أَنْقَلَبَ عَلَى
وَجْهِهِ،﴾ [الحج: ٢٢/ ١١].
والخلاصة: أن الغنى والثروة أو الجاه والسلطة ليس دليلاً على رضا الله
عن العبد؛ لأن ذلك لا قيمة له عند الله تعالى.
ثم ذكر الجانب الآخر وهو أن الفقر والتقتير ليس دليلاً على سخط الله على
العبد، فقال: ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا أَبْثَئُهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنَنِ (٨٢)﴾ أي
وأما إذا ما اختبره وامتحنه بالفقر والتقتير، وضيَّق عليه رزقه ولم يوسعه له،
فيقول: ربي أهانني وأذلني. وهذا خطأ أيضاً فلا يصح أن يعتقد أن ذلك إهانة
له وإذلال لنفسه.
(١) البحر المحيط: ٤٧٠/٨

٦١٤
الفَجْزِ: ٨٩ / ١٥ - ٢٠
الدُعُ (٣٠) -
فالإنسان مخطئ في الحالين؛ لأن سعة الرزق لا تدل على أحقية العبد لها،
بدليل ما نشاهده من غنى الكفار وثروة الفساق والعصاة.
وضيق الرزق ليس دليلاً على عدم الاستحقاق، بدليل ما نراه من فقر
بعض الأنبياء وأكابر المؤمنين والصلحاء والعلماء.
والكرامة عند الله للطائع الموفق لعمل الآخرة، والإهانة والخذلان عند الله
للعاصي غير الموفق للطاعة وعمل أهل الجنة، وليست سعة الدنيا كرامة
ورفعة، ولا ضيقها إهانة ومذلة، وإنما الغنى اختبار للغني هل يشكر، والفقر
اختبار له هل يصبر(١).
ونظراً للخطأ في الحالين ردع الله الإنسان بقوله:
وَلَا تَحَُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ
كَلَّ بَل لَّا تُكْرِمُونَ اُلْتِيمَ
١٨
: أي ردع وزجر للإنسان القائل في الحالتين السابقتين ما قال، فليس
الأمر كما زعم، فإن الله تعالى يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق
على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من
الحالين، فإذا كان غنياً، شكر الله على نعمته، وإذا كان فقيراً صبر.
وبعد أن ذمّهم على قبح الأقوال، ذمّهم على قبح الأفعال الذي هو شرّ من
سابقه، وهو أنه يكرمهم بكثرة المال، ثم لا يؤدون حق الله فيه، فأنتم أيها
الأغنياء الموسرون لا تكرمون اليتيم ولا تحسنون إليه، ولا تحضون أنفسكم
أو غيركم على إطعام المساكين، ولا يحث بعضكم بعضاً على صلة الفقراء،
ولا يأمر بعضكم بعضاً بالإحسان إلى المحتاجين.
وفي قوله: ﴿كَلَّ بَل لَّا تُكْرِمُونَ أَلْيَقِيمَ (٣)﴾ أمر بإكرام الأيتام، كما جاء
(١) فتح القدير للشوكاني.

٦١٥
الُ (٣٠) - الفَجْز: ٨٩ / ١٥-٢٠
في الحديث الذي رواه عبد الله بن المبارك عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ: ((خير
بيت في المسلمين بيت فيه يتيم، يُحسَن إليه، وشرّ بيت في المسلمين بيت فيه
يتيم يُساء إليه، ثم قال بأصبعيه: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا)). وروى أبو
داود عن سهل بن سعد أن رسول الله وَليل قال: ((أنا وكافل اليتيم كهاتين في
الجنة)) وقرن بين أصبعيه: الوسطى والتي تلي الإبهام. قال مقاتل: كان قدامة
بن مظعون يتيماً في حِجْر أمية بن خلف، وكان يدفعه عن حقه، فنزلت.
فترك إكرام اليتيم: ترك برّه، ودفعه عن حقه الثابت له في الميراث، وأخذ
ماله منه.
وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبَّا جَمَّا (٥َ﴾ أي
﴿ وَتَأْكُلُونَ الثَُّاثَ أَكْلًا لَّمَّا (3)
وإنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً، وجمعاً من أي جهة حصل، من حلال أو
حرام.
وتحبون المال حبّاً كثيراً فاحشاً، والجمّ: الكثير، قال بعضهم:
إن تغفر اللهمّ تغفر جما وأيُّ عبدلك لا ألّا
والخلاصة: أنكم تؤثرون الدنيا على الآخرة، والله يحب السعي للآخرة،
وترك الإفراط والمغالاة والتمادي في حبّ الدنيا وملذاتها.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - يخطئ الإنسان في فهم حال الغنى والفقر، فليس الغنى وبسط الرزق
دليلاً على الإكرام والتفضيل والاصطفاء، كما أن الفقر ليس دليلاً على
الإهانة والإذلال.
فالكرامة عند الله والهوان ليس بكثرة الحظ في الدنيا وقلته، وإنما الكرامة
٠٠٠

٦١٦
الجزءُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ / ١٥-٢٠
عنده أن يكرم الله العبد بطاعته وتوفيقه، المؤدي إلى حظ الآخرة، وإن وسَّع
عليه في الدنيا حمده وشكره.
والله لا يريد من عبده إلا الطاعة والسعي للعاقبة الآخرة، وأما الإنسان
فلا يريد ذلك، ولا يهمه إلا الدنيا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها.
اً - أكّد تعالى المعنى السابق بكلمة
للرد على سوء فهم الإنسان،
كلّاء
وزجراً وردعاً له عن اعتقاده وتصوره السابق، فليس الأمر كما يُظَرُّ، بأن
الغنى لفضله، والفقر لهوانه، وإنما الغنى والفقر من تقدير الله وقضائه، وعلى
العبد أن يحمد الله عزّ وجلّ على الفقر والغنى. جاء في الحديث: ((يقول الله عزّ
وجلّ: كلا، إني لا أكرم من أكرمت بكثرة الدنيا، ولا أهين من أهنت
بقلتها، إنما أكرم من أكرمت بطاعتي، وأهين من أهنت بمعصيتي)»(١).
◌َّ - أخبر الله تعالى عما كان الناس يصنعونه من ترك بِرّ اليتيم ومنعه من
الميراث، وأكل ماله إسرافاً وبداراً أن يكبروا، وأنهم لا يأمرون أهليهم
بإطعام مسكين يجيئهم، وأكلهم ميراث اليتامى والنساء والصبيان أكلاً شديداً
وجمعاً شاملاً، ومحبتهم المال حبّاً جماً، كثيراً، فقد كان أهل الشرك لا يورّثون
النساء ولا الصبيان، بل يأكلون ميراثهم مع ميراثهم، وتُراثهم مع تُراثهم،
وكانوا يجمعون المال دون تفرقة بين الحلال والحرام.
وهذا ما يشيع الآن كثيراً في العالم، بل بين المسلمين أنفسهم.
(١) تفسير القرطبي: ٥٢/٢٠

٦١٧
الجُزُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ /٢١ -٣٠
حال الإنسان الحريص على الدنيا
والمترفع عنها يوم القيامة
وَجَآءَ رَبُّكَ وَاُلْمَلَكُ صَفَّا صَفَّا
كَلَّ إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ عَ دَ ◌َ
٢٢
يَقُولُ
وَجِْىَّ يَوْمَيِذٍ بِجَهَنَّمْ يَوْمَئِذٍ يَنَذَكَرُ اُلْإِنْسَنُ وَأَى لَهُ الذِّكْرَى
فَيَوَمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابُهُ: أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ: أَحَدٌ
يَلَيْتَنِ قَدَّمْتُ لِحَاتِ وَ
فَادْخُلِ فِى
أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً تَهِيَّةُ ◌َّ
يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ
٣٦
٣٠
وَأَدْخُلِى جَنَِّى
عِبَدِى
القراءات:
﴿وَجِْىَّءَ﴾ :
بإشمام كسرة الجيم الضم قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.
﴿لَّا يُعَذِّبُ﴾، ﴿ وَلَا يُوثِقُ﴾ :
وقرأ الكسائي (لا يعذَّب، ولا يوثَق).
الإعراب:
﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ ذَكّ ◌َكَا﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ قوله تعالى: ﴿فَؤْمِذٍ لَّا يُعَذِّبُ
عَذَابَهُ﴾. و﴿ذَكَّا دَكًا﴾: منصوب على المصدر المؤكد، وكرر للتأكيد.
﴿صَفَّا صَفًّا﴾ منصوب على المصدر، في موضع الحال، أي مصطفين أو
ذوي صفوف كثيرة.
﴿وَجَِّْ يَوْمَيِلِمٍ بِجَهَنَّمْ يَوْمَئِذٍ يَنَذَكَّرُ اُلْإِنسَنُ﴾ ﴿يَجَهَنَّمَ﴾: في موضع
رفع نائب فاعل. و ﴿يَوْمَيِذٍ﴾ الأول: ظرف متعلق بـ ﴿وَجِأْىّءَ﴾، و﴿ يَوْمَيِدٍ﴾
الثاني: إما بدل من ﴿يَوْمَيِذٍ﴾ الأول، أو يتعلق بـ ﴿يَنَذَكَّرُ﴾.

٦١٨
الُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ / ٢١-٣٠
﴿لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ: أَحَدٌ، وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ: أَحَدٌ (®)) قرئ (يُعَذّب)
و(يُوثَق) بكسر الذال وفتحها، وبكسر الثاء وفتحها، فمن قرأ بكسر الذال
والثاء، كان تقديره: لا يعذِّب أحدٌ أحداً عذاباً مثل عذابه، ولا يوثق أحدٌ
أحداً وثاقاً مثل وثاقه، والهاء تعود على الله تعالى، وإن لم يذكر، لدلالة
الحال عليه. و ﴿عَذَابَهُ﴾ و ﴿وَتَاقَهُ﴾: منصوبان على المصدر، والمصدر
مضاف إلى الفاعل، و ﴿أَحَدٌ﴾ فاعل مرفوع.
ومن قرأ بفتحهما كان تقديره: لا يعذّب أحد مثل عذابه، ولا يوثق أحد
مثل وثاقه، والهاء تعود على الإنسان، لتقدم ذكره، والمصدر مضاف إلى
المفعول، و﴿أَحَدٌ﴾: نائب فاعل.
﴿رَضِيَةً قَرْضِيَّةً﴾ حالان.
البلاغة:
﴿يَذَكَّرُ﴾ و﴿الذِّكْرَى﴾ بينهما جناس اشتقاق، وكذا بين ﴿لَّا يُعَذِّبُ
عَذَابَهٌُ﴾ وبين ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَّهُ﴾.
﴿فَأَدْخُلِ فِ عِبَدِى
،
(*) الإضافة إلى الله للتشريف.
المفردات اللغوية:
كَلَّ﴾ ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم: وهو التقصير في أداء الحقوق.
﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ ذَكَّ دَا﴾ زلزلت حتى يتهدم كل بناء عليها وينعدم، دكّاً
بعد دكّ حتى صارت الجبال والتلال هباءً منبثاً، وأرضاً مستوية. والدّكّ:
الهدم والتسوية للشيء المرتفع، قال المبرد: الدق: حظّ المرتفع بالبسط، واندك
سنام البعير: إذا انفرش في ظهره، ومنه الدكان لاستوائه في الانفراش.
وجواب ﴿إِذَا﴾ هو قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ﴾.

٦١٩
الُرُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ /٢١-٣٠
﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ أمر ربّك، وظهرت آيات قدرته وآثار قهره. ﴿وَاُلْمَلَكُ﴾
الملائكة.﴿صَفَّا صَفًّا﴾ مصطفين أو ذوي صفوف كثيرة بحسب منازلهم
ومراتبهم . ﴿وَجِأْىّءَ يَوْمَيِلِمٍ بِجَهَنَّمٌ﴾ كشفت للناظرين بعد الغيبة، مثل قوله
[النازعات: ٣٦/٧٩]. ﴿يَنَذَكَّرُ
تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى
اُلْإِنِسَنُ﴾ يتذكر معاصيه، أو يتعظ؛ لأنه يعلم قبحها، فيندم عليها. ﴿وَأَنََّ لَهُ
الذِّكْرَى﴾ أي ومن أين له فائدة التذكر، وقد فات الأوان؟ وهو استفهام
بمعنى النفي، أي لا ينفعه تذكره ذلك، واستدل به على عدم قبول التوبة في
﴾ أي يقول مع تذكره: يا ليتني قدمت
٢٤
الآخرة .﴿ يَقُولُ يَلَيْتَنِ قَدَّمْتُ لِيَاتِ
لحياتي هذه الخيرَ والإيمان، أو وقت حياتي في الدنيا، و(يا ): للتنبيه.
أي لا يتولى
وَلَا يُؤْثِقُ وَثَقَّهُ: أَحَدٌ ()
٢٥
﴿فَوَمَيِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابُ، أَحَدٌ
أحد عذاب الله ووثاقه يوم القيامة سواه، إذ الأمر كله له، ولا يعذِّب أحد
مثل تعذيبه، ولا يوثق مثل إيثاقه، والوثاق: الشدّ والربط بالسلاسل
والأغلال. وضمير ﴿عَذَابَهٌُ﴾ و﴿وَثَاقَهُ﴾ للكافر.
{يَأَيَُّهَا النَّفْسُ﴾ أي يقال لها عند الموت ما يأتي. ﴿اَلْمُطْمَيِنَّةُ﴾ المستقرة
الثابتة المتيقنة بالحق، الآمنة، وهي المؤمنة التي اطمأنت بذكر الله. ﴿أُرْجِعِىّ إِلَى
رَبِّكِ﴾ ارجعي إلى ثوابه وتكريمه، وأمره وإرادته. ﴿رَاضِيَةً﴾ بالثواب. ﴿مَرْضِيَّةً﴾
٢٩) » في جملة،
عند الله بعملك، أي جامعة بين الوصفین .﴿فَادْخُلِ فِی عِبَدِی
معهم.
٣٠) @
أو في زمرة عبادي الصالحين المقرَّبين المكرَّمين. ﴿ وَادْخُلِ جَِّى
سبب النزول:
نزول الآية (٢٧):
٢٧
: أخرج ابن أبي حاتم عن بريدة في قوله:
(يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ
(1) قال: نزلت في حمزة.
يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ

٦٢٠
الُعُ (٣٠) - الفَجْزِ: ٨٩ /٢١-٣٠
وأخرج أيضاً عن ابن عباس: أن النبي وَلّ قال: من يشتري بئر رُومة،
يستعذب بها، غفر الله له، فاشتراها عثمان، فقال: هل لك أن تجعلها سقاية
للناس؟ قال: نعم، فأنزل الله في عثمان: ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ
٢٧
المناسبة:
بعد أن أنكر الله على الناس تصورهم عن الغنى والفقر، وأفعالهم المنكرة،
بالحرص على الدنيا، وإيثارها على الآخرة، وترك المواساة منها، وجمعها دون
تفرقة بين حلال أو حرام، ردعهم عن ذلك، وأخبر عما يقع يوم القيامة من
الأهوال العظيمة، وأبان أنهم يندمون حين لا ينفع الندم: ﴿يَلَمْتَنِ قَدَّمْتُ
◌ِحَيَاتِ﴾ فإن الآخرة دار جزاء لا دار عمل، ثم ذكر تحسر المقصر في طاعة الله
يوم القيامة: ﴿يَوْمَيِذٍ يَنَذَكَّرُ الْإِنِسَنُ وَأَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾.
وبعد بيان حال هذا الإنسان الحريص على الدنيا، ذكر الله تعالى حال
المؤمن المخلص المترفع عنها، المتسامي بطبعه إلى مراتب الكمال، فيكون
جزاؤه دخول الجنان في زمرة الصالحين المقربين من عباد الله تعالى.
التفسير والبيان:
أي زجراً وردعاً لأقوالكم
﴿كَلَِّّ إِذَا ذُكَّتِ الْأَرْضُ كَ ◌َ ◌َ
وأفعالكم هذه، ولا ينبغي أن يكون هكذا عملكم في الحرص على الدنيا،
وترك المواساة منها، وجمع الأموال فيها من حيث تتهيأ، دون تفرقة بين
حلال وحرام، وتوهم ألا حساب ولا جزاء.
وسيأتي يوم القيامة وما يقع فيه من الأهوال الرهيبة، وتظهر فيه أوصاف
ثلاثة، فتدّ الأرض دكّاً بعد دّ، أي تكسر وتدق، وتتزلزل وتتحرك تحركاً
بعد تحريك، وتهدّ جبالها حتى تستوي مع سطح الأرض، فتسوَّى الأرض
والجبال، ويقوم الناس من قبورهم. وقوله: ﴿ذَكَّا ذَكًا﴾ يدل على تكرار الدكّ
حتى صارت الجبال هباءً منبثاً.
٠