Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ الزُعُ (٣٠) - الآنشققا: ٨٤ / ١٦-٢٥ على مدى ١٢ عاماً بين كل ١٩ عاماً، واكتمل القمر بدراً في الحادي والثلاثين من تموز (يوليو) عام ١٩٨٥ م، وقد اكتمل القمر بدراً في المرة القادمة في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) عام ١٩٩٠ م.﴿لَتَرَّكَبُنَّ﴾ لتلاقُنَّ. حالاً بعد حال، متطابقين في الشدة. والطبق: الحال المطابقة لغيرها، والمراد: مرور الكفار بأحوال بعد أحوال هي طبقات في الشدة، بعضها أشد من بعض، وهي الموت وما بعده من الحياة من أحوال القيامة . ﴿فَمَا لَهُمْ﴾ أي الكفار ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أيُّ مانع لهم عن الإيمان بيوم القيامة؟ ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ لا يخضعون، بأن يؤمنوا بالقرآن لإعجازه. ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ بالقرآن والبعث وغيرهما. ﴿يُوعُونَ﴾ يجمعون في صدورهم من الشرك أو الكفر والمعصية والتكذيب والإعراض وأعمال السوء من حسد وبغي وعداوة . ﴿فَبَشِّرُهُم﴾ البشارة: الإخبار بما يسرّ، والمراد هنا الإخبار عن العذاب تهكماً واستهزاء بهم . ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ أي لكن، فهو استثناء منقطع، ويصح كونه استثناء متصلاً أي من تاب وآمن به . ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوع ولا منقوص ولا يمن به عليهم، يقال: فلان منّ الحبل: إذا قطعه. المناسبة: بعد بيان أحوال الناس وانقسامهم فريقين يوم القيامة: سعداء وأشقياء، أكد الله تعالى وقوع يوم القيامة وما يتبعها من الأهوال، بالقسم بآيات واضحة في الكون: وهي الشفق والليل والقمر، على أن البعث كائن لا محالة، وأن الناس يتعرضون الشدائد الأهوال. ثم حكى تعالى بعض عجائب الناس أنهم لا يؤمنون بالقرآن وبالبعث، ولا يخضعون لآي القرآن العظيم، عناداً منهم واستكباراً، فيجازون أشد العذاب، إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً، فله الثواب الدائم غير الممنون به عليه. ٥٢٢ لُزْعُ (٣٠) - الأنْشِقَقلِ: ٨٤ / ١٦-٢٥ التفسير والبيان: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاُلْقَمَرِ إِذَا أُنََّقَ (49)﴾ أي وَالَتْلِ وَمَا وَسَقَ (®] ٣٦ يقسم الله تعالى بالشفق الذي هو الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت العشاء، وبالليل الأسود البهيم وما جمع وضم، وستر كل ما كان منتشراً ظاهراً في النهار، وبالقمر إذا اجتمع وتكامل وصار بدراً في منتصف كل شهر قمري. والقسم بهذه الأشياء دليل على تعظيمها وتعظيم قدر مبدعها. ولا أقسم: قسم، وأما حرف (لا ) فهو نفي ورد لكلام سابق قبل القسم، وهنا ردّ الله تعالى على المشرك الذي ظن أن لن يحور، بأنه سيرجع ويبعث، وأبطل ظنه، ثم أقسم بعده بالشفق. ، جواب القسم، أي لتصادفن أحوالاً بعد ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقِ لَـ أحوال، هي طبقات في الشدة، بعضها أشد من بعض، وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها، ثم يكون المصير الأخير: الخلود في الجنة أو في النار. ونظير الآية قوله: ﴿بَلَى وَرَبِّ لَنْتُعَثُنَّ ثُمَّ لَهُنَبَوُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧/٦٤]. :[المزمل: ٧٣ / ١٧ وقوله: ﴿فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْمَلُ الْوِلْدَنَ شِيبًا ١٧]. ثم أنكر الله تعالى على الكفار استبعادهم البعث، فقال: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣)﴾ أي فأي شيء، أو فماذا يمنعهم عن الإيمان بصحة البعث والقيامة، وبمحمد رَّلوه، وبما جاء به القرآن، مع وجود موجبات الإيمان بذلك، من الأدلة الكونية القاطعة الدالة على قدرة الله على كل شيء، والمعجزات الظاهرة الدالة على صدق النبي ◌َّ وصدق الوحي القرآني المنزل عليه؟ ٥٢٣ لُعُ (٣٠) - الأنْشِقَقلِ: ٨٤ / ١٦-٢٥ وهذا استفهام إنكار، وقيل: تعجب، أي اعجبوا منهم في ترك الإيمان مع هذه الآيات. ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (4)﴾ أيْ: وأيّ مانع لهم من سجودهم وخضوعهم عند قراءة القرآن الذي دلَّ إعجازه على كونه منزلاً من عند الله تعالى؟! ويكون سجودهم إعظاماً وإكراماً واحتراماً لآي القرآن، بعد أن علموا كونه معجزاً، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة. قد احتج أبو حنيفة رحمه الله بالآية على وجوب السجود، فإنه ذم لمن سمعه ولم يسجد. ثم أبان الله تعالى سبب عدم إيمانهم بالله تعالى ورسوله وَ له واليوم الآخر، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُؤْعُونَ (®)﴾ أي فقال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ والواقع أن الكفار يكذبون بالكتاب المشتمل على إثبات التوحيد والبعث والثواب والعقاب، إما حسداً للرسول وص لته، وإما خوفاً من ضياع المنافع والمراكز والمناصب والرياسات، وإما عناداً وإمعاناً في البقاء على تقليد الآباء والأجداد والأسلاف. والله أعلم من جميع الخلائق بما يضمرونه أو يكتمونه في أنفسهم من التكذيب، وأعلم بأسباب الإصرار على الشرك أو الكفر، وجمع الأعمال الصالحة والسيئة. ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (®﴾ أي فأخبرهم أيها النبي بأن الله عز وجل قد أعدّ لهم عذاباً أليماً. واستعمال البشارة التي هي في الأصل لما هو سار، في الإخبار عن العذاب، تهكم واستهزاء بهم. ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجُرْ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٥)﴾ أي لكن الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله وَله واليوم الآخر، وخضعوا للقرآن الكريم، ١ ٥٢٤ لُعُ (٣٠) - الأنْشَقِ: ٨٤ / ١٦-٢٥ وعملوا بما جاء به، والتزموا صالح الأعمال بأعضائهم، لهم في الدار الآخرة ثواب غير مقطوع ولا منقوص، ولا يمنّ به عليهم، كما قال تعالى: ﴿عَطَآءَ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾ [هود: ١٠٨/١١]. والاستثناء منقطع في رأي الزمخشري. وقال الأكثرون: معناه إلا من تاب منهم وعمل صالحاً، فله الثواب العظيم. وفي هذا ترغيب شديد بالإيمان والطاعة، وزجر عن الكفر والمعصية. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - أقسم الله عز وجل بالشفق (وهو حمرة السماء التي تكون عند مغيب الشمس حتى تأتي صلاة العشاء الآخرة) وبالليل وما جمع وضم ولفّ، وبالقمر إذا اجتمع وتم واستوى، على وقوع البعث والقيامة وما يتبعها من أهوال عظام وشدائد ضخام. ٢ - ماذا يمنع الكفار عن الإيمان بالله تعالى ورسوله وّطر واليوم الآخر والقرآن بعدما وضحت لهم الآيات وقامت الدلالات؟! وماذا يمنعهم عن الخضوع والسجود للقرآن عند سماعه، بعدما عرفوا أنه معجز، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة؟! وهذا توبيخ على أنهم لا ينظرون في الدلائل حتى يورثهم الإيمان والسجود عند تلاوة القرآن. ◌َّ - جمهور العلماء على أن هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ ﴾ ﴾﴾ موضع سجدة تلاوة، بدليل ما تقدم في الصحيح عن أبي (١) فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم هريرة أنه قرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ أن رسول الله وَ سجد فيها. ٥٢٥ الُعُ (٣٠) - الإِنْوَقِ: ٨٤ / ١٦-٢٥ وقال الإمام مالك: إنها ليست من عزائم السجود؛ لأن المعنى: لا يُذْعنون ولا يطيعون في العمل بواجباته. وعقب على ذلك ابن العربي ونقله عنه القرطبي قائلاً: والصحيح أنها منه، أي من عزائم السجود، وهي رواية المدنيين عنه، أي عن مالك، وقد اعتضد فيها القرآن والسنة(١). ٤ - الواقع أن الكفار يكذبون الدلائل الموجبة للإيمان وتوابعه، وإن كانت جلية ظاهرة، وتكذيبهم بها إما لتقليد الأسلاف، أو عناداً، أو حسداً، أو خوفاً من أنهم لو أظهروا الإيمان، لفاتتهم مناصب الدنيا ومنافعها. والله عالم بما يضمرونه في أنفسهم من التكذيب والشرك والعناد وسائر العقائد الفاسدة والنيات الخبيثة، فهو يجازيهم على ذلك. ٥ - صرح الله تعالى بوعيدهم قائلاً لنبيه: ﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي موجع في جهنم على تكذيبهم، أي جعل ذلك بمنزلة البشارة تهكماً واستهزاء . لهن أَ - استثنى الله تعالى من الوعيد السابق الذين صدقوا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله وَ﴾، وعملوا الصالحات، أي أدّوا الفرائض المفروضة عليهم، فلهم ثواب غير منقوص ولا مقطوع، ولا يمنُّ عليهم به. والاستثناء منقطع عند الزمخشري كما بينا، ولا بأس بكونه متصلاً، كأنه قال: إلا من آمن منهم، فله أجر غير مقطوع، أو هو من المنة. وذكر ناس من أهل العلم أن قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ليس استثناء، وإنما هو بمعنى الواو، كأنه قال: والذين آمنوا. ٠ - (١) أحكام القرآن لابن العربي: ١٨٩٩/٤، تفسير القرطبى: ٢٨٠/١٩-٢٨١. ٥٢٦ اللُّعُ (٣٠) السورة (٨٥) البُوج بِسْمِ اللهِ الرَّغَنِ الرَّحِيَةِ سُورَةُ الُوق مڪية، وهي اثنتان وعشرون آية تسميتها: سميت سورة البروج، لافتتاحها بقسم الله بالسماء ذات البروج: وهي منازل الكواكب السيارة في أثناء سيرها، تنويهاً بها لاشتمالها على الظهور والغياب. مناسبتها لما قبلها: تتعلق السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة: اً - التشابه في الافتتاح بذكر السماء، ولهذا ورد في الحديث ذكر السماوات مراداً بها السور الأربع، كما قيل في المسبِّحات. وتلك السور هي الانفطار والانشقاق، والبروج، والطارق. أَ - اشتمال السورتين على وعد المؤمنين، ووعيد الكافرين، والتنويه بعظمة القرآن. س٣ - تضمنت السورة السابقة أن الله عليم بما يجمع المشركون في صدورهم للنبي وَّ والمؤمنين معه من أنواع الأذى المادي، كالضرب والقتل والتعذيب ٥٢٧ الُ (٣٠) السورة (٨٥) البُوج في حرّ الشمس، والأذى المعنوي، من حقد وحسد، وعداوة، ومكر، وخوف على فوت المنافع، وذكر في هذه السورة أن هذا شأن من تقدمهم من الأمم الكافرة الفاجرة. وفي هذا عظة للمشركين وتثبيت للمؤمنين. ما اشتملت عليه السورة: أبرزت هذه السورة المكية جانباً مهماً من جوانب العقيدة وهو التضحية في سبيل الإيمان والاعتقاد، ممثلاً في قصة (أصحاب الأخدود). افتتحت السورة الكريمة بالقسم بالسماء ذات منازل الكواكب، وبيوم القيامة، وبالأنبياء الذين يشهدون على أممهم، على إهلاك وتدمير وإبادة المجرمين، الذين أحرقوا جماعة من المؤمنين والمؤمنات في النار ليفتنوهم عن [الآيات: ١-٩]. دينهم: ﴿وَالسَّماءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾﴾ وأعقبت ذلك بوعيد هؤلاء العتاة الطغاة، وإنذارهم بعذاب جهنم، وبوعد المؤمنين بالجنان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [الآيتان: ١٠ - ١١٠]. وختمت السورة بإظهار عظمة الله وجليل صفاته وقدرته على الانتقام من أعدائه، والاتعاظ بقصة الطاغية فرعون الجبار: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدُ ١٢ [الآيات: ١٢-٢٢]. فضلها: أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله وعليه كان يقرأ في العشاء الآخرة بـ ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ و﴿ وَلَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وأخرج أحمد عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله وَل ◌ّ أمر أن يقرأ بالسماوات في العشاء. ٥٢٨ الُ (٣٠) السورة (٨٥) الُوج سبب نزولها والحكمة منها: المقصود من هذه السورة تسلية النبي و 8 وأصحابه عن إيذاء الكفار، ببيان أن سائر الأمم السابقة كانوا كأهل مكة، مثل أصحاب الأخدود في نجران اليمن، ومثل فرعون وثمود. وكان كل الكفار سواء في التكذيب، فانتقم الله منهم؛ لأنهم جميعاً في قبضة القدرة الإلهية: ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَآءِهِم ◌ُحِيطٌ] وهذا شيء مثبت في اللوح المحفوظ ممتنع التغيير؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ تَجِيدٌ ﴿ فِى لَوْجِ تَحْفُوظِ وسبب نزول هذه السورة التي تدور على قصة أصحاب الأخدود: ما رواه مسلم في صحيحه وأحمد والنسائي، وموجزها : أن أحد ملوك الكفار وهو ذو نُواس اليهودي، واسمه زُرْعة بن تُبَّان أسعد الحميري، بلغه أن بعض رعيته آمن بدين النصرانية (١)، فسار إليهم بجنود من ◌ِمْيَر، فلما أخذوهم خيَّوهم بين اليهودية والإحراق بالنار، فاختاروا القتل، فشقوا لهم الأخدود، وأضرموا فيه النار، ثم قالوا للمؤمنين: من رجع منكم عن دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في النار، فصبروا، فألقوهم في النار، فاحترقوا، والملك وأصحابه ينظرون. قيل: قتل منهم عشرين ألفاً، وقيل: اثني عشر ألفاً، وقال الكلبي: كان أصحاب الأخدود سبعين ألفاً. والخلاصة: أن ذا نواس آخر ملوك حمير، وكان مشركاً، قتل أصحاب الأخدود الذين كانوا نصارى، وكانوا قريباً من عشرين ألفاً (٢). تفصيل القصة - قصة الساحر والراهب والغلام: المعتمد من قصص أصحاب الأخدود: ما جاء في الصحاح عن النبي (١) وقال الضحاك: هم قوم من النصارى كانوا باليمن قبل مَبعث رسول الله وَ له بأربعين سنة، أخذهم يوسف بن شراحبيل بن تُبَّع الحميري، وكانوا نيفاً وثمانين رجلاً، وحفر لهم أخدوداً وأحرقهم فيه. (٢) تفسير ابن كثير: ٥٤٩/٤. ٥٢٩ اِلُعُ (٣٠) السورة (٨٥) التُرُوجِ وَّه: ((أنه كان لبعض الملوك ساحرٌ، فلما كبرَ ضمَّ إليه غلاماً ليعلِّمَه السِّحر، وكان في طريق الغلام راهب يتكلّم بالمواعظ لأجل الناس، فمال قلب الغلام إلى حديثه، فرأى في طريقه ذات يوم دابة أو حية قد حَبَست الناس، فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان الراهب أحبَّ إليك من الساحر، فاقتلها بهذا الحجر، فقتلها. وكان ذلك الغلام بعدئذ يتعلّم من الراهب إلى أن صار بحيث يبرئ الأكمه والأبرص، ويَشْفي من الداء. وعمي جليس للملك فأبرأه، فأبصره الملك فسأله: من ردّ عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب، فعذّبِه. فدلَّ على الغلام، فعذّب الغلام حتى دلَّ على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه، فقُدَّ بالمِنْشار، وأتى الغلام، فذهب به إلى جبل ليُطرح من ذِرْوته، فدعا فرَجف بالقوم فطاحوا ونجا، فذهبوا به إلى قُرْقُور: وهي سفينة صغيرة، فلجَّجُوا به ليُغْرِقوه، فدعا، فانكفأت بهم السفينة، فغرِقُوا ونجا، وقال للملك: لستَ بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد، وتصلبني على جِذْع، وتأخذ سهماً من كِنانتي وتقول: بسم الله ربِّ الغلام، ثم ترميني به. فرماه فوقع في صُدْغه، فوضع يده عليه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذَر، فأَمر بأخاديد في أفواه السِّكك وأُوقدت فيها النيران، فمن لم يرجع منهم طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي، فتقاعست أن تقع فيها، فقال الصبي: يا أمّاه، اصبري فإنك على الحق، وما هي إلا غُمَيْضَةٌ، فصبرت واقتحمت)). ٥٣٠ الجُرَءُ (٣٠) - الُوقُّ: ١/٨٥-٩ القسم بأشياء عظام على لعنة أصحاب الأخدود قُئِلَ أَصْحَبُ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ﴿ وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴿ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ الأُمْدُودِ بِلْمُؤْمِينَ شُهُورٌ (٣) وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِدُ الإعراب: وَالسَّمَاءِ»: قسم، وجوابه إما مقدر محذوف: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وهو لتبعثن، أو قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدُ (1). واختار أبو حيان أن يكون الجواب هو قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَبُ اَلْأُخْدُودِ (٣) وحذفت اللام، أي لقتل، وحسن حذفها كما حسن في قوله: ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكْنِهَا (ج)﴾ أي لقد أفلح من زكاها، ویکون الجواب دليلاً على لعنة الله على من فعل ذلك وطرده من رحمة الله، وتنبيهاً لكفار قريش الذين يؤذون المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم على أنهم ملعونون بجامع ما اشتركا فيه من تعذيب المؤمنين. وإذا كان ﴿قُلِلَ أَضْحَبُ اُلْأُخْدُودِ ﴾﴾ جواباً للقسم، فهي جملة خبرية، وقيل: دعاء، فيكون الجواب غيرها (البحر المحيط: ٤٥٠/٨). ﴿وَاَلْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ﴾﴾ أي الموعود به، وحذف للعلم به، وإنما وجب هذا التقدير؛ لأن ﴿المَوْعُودِ﴾ صفة لليوم، ولا بدّ من أن يعود من الوصف إلى الموصوف ذكر. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴿َ﴾ ﴿النَّارِ﴾: مجرور على ﴿قُئِلَ أَضْحَبُ الْأُخْدُورِ (® البدل من ﴿اُلْأُخْدُودِ﴾ بدل الاشتمال. ٥٣١ لُعُ (٣٠) - التُوقُّ: ١/٨٥-٩ البلاغة: ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ بينهما جناس اشتقاق. تأكيد المدح بما ٨ ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ يشبه الذم، كأنه يقول: لا جُرْم لهم إلا إيمانهم بالله، وهذه مفخرة عظمى. ﴿اَلْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ صيغة مبالغة. ﴿الْمَوْعُودِ﴾، ﴿وَمَشْهُودٍ﴾، ﴿اَلْأُخْدُودِ﴾، ﴿اٌلْوَقُودِ﴾ سجع مرصع: وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات. المفردات اللغوية: ﴿اَلْبُرُوجِ﴾ منازل الكواكب الاثني عشر، وقيل: ﴿الْبُرُوجِ﴾: النجوم العظام، جمع بُرْج: وهو الحصن، أو القصر العالي، أو منزل الكوكب، سميت بروجاً لظهورها. والبروج على المعنى الأول اثنا عشر برجاً للكواكب السيارة، تسير الشمس مثلاً في كل واحد منها شهراً، ويسير القمر في كل واحد منها يومين وثلث يوم، فذلك ثمانية وعشرون منزلة، ويستتر ليلتين، أي يخفى. ستة من بروج الشمس شمال خط الاستواء، وستة في جنوبه، أما التي في شماله: فهي الْحَمَل والثور والْجَوْزاء والسَّرَطان والأسد والسُّنْبُلة. وأما التي في جنوبه: فهي الميزان والعَقْرَب والقَوْس والْجَدْي والدَّلْو والُوت. وتقطع الشمس الثلاثة الأولى الشمالية في ثلاثة أشهر هي فصل الربيع، أولها ٢١ آذار (مارس) وتقطع الثلاثة الثانية في ثلاثة أشهر أخرى هي فصل الصيف، أولها ٢١ حزيران (يونيو) وتقطع الثلاثة الأولى الجنوبية في ثلاثة أشهر هي فصل الخريف، أولها ٢١ أيلول (سبتمبر) وتقطع الثلاثة الثانية الجنوبية في ثلاثة أشهر أيضاً هي فصل الشتاء، أولها ٢٢ من شهر كانون الأول (ديسمبر)(١). (١) تفسير المراغي: ٩٨/٣٠. ٥٣٢ الُرُ (٣٠) - الُوجّ: ١/٨٥-٩ وإذا كان القصد بالبروج الكواكب العظيمة فهي التي لا يحصى عددها، والتي هي ذات أبعاد هائلة عن الأرض، فبعضها لا يصل ضوءُه إلى الأرض إلا بعد مليون ونصف مليون سنة ضوئية، علماً بأن الضوء يسير بسرعة ثلاث مئة ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، ويصل إلى القمر في ثانية وثلث، ويجري حول الكرة الأرضية في ثانية واحدة نحو ثمان مرات. والمريخ يبعد عن الأرض ٢٥٦ مليون ميل، وقد أطلقت روسيا مكوكاً إلى المريخ في ١٩٨٨/٧/١٣ يصل إليه في منتصف عام ١٩٩٠. وأقسم الله بهذه الكواكب حيث نيط بها تغيرات في الأرض بحلول الكواكب فيها. يوم القيامة. ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٢) الشاهد في ﴿وَأَلْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ذلك اليوم على غيره من الخلائق، والمشهود عليه: ما يشهد به الشهود على المجرمين من الجرائم التي فعلوها بالشهود أنفسهم؛ كأصحاب الأخدود أو بغيرهم، وهذا هو الأصح، أو الأنبياء الشاهدين على أممهم، أو مخلوقات الله الظاهرة التي هي عالم الشهادة، الدالة على تمام القدرة الإلهية وعظم الحكمة، وهي مشهودة أيضاً لكل ناظر إليها. وقال الأكثرون: الشاهد: يوم الجمعة؛ فإنه يشهد بالعمل فيه، والمشهود: يوم عرفة الذي تشهده الناس والملائكة .﴿قُتِلَ﴾ لعن، وهو جواب القسم بتقدير: لقد. ﴿أَضْحَبُ اٌلْأُخْدُودِ﴾ الشق المستطيل المحفور في الأرض، وجمعه أخاديد، وأصحاب الأخدود: قوم جبارون أحرقوا جماعة من المؤمنين في أخدود في نجران اليمن، بعد أن أوقدوا فيه ناراً عظيمة، ثم ألقوهم فيها. ﴿النَّارِ ذَاتِ اٌلْوَقُودِ (@) أي الأخدود المشتمل على النار ذات الوقود، أي ما توقد به، وهو وصف لها بالعظمة وكثرة ما يرتفع به لهبها. ) قاعدون على حافة النار .﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودُ بِلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾﴾ أي وهم حضور على تعذيب المؤمنين بالله، بالإلقاء في النار، إن لم يرجعوا عن إيمانهم، ويشهدون على ما يفعلون يوم القيامة حين ٥٣٣ إِلُعُ (٣٠) - الُوقُ: ٨٥ /١-٩ تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم. ﴿وَمَا نَقَمُواْ﴾ أنكروا وعابوا. ﴿اَلْعَزِيزِ﴾ الغالب الذي يخشى عقابه ولا يغلب . ﴿اَلْحَمِيدِ﴾ المحمود على نعمه وعلى كل حال، والذي يرجى ثوابه . ﴿الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ · شاهد عالم، وهو للإشعار بما يستحق أن يؤمن به ويعبد. شَىْءٍ شَهِدُ التفسير والبيان: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾﴾ أي أقسم بالسماء وبروجها وهي النجوم العظام، وأشهر الأقوال أنها منازل الكواكب، وهي اثنا عشر برجاً لاثني عشر كوكباً. وهي التي تقطعها الشمس في سنة، والقمر في ثمانية وعشرين يوماً. أقسم الله بها تنويهاً بها وتعظيماً وتشريفاً لها، حيث نيط بها تغيرات في الأرض بحلول الكواكب فيها، فينشأ عنها الفصول الأربعة، وما فيها من حرارة وبرودة، وينشأ عنها عدد السنين والحساب. وجاء ذكر البروج في آيتين أخريين هما: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِ السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَهَا لِلنَّظِرِينَ تَبَارَكَ اَلَّذِى جَعَلَ فِى ﴾ [الحجر: ١٦/١٥]، وقال تعالى: ١٦ ﴾ [الفرقان: ٦١/٢٥]. ٦١ السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا وَقَمَرًا مُنِيْرًا ، أي وأقسم بيوم القيامة الموعود وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴿ وَاَلْيَوْمِ الْمَوْعُودِ الْ به، وبمن يشهد في ذلك اليوم، ومن يشهد عليه. وهذا إن كان ذلك مأخوذاً من الشهادة. فإن كان مأخوذاً من الحضور بمعنى أن الشاهد هو الحاضر، كقوله: ﴿عَلِمَ اُلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ [الزمر: ٤٦/٣٩]، فالشاهد: الخلائق الحاضرون للحساب، والمشهود عليه: اليوم، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣/١١] فالله يقسم بالخلائق والعوالم الشاهد منها والمشهود، لما في التأمل بها من تقدير عظمة تدل على الموجد. والخلاصة: أن الشاهد والمشهود إما من الشهود: الحضور، وإما من الشهادة، والصلة محذوفة، أي مشهود عليه أو به. ٥٣٤ الْجُ (٣٠) - المُرُوجّ: ٨٥ /١-٩ هذا جواب القسم، ١) الثَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ٤ ﴿قُئِلَ أَصْحَبُ اٌلْأُخْدُودِ وهو إخبار أو دعاء على هؤلاء الكفار بالإبعاد من رحمة الله تعالى، أي لعن أصحاب الأخدود المشتمل على النار ذات الحطب الذي توقد به. وهم قوم من الكفار في نجران اليمن طلبوا من المؤمنين بالله عزّ وجلّ أن يرجعوا عن دينهم، فأبوا عليهم، فحفروا لهم في الأرض أخدوداً (شقاً مستطيلاً) وأجّجوا فيه ناراً، وأعدُّوا لها وقوداً يسعرونها به، ثم أرادوهم أن يرجعوا عن دينهم، فلم يقبلوا منهم، فقذفوهم فيها. وقد أشار سبحانه إلى عظم النار إشارة مجملة بقوله: ﴿ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ أي لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس. وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٣)﴾ أي لعنوا ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ حين أحدقوا بالنار، قاعدين على الكراسي عند الأخدود، وهؤلاء الذين حفروا الأخدود، وهم الملك وأصحابه، مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين، من عرضهم على النار ليرجعوا إلى دينهم، ويشهدون بما فعلوا يوم القيامة، حيث تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم. وهذا أي حضورهم الإحراق دليل على أنهم قوم غلاظ الأكباد قساة القلوب، تمكَّن الكفر والباطل منهم، وتجرّدوا عن الإنسانية، وفقدوا الرحمة، ودليل أيضاً على أن المؤمنين كانوا أشد صلابة من الجبال في دينهم والإصرار على إيمانهم وحقهم في حرية الاعتقاد. ثم ذكر الله تعالى سبب هذا التعذيب والإحراق بالنار، فقال: الَّذِى لَهُ مُلْكُ ﴿ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِّ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِدُ ﴾﴾ أي إن هؤلاء الكفار الجبابرة ما أنكروا عليهم ذنباً إلا إيمانهم، ولا عابوا على المؤمنين إلا أنهم صدقوا بالله الغالب الذي لا يغلب، المحمود في كل حال، وهو مالك السماوات ٥٣٥ الُ (٣٠) - الُوجِ: ٨٥ /١-٩ والأرض، وإليه الأمر كله، ومن كان بهذه الصفات، فهو حقيق بأن يؤمَنْ به ويوحَّد، والله شاهد عالم بما فعلوا بالمؤمنين، لا تخفى عليه خافية، ومجازيهم بأفعالهم. وأشار بقوله: ﴿الْعَزِيزِ﴾ إلى أنه لو شاء لمنع أولئك الجبابرة من تعذيب أولئك المؤمنين، ولأطفأ نيرانهم وأماتهم، وأشار بقوله: ﴿اٌلْحَمِيدِ﴾ إلى أن المعتبر عنده سبحانه من الأفعال عواقبها، فهو وإن كان قد أمهل لكنه ما أهمل، فإنه سيثيب المؤمنين، ويعاقب أولئك الكفرة. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعيد شديد لأصحاب الأخدود، ووعد بالخير لمن عُذُّب من المؤمنين على دينه، فصبر ولم يتراجع في موقف الشدة. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنِقِمُونَ مِنَّ إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩/٥] . فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - أقسم الله عزّ وجلّ بالسماء وبروجها، وهي نجومها العظام أو منازل الكواكب؛ لإناطة تغييرات في الأرض كالفصول الأربعة، وبيوم القيامة الذي وعدنا به؛ لأنه يوم الفصل والجزاء، وتفرد الله بالحكم والقضاء، وبالشاهد والمشهود، أي الخلائق والعوالم الشاهد منها والمشهود؛ لما في التأمل بها من إدراك عظمة خالقها، أقسم بها على أن أصحاب الأخدود ملعونون مطرودون من رحمة الله. قال الزمخشري: كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء، إنهم ملعونون، يعني كفار قريش، كما لعن أصحاب الأخدود، وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم ٥٣٦ لِلُحُ (٣٠) - الُرُونْ: ١/٨٥-٩ سـ من التعذيب على الإيمان، وإلحاق أنواع الأذى وصبرهم وثباتهم حتى يأنسوا بهم، ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن كفارهم أحقاء بأن يقال فيهم: قتلت قريش، أي لعنوا، كما قتل أصحاب الأخدود(١). أَ - أسباب اللعنة على أصحاب الأخدود: أنهم حفروا أخدوداً أي شقاً مستطيلاً في الأرض وأوقدوا فيه ناراً عظيمة، ثم ألقوا فيه جماعة المؤمنين، بنجران اليمن في الفترة بين محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وهم يتلذذون ويستمتعون بما تفعل النيران الملتهبة بأجساد هؤلاء المعذّبين، ويحضرون ذلك المنظر الرهيب إلى تمام الإحراق والالتهاب، فهم قوم قساة، مجدّون في التعذيب. ٢ - القصة درس وعظة وتذكير للمؤمنين بالصبر على ما يلاقونه من الأذى والآلام، والمشقات التي يتعرضون لها في كل زمان ومكان ليتأسوا بصبر المؤمنين وتصلبهم في الحق وتمسكهم به، وبذلهم أنفسهم من أجل إظهار دعوة الله. وليس هذا بمنسوخ، فإن الصبر على الأذى لمن قويت نفسه، وصلب دينه أولى (٢) قال الله تعالى مخبراً عن لقمان: ﴿يَبُنَىَّ أَقِمِ الصَّلَوَةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَّآ أَصَابَكَّ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٣) @ [لقمان: ١٧/٣١]. وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن النبي ◌َّ قال: ((إن من أعظم الجهاد كلمةَ عدل عند سلطان جائر)) . ولقد امتُحن كثير من أصحاب النبي ◌َّ بالقتل والصَّلْب والتعذيب الشديد، فصبروا ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك، مثل قصة عاصم وخُبيب وأصحابهما، وما لَقوا من الحروب والمُحَن والقتل والأسر والحرق وغير ذلك. (١) الكشاف: ٣٢٦/٣. (٢) تفسير القرطبي: ٢٩٣/١٩. ٥٣٧ الُرءُ (٣٠) - البُوقّ: ١٠/٨٥-١١ ٤ - ما أنكر الملك وأصحابه من الذين حَرَّقوهم إلا إيمانهم بالله العزيز الغالب المنيع، الحميد المحمود على كل حال، مالك السماوات والأرض الذي لا شريك له فيهما ولا نديد، وهو عالم بأعمال خلقه، لا تخفى عليه خافية. عقاب الكفار وثواب المؤمنين ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَ بَتُوبُواْ فَهُمْ عَذَابُ جَهَّمَ وَهُمْ عَذَابٌ اْحَرِيِقِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ البلاغة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَواْ الْمُؤْمِنَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ و﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَثَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُرُ﴾ بينهما مقابلة. المفردات اللغوية: ﴿فَنُواْ﴾ ابتلوا واختبروا، والمراد هنا ابتلوهم بالأذى والإحراق. ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ جَهَنَّمَ﴾ بكفرهم وإحراقهم المؤمنين. ﴿عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ هو عذاب جهنم، وهو بيان وتفسير لما سبق . ﴿اَلْفَوْزُ الْكَبِيُ﴾ النجاح الأكبر الذي تصغر الدنيا وما فيها دونه. المناسبة: بعد بیان قصة أصحاب الأخدود وما فعلوه بالمؤمنين من الإحراق بالنار، أتبع الله تعالى ذلك بأحكام الثواب والعقاب، وأوضح ما أعد للكفار من عذاب جهنم، وما أعد للمؤمنين من الثواب الجليل والتنعم بجنان الخلد. ٥٣٨ الجُرُ (٣٠) - البُرُون: ٨٥ /١٠-١١ التفسير والبيان: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَنَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمَّ بَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابٌ جَهَنَّمَ وَهُمْ عَذَابُ اَلْحَرِيقِ ®) أي إن الذين أحرقوا بالنار المؤمنين والمؤمنات بالله ورسله، ولم يتركوهم أحراراً في دينهم، وأجبروهم إما على الإحراق أو الرجوع عن دينهم، ثم لم يتوبوا من قبيح صنعهم ويرجعوا عن كفرهم، فلهم في الآخرة بسبب كفرهم عذاب جهنم، ولهم عذاب الاحتراق بالنار؛ لأن الجزاء من جنس العمل. وعذاب الحريق تأكيد لعذاب جهنم، وقيل: إنهما مختلفان في الطبقة، الأول: لكفرهم، والثاني: لأنهم فتنوا أهل الإيمان وأحرقوهم بالنار، وهذا عذاب آخر زائد على عذاب كفرهم، وهي نار أخرى عظيمة تتسع كما يتسع الحريق. أو لهم عذاب جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا، لما روي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم. وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ بَتُوبُوا﴾ إشارة إلى أنهم لو تابوا إلى الله، وندموا على ما فعلوا، غفر الله لهم. ولكن لم ينقل أن أحداً منهم تاب، بل الظاهر أنهم لم يُلْعَنوا إلا وهم قد ماتوا على الكفر. قال الحسن البصري رحمه الله: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة. ثم رغَّب الله تعالى وأرشد إلى ما أعدّ للمؤمنين من الثواب العظيم، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكِيرُ ﴾﴾ أي إن الذين آمنوا وصدقوا بالله ربّاً واحداً لا شريك له، وبالرسل واليوم الآخر والملائكة والكتب الإلهية، وعملوا صالح الأعمال باتباع أوامره واجتناب نواهيه، ومنهم الذين صبروا على نار الأخدود، وثبتوا على دينهم ولم يرتدوا، لهم بسبب الجمع بين الإيمان والعمل الصالح جنات (بساتين) تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، وذلك الثواب والنعيم المذكور هو الفوز أو الظفر الكبير الذي لا يَعْدِلُه فوز، ولا يقاربه ولا يدانيه، جزاء إيمانهم وطاعة ربهم. ٥٣٩ لُعُ (٣٠) - البُرُوجِ: ٨٥ /١٠-١١ فقه الحياة أو الأحكام: تدل الآيتان في الجملة على حكمين: الأول - أن الذين حرَّقوا المؤمنين بالنار، من أصحاب الأخدود وغيرهم(١)، ثم ماتوا على الكفر، ولم يتوبوا من قبيح صنيعهم، فلهم في الآخرة عذاب جهنم المخزي؛ لكفرهم، ولهم العذاب المحرق؛ لإحراقهم المؤمنين بالنار. وعذاب جهنم وعذاب الحريق إما متلازمان، والغرض من الثاني التأكيد، وإما مختلفان في الدركة: الأول لكفرهم، والثاني؛ لأنهم فتنوا أهل الإيمان. وقيل: الأول في الآخرة، والثاني في الدنيا، أو أن الأول عذاب ببرد جهنم وزمهريرها، والثاني عذاب محرّها. وفي هذا تصريح بأن التوبة تسقط أثر الذنب وترفع العقوبة، والله يرغب دائماً بها. الثاني - أن الذين آمنوا أي صدقوا بالله وبرسله، وعملوا الصالحات المأمور بها وتركوا المنهي عنها، لهم جنات (أي بساتين) تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لَذّةٍ للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وذلك الفوز الساحق العظيم الذي لا فوز یشبهه. وإنما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ﴾ ولم يقل (تلك) لأن ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى إخبار الله تعالى بحصول هذه الجنات، وقوله (تلك) إشارة إلى الجنات، وإخبار الله تعالى عن ذلك يدل على كونه راضياً، و﴿ اَلْفَوْزُ اَلْكَبِيرُ﴾ : هو رضا الله، لا حصول الجنة، فاللهم أرضنا وارض عنا يا كريم. وقصة أصحاب الأخدود، ولا سيما آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ (١) لأن اللفظ عام، والحكم عام، فالتخصيص ترك للظاهر من غير دليل. ٥٤٠ الجزء (٣٠) - الُرزق: ١٢/٨٥-٢٢ الصَّلِحَتِ﴾ تدل على أن المستكره على الكفر بالإهلاك الشديد، الأولى به أن يصبر على ما خوف منه، وأن إظهار كلمة الكفر كالرخصة في ذلك؛ روى الحسن أن مسيلمة أخذ رجلين من أصحاب النبي ◌َله، فقال لأحدهما: تشهد أني رسول الله؟ فقال: نعم، فتركه، وقال للآخر مثله، فقال: لا، بل أنت كذَّاب، فقتله، فقال ◌َّ: ((أما الذي تُرك، فأخذ بالرخصة فلا تبعة عليه، وأما الذي قُتل فأخذ بالفضل فهنيئاً له))(١). كمال القدرة الإلهية لتأكيد الوعد والوعيد والاعتبار بإهلاك الأمم الكافرة السالفة إِنَّهُ هُوَ بُيْدِئُ وَبُعِيدُ ﴿ وَهُوَ اُلْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدُ (فَ) ١٤ ذُو الْعَرْشِ المَجِيدُ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ اٌلْجُودِ فَعَالٌ لِمَا يُرِيدُ (4) وَاللَّهُ مِن وَرَآِهِم تُحِيطٌا ١٩ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ تَكْذِيبٍ ١٨ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ تَجِيدٌ ٢٠ ٢٢ فِى لَوْج ◌َحْفُوظِ (٢١ القراءات: (المچِيدُ﴾: وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (المجيدِ). ﴿ قُرْءَانٌ وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (قران). ﴿ ◌َّحْفُوظِ﴾ : (١) تفسير الرازي: ١٢١/٣١-١٢٢.