Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
الُرُ (٣٠) - النَازِعَاتِ: ٧٩ / ٣٤-٤٦
وَل عن وقت الساعة قال فيما أخرجه مسلم عن عمر: ((ما المسؤول عنها
بأعلم من السائل)).
﴿إِنََّا أَنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشَنَهَا ﴾﴾ أي إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم
من بأس الله وعذابه، وما أنت إلا مخوِّف لمن يخشى قيام الساعة، فمن خشي
الله وخاف مقامه ووعيده، اتّبعك فأفلح ونجا، ومن كذب بالساعة وخالفك،
خسر وخاب، فدع علم ما لم تكلف به، واعمل بما أمرت به من إنذار.
وخص الإنذار بأهل الخشية؛ لأنهم المنتفعون بذلك.
﴿كَهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَنُواْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَهَا (٥)﴾ أي إن هذا اليوم الذي
يسألون عنه واقع حتماً، وكأنهم فيه، فإنهم إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر،
ورأوا الساعة (القيامة) استقصروا مدة الحياة الدنيا، ورأوا كأنها ساعة من
نهار، أو عشية من يوم أو ضحى من يوم. والمراد تقليل مدة الدنيا في نفوسهم
إذا رأوا أهوال القيامة. وقال ابن عباس: كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا يوماً
واحداً. وقيل: لم يلبثوا في قبورهم إلا عشية أو ضحاها، وذلك أنهم
استقصروا مدة لبثهم في القبور لما عاينوا من الهول.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - ليس هناك تصوير أوقع لحال تفاعل النفس وانفعالها بمشهد خطير،
مثل هذا التصوير لعلاقة النفس الإنسانية بقيام القيامة.
فإنه إذا وقعت الواقعة، وأتت الداهية العظمى، وهي النفخة الثانية التي
يكون معها البعث، كما قال ابن عباس، تذكّر الإنسان ما عمل من خير أو
شر، وشاهد الجحيم النار المحرقة التي تبرز عياناً لكل إنسان مؤمن أو كافر.
قال ابن عباس: ((يكشف عنها، فيراها تتلظى كل ذي بصر)) يراها الكافر بما
٠

٤٢٢
لُعُ (٣٠) - الثَّانِعَائِ: ٧٩ /٣٤-٤٦
فيها من أصناف العذاب، ويراها المؤمن ليعرف قدر النعمة التي أنعم الله بها
عليه، ويشاهد الكافر الذي يَصْلى النار.
أَ - الناس يوم القيامة والبعث فريقان: السعداء والأشقياء. فأما من عتا
وتمرد، وتكبر وتجاوز الحد في الكفر والعصيان، وقدَّم الحياة الدنيا على
الآخرة، فمأواه ومستقرُّه النار.
وأما من حَذِر مقامه بين يدي ربه، وزجر نفسه عن المعاصي والمحارم،
فمثواه ومستقره الجنة. قال سهل: ترك الهوى مفتاح الجنة؛ لقوله عز وجل:
﴿وَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَّ ﴿ فَإِنَ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى
٤١
◌َّ - أدَّى تساؤل المشركين عن وقت قيام الساعة استهزاء إلى كثرة سؤال
النبي ◌ُّل عن ذلك، حرصاً على جوابهم. ولكن الله جلّت حكمته اختص بعلم
الساعة، ولم يطلع أحداً عليها؛ لأن الإنذار والتخويف إنما يتمان إذا لم يكن
العلم بوقت قيام القيامة حاصلاً، فلا حاجة إلى الاستفهام عن وقتها بعد
العلم باقترابها، فإن هذا القدر من العلم يكفي في وجوب الاستعداد لها، بل
لا يتم الغرض من التكليف إلا بإخفاء وقتها كالموت.
٤ - حجب الله نبيه عن السؤال عن الساعة، وأعلمه بأن علمها إلى الله
وحده، ووجَّهه للعناية والقيام بمهمته الأصلية: وهي الإنذار والتخويف لمن
يخشى مقام الله؛ لأنهم المنتفعون به، وإن كان منذراً لكل مكلف، وهو كقوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا نُنذِرُ مَنِ اتَبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِّ﴾ [يس: ١١/٣٦].
٥ - كل ما هو في حكم الواقع واقع حتماً، فكأن الكفار والمشركين الذين
يتساءلون عن القيامة استهزاء وتهكماً واقعون فيها، قائمون في ساحاتها، وهم
حين يرونها وما فيها من أهوال تشيب لها الولدان، يستقصرون مدة لبثهم في
الدنيا، ويقدِّرون أنها قدر عشية من ليل أو ضحى من نهار يتبع تلك العشية،
والمراد تقليل مدة الدنيا، كما قال تعالى: ﴿لَمَّ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّن ◌َّهَارٍ)
[الأحقاف: ٣٥/٤٦] .

٤٢٣
إِلُعُ (٣٠) السورة (٨٠) عَبَسَنَّ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
سُورَةُ عَبَسَ
مڪية، وهي اثنتان وأربعون آية
تسميتها:
سميت سورة (عبس) لافتتاحها بهذا الوصف البشري المعتاد الذي تقتضيه
الجبلَّة الإنسانية، ويغلب على الإنسان حينما يكون مشغولاً بأمر مهم، ثم
يطرأ عليه أمر آخر يصرفه عن الأمر السابق، ومع ذلك عوتب النبي ◌َّر على
عبوسه تسامياً لقدره، وارتفاعاً بمنزلته النبوية.
مناسبتها لما قبلها:
لهذه السورة تعلق بما قبلها وهي النازعات؛ لأنه تعالى ذكر هناك أن
النبي ◌ُّ منذر من يخشى الساعة، وهنا ذكر من ينفعه الإنذار، وهم الذين
كان رسول الله وَير يناجيهم في أمر الإسلام ويدعوهم إليه، وهم عتبة
وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل والعباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف والوليد
بن المغيرة. كما أن بينهما تشابهاً في موضوع الحديث عن يوم القيامة
وأهوالها، وإثبات البعث بمخلوقات الله في الإنسان والكون، فهناك
وهنا وصفت
٣٤
وصفت القيامة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ اٌلْطَّامَّةُ الْكُبْرَى
وهما من أسماء يوم القيامة.
بقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصَّافَّةُ

٤٢٤
لِلُعُ (٣٠) السورة (٨٠) عَبَسَنَّ
وهناك أثبت الله البعث بخلق السماء والأرض والجبال، وهنا أثبته بخلق
الإنسان والنبات والطعام.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع السورة كسائر موضوعات السور المكية التي تعنى بالعقيدة
والرسالة والأخلاق التي قوامها في الإسلام المساواة بين الناس، دون تفرقة
بین غني وفقير.
ابتدأت السورة بذكر قصة الأعمى عبد الله بن أم مكتوم ابن خال خديجة
بنت خويلد الذي قدم إلى الرسول والر للتعلم، في وقت كان فيه مشغولاً مع
جماعة من صناديد قريش يدعوهم إلى الإيمان، فعبس النبي وَّ في وجهه
[الآيات ١- ١٦] وأبانت
وأعرض عنه، فعاتبه الله بقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَىٌ
أن القرآن ذكرى وموعظة لمن عقل وتدبر.
ثم نددت بجحود الإنسان وكفره بنعم ربه وإعراضه عن هداية الله: ﴿قُئِلَ
[الآيات ١٧ -٢٣].
اَلْإِسَنُ مَآ أَكْفَرَهُ
وأردفت ذلك بإقامة الأدلة على قدرة الله ووحدانيته بخلق الإنسان والنبات
وتيسير طعام ابن آدم وشرابه، لإثبات القدرة على البعث: ﴿فَلْنْظُرِ الْإِنسَنُ إِلَ
◌َعَامِهِ، (g﴾ [الآيات ٢٤-٣٢].
وختمت السورة بوصف أهوال يوم القيامة، وفرار الإنسان من أقرب
الناس إليه، وبيان حال المؤمنين السعداء والكافرين الأشقياء في هذا اليوم:
(خَ﴾ [الآيات ٣٣-٤٢].
﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصَّلَقَّةُ
سبب نزول السورة:
نزلت هذه السورة في شأن عبد الله بن أم مكتوم ابن خال خديجة رضي الله

٤٢٥
اْلُُ (٣٠) السورة (٨٠) عَبَسَنَ
عنها. ويقال: عمرو بن قيس بن زائدة، وهذا أشهر وأكثر كما في جامع
الأصول، واسم أم مكتوم: عاتكة بنت عامر بن مخزوم.
وذلك أنه أتى رسول الله وَّ، وعنده صناديد قريش: عُتبة وشَيْبة ابنا
ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلَف،
والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام، رجاء أن يُسلم بإسلامهم غیرُهم،
فقال: يارسول الله، أقرئني وعلِّمني مما علمك الله، وكرر ذلك، وهو لا
يعلم شغله بالقوم، فكره رسول الله وَ له قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه،
فنزلت، فكان رسول الله ﴿ل بعد ذلك يكرمه ويقول إذا رآه: ((مرحباً بمن
عاتبني فيه ربي)) ويقول له: ((هل لك من حاجة؟)). واستخلفه على المدينة والياً
مرتين في غزوتين غزاهما(١).
قال أنس: فرأيته يوم القادسية راكباً، وعليه درع، ومعه راية سوداء.
ويروى: أنه ◌َّ﴿ ما عبس بعدها في وجه فقير قط، ولا تصدَّى لغني.
وعلّق القرطبي على أسماء الصناديد المذكورين بقوله: وهذا كله باطل
وجهل من المفسرين الذين لم يتحققوا الدين، ذلك أن أمية بن خلف والوليد
كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة، ما حضر معهما ولا حضراً معه،
وكان موتهما كافرين، أحدهما قبل الهجرة، والآخر ببدر، ولم يقصد قط أمية
المدينة، ولا حضر عنده مفرداً، ولا مع أحد(٢)
ثم علَّق أبو حيان على ذلك بقوله: والغلط من القرطبي، كيف ينفي حضور
ابن أم مكتوم معهما، وهو وهم منه، وكلهم من قريش، وكان ابن أم مكتوم
منها، والسورة كلها مكية بالإجماع، وابن أم مكتوم كان أولاً بمكة، ثم هاجر
(١) تفسير القرطبي: ١٢١/١٩، غرائب القرآن: ٢٧/٣٠، تفسير الرازي: ٥٤/٣١
(٢) تفسير القرطبي، المكان السابق.

٤٢٦
الُ (٣٠) - عَبَسَنٌ: ٨٠ /١- ١٠
إلى المدينة، وكانوا جميعهم بمكة حين نزول هذه الآية، وابن أم مكتوم: هو
عبد الله بن شُرَيح بن مالك بن أبي ربيعة الفِهْري من بني عامر بن لؤي
القرشي، وأم مكتوم أم أبيه عاتكة، وهو ابن خال خديجة رضي الله عنها(١).
المساواة في الإسلام
وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزََّّى جَ أَوْ يَذَكَّرُ
﴿عَبَسَ وَتَوَلٌَّ ﴿َ أَنْ جَهُ اٌلْأَّعْمَى
٣
فَتَنَفَعَهُ الذِّكْرَ ﴿ أَمَا مَنِ أُسْتَغْنٌَ
٧
فَأنْتَ لَمُ تَصَدَّى ﴿ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزََّّى
وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى
وَهُوَ يَخْشَى
٨
١٠
فَأَنْتَ عَنْهُ نَلَقَّى
القراءات:
١٠٠٠٠
فتنفعه
قرأ عاصم (فتنفعَه) وقرأ الباقون (فتنفعُه).
تَصَدَّى﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير (تَصَّدَّى).
الإعراب:
٠٠٠
®): في موضع
) أَنْ جَهُ اُلْأَعْمَىِ (®﴾ ﴿أَنْ جَهُ اُلْأَعْمَى
رهَلا
﴿ عَبَسَ وَتَولى
نصب؛ لأنه مفعول لأجله، وتقديره: لأن جاءه، فحذف اللام فاتصل الفعل
به. ومنهم من جعله في موضع جر، بإعمال حرف الجر مع الحذف، لكثرة
حذفها معها، وهي وحرف الجر في موضع نصب بالفعل قبلها.
(١) البحر المحيط: ٤٢٧/٨

٤٢٧
لُزُ (٣٠) - عَبَسَنَّ: ٨٠ /١-١٠
﴿فَتَنَفَعَهُ الذِّكْرَىَ﴾ ﴿فَتَنَفَعَهُ﴾: بالنصب على جواب الترجي: (لعل) بالفاء
بتقدير (أن). وبالرفع بالعطف على ﴿يَذَكَّرُ﴾.
﴿ وَمَّا مَن جَكَ يَسْعَىٌ ﴿جَ﴾ ﴿يَسْعَى﴾: حال من فاعل: جاء. ﴿ وَهُوَ يَخْشَى
حال من فاعل: يسعى، وهو الأعمى.
البلاغة:
﴾ التفات من
﴿عَبَسَ وَتَوٌَّ ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (
الغيبة إلى الخطاب دلالة على مزيد الإنكار، وزيادة في العتاب، وتنبيهاً للرسول
وَخليه إلى العناية بشأن الأعمى، كمن يشكو جانياً بطريق الغيبة، وهو حاضر، ثم
يقبل على الجاني مواجهاً بالتوبيخ. وفي ذكر الأعمى إنكار أيضاً؛ لأن العمى
يوجب العطف والرأفة عند ذوي الآداب غالباً، لا التولي والعبوس.
﴿ يَذَّكَّرُ﴾ و ﴿الذِّكْرَىَ﴾ جناس اشتقاق.
سجع
وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزََّّى
﴿عَبَسَ وَتَوَلٌَّ ﴿ أَنْ جَهُ اٌلْأَعْمَى (3)
مرصع.
تَصَدَّى﴾ ﴿نَلَقَّى﴾ بينهما طـ
المفردات اللغوية:
﴿عَسَ﴾ قطَّب وجهه. ﴿وَتَوٌَّ﴾ أعرض. ﴿أَنْ جَءَهُ الْأَعْمَى ﴾﴾ لأجل أن
جاءه عبد الله بن أم مكتوم، فقطعه عما هو مشغول به من محاولة هداية
أشراف قريش إلى الإسلام. وقد أطبق المفسرون على أن الذي عبس هو
الرسول ◌َ﴿، والأعمى: هو ابن أم مكتوم، واسمه عبد الله بن شُرَيح بن
مالك بن ربيعة الزهري. وقد عاتب الله نبيه على عبوسه في وجه الأعمى،
حتى لا تنكسر قلوب أهل الصُّفَّة؛ أو ليعلم أن المؤمن الفقير خير من الغني،
ے

٤٢٨
لُرُ (٣٠) - عَبَ: ٨٠ / ١- ١٠
وأن النظر إلى المؤمن أولى وأصلح، وإن كان فقيراً، من النظر إلى غيره، وهو
الإقبال على الأغنياء طمعاً في إيمانهم، وإن كان فيه نوع من المصلحة أيضاً (١).
﴿وَمَا يُدْرِبِكَ﴾ أيْ: أيُّ شيء يعلمك ويعرّفك حال هذا الأعمى؟ ﴿لَعَلَُّ
يَزَّكَ﴾ يتطهر من الذنوب بما يسمع منك وبما يتعرف عليه من الشرائع، وفيه
إيماء بأن إعراضه كان لتزكية غيره . ﴿أَوْ يَذَكَّرُ﴾ يتعظ، أصله يتذكر، فأدغم
التاء في الذال.﴿فَتَفَعَهُ الذِّكْرَىّ﴾ العظة المسموعة منك.
﴿أَسْتَغْنَى﴾ بالمال والجاه والقوة عن سماع القرآن. ﴿تَصَدَّى﴾ تُقْبِلُ وتَعْرِض،
وقرئ: (تصّدَّى) وأصله: تتصدى، فأدغم التاء الثانية بالصاد. ﴿أَلَّ يَزَّكَ﴾
يتطهر ويؤمن، أي ليس عليك بأس في ألا يتزكى بالإسلام، حتى يبعثك
الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم، إن عليك إلا البلاغ. ﴿وَهُوَ
يَخْشَى ﴾﴾ أي يخاف الله، وهو الأعمى . ﴿نَلَغَّى﴾ تتشاغل، وأصله تتلهى،
فحذفت التاء الأخرى.
سبب النزول:
نزول الآية (١):
﴿عَسَ﴾: أخرج الترمذي والحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت: أنزل
﴿عَسَ وَتَوَلَّ (٦) في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله وَّر، فجعل
يقول: يا رسول الله، أرشدني، وعند رسول الله وَلهو رجل من عظماء
المشركين، فجعل رسول الله وَل يعرض عنه، ويقبل على الآخر، فيقول له:
أترى بما أقول بأساً؟ فيقول: لا، فنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٌ ﴿ أَنْ جَهُ الْأَعْمَى
. وأخرج أبو يعلى مثله عن أنس.
(١) تفسير القرطبي: ٢١٣/١٩

٤٢٩
اِلُعُ (٣٠) - عَبَسَنَ: ٨٠ /١- ١٠
التفسير والبيان:
﴿عَسَ وَتَوَيُّ ﴿ أَن ◌َّهُ الْأَعْنَى ﴾﴾ أي قطب النبي ◌َّ وجهه،
وأعرض، لأن جاءه الأعمى وقطع كلامه، وهو عبد الله بن أم مكتوم، فكره
رسول الله ولو أن يقطع عليه ابن أم مكتوم كلامه، فأعرض عنه، فنزلت.
وعُذْر ابن أم مكتوم أنه لم يدر بتشاغل النبي ◌َّؤ.
﴾ أي وما يعلمك
﴿وَمَا يُدْرِكَ لَعَلَّمُ يَزَّكَّى ﴿ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنَفَعَهُ الذِّكْرَىّ (®
ويعرفك يا محمد لعل الأعمى يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح بسبب ما
يتعلمه منك، أو يتذكر فيتعظ بما تعلمه من المواعظ، فتنفعه الموعظة.
وفي هذا إيماء إلى أن غير الأعمى ممن تصدى لتزكيتهم وتذكيرهم من
المشركين لا يرجى منهم الهداية. وفيه تعظيم من الله سبحانه لابن أم مكتوم.
وكان هذا التصرف من النبي ◌َّه بمثابة ترك الاحتياط وترك الأفضل، فلم
يكن ذلك ذنباً ألبتة، ولا مصادماً لمبدأ عصمة الأنبياء، لصدور الفعل عن أمر
تابع للجبلّة الإنسانية كالرضا والغضب والضحك والبكاء، والتي رفع عنها
التكليف في شريعة الإسلام.
وبعد هذا الوصف المؤذن بالعتاب جاء العتاب صريحاً في قوله تعالى:
اً - ﴿أَمَّا مَنِ أُسْتَغْفِىِّ ﴿ فَتَ لَهُ تَصَدَّى ﴾﴾ أي أما من استغنى بماله
وثروته وقوته عما لديك من معارف القرآن والهداية الإلهية، وعن الإيمان
والعلم، فأنت تقبل عليه بوجهك وحديثك، وهو يظهر الاستغناء عنك
والإعراض عما جئت به.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَا يَزَّ ﴾﴾ أي لا بأس ولا شيء عليك في ألا يسلم ولا
يهتدي، ولا يتطهر من الذنوب، فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فلا تهتم بأمر من
كان مثل هؤلاء من الكفار.
أَ - ﴿وَأَمَّا مَن جَاءَ يَسْعَىِّ ﴿َ وَهُوَ يَخْشَىِ ﴿َ فَأَنْتَ عَنْهُ نَلَقَّى (®﴾ أي وأما
أ

٤٣٠
الُرعُ (٣٠) - عَبَنَّ: ٨٠ /١-١٠
من أتى إليك مسرعاً في طلب الهداية والإرشاد إلى الخير، والعظة بمواعظ الله،
وهو يخاف الله تعالى، فأنت تتشاغل عنه وتعرض وتتغافل.
لذا أمر الله تعالى رسوله وَلي ألا يخص بالإنذار أحداً، بل يساوي فيه بين
الشريف والضعيف، والغني والفقير، والسادة والعبيد، والرجال والنساء،
والصغار والكبار، ثم يهدي الله تعالى من يشاء إلى صراط مستقيم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - الآية عتاب من الله تعالى لنبيه وَ ◌ّله في إعراضه وتوليه عن عبد الله بن أم
مكتوم، حتى لا تنكسر قلوب الفقراء، وليعلم أن المؤمن الفقير خير من الغني.
◌َ - بالرغم من أن ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزجر؛ لأنه أبى
إلا أن يكلم النبي وَلّ حتى يُعلِّمه، فكان في هذا نوع جفاء منه، بالرغم من
هذا عاتب الله تعالى نبيه وهيلر؛ لأن الأهم مقدم على المهم. ويستحق التأديب
أيضاً؛ لأنه كان قد أسلم وتعلَّم ما كان يحتاج إليه من أمر الدين. أما أولئك
الكفار فما كانوا قد أسلموا، وإسلامهم سبب لإسلام جمع عظيم.
◌َّ - عُذْر ابن أم مكتوم: أنه لم يكن عالماً بأن النبي وَّ مشغول بغيره، وأنه
يرجو إسلامهم.
٤ - الآية دليل واضح على وجوب المساواة في الإسلام في شأن الإنذار
وتبليغ الدعوة دون تمييز بين فقير وغني. ونظير هذه الآية في العتاب قوله
تعالى: ﴿وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَاَلْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٦/
٥٢] وقوله سبحانه: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِلْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ
يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا
(يَا﴾ [الكهف: ٢٨/١٨].
قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطَا
٠

٤٣١
لِلُ (٣٠) - عَبَسَنٌ: ٨٠ /١١-٢٣
٥ - أراد الله توفير جهد نبيه وص له في دعوة رؤساء قريش إلى الإسلام، وهم
في الحقيقة لن يؤمنوا، وكفاهم ما بلَّغهم به من دعوته إلى التوحيد، ونبذ عبادة
الأوثان، وليس عليه بأس بعدئذ في ألا يهتدوا ولا يؤمنوا، فإنما هو رسول،
ما عليه إلا البلاغ، ولا يصح أن يكون الحرص على إسلامهم مؤدياً إلى
الإعراض عمن أسلم، للاشتغال بدعوة من لم يسلم.
القرآن موعظة وتذكرة ونعم الله في نفس الإنسان
◌ْكَلَّ إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ ﴿ فَنْ شَآءَ ذَكَرَهُ ﴿لَ فِ صُفٍ مُكَرَّمَةٍ
تَرَّفُوعَةِ مُطَهَّرَقِ
١٣
مِنْ أَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ
١٧
قُئِلَ اَلْإِسَنُ مَآ أَكْفَرَهُ
كِرَامٍ بَرَقِ يَّ
١٥
بِأَيْدِى سَفَرَةِ
١٤
ثُمَّ أَمَانَهُ فَأَقْرَهُ
٢٠
ثُمَّ السَّبِيلَ يَشَرَهُ
١٩
مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
١٨
ثُمَّ إِذَا شَآءَ
٢١
٢٣
كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَهُ
٣٣
أَنْشَرَهُ
الإعراب:
﴿فِ صُحُفٍ﴾ خبر ثان لـ ﴿إِنََّا﴾ وما قبله اعتراض، أو خبر لمبتدأ محذوف.
﴿قُئِلَ أَلْإِنسَنُ مَآ أَكْفَرَهُ
١٧)﴾ ﴿مَا﴾ إما تعجبية، وإما استفهامية.
٢٠
٤ السبيل منصوب بفعل يفسره الظاهر، للمبالغة في
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَرَءُ
التيسير.
٢٣
﴾ ﴿لَمَّا﴾ حرف جزم، معناه النفي لما قرب من
﴿كَلَّا لَمَا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ
الحال. و﴿مَا أَمَرَؤُ﴾ تقديره: لِ أمَرَهُ به، فحذف الباء من (به) ثم حذف الهاء
العائدة إلى (ما) فصار: لما أمره.
البلاغة:
أسلوب التعجب، تعجب من إفراط كفره،
﴿قُئِلَ الْإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ
مع كثرة إحسان الله إليه.

٤٣٢
لِلُ (٣٠) - عَبَسَنَ: ٨٠ /١١-٢٣
إجمال، ثم تفصيل بقوله: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
﴿مِنْ أَمِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ
٢١
: ثُمَّ أَمَانَهُ فَأَقْبَرَهُ
٢٠
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَءُ
كناية بالسبيل عن خروجه من فرج الأم.
٢٠
﴿ثُمَّ اُلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ
﴿فِ صُحُفٍ تُكَرََّةٍ ﴿ قَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةِ ﴿ بِأَيْدِى سَفَرَةِ ﴾ كِرَِ بَرَةٍ
الخ توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات، وهو المسمى بالسجع المرصع.
المفردات اللغوية:
﴿كَلَّ﴾ كلمة ردع وزجر، والمراد هنا زجر المخاطب عن المعاتب عليه، أو
عن معاودة مثله، أي لا تفعل مثل ذلك . ﴿إِنَّهَا﴾ أي الهداية أو آيات القرآن.
﴿ نَذْكِرَةٌ﴾ موعظة، وهي في معنى الذكر والوعظ، لذا ذكّر الضمير العائد إليها
في قوله: ﴿فَ شَآءَ ذَكَرَهُ ﴾﴾ أي اتعظ به، أو حفظه. والمراد أن هذا
القرآن، أو هذا التأديب الذي عرّفناكه في إجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى
أهل الدنيا ثبت في اللوح المحفوظ الذي قد وكل بحفظه أكابر الملائكة.
﴿ فِ صُحُفٍ تُكَرَّمَةِ ﴾ أي إن التذكرة مثبتة كائنة مودعة في صحف شريفة
عند الله . ﴿فَرْفُوعَةٍ﴾ رفيعة القدر في السماء. ﴿قُطَهَّرَةِ﴾ منزهة عن أيدي
(3) كَتَبة من الملائكة ينسخونها من
الشياطين، وعن النقص . ﴿ بِأَيْدِى سَفَرَةِ
اللوح المحفوظ. ﴿كِرَامٍ﴾ أعزاء على الله تعالى. ﴿بَرَرَقٍ﴾ أتقياء مطيعين لله تعالى،
وهم الملائكة.
﴿قُلِلَ الْإِنْسَنُ مَآ أَكْفَرَهُ ﴾﴾ دعاء عليه بأشنع الدعوات، وتعجب من
إفراطه في كفران النعم، أو استفهام توبيخ، أي ما حمله على الكفر؟! ﴿مِنْ أَيِّ
بيان لما أنعم عليه، والاستفهام للتحقير.
شَىْءٍ خَلَقَهُ لا
﴿مِن نُطْفَةٍ خَقَهُ﴾ من مني ثم من علقة ثم من مضغة إلى آخر خلقه . ﴿فَقَدَّرَهُ﴾
أي سهّل له
أي أنشأه في أطوار وأحوال مختلفة. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَرَءُ

٤٣٣
إِلُعُ (٣٠) - عَبَسَنَ: ٨٠ /١١-٢٣
مخرجه من بطن أمه، وهو كناية، أو سهل له طريق الخير والشر. ﴿فَأَقْبَهُ﴾
جعله في قبر يستره، ويُوارى فيه. ﴿أَنْشَرَهُ﴾ بعثه بعد الموت. ﴿كَلَّا﴾ ردع
للإنسان عما هو عليه من الترفع والتكبر . ﴿لَقَّا يَقْضِ مَّا أَمَرَهُ﴾ أي لم يفعل ما
أمره الله به بنحو كامل؛ إذ لا يخلو أحد من التقصير في شيء ما.
سبب النزول:
نزول الآية (١٧):
(٣): أخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿قُئِلَ
﴿قُئِلَ اُلْإِنِسَنُ مَآ أَكْفَرَهُ
قال: نزلت في عُثْبة بن أبي لهب حين قال: كفرت برب
اُلْإِنْسَنُ مَا أَكْفَرَهُ
النجم.
المناسبة:
بعد عتاب الله لنبيه على عبوسه في وجه عبد الله بن أم مكتوم بسبب
انشغاله مع رؤساء قريش، سرّى الله عنه بقوله: ﴿كَلَّ﴾ أي لا تفعل مثل
ذلك، وعرَّفه بأن الهداية لا تحتاج لجهود ومحاولات كثيرة، وأن هذا التأديب
الذي أوحى إليه به كان لإجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا،
وهذا القرآن مجرد تذكرة لتنبيه الغافلين، فمن رغب فيها، اتعظ بها وحفظها
وعمل بموجبها، وهي مودعة في صحف شريفة القدر.
وبعد بيان حال القرآن وأنه كتاب الذكرى والموعظة، ذمّ الله الإنسان
ووبخه على كفران نعم ربه، وتكبره وتعاظمه عن قبول هداية الله له، وأنه
استحق أعظم أنواع العقاب لأجل ارتكابه أعظم أنواع القبائح.
التفسير والبيان:
﴾ أي لا تفعل مثل فعلك مع ابن أم مكتوم، من
كَلَّ إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ

٤٣٤
الجُرَءُ (٣٠) - عَبَسَنٌ: ٨٠ /١١-٢٣
الإعراض عن الفقير، والتصدي للغني مع كونه ليس ممن يتزكى، وإن هذه
الآيات أو السورة أو القرآن موعظة، جدير بك وبأمتك أن تتعظ بها وتعمل
بموجبها.
وفي الآية تعظيم شأن القرآن، فسواء قبله الكفرة أم لا ، فلا يؤبه بهم، ولا
يلتفت إليهم.
ثم وصف تلك التذكرة بأمرين:
اً - ﴿فَنْ شَآءَ ذَكَرَهُ ﴾﴾ أي إن هذه تذكرة بيِّنة ظاهرة، مقدور على فهمها
والاتعاظ بها والعمل بموجبها، فمن رغب فيها اتعظ بها، وحفظها، وعمل
بموجبها.
أَ - ﴿فِ صُحُفٍ تُكَرَّمَةٍ ﴿ فَرْفُوعَةِ مُطَهَّرَةِمِ
كِرَبِ بَرَهِ
بِأَيْدِى سَفَرَةٍ م
١٤
(١) أي إنها تذكرة مثبتة مودعة كائنة في صحف مكرمة عند الله، لما فيها من
العلم والحكمة، ولنزولها من اللوح المحفوظ، رفيعة القدر عند الله، منزَّهة لا
يمسّها إلا المطهرون، مصانة عن الشياطين والكفار، لا ينالونها، ومنزَّهة عن
النقص والضلالات، محمولة بأيدي ملائكة سفرة وسائط يسفرون بالوحي بين
الله ورسله لتبليغها للناس، من السفارة: وهي السعي بين القوم.
وهم كرام على ربهم، كرام عن المعاصي، أتقياء مطيعون لربهم، صادقون
في إيمانهم، أي إن الله تعالى وصف الملائكة بصفات ثلاث: هي كونهم سفراء
ينزلون بالوحي بين الله وبين رسله، وكرام على ربهم، ومطيعون لله، كما قال
تعالى: ﴿بَلْ عِبَادُ شُكْرُمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦/٢١] وقال: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦/٦٦].
قال ابن جرير الطبري: والصحيح أن السفرة: الملائكة، والسفرة يعني
بين الله تعالى وبين خلقه، ومنه يقال: السفير: الذي يسعى بين الناس في
الصلح والخير.
بيه

٤٣٥
الزُ (٣٠) - عَبَسَنَّ: ٨٠ /١١-٢٣
أخرج الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن عائشة رضي الله عنها
قالت: قال رسول الله وَله: ((الذي يقرأ القرآن، وهو ماهر به، مع السفرة
الكرام البررة، والذي يقرؤه، وهو عليه شاق، له أجران)).
ثم ذم الله تعالى من أنكر البعث والنشور من الناس بقوله:
﴿قُئِلَ الْإِنسَنُ مَآ أَكْفَرَهُ (٣﴾ أي لعن الإنسان الكافر، أو قتل أو عذب،
ما أشد كفره؟! وهذا دعاء عليه بأشنع الدعوات، وتعجب من إفراطه في
الكفر، ودليل على سخط عظيم وذم بليغ، يدل على قبح حاله، وبلوغه حداً
من العتو والكبر لا يستحق معه الحياة. وهذا جارٍ على أسلوب العرب عند
التعجب من شيء، فيقال: قاتله الله ما أفصحه؟! والمراد بالكلام الملائم في
حقه تعالى هنا: إرادة إيصال العقاب الشديد للكافر.
ثم ذكّره بخلقه من الشيء الحقير، وأنه قادر على إعادته كما بدأه، فقال
تعالی:
أي من أي شيء مهين
١٩
ـ مِنْ تُطْفَةٍ خَلَقَمُ فَقَدَّرَهُ
﴿ مِنْ أَتِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ
حقير، خلق الله هذا الكافر بربِّه؟ فلا ينبغي له التكبر عن الطاعة، إنه تعالى
خلقه من ماء مهين، وقدَّره أطواراً وأحوالاً، وسوَّاه وهيَّأه لمصالح نفسه،
وأتَّ خلقه وأكمله بأعضائه الملائمة لحاجاته مدة حياته، وزوّده بطاقات العقل
والفكر والفهم، والقوى والحواس للاستفادة من نعم الله تعالى، فلا
يستعملها فيما يغضب الله، وإنما عليه استعمالها في رضوان الله.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَرَؤُ (٣)﴾ إما كناية عن خروجه بسهولة من فرج أمه، وإما
أنه تعالى يسر له الطريق إلى تحصيل الخير أو الشر، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ
[البلد: ١٠/٩٠] أي بيَّنا له طريق الخير وطريق الشر، وقال
التَّجْدَیْنِ
@ [الإنسان: ٣/٧٦].
٣
سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا

٤٣٦
◌ِلُعُ (٣٠) - عَبَسَنٌ: ٨٠ /١١-٢٣
أي إنه بعد خلقه له وتمكينه من
٢٢
ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ
٢١
﴿ثُمَّ أَمَانَهُ فَأَقْرَهُ
الحياة قبض روحه، وجعله في قبر يوارى فيه إكراماً له، ولم يجعله ملقى على
وجه الأرض تأكله السباع والطير، ثم إذا شاء الله إنشاره أحياه بعد موته، أو
بعثه بعد موته، في الوقت الذي يريده الله تعالى. ومنه يقال: البعث والنشور.
والإماتة ستر للعيوب بعد الهرم أو المرض، والإقبار تكرمة حيث لم يُلْقَ
للطير والسباع، والإنشار أي البعث عدل وفضل. ثم لامه على تقصيره، وأكد
كفره بالنعم، فقال:
﴾﴾ أي هذا ردع وزجر للإنسان عما هو عليه،
﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَّآ أَمَؤُ (
فلم يخل إنسان من تقصير قط، فبعض الناس أخل بالكفر، وبعضهم
بالعصيان، وبعضهم بارتكاب خلاف الأولى والأفضل بما يليق بمنزلته، وما
قضى ما أمره الله إلا القليل. والآية تدل على العجب من حال الإنسان، فإنه
قد ينكر خالقه بعد قيام الأدلة على وجوده في نفسه وفي السماوات والأرض،
وقد يجحد نعمة ربه، فلا يقابلها بالحمد والشكر وعرفان الجميل، وينسبها إلى
نفسه، وقد يعصي الله بالرغم من وجود أدلة الهداية والرشد، وإدراكه مخاطر
العصيان.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - القرآن الكريم كتاب تذكرة وموعظة وتبصرة للناس جميعاً، فمن أراد
اتعظ بالقرآن وانتفع به وعمل بموجبه. وهذا دليل على حرية الاختيار.
ا - القرآن کتاب جلیل عند الله، فهو مثبت مودع في صحف مكرمة عند
الله، لما فيها من العلم والحكمة، رفيعة القدر عند الله، مطهرة من کل دنس،
مصانة عن أن ينالها الكفار، محمولة بأيدي ملائكة جعلهم الله سفراء بينه وبين

٤٣٧
لُرءُ (٣٠) - عَبَسَ: ٨٠ /١١-٢٣
رسله، وهم كرام على ربهم، كرام عن المعاصي، يرفعون أنفسهم عنها،
مطيعون الله، صادقون لله في أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ (
VV
﴾ [الواقعة: ٧٧/٥٦-٧٩].
١٧٩
فِي كِتَبٍ تَكْنُونِ ﴿ لَا يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
ـّ - لعن الإنسان حيث كفر بالقرآن، وما أظلمه حيث أنكر البعث
والنشور، فالله قادر على إعادته كما قدر على بدء خلقه، فإنه خلقه من ماء
يسير مهين، ثم جعله يمر بأطوار بعد كونه نطفة، إلى وقت إنشائه خلقاً آخر،
وبأحوال من كونه ذكراً أو أنثى أو شقياً أو سعيداً، حسناً أو دميماً، قصيراً
أو طويلاً، فكيف يليق به التكبر والتجبر عن أوامر الله؟ ثم يسر له سلوك
طريق الخير والشر، أي بيَّن له ذلك، كما قال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾
[الإنسان: ٣/٧٦] وقال: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ [البلد: ١٠/٩٠].
ثم جعل له قبراً يوارى فيه إكراماً له، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض
تأكله الطير والسباع. وهذا دليل على أن الله سبحانه أمر بدفن الأموات
الإنسية تكرمة لهم، سواء أكانوا مؤمنين أم كفاراً، دون أن يطرحوا على وجه
الأرض، طعمة للسباع، كسائر الحيوان.
ثم إذا شاء الله أنشره، أي أحياه بعد موته.
وكل هذه الانتقالات دلالات واضحة على أنه سبحانه إذا شاء أن ينشر
الإنسان ببعثه من قبره أنشره. وهذه الانتقالات أو المراتب ثلاث: الأولى
بداية خلقه من ماء مهين، وهذا دليل على زيادة التقرير في التحقير، والثانية
المتوسطة -التمييز بين الخير والشر، والثالثة الأخيرة- الإماتة والإقبار،
والإنشار، أي الإحياء بعد البعث.
٤ - كل إنسان إلا القليل مقصر في حق الله، فلا يقضي أحد ما أمر به،
من الإيمان والطاعة، والتأمل في دلائل الله، والتدبر في عجائب خلق الله
وبینات حکمته.

٤٣٨
الزُعُ (٣٠) - عَبَسَنٌ}: ٨٠ /٢٤-٣٢
نعم الله فيما يحتاج إليه الإنسان
﴿ أَنَّا صَبَيْنَا الْمَآءَ صَبَّاً (﴿َ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا
فَلَنْظُرِ الْإِنْسَنُ إِلَى طَعَامِهِ.
٢٤
IL
وَزَيْتُنَا وَنَخْلاً .
٢٨
فَأَنْبَنَا فِيهَا حَبَّ ثَ وَعِنَبًا وَقَضْبًا
وَحَدَآَبِقَ غُلّباً
٣٠
وَفَكِهَةٌ وَأَبََّ ﴿جَ مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ
(٣٢)
القراءات:
﴿ أَنَا صَبَّنَا﴾:
قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي (أنا صبينا) وقرأ الباقون (إنا صيبنا).
الإعراب:
﴿ فَيَنْظُرِ اَلْإِنْسَنُ إِلَى طَعَامِهِ- (
9)﴾ ﴿أَنَا﴾ إما بدل من
أَنَّا صَبَيْنَا الْمَآءَ صَبًّا
٢٤
﴿طَعَامِهِ=﴾ بدل اشتمال؛ لأن هذه الأشياء تشتمل على الطعام، وإما على
تقدير اللام،، أي لأنا صببنا. وتقرأ بالكسر ( إنا ) على الابتداء والاستئناف.
المفردات اللغوية:
﴿فَلْنَظُرِ الْإِنْسَنُ﴾ نظر تأمل واعتبار. ﴿إِلَى طَعَامِهِ﴾ كيف أوجد وقدر ودبر
له؟ والظاهر أن الطعام هو المطعوم. ﴿أَنَّا صَبَيْنَا الْمَآءَ صَبَّا (٣٥)﴾ أي أنزلناه
بسخاء وكثرة من السحاب، وهو بيان لكيفية إحداث الطعام . ﴿ثُمَّ شَفَقْنَا
أي شققناه بالنبات، وإسناد الصب والشق إلى الله نفسه
اُلْأَرْضَ شَقًّا
إسناد الفعل إلى السبب . ﴿فَأَنْتَنَا فِيَهَا حَبَّاً ﴿4﴾ كالحنطة والشعير. ﴿وَقَضْبًا﴾ هو
القت الرطب أو البرسيم، سمي قضباً لأنه يقضب، أي يقطع مرة بعد أخرى.
﴿وَحَدَابِقَ غُلَبً (®) بساتين ضخاماً عظاماً، كثيرة الأشجار، جمع غلباء،
وصف به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها. ﴿وَأَبَّ﴾ الأب: العشب أو ما

٤٣٩
لُعُ (٣٠) - عَبَسِ: ٨٠ /٢٤-٣٢
ترعاه البهائم، سمي أبّاً؛ لأنه يُؤبّ، أي يُؤَم وينتجع. ﴿مَشَعًا لَّكُمْ وَلِأَتْعَمِكُمْ
متعة أو تمتيعاً، أي أنبتناه لكم لتتمتعوا وتنتفع أنعامكم، فبعض
الأنواع المذكورة طعام وبعضها علف.
المناسبة:
بعد بيان الدلائل على قدرة الله تعالى وتعداد نعمه في الأنفس البشرية أو
الذوات، ذكر الله دلائل الآفاق، وعدَّد النعم التي يحتاج إليها الإنسان لقوام
حياته.
التفسير والبيان:
﴿فَيُنْظُرِ الْإِنْسَنُ إِلَى طَعَامِهِ، (٣)﴾ أي فليتأمل الإنسان كيف خلق الله طعامه
الذي يعيش به، ويكون سبباً لحياته، وكيف دبره وهيأه له. وفي هذا امتنان
بهذه النعمة، واستدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام
بعدما كانت عظاماً بالية.
ثم أوضح كيفية إيجاد الطعام، فقال:
أننا أنزلنا الماء من
﴿أَنَّا صَبَيْنَا اُلْمَّةَ صَبَّا ﴿٣ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا
السماء أو السحاب على الأرض بغزارة وكثرة، فصب الماء هو المطر، ثم
أسكناه في الأرض، ثم رَوينا البذر المودع فيها، ثم شققناها بالنبات الخارج
منها، فارتفع وظهر على وجهها، فكان هناك أنواع مختلفة من النباتات في
الصغر والكبر، والهيئة والشكل، واللون والطعم، والأغراض المتنوعة
كالغذاء والدواء والمرعى، لذا ذكر تعالى بعدئذ ثمانية أنواع من النبات بقوله:
اَ - ◌َّ - ﴿فَأَنْبَنَا فِيهَا حَبًَّ لإ
(٨) أي فأنبتنا في الأرض
وَعِنَبًا وَقَضْبًا
الحبوب التي يتغذى بها كالحنطة والشعير والذرة، والأعناب المتنوعة، والرطبة
أو القت أو البرسيم أو الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة. والمعنى أن النبات
لا يزال ينمو ويتزايد إلى أن يصير حباً وعنباً وقضباً. وقيل: القضب: العلف.

٤٤٠
لِلُعُ (٣٠) - عَبَسَنَّ: ٨٠ /٢٤-٣٢
(®) أي وأنبتنا أيضاً شجر الزيتون والنخيل،
٤ - ٥ - ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (
وثمرتهما معروفة.
وَفَكِهَةً وَأَبَّا (®) أي بساتين ذات أشجار
٩ - ٨ - ﴿وَ حَدَابِقَ غُلَ (َ
ضخمة ومتكاثفة كثيرة، وفاكهة وهي كل ما يتفكه به من الثمار، أي يستمتع
به، كالتفاح والكمّثرى والموز والخوخ والتين ونحوها، وعشباً أوحشيشاً
مرعى للدواب، فالأبُّ: كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس ولا
يزرعونه من الكلأ وسائر أنواع المرعى للحيوان.
ثم ذكر وجه النعمة أو الحكمة في خلق هذه النباتات، فقال:
﴿قَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ (®﴾ أي جعلنا ذلك متعة أو عيشة لكم
ولأنعامكم، لتنتفعوا بها وتأكلها بهائمكم، والأنعام: هي الإبل والبقر
والغنم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - أمر الله تعالى بالنظر والاستدلال والتدبر إلى الطعام الذي يتناوله
الإنسان، ويعيش به، كيف دَبَّر الله أمره، من إنزال الماء من السماء، ثم شق
الأرض بالنبات أو بالحراثة على الدواب أو بالآلات، وإخراج أنواع النبات
المختلفة.
أَ - ذكر الله تعالى ثمانية أنواع من النبات: وهي الحب: وهو كل ما حصد
من نحو الحنطة والشعير وغيرهما، وقُدِّم لأنه كالأصل في الغذاء، والعنب،
وذكر بعد الحب، لأنه غذاء من وجه وفاكهة من وجه آخر، والقضب عند
أهل مكة واليمن: وهو الرطبة المسماة بالقت، والزيتون والنخيل، والحدائق
ذات الأشجار الضخمة الكثيرة، والفاكهة: وهي ما يأكله الناس من الثمار،