Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ الُ (٢٩) - الإنتاِ: ٧٦ / ١٣-٢٢ أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ((ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة)). وجاء في آية أخرى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف: ٧١/٤٣] . وهذا يدل على أنهم تارة يسقون بأكواب الفضة، وتارة بأكواب الذهب. والصحاف: هي القصاع. والفرق بين الآنية والأكواب: أن الأكواب كما تقدم هي الكيزان التي لا عرا لها، والآنية هي ما له عرا، کالقدح. ثم وصف الله تعالى مشروبهم نفسه قائلاً: وَدُسْقَوْنَ فِيَهَا كَأْسًا كَانَ مِنَاجُهَا زَنَجِيلًا أي ويسقى الأبرار أيضاً في ١٧ هذه الأكواب في الجنة خمراً ممزوجة بالزنجبيل، فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور كما تقدم وهو بارد، وتارة بالزنجبيل وهو حار، ليعتدل. أما المقرّبون فإنهم يشربون من كلٍّ منهما صرفاً. ﴿عَيْنَا فَِهَا تُقَّى سَلْسَبِيلًا (4) أي ويسقون من عين في الجنة تسمى السلسبيل، سميت بذلك لسلاسة مائها، وسهولة جريها وانحدارها وإساغتها في حلوقهم. قال ابن الأعرابي عن السلسبيل: لم أسمعه إلا في القرآن. وقال ابن عباس: وكل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة، فليس منه في الدنيا إلا الاسم. , والفائدة في تسمية العين بالسلسبيل بعد تسميتها بالزنجبيل هي أنها في طعم الزنجبيل ولذته، ولكن ليس فيها اللذع الذي هو مناف للسلاسة. ثم وصف خدمهم بقوله : وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ تُخَلَُّونَ إِذَا رَأَيْنَهُمْ حَسِبَهُمْ لُؤْلُؤَا مَّنْتُورًا أي ٣٢٢ الزُعُ (٢٩) - الإنتزاعِ: ٧٦ / ١٣-٢٢ ويطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان الجنة، يبقون فيها على حالة واحدة من الشباب والطراوة والنضارة، لا يهرمون ولا يتغيرون ولا يموتون، إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج غيرهم وصباحة وجوههم، وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، ظننتهم كاللؤلؤ المنثور، قال ابن كثير: ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. شبههم بالمنثور؛ لأنهم سراع في الخدمة، بخلاف الحور العين، فإنه شبّههن باللؤلؤ المكنون؛ لأنهن لا يُمْتَهَنَّ بالخدمة. ثم أجمل نعيمهم؛ لأنه أعلى وأعظم مما سبق، ولأنه مما لا يحصر ولا يخطر ببال أحد، ما دام في الدنيا، فخاطب نبيّه ◌َ﴿ أو كل راءٍ قائلاً: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيَا وَمُلَكَا كَبِيرًا (٣)﴾ أي وإذا نظرت نظراً بعيداً في الجنة ونعيمها وسعتها وارتفاعها وما فيها من الخبرة والسرور، رأيت نعيماً لا يوصف، وسلطاناً ومُلْكاً عظيماً لا يقدر قدره. جاء في الحديث عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في مُلْكِه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه، كما ينظر إلى أدناه))(١). ثم وصف ملابسهم وحليهم بقوله: ﴿عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَ إِسْتَبْرَقٌّ وَحُلُواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ أي لباسهم الذي يعلوهم هو الحرير الرفيع الرقيق الأخضر، والديباج الغليظ، وحلوا بأساور من فضة، وفي آية أخرى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيَهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١/١٨، فاطر: ٣٣/٣٥] أي تارة تكون حليهم الفضة، وتارة الذهب. (١) تفسير ابن كثير: ٤٥٧/٤ ٣٢٣ لِلُ (٢٩) - الإِنَّاءِ: ٧٦ / ١٣-٢٢ ثم ذكر الله تعالى شراباً آخر لهم غير الممزوج بالكافور أو بالزنجبيل، فقال: ﴿ وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي وسقاهم ربّهم بشراب غير ما سبق يطهر بواطنهم من الحسد والحقد والغل والأذى وسائر الأخلاق الرديئة، كما روي عن علي رضي الله عنه. والطهور مبالغة طاهر، والمراد أنها ليست بنجسة، ولا مستقذرة طبعاً، ولا تؤول إلى النجاسة، ولكنها ترشح عرقاً من أبدانهم، له ریح کريح المسك. قال أبو قلابة وإبراهيم النخعي: يؤتون بالطعام، فإذا كان آخره أُتوا بالشراب الطهور، فيشربون، فتضمر بطونُهم من ذلك، ويفيض عرق من أبدانهم مثل ريح المسك. ثم ذكر الله تعالى علة هذا الفضل والنعيم، فقال: ﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءَ وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (®َ﴾ أي ويقال لهؤلاء الأبرار الممتعين بالجنان، تكريماً لهم وإحساناً إليهم: إن هذا المذكور من أنواع النعم، كان لكم جزاء بأعمالكم، أي ثواباً لها، وجزاكم الله تعالى على القليل بالكثير، ويقبل طاعتكم، فشُكْرُ الله سبحانه لعمل عبده: هو قبوله لطاعته. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾ [الحاقة: ٢٤/٦٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَنُودُوَأْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣/٧]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - يكون الأبرار أهل الجنة في غاية النعيم والراحة، فهم متكئون على الأرائك أي السرُر في الحِجال، ولا يرون في الجنة شدة حرّ كحر الشمس، ٣٢٤ الجُعُ (٢٩) - الإنتزاع: ٧٦ / ١٣-٢٢ ولا برداً مفرطاً، وظلال الأشجار في الجنة قريبة منهم، فهي مُظِلّة عليهم، زيادة في نعيمهم، وإن كان لا شمس ولا قمر، كما أن أمشاطهم الذهب والفضة، وإن کان لا وسخ ولا شعث ثُمَّ. وتسخر لهم الثمار تسخيراً، فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع، لا يردّ أيديهم عنها بُعْدٌ ولا شوك، كما قال قتادة. ويدور على هؤلاء الأبرار الخدم إذا أرادوا الشراب بآنية من فضة أو من ذهب، وبقوارير في صفاء الزجاج وبياض الفضة، فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضة، وقد قدّر أقدارها لهم السقاة الذين يطوفون بها عليهم. ويسقون في الجنة خمراً في آنية، ممزوجة بالزنجبيل تطبيباً لرائحتها، وكانت العرب تستلذ من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته؛ لأنه يُحْذو اللسان، ويهضم المأكول، فرُغِّبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة والطيب. ويشربون أيضاً في الجنة من عين تسمى السلسبيل: وهو الشراب اللذيذ. ويطوف عليهم بالآنية للخدمة ولدان يبقون على ما هم عليه من الشباب والغضاضة والحسن، لا يَهْرَمون ولا يتغيرون، ويكونون على سن واحدة على مَرّ الأزمنة، فإذا شاهدتهم ظننتهم من حسنهم وكثرتهم وصفاء ألوانهم لؤلؤاً مفرقاً في ساحات المجلس، واللؤلؤ إذا نثر على بساط كان أحسن منه منظوماً. والمراد دوام كونهم على تلك الصورة التي لا يراد في الخدم أبلغ منها، وذلك يتضمن دوام حياتهم وحسنهم ومواظبتهم على الخدمة الحسنة. وهناك في الجنة إذا رأيت ببصرك، رأيت نعيماً لا يوصف، وملكاً عظيماً لا يقدر قدره. وثيابهم الحرير الأخضر الرقيق والديباج الغليظ، ويحلون في الجنة بحلي وأساور من ذهب أو فضة، حسبما يروق لهم، وإن كانوا رجالاً. ٣٢٥ الُزُ (٢٩) - الإِنَّاعِ: ٧٦ / ٢٣-٣١ ويشربون من شراب آخر غير ما ذكر موصوف بغاية الطهر والنقاء، إما لإذهاب آثار الطعام وجعله يتفصد من الجسد عرقاً، أو للترفع عن اللذات الحسية والتخلص من مفاسد الأخلاق الرديئة، كالحسد والحقد والبغض وغير ذلك. ٢ - يقال لهؤلاء الأبرار في الجنة بعد دخولهم فيها ومشاهدتهم نعيمها، تكريماً لهم وإحساناً إليهم: إنما هذا المذكور من النعم ثواب عملكم، وكان عملكم مشكوراً من قبل الله، وشكره للعبد: قبول طاعته، وثناؤه عليه، وإثابته إياه. أحوال الطائعين والمتمردين المشركين في الدنيا فَأَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ اُلْقُرْءَانَ تَنِيلًا کَفُورًا وَمِنَ الَّيْلِ فَأَسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا وَأَذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكّرَةً وَأَصِيلًا (® ٢٤٦ طَوِيلًا ﴿ إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا تَقِيلًا ﴿ فَحْنُ خَلَقْتَهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمِّ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْشَلَهُمْ تَبْدِيلًا ﴿ إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا ٣١ حَكِيمًا ﴿َ يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ، وَالطَّلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا القراءات: ﴿اَلْقُرْءَانَ﴾ : وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران). ﴿ ◌ِشِئْنَا﴾: وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (شينا). ٣٢٦ الُعُ (٢٩) - الإنشاِ: ٧٦ / ٢٣-٣١ تَشَاءُونَ ﴾ وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (يشاؤون). الإعراب: ﴿) ﴿نَحْنُ﴾: في موضع نصب صفة ﴿إِنَا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ اُلْقُرْءَانَ تَنزِيلًا الاسم (إن) للتأكيد، ولا يجوز أن يكون ﴿نَحْنُ﴾ ضمير فصل هنا لا محل له من الإعراب؛ لأن من شرط الفصل أن يقع بين معرفتين أو في حكمهما، ولم يوجد هنا. و﴿ نَزَلْنَا﴾: جملة فعلية في موضع رفع خبر (إن). ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ﴿أَوْ﴾: هنا للإباحة، أي لا تطع هذا النوع. والنهي في هذا كالأمر. ولو قال: لا تطع آثماً، لا تطع كفوراً، لانقلب المعنى؛ لأنه حينئذٍ لا تحرم طاعتهما كليهما. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ، وَالظَّلِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيماً ﴿ وَالظَّلِمِينَ﴾: منصوب بتقدير فعل، تقديره: ويعذب الظالمين، وجاز إضماره؛ لأن ﴿أَعَدَّ لَهُمْ﴾ دلّ عليه. البلاغة: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ بينهما طباق. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا تَقِيلًا مقابلة، ٢٧ حيث قابل بين المحبة والترك، وبين العاجلة والباقية. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ نحن تأكيد لا سم إن ﴿نَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنزِيلًا﴾ أي نزلناه مفرَّقاً مفصَّلاً منجّماً لحكمة اقتضته، ولم ننزله جملة واحدة . ﴿ فَأَصْبِرْ ◌ِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ داوم ٣٢٧ لُعُ (٢٩) - الإِنتَاعِ: ٧٦ / ٢٣-٣١ على حكم ربّك عليك بتبليغ رسالته . ﴿ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ أي الكفار. ﴿َائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ الآثم: الفاجر المجاهر بالمعاصي، والكفور: شديد التعصب للكفر المغالي فيه وهو المشرك المجاهر بكفره. قال المفسرون: وهما حينئذٍ عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة، قالا للنبي وَّر: ارجع عن هذا الأمر ونحن نرضيك بالمال والتزويج. ثم صار المراد كل آثم وكافر، لا تطع أياً كان فيما دعاك إليه من إثم أو كفر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ﴿وَأَذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ داوم على ذكره. (بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أول النهار وآخره، فيشمل صلوات الفجر، والظهر، والعصر. ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَأَسْجُدْ لَهُ﴾ أي في بعض الليل صلِّ الله، ويشمل صلاتي المغرب والعشاء، وتقديم الظرف لما في صلاة الليل من مزيد الكلفة والخلوص لله. ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ أي وتهجد له طائفة طويلة من الليل، وهي صلاة التطوع. ﴿اَلْعَاجِلَةَ﴾ الدنيا. ﴿ وَرَآءَهُمْ﴾ أمامهم. ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ شديداً، أي يوم القيامة، مستعار من الثقل المتعب للحامل، وهو كالتعليل لما أمر به ونهى عنه. ﴿وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمَّ﴾ أحكمنا وقوينا أعضاءهم ومفاصلهم، وكذلك ربطها بالأعصاب والعروق، وفي اللغة: الأسر: شدة الخلق والخلُق. ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآَ أَمْتَلَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي وإذا أردنا أهلكناهم، وبدَّلنا أمثالهم في الخلقة وشدة الأعضاء. ﴿إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةٌ﴾ إن هذه السورة أو الآيات القريبة موعظة وعبرة للناس. ﴿فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا﴾ طريقاً يتقرب إليه بالطاعة . ﴿وَمَا تَشَآءُونَ﴾ المِّخاذ السبيل بالطاعة. ﴿إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ أي إلا وقت مشيئة الله. ﴿عَلِيمًا﴾ بخلقه وبما يستأهل كل أحد. ﴿حَكِيمًا﴾ في فعله، لا يشاء إلا ما تقتضيه حكمته. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ رَحْمَتِهِ﴾ أي يدخل من يريد وهم المؤمنون في جنته، بعد الهداية والتوفيق للطاعة. ﴿ وَاُلَّلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ﴾ أي عذَّب أو كافأ الظالمين وهم الكافرون. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ مؤلمً. ٣٢٨ الُرُ (٢٩) - الإنتزاع: ٧٦ / ٢٣-٣١ سبب النزول: نزول الآية (٢٤): أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة أنه بلغه أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن عنقه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. المناسبة: بعد بيان أحوال الكفار والمؤمنين في الآخرة، ثبّت الله تعالى الرسول وَه وشرح صدره، بسبب ما نسبوه إليه من كِهانة وسحر، فذكر الله تعالى أن ذلك وحي من الله، ثم أمره بالصبر على أذى قومه، ثم ذكر أحوال هذين الفريقين في الدنيا، مقدِّماً بيان أحوال الطائعين وهم الرسول وَ طير وأمته على أحوال الكفار العصاة. التفسير والبيان: امتن الله تعالى على رسوله ( بما أنزله عليه من القرآن العظيم مفرَّقاً منجّماً، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْقُرْءَانَ تَنِيلًا (®﴾ أي إنا نحن الإله الحق أنزلنا عليك أيها الرسول القرآن مفرَّفاً منجماً في الإنزال في مدى ثلاث وعشرين سنة، ولم ننزله جملة واحدة، ليسهل حفظه ووعيه والعمل به، وليتثبت المؤمنون في معالجة الحوادث، ولم تأت به من عندك كما يدّعيه المشركون. والمراد من ذلك تثبيت قلب الرسول صل# في مواجهة افتراءات المشركين الذين نسبوا إليه الكِهانة والسحر، وإعلام الناس قاطبة أن ما جاء به وحي من الله تعالى، لا من عند محمد ولد. ٣٢٩ لُعُ (٢٩) - الإِنْتَذَاعِ: ٧٦ / ٢٣-٣١ وبعد بيان هذه المقدمة، جاء الأمر بالصبر والنهي عن طاعة الكفار، فقال سبحانه: ﴿فَأَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا (٣)﴾ أي كما أكرمتك بما أنزلت عليك من القرآن، فاصبر على قضاء الله وقدره في تأخير نصرك على المشركين، إلى أجل اقتضته حكمته، وفي القيام بتبليغ رسالته ووحيه الذي أوحاه إليك، فلكل أجل كتاب، وسيتولاك ربك بحسن تدبيره، ولا تطع أحداً من الكافرين والمنافقين، المغالين في الكفر، أو مرتكبي الإثم والفجور والمعاصي إن أرادوا صدّك عما أنزل إليك، بل بلّغ ما أنزل إليك من ربِّك، وتوكل على الله، فإن الله يعصمك من الناس. والآثم كما تقدم: هو مرتكب المعاصي، والكفور: هو جاحد النعمة، المغالي في الكفر، فكل كفور آثم، وليس كل آثم كفوراً. ومن أمثلة الآثم: عتبة بن ربيعة؛ لأنه كان متعاطياً لأنواع الفسوق، يروى أنه قال للنبي ◌ّر: ارجع عن هذا الأمر، حتى أزوِّجك ولدي، فإني من أجمل قريش ولداً. ومن أمثلة الكفور: الوليد بن المغيرة؛ لأنه كان شديد الشكيمة في الكفر، روي أنه قال للنبي وَله: أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فإني من أكثرهم مالاً، فقرأ عليهم رسول الله وَ له من أول ﴿حمّ ﴾﴾ فصلت إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَعِقَةً مِّثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ (٣) [فصلت: ٤١ / ١٣] فانصرفا عنه، وقال أحدهما: ظننت أن الكعبة ستقع. وبالرغم من أنه و ﴿ ما كان يطيع أحداً منهم، إلا أنه وجه النهي له؛ لأنه القدوة، وإشارة إلى أن الناس محتاجون دائماً إلى مواصلة التنبيه والإرشاد، لوجود نزعة الشر والفساد في نفوسهم، فلو أن أحداً استغنى عن توفيق الله وإرشاده، لكان أحق الناس بذلك هو الرسول المعصوم وَلفيه، فوجب على كل مسلم أن يرغب إلى الله تعالى ويتضرع إليه في أن يصونه عن اتباع الأهواء والشهوات. ٣٣٠ المُعُ (٢٩) - الإنتاِ: ٧٦ / ٢٣-٣١ ثم عقّب النهي بالأمر، فقال سبحانه: وَمِنَ الَّلِ فَأَسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا ٢٥ ﴿ وَأَذْكُرِ أَسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا طَوِيلًا (٣) أي داوم على ذكر الله في جميع الأوقات بالقلب واللسان، وصلِّ لربِّك أول النهار وآخره، فأول النهار: صلاة الصبح، وآخره: صلاة العصر. وكذلك صلِّ لربِّك في الليل، وذلك يشمل صلاتي المغرب والعشاء، وتهجد له طائفة من الليل، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن [الإسراء: ٧٩/١٧]، وقال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا ٧٩ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا نَّصْفَهُ: أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَقِّلِ ٢ الْمُزَّمِّلُ ﴿َ قُرِ الَّلَ إِلَّا قَلِيلًا (٤) ﴾ [المزمل: ١/٧٣-٤]. اُلْقُرْءَانَ تَّرْتِيلًا وعلى هذا تكون كلمات الآية جامعة الصلوات الخمس، والتهجد. وبعد بيان حال الطائعين، أبان الله تعالى أحوال الكفار والمتمردين، وأنكر عليهم وعلى أشباههم حبّ الدنيا والإقبال عليها، وترك الآخرة وراء ظهورهم، فقال : ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ﴿4﴾ أي إن هؤلاء كفار مكة وأمثالهم يحبون الدار العاجلة، وهي دار الدنيا، ويُقبلون على لذاتها وشهواتها، ويتركون وراءهم ظهرياً يوم القيامة ذا الشدائد والأهوال، فلا يستعدون له، ولا يعبؤون به. وسمي يوماً ثقيلاً: لما فيه من الشدائد والأهوال. والآية تتضمن توبيخ المتمردين واستحقارهم. وهذا هو الخط الفاصل بين المؤمنين والكافرين، فالمؤمنون يعملون للدنيا والآخرة، والكفار يعملون للدنيا وحدها، وهي النظرة المادية والسلوك المادي النفعي، مما يدل على أن الداعي لهم إلى الكفر هو حبّ العاجل. ثم أوضح الله تعالى كمال قدرته، وأقام الدليل بالبداءة في الخلق على الرجعة والبعث، فقال: ﴿أَحْنُ خَلَقْنَهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمِّ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَلَهُمْ ٣٣١ لُهُ (٢٩) - الإنتاِ: ٧٦ / ٢٣-٣١ تَبْدِيلًا (3) أي كيف يتغافل هؤلاء الكفار عن ربّهم وعن الآخرة، ونحن الذين خلقناهم، وأحكمنا أعضاءهم ومفاصلهم وربطها بالعروق والأعصاب، ولو شئنا لأهلكناهم وجئنا بأطوع الله منهم. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِثَاخَرين وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (٣)﴾ [النساء: ١٣٣/٤]، وقوله سبحانه: ﴿إِن يَشَأْ [إبراهيم: ١٩/١٤- ٢٠ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقِ جَدِيدٍ ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ٢٠] . وبعد بيان أحوال السعداء وأحوال الأشقياء في الدنيا، أرشد إلى فائدة القرآن فقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ، نَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ أَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا (®) أي إن هذه السورة بما فيها من مواعظ، وترغيب وترهيب، ووعد ووعيد، تذكرة للمتأملين، وتبصرة للمستبصرين، وعظة للعقلاء، فمن شاء الخير لنفسه في الدنيا والآخرة، اتّخذ طريقاً للتقرب إلى ربِّه بالإيمان والطاعة، واجتناب المعصية، ومن شاء اهتدى بالقرآن. ثم أوضح الله تعالى أن مشيئة العبد في إطار مشيئة الله، ولكن دون قهر ولا جبر، فقال : ﴿وَمَا تَشَآَءُونَ إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾﴾ أي وما تشاؤون أن تتخذوا إلى الله سبيلاً إلى النجاة، إلا بمشيئة الله، ولا يقدر أحد أن يهدي نفسه، ولا يدخل في الإيمان، ولا يجر لنفسه نفعاً إلا بتوفيق الله، فالأمر إليه سبحانه، ليس إلى عباده، والخير والشر بيده، فمشيئة العبد وحدها لا تأتي بخير ولا تدفع شراً، إلا إن أذن الله بذلك، ولكن يثاب الإنسان على اختياره الخير، ويعاقب على اختياره الشر، وإن الله تعالى عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له، ويقيّض له أسبابها، وعليم بمن يستحق الغواية، فيصرفه ٣٣٢ لُعُ (٢٩) - الإنتزاعِ: ٧٦ / ٢٣-٣١ عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، فيضع الأشياء في محالها. والخلاصة: أن جميع ما يصدر عن العبد فبمشيئة الله ولكن دون إجبار. ثم ختم السورة بخاتمة عجيبة تدل على أن دخول الجنة والنار ليس إلا بمشيئة الله، فقال : ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ رَحْمَتِهِ، وَالظَّلِمِينَ أَعَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيًّا (3َ﴾ أي يدخل في جنته من يشاء من عباده أن يدخله فيها، فضلاً من الله وإحساناً، ويعذب الظالمين الكافرين الذين ظلموا أنفسهم، فقد أعدَّ لهم في الآخرة عذاباً موجعاً مؤلماً، هو عذاب جهنم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات الكريمات على ما يأتي: اً - إن القرآن الكريم كلام الله ووحيه الذي أنزله على عبده محمد رَالخلي في مدى ثلاث وعشرين سنة، مفرَّقاً منجَّماً بحسب الحوادث والمسائل، فهو ليس مفترىٌ به من عنده، ولا جاء به من تلقاء نفسه كما يدّعيه المشركون. وبما أن السورة تضمنت الوعد والوعيد، فالناس بحاجة ماسة إلى هذا الكتاب، الذي ليس بسحر ولا كهانة ولا شعر، وأنه حق من عند الله. قال ابن عباس: أنزل القرآن متفرّقاً، آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة، فلذلك قال: ﴿نَزَّلْنَا﴾. أَ - ما دام هذا القرآن حقاً من عند الله، ودستوراً منقذاً لحياة البشرية من التردي والضياع والضلال، وَجَب الصبر على أذى القوم في تبليغه للناس، والصبر على ما حكم به من الطاعات، ومخالفة أهل الإثم والكفر، وعدم إطاعتهم في شيء من ضلالهم. ٣٣٣ المُزُرُ (٢٩) - الإنتزاع: ٧٦ / ٢٣-٣١ وهذا أمر للنبي ◌َّ، ونهي له ولكل واحد من أمته. ◌َّ - إن العبد بأشد الحاجة للارتباط بالله والاستعانة به والاتكال عليه، لذا كانت الصلاة صلة بين العبد وربّه، وتقوية على الإيمان وصلابة الاعتقاد، وتربية المهابة لله في النفس، وتهذيب السلوك. ولأجل هذا أمر الله بذكره ليل نهار، وبالصلاة أول النهار وآخره، وذلك يشمل الصلوات الخمس المفروضة، وزيد عليها التطوع في الليل. ٤ - وبخ الله تعالى الكفار وقرَّعهم على محبتهم الدنيا وحدها، وتركهم العمل للآخرة، فلا يؤمنون بيوم القيامة، ولا يستعدون لمواجهة موقف الحساب العسير الشديد في ذلك اليوم. - مما يدل على كمال قدرة الله تعالى: أنه هو الذي خلق الناس، وأحكم تركيب أجسادهم، وتشديد مفاصلهم وأوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والأعصاب، وأنه قادر على إهلاك الناس والمجيء بأطوع الله منهم. أَ - إن هذه السورة وأمثالها من القرآن موعظة وعبرة، فمن أراد الخير لنفسه اتخذ طريقاً موصلاً إلى طاعة ربِّه وطلب مرضاته. لكن الطاعة والاستقامة واتخاذ سبيل الله لا تقع قهراً عن الله في ملكه، وإنما بمشيئة الله، فالأمر إليه سبحانه، ليس لعباده، ولا تنفذ مشيئة أحد ولا تتقدم إلا أن تتقدم مشيئة الله، وكل ذلك دون قهر ولا إجبار ولا إكراه من الله على اختيار شيء معين، إنما الاختيار للإنسان، والله عليم بأعمال عباده، حكيم في أمره ونهيه هم. لاً - كذلك دخول الجنة برحمة الله، ودخول النار بمشيئة الله، فهو الذي يرحم عباده المؤمنين، ويعذب الظالمين الكافرين عذاباً مؤلماً في نار جهنم، وبئس المصير. ٣٣٤ لُجُرُ (٢٩) السورة (٧٧) المُرسِلَتِ بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ سُورَةُ المُشِلَاتِ مڪية، وهي خمسون آية تسميتها: سميت سورة المرسلات تسمية لها باسم مطلعها الذي أقسم الله به وهو ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفَا (ج) أي أقسم برياح العذاب التي تهب متتابعة كعُرْف الفرس، أو شعر الفرس. مناسبتها لما قبلها: وجه اتصالها بما قبلها من وجهين: اً - أنه تعالى وعد المؤمنين الأبرار، وأوعد الظالمين الفجار في آخر السورة ثم ٣١ المتقدمة بقوله: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ، وَاَلَّلِينَ أَعَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيماً أقسم في مطلع هذه السورة على تحقيق ما وعد به هنالك المؤمنين، وأوعد به الظالمين، ثم ذكر وقته وأشراطه بقوله: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ ظُمِسَتْ ٨ أَ - ذكر تعالى في سورة الإنسان نزراً من أحوال الكفار في الآخرة، وأطنب في وصف أحوال المؤمنين فيها، والأمر في هذه السورة على العكس: إطناب في وصف الكفار، وإيجاز في وصف المؤمنين، فوقع بذلك الاعتدال بين السورتين(١). (١) البحر المحيط: ٤٠٨/٨ ٣٣٥ الُ (٢٩) السورة (٧٧) المُسِلَتِ ما اشتملت عليه السورة: محور هذه السورة المكية الكلام على البعث وأحوال الآخرة، فهي كسائر السور المكية متعلقة بأمور العقيدة، فذكر فيها القسم على وقوع البعث، ثم بيان مقدماته، ثم إيراد بعض دلائل القدرة والوحدانية، وتلاها وصف بعض الأمور الغيبية وأحوال الكفار والمؤمنين في عالم الآخرة، ولوم الكفار على بعض أعمالهم. افتتحت بالقسم بالرياح والملائكة على وقوع يوم القيامة (أو يوم الفصل) وَالنَّشِرَتِ وحدوث العذاب للكفار: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا ﴿ فَالْعَصِفَتِ عَصْفًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ ﴾ فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا ( ٤ فَالْفَرِقَتِ فَرْقًا فَإِذَا [الآيات: ١-٧] وبيان علامات ذلك العذاب ووقته: لَوَقِعُ (جام النَّجُومَ ظُمِسَتْ ٨ وَإِذَا السَّمَآءُ فُرِجَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّنَتْ لِأَِّّ يَوْمٍ أُعِلَتْ ﴿﴿ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ١٤ وَيْلٌ يَوَمَيِدٍ [الآيات: ٨-١٥ ]. ١٥) لِلْمُكَذِّبِينَ ثم أوردت بعض دلائل القدرة الإلهية على البعث وإحياء الناس بعد الموت، وهو إهلاك بعض الأمم المتقدمة وخلق الناس، وجعل الأرض كفاتاً (جامعة ضامة لمن عليها) والجبال الشامخات للتثبيت. وتضمن ذلك وعيد الكافرين بعقوبة مماثلة، وتوبيخ المكذبين على إنكار نعم الله عليهم في ثُمَّ تُتْبِعُهُمُ الْآَخِينَ ١٦ الأنفس ومخلوقات الأرض: ﴿أَلَمّ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ١٨ فَجَعَلْنَهُ فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ أَلَمْ نَخْلُقُكُم مِّن مَّآءٍ مَّهِيرٍ ١٩ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ ٢٢ ) إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ ٢١ ٢٥ ﴿ أَرَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا وَيْلٌ يَوَمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وَجَعَلْنَا أَحْيَاءُ وَأَمْوَانًا الشَّ وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ فِيَهَا رَوَسِىَ شَمِخَتٍ وَأَسْقَيْنَكُم مََّ فُرَانًا (َ ٣٨ [الآيات: ١٦- ٢٨]. ٣٣٦ الُ (٢٩) السورة (٧٧) المُرْسِلَاتِ ثم حددت مصير المجرمين، ووصفت عذاب الكافرين وصفاً تشيب له ، اُنَطَلِقُواْ إِلَى ظِلّ ذِى تَثِ شُعَبٍ ٢٩ الولدان: ﴿أَنْطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنْتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ (® كَأَنَُّ إِنَّهَا تَرْبِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِ مِنَ اللَّهَبِ ٣٢ جِمَلَتُ صُفْرٌ وَيْلٌ يَوَمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ جَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغْنَذِرُونَ ﴾ وَيْلٌ يَؤْمِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِّ جَمَعْنَكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ٣٨ فَإِن ﴾ [الآيات: ٢٩ -٤٠]. ٤٠ وَيْلٌ يَوَمَيِذٍ لِلْمَكَذِّبِينَ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (َ ثم وصفت نعيم المؤمنين المتقين، وألوان التكريم والإحسان والإفضال في كُواْ وَفَوَكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ٤١ ٤٢ جنان الخلد: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ ظِلَالٍ وَعُيُونٍ وَيْلٌ يَمِدٍ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَئًا بِمَا كُّمْ تَعْمَلُونَ ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ تَجْرِى الْمُحْسِنِينَ (٤٥)﴾ [الآيات ٤١ -٤٥]. لِلْمُكَذِّبِينَ وختمت السورة بتقريع الكفار وتوبيخهم على بعض أعمالهم، وأبانت سبب امتناعهم عن عبادة الله، وهو طغيانهم وإجرامهم: ﴿كُلُواْ وَتَمَنَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُ تُجْرِمُونَ ﴿ وَيْلٌ يَؤَمَبِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُهُ أَرَّكَعُوْ لَا يَرَّكَعُونَ (®) [الآيات ٤٦ - ٥٠]. وَيْلٌ يَؤْمَيِذٍ لِلْمَكَذِّبِينَ ﴿ فَبِأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ فضلها: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: بينما نحن مع رسول الله وَّ في غار بمنى، إذ نزلت عليه ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾ فإنه ليتلوها ، وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها، إذ وثبت علينا حية، فقال النبي وَ ليه: ((اقتلوها)) فابتدرناها، فذهبت، فقال النبي وَّ: ((وُقيتْ شَرَّكم، كما وُقيتم شرَّها» . وأخرج أحمد عن ابن عباس عن أمه: أنها سمعت النبي ◌َّ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفاً. وفي رواية مالك والشيخين في الصحيحين عن ابن عباس: ١﴾ فقالت: يا بني أذكرتني أن أم الفضل سمعته يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا ٣٣٧ الُ (٢٩) - المُرسِلَات: ٧٧ / ١-١٥ بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله وَله يقرأ بها في المغرب. وقوع يوم القيامة حتماً ووقته وعلاماته وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفَا الَـ فَالْفَرِقَتِ فَرْقًا فَالْعَصِفَتِ عَصْفًا ﴿ وَالنَِّشِرَتِ نَشْرًا ( ۵ فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا طُمِسَتْ فَإِذَا اُلُّجُومُ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَفِعٌ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا وَإِذَا الْحِبَالُ نُِّفَتْ ﴿ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّنَتْ وَإِذَا السَّمَآءُ فُرِجَتْ ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ الْفَضْلِ ◌ِأَِّّ يَوْمٍ أُعِلَتْ ﴿ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوَمِدٍ ١٤ ١٥ لِلْمُكَذِّبِينَ القراءات: ﴿أَوْ نُذْرًا﴾ : قرأ أبو عمرو، وحفص، وحمزة، والكسائي (أَوْ نُذْراً). وقرأ الباقون (أَوْ نُذُراً). ﴿ أُقِنَتْ﴾ : وقرأ أبو عمرو (وُقِّتَت). الإعراب: إن جعلت ﴿ وَالْمُرْسَلَتِ﴾ بمعنى الرياح، كان (وَالْمُرْسَتِ عُرْفًا ﴿عُرْفًا﴾ منصوباً على الحال، وإن جعلت بمعنى الملائكة كان ﴿عُرْفًا﴾ منصوباً بتقدير حذف حرف جر، أي والمرسلات بعرف، أي بمعروف، والمعنى الأول أظهر. ٣٣٨ الُرُ (٢٩) - المُسِلَت: ٧٧ / ١-١٥ عصفاً ونشراً: منصوبان على ٣ وَالنَّشِرَتِ نَشْرًاً ٢ ﴿فَالْعَصِفَتِ عَصْفًا المصدر المؤكد. @ : منصوبان ﴿فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا ﴿َ عُدْرًا أَوْ نُذْرًا ﴿َ﴾ ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا من ثلاثة أوجه: إما على المفعول لأجله، أي للإعذار والإنذار، أو على البدل من ﴿ذِكْرًا﴾ أي فالملقيات عذراً أو نذراً، أو بالمصدر نفسه وهو (ذكر) وتقديره: أن ذكّر عذراً أو نذراً. ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ﴿َ﴾ ﴿النُّجُومُ﴾: مرفوع بفعل دلَّ عليه ﴿ظُمِسَتْ﴾ وتقديره: إذا طمست النجوم طمست، وجواب إذا مقدر، تقديره: وقع ١٥ الفصل، أو الجواب: ﴿وَيْلٌ يَّمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿وَإِذَا اُلْرُّسُلُ أُقِنَتْ (1) أصل ﴿أُفِنَتْ﴾ وقتت، إلا أنه لما انضمت الواو ضماً لازماً، قلبت همزة، كقولهم في وجوه: أُجوه. البلاغة: تأکید بذکر فَالْفَرِقَتِ فَرْقًا وَالنَّشِرَتِ نَشْرًا ٢ ﴿فَالْعَصِفَتِ عَصْفًا المصدر لزيادة البيان، وتقوية الكلام. بینهما طباق. ﴿عُذْرًا أَوَ نُذْرًا ، وَمَا أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ﴿لِأَتِّ يَوْمٍ أُعِلَتْ ٨ لِيَوْمِ الْفَصْلِ ١٤ وضع الظاهر في الجملة الأخيرة موضع الضمير، وجيء بصيغة الاستفهام، لزيادة تهويل الأمر وتعظيمه والتعجيب من هوله. المفردات اللغوية: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا ﴾﴾ الأظهر أنها الرياح المتتابعة كعرف الفرس: وهو الشعر المتتابع النابت على الرقبة، وقيل: إنها الملائكة المرسلة للمعروف ٣٣٩ الُرُ (٢٩) - المرسلات: ٧٧ /١-١٥ والإحسان. ﴿فَالْعَصِفَتِ عَصْفًا (٣)﴾ الرياح الشديدة. ﴿وَالنَّشِرَتِ نَشْرًاً ٣ الأظهر أنها أيضاً الرياح التي تنشر المطر، أو تنشر السحاب في آفاق السماء، كما يشاء الرب عز وجل، وقيل: إنها الملائكة الموكلون بالسحب يسوقونها حيث يشاء الله تعالى لنشر المطر وإحياء الأرض. ﴿فَلْفَرِقَتِ فَرْقًّا ﴿ فَالْمُلْفِيَتِ ذِكْرًا جَ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴾﴾ أي الملائكة التي تنزل بالوحي إلى الأنبياء والرسل، لتفرِّق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وتلقي بالعلم والحكمة إلى الأنبياء، للإعذار والإنذار، الإعذار من الله للعباد لئلا يبقى لهم حجة عند الله، والإنذار من الله تعالى للناس بالنقمة والعذاب إذا لم يؤمنوا. ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَقِعٌ ﴾﴾ جواب القسم، أي إن الذي توعدون به یا کفار مكة وأشباهكم من مجيء القيامة والبعث والعذاب كائن لا محالة . ﴿طُمِسَتْ﴾ محقت وذهب نورها . ﴿فُرِجَتْ﴾ شقت وصدعت. ﴿أُقْنَتْ﴾ جمعت لوقت، وعين لها وقت تحضر فيه للشهادة على الأمم بالتبليغ، قال الزمخشري: والوجه أن يكون معنى (وقتت) بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة. ﴿الِأَتِّ يَوْمٍ أُعِلَتْ (13) أي يقال: لأي يوم أخّرت وأمهلت للشهادة على الأمم بالتبليغ، وهذا القول تعظيم لليوم، وتعجيب من هوله . ﴿لِيَوْمِ اُلْفَصْلِ بيان ليوم التأجيل، وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق بأعمالهم: إما إلى )﴾ تهويل لشأنه، والمعنى: ١٤ الجنة، وإما إلى النار. ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ اُلْفَصْلِ بذلك، وهذا ١٥ ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله؟ ﴿ وَلٌ بَّمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وعيد لهم، والويل: العذاب والخزي. وويل في الأصل: مصدر منصوب بإضمار فعل، عدل به إلى الرفع، للدلالة على ثبات الهلاك للمدعو عليه، و﴿ يَومَِّدٍ﴾ ظرفه، أو صفته. ٣٤٠ الُعُ (٢٩) - المُرسِلَات: ٧٧ / ١-١٥ التفسير والبيان: وَاُلْنَِّشِرَتِ نَشْرً (٣) أي أقسم ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا ﴿َ فَالْعَصِفَتِ عَصْفًا بالرياح المتتابعة كعرف الفرس إذا ذهبت شيئاً فشيئاً، وبالرياح التي ترسل عاصفة لما أمرت به من نعمة ونقمة، وبالرياح التي تنشر السحاب وتفرقه في آفاق السماء كما يشاء الرب عز وجل. وهذا هو الأظهر كما قال ابن كثير وابن جزي صاحب التسهيل لعلوم التنزيل، وقال القرطبي: جمهور المفسرين على أن المرسلات: الرياح. وقيل: المقصود بالمرسلات: الملائكة المرسلة بوحي الله وأمره ونهيه بالإحسان والمعروف، والعاصفات: الملائكة الموكلون بالرياح يعصفون بها، والناشرات: الملائكة الموكلون بالسحب ينشرونها أو ينشرون أجنحتهم في الجوّ عند النزول بالوحي. وقيل: المراد بهؤلاء وما يأتي: طوائف الأنبياء أرسلوا بالوحي المحقق لكل خير، الذي أخذ أمرهم في العصوف والاشتداد إلى أن بلغ غايته، وانتشرت دعوتهم، ففرقوا بين المؤمن والكافر، والمقر والجاحد، وألقوا الذكر والتوحيد إلى الناس كافة، أو إلى طائفة معينين. (٢) ثم أقسم فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا (جَ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴿فَالْفَرِقَتِ فَرْقًا بالملائكة الذين ينزلون بأمر الله على الرسل بما يفرق بين الحق والباطل، والهدى والغي، والحلال والحرام، ويلقون الوحي إلى الأنبياء، إعذاراً من الله إلى خلقه، وإنذاراً من عذابه إن خالفوا أمره. وقيل: المراد بالفارقات والملقيات: الرياح أيضاً. ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَفِعٌ ﴾﴾ هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام، أي إن ما وعدتم به من مجيء الساعة والنفخ في الصور، وبعث الأجساد، وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل عامل بعمله خيراً أو شراً، إن هذا كله لواقع وكائن لا محالة.