Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ الُ (٣٠) - النَّبّ: ٧٨ / ١٧ -٣٠ الذي ينفخ فيه إسرافيل بالبوق أو القرن، فتأتون أيها الخلائق من قبوركم إلى موضع العرض زمراً زمراً، وجماعات جماعات، تأتي فيه كل أمة مع رسولها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍِ بِإِمَِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١/١٧]. أي وتصدعت السماء وشقت، ٢ - ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَبَا (®) فصارت ذات أبواب كثيرة وطرقاً ومسالك لنزول الملائكة، ونظير الآية كثير ﴿ إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ ﴾ [الانشقاق: ١/٨٤]. ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ مثل : ٢٥ ﴾ [الانفطار: ١/٨٢]. ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِلْغَمَِ وَنُزْلَ الْلَبِكَةُ تَنزِيلًا [الفرقان: ٢٥/٢٥]. وهذا يعني تبدل نظام الكون، وذهاب التماسك بين أجزائه. ٣ - ﴿وَسُيِرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٣)﴾ أي وأزيلت الجبال عن أماكنها، وبددت في الهواء، فكانت هباء منبئاً، يظن الناظر أنها سراب، وتبدأ أولاً بالدك كما قال تعالى: ﴿وَحُلَتِ الْأَرْضُ وَلَلْجِبَالُ فَدِّكُنَا دَّكَّةً وَحِدَةً (﴿1﴾ [الحاقة: ١٤/٦٩] ثم تصير كالعهن أو الصوف المنفوش كما قال: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ : [القارعة: ٥/١٠١] ثم تتقطع وتتبدد وتصير كالهباء، كَأَلْعِهْنِ اُلْمَنْفُوشِ كما قال: ﴿إِذَا رُحَتِ الْأَرْضُ رَّا ﴿ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسَّا جَ فَكَانَتْ هَبَآَّةً مُثْبَثًا ) [الواقعة: ٤/٥٦-٦] ثم تنسف عن الأرض بالرياح، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ لَلْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِ نَسْفًا ﴾ [طه: ٢٠ /١٠٥] ١٠٥ وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَزَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨/٢٧](١). ثم ذكر الله تعالى ما يلاقيه المكذبون الضالون الأشقياء يومئذ بقوله: ﴿﴿ لَِّنَ فِيَهَا أَحْقَابًا ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِنْ صَادًا (٨) لِلطَّغِينَ مَثَابًا ٢٣ أي إن نار جهنم كانت في حكم الله وقضائه مرصدة معدَّة للطغاة المتجبرين (١) تفسير الرازي: ١١/٣١-١٢ ٣٨٢ لِلُعُ (٣٠) - الثَبا: ٧٨ / ١٧ -٣٠ المتكبرين وهم المردة العصاة المخالفون للرسل، ومرجعاً ومصيراً ونزلاً لهم، حالة كونهم ماكثين فيها ما دامت الدهور. والأحقاب جمع حُقُب ومفردها حِقْبة: وهي المدة الطويلة من الزمان، إذا مضى حُقُب دخل آخر، وهكذا إلى الأبد. والمرصاد: إما اسم للمكان الذي يرصد فيه، وإما صفة بمعنى أنها ترصد أعداء الله. والآية دليل على أن جهنم كانت مخلوقة؛ لأن قوله: ﴿مِنْ صَادَا﴾ أي معدَّة، ومثلها الجنة أيضاً إذ لا فرق بينهما. جَزَآءَ وِفَاقًا ﴿َّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَبًا ﴿ إِلَّا حَيمًا وَغَسَّاقًا ◌ِّ) ﴾(١) أي لا يذوقون في جهنم أو في الأحقاب برداً ينفعهم من حرها، ولا شراباً ينفعهم من عطشها إلا الحميم: وهو الماء الحار الشديد الغليان، والغساق: وهو صديد أهل النار، وهذا العذاب موافق الذنب العظيم الذي ارتكبوه نوعاً ومقداراً، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار، وقد كانت أعمالهم سيئة، فجوزوا بمثلها، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سَبِئَةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠/٤٢]. وقيل: البرد: النعاس والنوم. ويلاحظ أنه تعالى بعد أن شرح أنواع عقوبة الكفار، بين أنه جزاء حق وعدل موافق لأعمالهم. ثم عدد الله تعالى أنواع جرائمهم، فقال: وَكَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا كِذَّابًا ﴿َ﴾ أي إنهم ﴿إِنَّهُمْ كَانُوْ لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (49) اقترفوا الأعمال السيئة والقبائح المنكرة؛ لأنهم لا يطمعون في ثواب، ولا (١) قال أبو حيان في البحر المحيط (٤١٤/٨): والذي يظهر أن قوله: ﴿لَّ يَذُوقُونَ﴾ كلام مستأنف، وليس في موضع الحال، و(إِلَا حَمِيمًا﴾ استثناء متصل من قوله: ﴿وَلَا شَرَابًا﴾ وأن ﴿أَحْقَابًا﴾ منصوب على الظرف، حملاً على المشهور من لغة العرب، لا منصوب على الحال. ٣٨٣ الُرُ (٣٠) - النَّجُل: ٧٨ / ١٧ -٣٠ يخافون من حساب؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث. فقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لَا أي لا يخافون أو لا يتوقعون حساباً: علة التأبيد في ٢٧ يَرَجُونَ حِسَابًا العذاب. وكذبوا بالآيات القرآنية والبراهين الدالة على التوحيد والنبوة والمعاد تكذيباً شديداً. وهذا إشارة إلى فساد عقائدهم، حتى جحدوا الحق وكذبوا الرسل. ثم أخبر الله تعالى عن إحصاء جميع أعمالهم بقوله : ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ كِتَبًا (٣َ﴾ أي إننا علمنا جميع أعمال العباد، وكتبناها عليهم، وكتبها الحفظة كتابة تامة شاملة، وسنجزيهم على ذلك، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وقوله: ﴿كِتَبًا﴾ مصدر في موضع إحصاء، أو أن ﴿أَحْصَيْنَهُ﴾ في معنى كتبنا، لالتقاء الإحصاء والكتابة في معنى الضبط (١) والتحصيل(١). ثم ذكر ما يقال لهم في التعذيب تقريعاً وتوبيخاً لهم: أي يقال لأهل النار لكفرهم، ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (®))) وتكذيبهم بالآيات، وقبح أفعالهم: ذوقوا ما أنتم فيه من العذاب الأليم، فلن نزيدكم إلا عذاباً من جنسه. قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل (3) فهم في النار آية أشد من هذه الآية: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا مزيد من العذاب أبداً. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات الكريمات إلى ما يأتي: (١) قال أبو حيان في البحر المحيط (٤١٥/٨): ﴿ وَكُلَّ شَىْءٍ﴾: عام مخصوص أي كل شيء مما يقع عليه الثواب والعقاب، وهي جملة اعتراض معترضة. ٣٨٤ لُحُ (٣٠) - النَّبّا: ٧٨ / ١٧ -٣٠ اً - إن يوم القيامة الذي يفصل الله فيه بين الخلائق وقت، ومجمع، وميعاد الأولين والآخرين، لما وعد الله من الجزاء والثواب. اً - تحدث في بداية يوم القيامة ظواهر خطيرة ثلاث: هي نفخ إسرافيل في الصور (القرن) فيأتي الناس من قبورهم زمراً وجماعات، وتفتّح وتشقُّق أو تفطر السماء، فتصير كلها كأنها أبواب، وتسيير الجبال وإزالتها من أماكنها الأصلية. ◌َّ - أخبر الله تعالى عن حال الأشقياء، وقدم ذكرهم على السعداء؛ لأن الكلام في السورة بني على التهديد، وهو أن جهنم تكون مكاناً مرصداً للطغاة الذين طغوا في دينهم بالكفر، وفي الدنيا بالظلم، أو أنها ترصد أعداء الله وتراقبهم حتى ينزلوا فيها، وتكون المرجع الذي يرجعون فيه إليها. ٤ - كيفية استقرارهم في النار: هي أنهم يكونون ماكثين في نار جهنم إلى الأبد ما دامت الأحقاب تتوالى، وهي لا تنقطع، فكلما مضى حُقُب جاء حُقُب، والحقُب: الدهر، والأحقاب: الدهور، والحِقْبة: السنة. ٥ - لا يذوق الطغاة في جهنم أو في الأحقاب برداً يخفف الحر أو نوماً، ولا شراباً يروي من العطش إلا الماء الحار والغساق: صديد أهل النار. أَ - لا ظلم في هذا الجزاء، وإنما هو موافق لأعمالهم، فإنهم كانوا لا يخافون محاسبة على أعمالهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث، وكذّبوا بما جاءت به الأنبياء تكذيباً شديداً. وهذا دليل على أنهم كذبوا بجميع دلائل الله تعالى في التوحيد والنبوة والمعاد والشرائع والقرآن. وهو جزاء دقيق عادل؛ فإن الله تعالى عالم بأفعالهم علماً لا يزول ولا يتبدل، وقد أحصاها عليهم، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ لتعرفه الملائكة، كما أن الحفظة الملائكة الموكلين بأمر العباد كتبوا كل شيء عليهم بأمر الله : ٣٨٥ الُ (٣٠) - النَّبإ: ٧٨ / ١٧ -٣٠ كِرَامًا ٣٠ تعالى إياهم بالكتابة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ (4)) [الانفطار: ١٠/٨٢-١١] وقوله: ﴿وَكُلّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ كِتَبًا کَئِینَ ٢٩ ٤ دليل على كونه تعالى عالماً بالجزئيات. ١ لاً - في قوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (®﴾ أظهر الله تعالى غاية السخط بطريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والتعقيب بفاء الجزاء الدال على أن العقاب سبب عن كفرهم بالحسنات، وتكذيبهم بالآيات. وزيادة العذاب: إما لازدياد كفرهم وعتوهم حيناً بعد حين، كقوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥/٩] وإما لأن زيادة العذاب عبارة عن استمراره نفسه؛ لأنه يتزايد بمرور الزمان. والمراد: إنا لن نخلصكم من العذاب إلى خلافه، وإن عذاب أهل النار دائم غير متناه، وإنه تعالى يزيد في عذاب الكافر أبداً. وهذه الآية دالة على المبالغة في التعذيب من وجوه: أحدها - قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ﴾ وكلمة (لن) للتأكيد في النفي. وثانيها - أنه في قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوْ لَا يَرَجُونَ حِسَابًا ذکرهم بالغيبة، وفي قوله: ﴿فَذُوقُواْ﴾ ذكرهم على سبيل المشافهة، وهذا يدل على كمال الغضب، كما ذكرت. وثالثها - أنه تعالى عدد وجوه العقاب، ثم حكم بأنه جزاء موافق لأعمالهم، ثم عدد فضائحهم، ثم قال: ﴿فَذُوقُواْ﴾ فكأنه تعالى أفتى، وأقام الدلائل، ثم أعاد تلك الفتوى بعينها، وذلك يدل على المبالغة في التعذيب(١). (١) تفسير الرازي: ١٩/٣١ ٣٨٦ الجُ (٣٠) - النَّبّإ: ٧٨ /٣١-٣٦ أحوال السعداء وَكَأْسًا دِهَافًا (َّ لَا وَكَوَاعِبَ أَنْزَابَا ١٣٢ حَدَابِقَ وَأَعْنَبًاً ٣١ ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ٣٣ ٣٦ جَزَآءَ مِّن رَّيِّكَ عَطَاءَ حِسَابًا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّبًا القراءات: ﴿وَكَأْسًا﴾ : وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (وكاساً). ﴿كِذَّبًا﴾: وقرأ الكسائي (كِذَاباً). الإعراب: حَدَابِقَ﴾ بدل من ﴿مَفَازَّا﴾ أو عطف بيان له. ﴿وَأَعْنَبَا﴾ عطف على مَفَارًا﴾. ﴿عَطَآءَ﴾ بدل من ﴿جَآءَ﴾ و﴿جَزَآءَ﴾ و﴿عَطَآءَ﴾ و﴿حِسَابًا﴾ منصوبات على المصدر. المفردات اللغوية: ﴿مَفَازَا﴾ فوزاً وظفراً، أو مكان فوز في الجنة . ﴿حَدَابِقَ﴾ بساتين مثمرة ومشجرة. ﴿وَكَوَعِبَ﴾ جواري في مقتبل العمر، جمع كاعب: وهي الفتاة التي تكعَّب واستدار ثديها . ﴿أَثْرَابًا﴾ من كن في سن واحدة كاللِّدات، جمع تِرْب: وهي التي تماثل في سنها سن صاحبتها . ﴿وَكَأْسًا﴾ إناء من الزجاج للشرب فيه. ﴿رِهَاقًا﴾ ممتلئة. والمراد خمراً مالئة الأوعية. ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيَهَا﴾ في الجنة عند ٣٨٧ الُ (٣٠) - النَبإ: ٧٨ / ٣١-٣٦ شرب الخمر وغيرها من الأحوال . ﴿لَغْوَا﴾ باطلاً من القول أو الكلام. ﴿ وَلَا كِذَّابًا﴾ تكذيب بعضهم لبعض، خلافاً لما يحدث في مجالس شرب الخمر في الدنيا. ﴿جَزَآءَ﴾ أي جزاهم الله بذلك جزاء، بمقتضى وعده. ﴿عَطَّةَ﴾ فضلاً منه وإحساناً. ﴿حِسَابًا﴾ كافياً لهم، تقول: أعطاني فأحسبني، أي أكثر علي، حتى قلت: حسبي، أي كفاني. ومنه قول الله تعالى: ﴿حَسْبِ اللَّهُ﴾ أي الله كافي. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى شيئاً من أحوال الأشقياء أهل النار، ذكر ما لأهل الجنة السعداء من موضع فوز وظفر، حيث زحزحوا عن النار، وأدخلوا الجنة، وأبان أن ذلك تفضل من الله وإحسان، وفي إيراد أحوال السعداء والأشقياء مجال للتأمل والمقارنة، وترغيب بالطاعة، المؤدية إلى الجنة، وترهيب من المعصية والكفر وتكذيب الرسل المؤدي إلى النار. والخلاصة: أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار، أتبعه بوعد الأخيار. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن السعداء وما أعدَّ لهم من الكرامة والنعيم المقيم، حَذَابِقَ وَأَعْنَاَ ﴿َ وَكَوَاعِبَ أَنَْباً ﴿َ وَكَأْسًا دِهَاقًا ٣١ فيقول: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَغَارًا (٣) أي إن للذين اتقوا ربهم بالعمل بأوامره واجتناب نواهيه فوزاً وظفراً بالمطلوب، ونجاة من النار، بالاستمتاع بالبساتين ذات الأشجار والأثمار والأعناب اللذيذة الطعم، وبالنساء الحور الكواعب ذوات الأثداء القائمة على صدورهن لم تتكسر ولم تتدلّ، المتساويات في السن، وبتناول الكؤوس المترعة المملوءة بالخمر غير المسكرة. وعطف الأعناب على الحدائق من عطف الخاص على العام، الذي يدل ، ٣٨٨ لُعُ (٣٠) - النَبا: ٧٨ / ٣١-٣٦ على تعظيم حال تلك الأعناب. وفسر ابن عباس ﴿مَغَازًا﴾ بقوله: متنزهاً، ورجحه ابن كثير؛ لأنه تعالى قال بعده: ﴿حَدَابِقَ﴾ والحدائق: البساتين من النخيل وغيرها. ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوًّا وَلَا كِذَّبًا (19) أي لا يسمعون في الجنة الباطل من الكلام، ولا يكذب بعضهم بعضاً كقوله تعالى: ﴿يَزَّعُونَ فِيهَا كَأَسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِهُ [الطور: ٢٣/٥٢]، وهذا دليل على نظافة البيئة وسموها ٢٣ الأدبي، مما ترتاح له النفوس، خلافاً لحال الدنيا حيث يسمع فيها الإنسان المؤمن ما يجرح الشعور ويؤلم النفس، فليس في الجنة كلام لاغ ساقط عار عن الفائدة، ولا إثم كذب، بل هي دار السلام، وكل ما فيها سالم من النقص. ﴾ أي جازاهم الله تعالى على إيمانهم وصالح (جَزَآءُ مِّنْ زَّيِّكَ عَطَاءَ حِسَابًا أَّ أعمالهم، وأعطاهم ذلك عطاء تفضلاً منه وإحساناً، كافياً وافياً شاملاً كثيراً، حسبما وعدهم به من مضاعفة أجر الحسنات وتكفير السيئات. فقه الحياة أو الأحكام: وعد الله تعالى المتقين الذين اتقوا مخالفة أمر الله بخمسة أمور: اً - الفوز والنجاة والخلاص مما فيه أهل النار. أَ - التمتع بالرياض الغناء والحدائق أو البساتين المتنوعة الأشجار والأثمار، وهذا هو الأمن الغذائي. ◌َّ - الاستمتاع بالحور الكواعب اللواتي تكعبت أثداؤهن، اللدات: الأقران في السن، وهذا هو الإشباع الجنسي أو الغريزي. ٤ - تناول الكؤوس المترعة الملأى بالخمور غير المسكرة، كما وصفها الله ٣٨٩ الزُعُ (٣٠) - النَّها: ٧٨ / ٣٧-٤٠ [الواقعة: ١٩/٥٦] . وهذه متعة اللهو تعالى: ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُعِفُونَ المباح. ٥ - الأمن النفسي في الجنة، حيث لا يسمع أهلها باطلاً من الكلام، ولا تكذيب بعضهم لبعض في مجالس الشراب والمتعة؛ لأن أهل الشراب في الدنيا يسكرون ويتكلمون بالباطل، وأهل الجنة إذا شربوا لم يتغير عقلهم، ولم يتكلموا بلغو. وبعد تعداد أنواع نعيم أهل الجنة، توّجوا بالمنحة الربانية، وأخبروا بأن الله جزاهم بما تقدم جزاء منه، وأعطاهم عطاءً كثيراً كافياً وافياً. عظمة الله ورحمته وتأكيد وقوع يوم القيامة وتهديد الكافرين المعاندين ﴿رَّبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِّ لَا يَلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ريدء يَوْمَ يَقُومُ ٣٧ الزُُّعُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفًّا لََّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٦َّ ذَلِكَ اَلْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَآءَ أَتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، مَثَابًا ﴿ إِنَّا أَنْذَرْنَكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْهُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ بَيْتَنِ كُتُ قُرَبًا ٤٠ القراءات: ﴿رَبِّ السَّمَوَتِ﴾، ﴿الرَّحْمَنِ﴾: قرئ: ١- (ربُّ السماوات، الرحمنُ) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو. ٢- (ربِّ السماوات، الرحمنِ) وهي قراءة عاصم، وابن عامر. ٣- (ربِّ السماوات، الرحمنُ) وهي قراءة باقي السبعة. ٣٩٠ الُ (٣٠) - النَّبِّ: ٧٨ / ٣٧-٤٠ الإعراب: ﴿رَبِّ السَّمَوَتِ﴾ بالجر: بدل من ﴿رَّبِّكَ﴾ المتقدم، وبالرفع: على تقدير مبتدأ محذوف، تقديره: هو رب السماوات. و ﴿اُلرَّحْمَنِ﴾ بالجر صفة ﴿رَّبِّ﴾ وبالرفع: إما مبتدأ، و ﴿لَا يَلِكُونَ مِنْهُ﴾ الخبر، وذلك حسن لوجود الهاء في ﴿مِنْهُ﴾ وإما خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو الرحمن. ظرف لقوله: ﴿لَا يَلِكُونَ﴾. (صَفَّا﴾ حال، أي: ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ ﴿يَوْمَ) مصطفين. ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع على البدل من واو ﴿يَتَكَلَّمُونَ﴾ ويجوز أن يكون في موضع نصب على الأصل في الاستثناء. والرفع على البدل أوجه. ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ ظرف لقوله: ﴿عَذَابًا﴾. البلاغة: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الزُّوْعُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفَّ﴾ عطف عام على خاص؛ لأن الروح هو جبريل عليه السلام، وهو من الملائكة، وأفرد بالذكر تنويهاً بقدره. المفردات اللغوية: ﴿لَا يَلِكُونَ﴾ أي العباد. ﴿مِنْهُ﴾ من الله تعالى. ﴿خِطَابًا﴾ مخاطبة ومكالمةٍ، أي لا يقدر أحد أن يخاطبه خوفاً منه. ﴿الرُُّعُ﴾ جبريل عليه السلام. ﴿صَفَا﴾ مصطفين . ﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ﴾ أي العباد، وهو تقرير وتوكيد لقوله: ﴿لَا يَلِكُونَ﴾ قال البيضاوي: فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم إلى الله، إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صواباً، كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه، فكيف يملكه غيرهم؟ ٠ ٣٩١ الُعُ (٣٠) - النَها: ٧٨ / ٣٧-٤٠ ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ في الكلام. ﴿ وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي وقال قولاً صائباً من المؤمنين والملائكة، كأن يشفعوا لمن ارتضى. ﴿ذَلِكَ أَلْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ الثابت وقوعه، الكائن لا محالة، وهو يوم القيامة. ﴿إِلَى رَبِّهِ﴾ إلى ثوابه. ﴿مَثَابًا﴾ مرجعاً، أي رجع إلى الله بالإيمان والطاعة، ليسلم من العذاب فيه . ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَكُمْ﴾ يا كفار مكة وأمثالكم، والإنذار: التحذير من المكروه قبل وقوعه. ﴿عَذَابًا قَرِيبًا﴾ عذاب يوم القيامة الآتي، وكل آت قريب. ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرَهُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ حين يرى كل امرئ ما قدمه من خير أو شر، والمرء عام، يشمل الذكر والأنثى، والمؤمن والكافر. ﴿ وَيَقُولُ اَلْكَافُ يَيْنَنِ كُتُ تُرَبًا﴾ أي فلا أعذب، يقول ذلك عندما يحشر الله البهائم للاقتصاص من بعضها لبعض، ثم تردّ تراباً، فيود الكافر حالها. المناسبة: بعد أن وصف الله تعالى وعيد الكفار ووعد المتقين، ختم الكلام بالإخبار عن عظمته وجلاله وشمول رحمته وعلى التخصيص يوم القيامة، وأردفه ببيان أن هذا اليوم حق لا ريب فيه، وأن الناس فيه فريقان: فريق بعيد من الله، ومصيره إلى النار، وفريق قريب من الله، وتكريمه وثوابه، ومرجعه إلى الجنة، ثم عاد إلى تهديد الكفار المعاندين وتحذيرهم من عاقبة عنادهم وكفرهم. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن عظمته وجلاله وشمول رحمته كل شيء، فيقول: ﴿رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْهُمَا الرَّحْمَنِّ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (4) أي إن الجزاء الحسن والعطاء الكافي الوافي لأهل الإيمان والطاعة هو ممن اتصف بالعظمة والجلال، ورب السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، والرحمن الذي شملت رحمته كل شيء، والذي لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه، لهيبته وتعاليه، ثم أكد هذا وقرره بقوله: ٣٩٢ الجُرُ (٣٠) - النَّها: ٧٨ / ٣٧-٤٠ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الزُُّعُ وَالْمَلَتِكَةُ صَفَّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) أي إن عظمة الله تتجلى في يوم القيامة وتظهر عياناً للخلائق، حتى إن جبريل عليه السلام وجميع الملائكة المصطفين، مع رفعة أقدارهم ودرجاتهم؛ لأنهم أعظم المخلوقات قدراً ورتبة لا يتكلمون في يوم القيامة الرهيب إلا بشرطين: أحدهما - الإذن من الله بالشفاعة، كقوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ: إِلَّا بِإِذْنِّ﴾ [البقرة: ٢٥٥/٢] وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ،﴾ [هود: ١٠٥/١١] وقوله عز وجل: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا نَنفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ ﴾ [طه: ١٠٩/٢٠]. ١٠٩ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا والثاني - أن يقول صواباً: أي أن يقول حقاً وصدقاً إذا كان الإذن للشافع، وأن يكون ذلك الشخص المشفوع له ممن قال في الدنيا صواباً، أي شهد بالتوحيد بأن قال: لا إله إلا الله، إذا كان الإذن للمشفوع. والروح: هو جبريل عليه السلام في رأي الأكثرين؛ لقوله عز وجل: ١٩٤)﴾ [الشعراء: ٢٦/ عَلَى قَلْيِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿نَزَّلَ بِهِ اُلُُّعُ الْأَمِينُ ( ١٩٣ -١٩٤]. وقال ابن عباس: هو مَلَك عظيم من أعظم الملائكة خلقاً. وقال ابن مسعود: إنه ملك أعظم من السماوات والأرض. وفي الآية دلالة على أن الملائكة وجبريل عليهم السلام أعظم المخلوقات قدراً ومكانة، وعلى عظمة يوم القيامة ورهبته. ثم أخبر الله تعالى بأن يوم القيامة حق لا ريب فيه، فقال: ﴿ذَلِكَ أَلْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، مَثَابًا (﴾ أي إن ذلك اليوم الذي تقوم فيه الملائكة على تلك الصفة هو اليوم الثابت، الكائن الواقع المتحقق الذي لا ريب فيه، فمن أراد النجاة فيه، اتخذ إلى ثواب ربِّه مرجعاً ٣٩٣ الُ (٣٠) - النَّبًا: ٧٨ / ٣٧-٤٠ وطريقاً يهتدي إليه، ويقرِّبه منه، ويُدْنيه من كرامته، ويباعده عن عقابه، بالإيمان الحق والعمل الصالح. ثم عاد الله تعالى إلى تهديد الكفار وتحذيرهم وتخويفهم من ذلك اليوم، فقال : ﴿إِنَّ أَنْذَرْنَكُمْ عَذَابًا قَرِبِبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْهُ مَا فَدَمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ يَلَيْنَنِى كُتُ تُرَبًا (٣)﴾ أي إننا يا أهل مكة وأمثالكم من الكفار حذّرناكم وخوَّفناكم عذاباً قريب الوقوع وهو يوم القيامة؛ فإنه لتأكد وقوعه صار قريباً، ولأن كل ما هو آتٍ قريب، كما قال تعالى: ﴿كَهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبُوَّا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَهَا (٣٣)﴾ [النازعات: ٤٦/٧٩]. وفي هذا اليوم القريب ينظر كل امرئ ما قدَّم من خير أو شرّ في حياته الأولى في الدنيا، كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخْضَرًّا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَّأَ بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠/٣]. ويقول الكافر من شدة ما يعانيه من أنواع الأهوال والعذاب، مثل أبيّ بن خلف وعقبة بن أبي مُعَيط وأبي جهل: ليتني كنت تراباً، فهو يتمنى أن لم يكن إنساناً يبعث، وإنما كان تراباً، ويتمنى أن يصير تراباً كالحيوانات بعد الاقتصاص من بعضها لبعض، وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور، وورد فيه آثار عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهما، كما ذكر ابن كثير، ومضمون تلك الأخبار: أن البهائم تحشر، فيقتصّ للجمَّاء من القرناء، ثم تردّ تراباً، فيودّ الكافر حالها ليتخلص من العذاب. والآيتان الأخيرتان تدلان على أن الناس يكونون يوم القيامة فريقين: فريق المؤمنين المقربين من ثواب الله وكرامته ورضاه، وفريق الكافرين الجاحدين البعيدين من رحمة الله، الواقعين في صنوف العذاب. ٣٩٤ الُعُ (٣٠) - النَبإ: ٧٨ / ٣٧-٤٠ فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - لله تعالى في الدنيا والآخرة صفتان عظيمتان: هما العظمة والجلال، فهو ربّ السماوات والأرض والكون، والرحمة الشاملة لكل شيء، فهو الرحمن الرحيم. ٢ - اقتضت عظمة الله ألا يقدر أحد على مخاطبته يوم القيامة إلا لمن أذن له بالشفاعة. ◌َّ - لا يتكلم جبريل والملائكة في موقف القيامة إجلالاً لربهم وخوفاً منه وخضوعاً له، فكيف يكون حال غيرهم؟ ٤ - إن يوم القيامة كائن واقع حتماً لا شك فيه، فالسعيد من اتّخذ فيه إلى ربِّه مرجعاً بالإيمان والعمل الصالح. ٥ - إن يوم القيامة وما فيه من العذاب قريب الوقوع؛ لأن كل آتٍ قريب، وفيه يجد كل إنسان ما قدم من خير أو شر. ٩ - يتمنى الكافر يوم القيامة لما يرى من أنواع العذاب أن يكون تراباً أو حيواناً غير مكلف بشيء. : ٣٩٥ المُعُ (٣٠) السورة (٧٩) النَّازِعَائْتِ بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحِمَةِ سُؤْرَةُ النَّازِعَاتِ مكية، وهي ست وأربعون آية تسميتها: سميت سورة النازعات؛ لافتتاحها بالقسم الإلهي بالنازعات، وهم الملائكة الذين ينزعون أرواح بني آدم، إما بيسر وسهولة وهم المؤمنون، وإما بعسر وشدة وهم الكفار. مناسبتها لما قبلها: تتعلق السورة بما قبلها من وجهين: اً - تشابه الموضوع: فكلتا السورتين تتحدثان عن القيامة وأحوالها، وعن مآل المتقين، ومرجع المجرمين. أَ - تشابه المطلع والخاتمة: فإن مطلع السورتين في الحديث عن البعث والقيامة، الأولى تؤكد وجود البعث وما فيه من أهوال وحساب وجزاء، والثانية افتتحت بالقسم على وقوع القيامة لتحقيق ما في آخر ﴿عَمَّ﴾. والأولى اختتمت بالإنذار بالعذاب القريب يوم القيامة، والثانية ختمت بالكلام عما في أولها من إثبات الحشر والبعث، وتأكد حدوث القيامة، فكان ذلك كالدليل والبرهان على مجيء القيامة وأهوالها. ٠ ٣٩٦ ◌ِلُ (٣٠) السورة (٧٩) النَّانِ عَائِتِ ما اشتملت عليه السورة: موضوع السورة كما أشرنا كسائر موضوعات السور المكية، التي تهتم بأصول العقيدة من التوحيد، والنبوة، والبعث. شرعت السورة بالقسم بالملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد لإثبات وَاُلَّشِطَتِ نَشْطًا ﴿ وَالسَِّحَتِ سَبْحًا البعث: ﴿وَالنَّزِعَتِ غَرْقًا (ج)) [الآيات: ١- ٥] والمقسم عليه فَالْمُدَتِرَتِ أَمْرًا فَالسَّبِقَتِ سَبْقًا ® محذوف وهو (لتبعثن) لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة، وهو: ﴿يَوْمَ تَرَّجُفُ [٦-٧]، أو بدليل إنكارهم للبعث في قوله ٧ تَنْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ٦ الرَّحِفَةُ تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَءِنَا لَمَرْدُودُونَ فِ الْحَافِرَةِ (®َا﴾ [١٠]. ثم وصفت أحوال المشركين المنكرين البعث، فصوَّرت مدى الذعر الشديد والاضطراب الذي يكونون عليه يوم القيامة، وذكرت مقالتهم في إنكار [الآيات: ٨-١٤]. البعث والردّ عليهم: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَيِدٍ وَاحِفَةٌ وناسب ذلك إيراد قصة موسى عليه السلام مع فرعون الطاغية الجبار الذي ادَّعى الربوبية، ثم أهلكه الله وجنوده بالغرق في البحر، للعظة والعبرة، والدلالة على كمال القدرة الإلهية، بإفهامهم أن الكَرَّة والإعادة ليست صعبة على الله، فما هي إلا زجرة أو صيحة واحدة: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ مُوسَىّ ﴾ [الآيات: ١٥-٢٦]. ١٥ ثم خاطب الله منكري البعث خطاباً يتضمن إثبات البعث بالبرهان الحسي، متحدياً طغيانهم وتمردهم على رسول الله وَير، ومذكراً إياهم أنهم أضعف من خلق السماوات والأرض والجبال: ﴿وَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ السَّمَءُ بَهَا ٢٧ [الآيات: ٢٧-٣٢]. وختمت السورة ببيان أهوال يوم القيامة، وانقسام الناس فيه فريقين: ٣٩٧ الجُ (٣٠) - النَازِعَاتِ: ٧٩ /١-١٤ سعداء وأشقياء، وسؤال المشركين عن ميقات الساعة، وتفويض أمرها إلى الله تعالى، لا إلى أحد حتى الرسول رسله، وتأكيد حدوثها، وذهول المشركين من شدة هولها، ومعرفتهم أن مكثهم في الدنيا كمقدار العشي أو الضحى: (6) [الآيات: ٣٤-٤٦]. ﴿فَإِذَا جَمَتِ الطَّامَةُ الْكُبْرَى الحلف على وقوع البعث وأحوال المشركين فيه والرد على إنكارهم إياه وَالنَِّعَتِ غَرْقًا وَالتَّشِطَتِ نَشْطًا وَالسَّبِحَتِ سَبْحًا فَالسَّبِقَتِ ٣ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ٥ قَالْمُدَيْرَتِ أَمْرًا سَبْقًا قُلُوبٌ < تَنْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ١٠ يَقُولُونَ أَئِنَا لَمَرْدُودُونَ فِ الْحَافِرَةِ أَبْصَرُهَا خَشِعَةٌ يَوْمَیِذٍ وَاحِفَةٌ. أَِذَا كُنَّا عِظَمًا تَخِرَةَّ ﴿ قَالُواْ تِلْكَ إِذَا كَرَّةُ خَاسِرَةٌ ﴿ فَإِّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ ١٣ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ١٤ القراءات: اءِ ﴿أَوِنَّا﴾ .. @ ... ٠ وقرأ نافع، وابن عامر، الكسائي (أئِنّا ... إذا). ﴿ نَخِرَةَ ﴾ : وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (ناخرة). الإعراب: وَالنَّزِعَتِ غَرْقًا ﴿٤﴾ ﴿غَرْقَا﴾ منصوب على المصدر، وكذلك ﴿نَشْطَا﴾ و﴿سَبْحًا﴾ و﴿سَبْقًا﴾ كلها منصوبات على المصدر. ٣٩٨ لُعُ (٣٠) - الَّازِعَائِ: ٧٩ /١-١٤ ﴿) ﴿أَثْرًا﴾ منصوب إما لأنه مفعول به لـ ﴿فَالْمُدََّتِ﴾ فَالْمُدَبِرَتِ أَمْرًا أو بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: والمدبرات بأمر؛ لأن التقدير ليس إلى الملائكة، وإنما هو إلى الله تعالى، فهي مرسلة بما يأمرها به. وجواب القسم محذوف تقديره: لتبعثن، بدليل إنكارهم للبعث في قوله (4) على تعالى: ﴿أَِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِ الْحَافِرَةِ﴾ أو الجواب: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاحِفَةُ تقدير حذف اللام، أي ليوم ترجف، وهذا ضعيف، أو الجواب: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾. »: إما منصوب بفعل دلّ عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّحِفَةُ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاحِفَةٌ ﴿3﴾ أي وجفت قلوبهم، فيكون ﴿يَوْمَيِدٍ﴾ بدلاً من (٤) أو بتقدير: اذكر يوم ترجف، والجملة حال. ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاحِفَةُ البلاغة: ﴿تَرْجُفُ الرَّحِفَةُ﴾ جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿ وَالنَّزِعَتِ غَرْقًا ﴾﴾ أقسم الله بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعاً (٣) الملائكة التي تخرج أرواح المؤمنين برفق بشدة وألم . ﴿ وَالنَّشِطَتِ نَشْطًا ﴾ الملائكة التي تَسْبَحُ من السماء، أي تنزل ٣ وسهولة. ﴿ وَالسَّبِحَتِ سَبْحًا مسرعة بأمره تعالى. ﴿فَالسَّبِقَتِ سَبْقًا الملائكة تسبق بالأرواح إلى مستقرها . ﴿فَالْمُدَتِرَتِ أَمْرًّا ﴿3﴾ تنزل بتدبير ما أمرت به. فهذه كلها صفات الملائكة، وقيل: إنها الكواكب الجارية على نظام معين في سيرها، ﴿غَرْقًا﴾ مسرعة في جريها. ﴿نَشْطًا﴾ خارجة من برج إلى برج. ﴿سَبْحًا﴾ سائرة في أفلاكها بهدوء. ﴿سَبْقًا﴾ مسرعة قبل غيرها في سبحها. ٣٩٩ لُعُ (٣٠) - النَازِعَاتِ: ٧٩ /١-١٤ (ج) تدبر أمراً نيط بها، كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة ﴿فَالْمُدَتَِّتِ أَمْرًا وظهور مواقيت العبادات. ﴿تَرْجُفُ الرَّجِفَةُ﴾ تضطرب الأرض والجبال وتتحرك، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ ● تلحق بها تَرْجُفُ اُلْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٤/٧٣]. ﴿تَنْبَعُهَا الَّادِفَةُ السماء والكواكب، فتنشق وتنتثر، وقيل: ﴿اُلَّاحِفَةُ﴾: النفخة الأولى، و ﴿الرَّادِفَةُ﴾: النفخة الثانية. ﴿وَاحِفَةٌ﴾ خائفة قلقة شديدة الاضطراب، من الوجيف: وهي صفة القلوب . ﴿خَشِعَةٌ﴾ ذليلة، لهول ما ترى، أي أبصار أصحابها ذليلة من الخوف . ﴿يَقُولُونَ﴾ أي أصحاب القلوب والأبصار استهزاءً وإنكاراً للبعث. ﴿أَِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِ اٌلْحَافِرَةِ﴾ أي أنرد بعد الموت إلى الحياة؟ و﴿اٌلْحَافِرَةِ﴾ الحياة الأولى، يقال: فلان رجع في حافرته، أي طريقته التي جاء فيها، فيرجع من حيث جاء. ﴿أَخِرَةَ﴾ بالية متفتتة. ﴿قَالُواْ تِلْكَ﴾ أي رجعتنا إلى الحياة. ﴿إِذَا﴾ إن صحت . ﴿كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ رجعة ذات خسران يخسر أصحابها. ﴿زَجْرَةٌ﴾ صيحة وهي النفخة الثانية لبعث الأموات . ﴿فَإِذَا هُم﴾ كل الخلائق. ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾ أي فإذا هم أحياء على وجه الأرض، بعد أن كانوا ببطنها أمواتاً. سبب النزول: نزول الآية (١٠، ١٢): أخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب قال: لما نزل قوله: ﴿أَءِنَا لَمَرْ دُودُونَ فِى الْحَافِرَةِ﴾ قال كفار قريش: لئن حيينا بعد الموت لنخسرن، فنزلت: ﴿قَالُوْ تِلْكَ إِذَا كَرَّةً خَاسِرَةٌ التفسير والبيان: ﴿ وَالنَّزِعَتِ غَرْقًا وَالنَّشِطَتِ نَشْطًا وَالسَّبِحَتِ سَبْحًا ٢ ٣ فَالسِّقَتِ ٤٠٠ لِجُزْءُ (٣٠) - النَّازِ عَاتِ: ٧٩ /١-١٤ قَالْمُدَبِرَتِ أَمْرًا (جَ﴾(١)، أقسم الله سبحانه بالملائكة التي تنزع أرواح ٤ سَبْقًا الكفار من أجسادهم بشدة وعنف وإغراق في النزع؛ حيث تنزعها من أقاصي الأجساد، وتخرج أرواح المؤمنين بسرعة ولطف وسهولة، وبالملائكة الذين ينزلون من السماء مسرعين، لأمر الله تعالى، والملائكة التي تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وتدبر الأمر بأن تنزل بالحلال والحرام وتفصيلهما، وتدبر أهل الأرض بالرياح والأمطار وغير ذلك. قيل: إن تدبير أمر الدنيا إلى أربعة من الملائكة: جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل. فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل: فموكل بالقطر والنبات، وأما عزرائيل: فموكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل: فهو ينزل بالأمر عليهم. وقال الحسن البصري: المراد بالكلمات الخمس: النجوم والكواكب في جريها وتنقلها بين الأبراج وسيرها في أفلاكها هادئة أو مسرعة أو مدبرة أمراً بأمر الله تعالى. وإنما قال: ﴿أَمْرًا﴾، لا أموراً؛ لأن المراد به الجنس، فيقوم مقام الجمع، وتدبير الأمر في الحقيقة لله تعالى، وإنما أضيف إلى الملائكة لإتيانها به، ولأنها من أسبابه. وجواب القسم محذوف، أي لتبعثن بعد الموت، بدليل إنكارهم البعث كما حكى الله عنهم فيما بعد بقوله: ﴿أَعِذَا كُنَا عِظَمًا تَخِرَةً (4﴾ أي أنبعث بعد نخر العظام؟ وإنما عطف الثلاثة الأولى بالواو، والباقيتين بالفاء؛ لأن هاتين مسببتان عن التي قبلها، كما قال الزمخشري. (١) عطف بالواو ثم بالفاء؛ لأن الواو تدل على المغايرة، والمراد هنا تغاير الصفة الدالة على تغاير الذات، والفاء تدل على ترتيب ما بعدها على ما قبلها، والمراد هنا ترتب الأحوال على ما قبلها.