Indexed OCR Text
Pages 301-320
-٨٩٫٠
لُعُ (٢٩) - الإِنَّاِ: ٧٦ /١-٣
٣٠١
ثم أبانت مصدر تنزيل القرآن، وأمر النبي ◌ّ بالصبر الجميل، وذكر الله،
فَأَصْبِرْ لِحُكْرِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ
وقيام الليل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنِيلًا
مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا (®
وَمِنَ الَّيْلِ فَأَسْجُدّ لَهُمُ
٢٥
وَأَذْكُرُ أَسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
﴾[الآيات: ٢٣-٢٦].
١٣٦
وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا
ونوَّهت بشيء تضمنته السورة السابقة وهو حب الدنيا العاجلة وترك
الآخرة، وتهديدهم بتبديل أمثالهم إن داموا على الكفر والعناد وإمعان الأذى:
﴿إِنََّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمَا نَّقِيلًا ﴿ نَحْنُ خَلَقْتَهُمْ
وَشَدَدْنَّا أَسْرَهُمِّ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآَ أَمْثَلَهُمْ تَبْدِيلًا (﴿٤﴾ [الآيات: ٢٧-٢٨].
وختمت السورة الكريمة بإعلان أن القرآن تذكرة وعظة لجميع البشر،
وندبهم إلى الإيمان والعمل بما جاء فيه: ﴿إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى
رَبِّهِ سَبِيلًا ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
٣٠
يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ، وَاَلَّلِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيًّا
﴾ [الآيات: ٢٩-٣١].
خلق الله الإنسان وهدايته السبيل
﴿هَلْ أَنَى عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُرًا ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا
اَلْإِنسَنَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجِ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٣) إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا
٣
شَاكِرًا وَإِمَا كَفُورًا
الإعراب:
﴿هَلْ أَتَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ﴾ ﴿هَلْ﴾ إما بمعنى قد، أي أقد؛ لأن الأصل
أهل ثم حذفت الهمزة، أو يكون الاستفهام بمعنى التقرير، وهو تقرير موجه
لمن أنكر البعث، يراد به انتزاع إقراره بهذه الحقيقة الأبدية، فيقال له: من
٣٠٢
للزُعُ (٢٩) - الإنتزاعِ: ٧٦ / ١-٣
أحدث الإنسان بعد العدم؟ ونظراً لبداهة الجواب، كان لا بدَّ من (نعم)،
وإذا أقر بأن الخالق هو الله، فكيف يمتنع عليه إعادة هذا الإنسان الذي خلقه
أول مرة؟ فإن من قدر على إحداث شيء بعد أن لم يكن، كان على إعادته أولى.
﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ الجملة حال من الإنسان. ﴿نَبْتَلِهِ﴾ في موقع
الحال.
﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ منصوبان على الحال من هاء: ﴿هَدَيْنَهُ﴾.
البلاغة:
﴿شَاكِرًا﴾ و﴿ كَفُورًا﴾ بينهما طباق. و کفور صيغة مبالغة، وعبر به وليس
بالكافر مراعاة للفواصل، وإشعاراً بأن الإنسان لا يخلو عن كفران غالباً،
وإنما المؤاخذة بالتوغل بالكفر.
﴿مَذْكُورًا﴾ ﴿بَصِيرًا﴾ ﴿كَفُورًا﴾ ﴿مَنْشُورًا﴾ ﴿طَهُورًا﴾ ﴿مَشْكُورًا﴾ إِلَخْ سجع
مرصع، وهو من مراعاة الفواصل.
المفردات اللغوية:
﴿هَلْ﴾ استفهام تقرير وتقريب، فهو بمعنى (قد). ﴿اَلْإِنسَنِ﴾ آدم عليه
السلام، أو جنس الإنسان، وهو الراجح لقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ﴾
﴿حِينٌ﴾ جزء محدود من الزمان، قدره بعضهم بأربعين سنة ﴿اُلذَّهْرِ﴾ الزمان
الممتد غير المحدود . ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ كان شيئاً منسياً لا يذكر، معدوماً
لا يعرف. ﴿إِنَّا خَلَقْنَا أَلْإِنسَنَ﴾ أي جنس الإنسان. ﴿نُطْفَةٍ﴾ قليل من الماء.
﴿أَمْشَاجٍ﴾ أخلاط، جمع مَشَج ومشيج، أي من اختلاط ماء الرجل وماء
المرأة وامتزاجهما . ﴿نَّبْتَلِيهِ﴾ تختبره بالتكليف، أي مريدين اختباره عند
التكليف والتأهل.﴿فَجَعَلْتَهُ﴾ بسبب ذلك. ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ليتمكن من
مشاهدة الدلائل واستماع الآيات، فهو كالمسبب من الابتلاء، ولذلك عطف
بالفاء على ﴿ نَّبْتَلِهِ﴾.
٣٠٣
اِلُُ (٢٩) - الإِنتَذَاِ: ٧٦ / ١-٣
﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ بيَّنا له طريق الخير والهدى، بإقامة الأدلة وإنزال
الآيات وبعث الرسل.
التفسير والبيان:
﴿هَلْ أَى عَلَى الْإِنسَانِ مِيْنٌ مِّنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴾﴾ أي قد أتى
على الإنسان (جنس الإنسان) زمن، كان فيه منسياً غير موجود، فلم يكن آدم
وبنوه شيئاً معروفاً، ولا مخلوقاً، ولا مذكوراً لأحد من الخليقة المتقدمين عليه
وهم الملائكة والجن. وهذا إخبار يكون الإنسان في بدء الخلق معدوماً غير
مخلوق، والآية كالتقدمة والتوطئة للتي تعقبها، وكالتأكيد لخاتمة السورة
المتقدمة. وهي حقيقة لا ينكرها أحد، ويؤكدها علماء طبقات الأرض الذين
قالوا: لم يوجد الإنسان على الأرض إلا بعد خلقها بأحقاب طوال.
قال الفرّاء وثعلب: المعنى أنه كان جسداً مصوَّراً، تراباً وطيناً لا يذكر ولا
يعرف، ولا يدرى ما اسمه، ولا ما يراد به، ثم نفخ فيه الروح، فصار
مذكوراً. والمراد بالإنسان هنا جنس بني آدم، لقوله تعالى بعدئذ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا
اُلْإِنسَنَ﴾.
ثم أخبر الله تعالى عن بدء تكاثر نوع الإنسان بعد خلق آدم عليه السلام،
فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجِ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
٢
أي إننا نحن الخالق الإله أوجدنا أو خلقنا ابن آدم من مني أو ماء قليل، مختلط
ممتزج بين ماءي الرجل والمرأة، مريدين بهذا الخلق ابتلاءه أي اختباره،
بالخير والشر وبالتكاليف الشرعية بعد بلوغ سن التكليف وأهلية الخطاب
التشريعي، وزوَّدناه بطاقات الفهم والوعي والإدراك وهي السمع والبصر،
ليتمكن من حمل رسالة التكليف واجتياز الامتحان، واستماع الآيات،
والتأمل في دلائل الكون، والتفكر في براهين الوجود الدالة على الخالق الواحد
الأحد.
١
٣٠٤
لُعُ (٢٩) - الإِنْتَاعِ: ٧٦ / ١-٣
فبالسمع والبصر والفؤاد وسائر الحواس يتمكن هذا الإنسان من الطاعة
والمعصية. ولما جعله تعالى بهذا التركيب، وامتن عليه بهاتين الصفتين (السمع
والبصر) وهما آلة التمييز والفهم، وأشرف الحواس التي تدرك بها أعظم
المدرَكات، أخبر تعالى أنه هداه السبيل أي أرشده إلى الطريق، وعرفه مآل
طريق النجاة، ومآل طريق الهلاك، وبيَّن له طريق الهدى وطريق الضلال،
فقال :
﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِقَا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ أي بيّنا وأوضحنا له،
وعرّفناه طريق الهدى والضلال، والخير والشر، وبصَّرناه بعواقب الأمور،
وعرَّفناه منافع الأشياء ومضارَّها التي يهتدي إليها بطبعه السليم، وكمال
عقله، فآل أمره إلى أن ينقسم نوع الإنسان إلى قسمين: شاكر لأنعم الله مؤمن
به مهتد بهديه. وكافر جاحد للنعمة معرض عن الطاعة، صادّ عن الهدي
الإلهي.
[البلد: ١٠/٩٠] أي بيَّنا له طريق
ونظير الآية: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ
الخير، وطريق الشر، فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد، وهذا قول الجمهور،
ولم نجبره أو نكرهه على شيء من الإيمان أو الكفر، وإنما اختار الإنسان لنفسه
ما شاء، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّوْ اَلْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾
[فصلت: ٤١ /١٧ ] .
وروى مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله وَله: ((كل
الناس يغدو، فبائعٌ نفسَه، فموبقُها أو مُعْتِقُها)).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - لم يكن الإنسان قبل خلقه بأمر ربه شيئاً معروفاً، وظلّ على هذا النحو
حيناً من الزمان غير معروف.
٣٠٥
لِلُ (٢٩) - الإنتزاعِ: ٧٦ /١-٣
أَ - أوجد الله أصل الإنسان من تراب، ثم نفخ فيه من روحه، ثم حدث
التناسل والتكاثر من شيء ضعيف مهين، وهو التقاء نطفتي الرجل والمرأة.
٢ - كان القصد من خلق الإنسان هو الابتلاء والاختبار، لذا أمده الله
تعالى بمفاتيح المعرفة والهداية والعلم، وأعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو
السمع والبصر، وهما كنايتان عن الفهم والتمييز.
٤ - أخبر الله تعالى أنه بعد أن ركّب الإنسان، وأعطاه الحواس الظاهرة
والباطنة، بَيَّن له سبيل الهدى والضلال، بقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾.
٥ - الآية المتقدمة دالة على أن إعطاء الحواس كان المقدم على إعطاء العقل،
وهذا صحيح؛ لأن الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خالياً عن معرفة الأشياء،
إلا أنه أعطاه آلات تعينه على تحصيل تلك المعارف، وهي الحواس الظاهرة
والباطنة.
٩ - المراد من هداية السبيل: خلق الدلائل، وخلق العقل الهادي، وبعثة
الأنبياء، وإنزال الكتب.
/٧ - أياً كان نوع الإنسان ومنهجه، شاكراً أو كفوراً، فقد بيَّن الله ما يحتاج
إليه من الخير والطاعة.
٨ - ليس المراد بالشاكر والكفور: من يشتغل بفعل الشكر وفعل الكفران،
وإلا لم يتحقق الحصر المفهوم من كلمة ﴿إِمَّا﴾ بل المراد من الشاكر: الذي
يكون مقراً معترفاً بوجوب شكر خالقه عليه، والمراد من الكفور: الذي لا يقرُّ
بوجوب الشكر عليه، إما لأنه ينكر الخالق، أو لأنه وإن کان یثبته، لکنه ینکر
وجوب الشكر عليه، وحينئذ يتحقق الحصر: وهو أن المكلف: إما أن يكون
شاكراً، وإما أن يكون كفوراً. وبهذا يرد على الخوارج الذين احتجوا بهذه الآية
٣٠٦
الُ (٢٩) - الإنتِّناِ: ٧٦ / ٤-١٢
على أنه لا وساطة بين المطيع والكافر، لأن الشاكر هو المطيع، والكفور هو
الكافر(١).
جزاء الكفار والأبرار يوم القيامة
إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلَا وَأَغْلَلًا وَسَعِيرًا
﴿ عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴿ يُوفُونَ
كَأَسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا
وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَنِيمًا
◌ِالنَّدْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا
وَأَسِيرًا، ﴿ إِنََّ نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِدُ مِنْكُمْ جَزَآءَ وَلَا شُكُورًا ﴿ إِنَّا نَخَافُ مِن رَِّنَا
فَوَقَّتُهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوَّرِ وَلَقَُّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١٦) وَجَزَئُهُم
١٠
يَوَمَّا عَبُوسًا قَتْطَرِيرًا
١٣
بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيرًا
القراءات:
:
سَلَسِلاً
قرأ نافع، والكسائي: (سلاسلاً) وصلاً، وبإبداله ألفاً وقفاً.
وقرأ الباقون (سلاسلَ) وصلاً.
واختلفوا في الوقف، فأبو عمرو وقف بالألف، وقنبل، وحمزة وقفا من
غير ألف مع إسكان اللام.
وللبزي، وابن ذكوان، وحفص، وجهان وقفاً: الأول: كأبي عمرو،
والثاني: كحمزة.
(١) تفسير الرازي: ٢٣٩/٣٠
٣٠٧
لِزُُ (٢٩) - الإنتزاِ: ٧٦ / ٤-١٢
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (كاس).
الإعراب:
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلَا وَأَغْلَلًا﴾ ﴿سَلَسِلَا﴾: قرئ بتنوين لمجاورته
{ وَأَغْلَلًا﴾ وقرئ من غير تنوين؛ لأنه ممنوع من الصرف.
وكذا أيضاً ﴿قَوَارِيراً﴾ [الآية ١٥] قرئ منوناً وغير منون.
﴿عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا﴾ ﴿عَيْنَا﴾ منصوب من ستة أوجه: على أنه بدل من قوله:
كَافُورًا﴾ أو على التمييز، أو لقيامه مقام مفعول محذوف لـ ﴿يَشْرَبُونَ﴾
تقديره: يشربون من كأس ماء عين، أو على البدل من ﴿كَأْسٍ﴾ على الموضع،
أو على الحال من ضمير ﴿مِزَاجُهَا﴾ وفيه خلاف، أو منصوب بتقدير أعني.
و﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ الباء إما بمعنى (مِنْ) أي يشرب منها، أو زائدة، أي يشرب
ماءها؛ لأن العين لا تُشرب وإنما يُشرب ماؤها.
البلاغة:
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلَاْ﴾ لفّ ونشر مشوَّش، فإنه تعالى قال: ﴿إِمَّا
شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ثم أعاد بالذكر على الثاني دون الأول.
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ جناس اشتقاق.
﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ مجاز عقلي، إسناد العبوس إلى اليوم من إسناد الشيء إلى
زمانه، مثل: نهاره صائم.
﴿فَوَقَهُمُ﴾ و﴿وَلَقَّهُمْ﴾ جناس غير تام.
المفردات اللغوية:
﴿أَعْتَدْنَا﴾ هيأنا. ﴿سَلَسِلَا﴾ قيوداً توضع في الأرجل، يسحبون بها إلى
٣٠٨
لُرُ (٢٩) - الإنتِناِ: ٧٦ /٤-١٢
النار. ﴿وَأَغْلَالًا﴾ أطواقاً وقيوداً توضع في الأيدي وتجمع إلى أعناقهم، جمع
غُلّ: وهو القيد. ﴿وَسَعِيرًا﴾ ناراً مسعرة بها يحرقون ويعذبون.
﴿اَلْأَبْرَارَ﴾ أهل الطاعة والإخلاص، جمع بَرّ، والبررة جمع بارّ، كما جاء
في الصحاح. ﴿كأسٍ﴾ قدح أو إناء زجاجة فيها خمر، والمراد: من خمر، تسمية
للحالّ باسم المحل، و﴿مِن﴾: للتبعيض. ﴿مِزَاجُهَا﴾ ما تمزج به. ﴿كَافُورًا﴾
طِيب معروف، له رائحة جميلة.
﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي منها. ﴿عِبَادُ اللهِ﴾ أولياؤه. ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ يقودونها
ويجرونها حيث شاؤوا إجراءً سهلاً، ويخرجونها من الأرض، والمراد أنها تحت
تصرفهم وأمرهم. ﴿ يُوقُونَ بِالنَّدْرِ﴾ ﴿بِأَنَّذْرِ﴾: التزام قربة لله تعالى، والمراد
يؤدون ما أوجبوه على أنفسهم من الطاعات. ﴿شَرُُّ﴾ شدائده. ﴿مُسْتَطِيرًا﴾
فاشياً منتشراً في البلاد. ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ محبة الطعام أو الإطعام. ﴿مِسْكِينًا﴾
محتاجاً لفقره . ﴿ وَيَتِيمًا﴾ من لا أب له. ﴿ وَأَسِيرًا﴾ من أُسر من الكفار في حرب
إسلامية، ويشمل أيضاً الأسير المؤمن، والمملوك والمسجون. ﴿لِوَجْهِ اللَّهِ﴾
ابتغاء لرضوانه وطلب ثوابه، لا لتوهم المنّ وتوقع المكافأة المنقصة للأجر.
﴿شَكُورًا﴾ شكراً.
﴿يَوْمًا﴾ عذاب يوم. ﴿عَبُوسًا﴾ تعبس فيه الوجوه، أي كريه المنظر لشدته.
﴿فَطَرِيرًا﴾ شديد العبوس والهول، مظلماً. ﴿فَوَقَنْهُمُ﴾ دفع عنهم بسبب خوفهم
وتحفظهم منه. ﴿ وَلَقَُّهُمْ﴾ أعطاهم. ﴿نَصْرَةً﴾ حسناً وبهاءً. ﴿وَسُرُورًا﴾ حبوراً.
﴿ وَجَزَئُهُم بِمَا صَبَرُواْ﴾ بصبرهم على أداء الواجبات واجتناب المحرَّمات وإيثار
الأموال. ﴿جَّةً﴾ بستاناً يأكلون منه. ﴿وَحَرِيرًا﴾ يلبسونه.
سبب النزول:
نزول الآية (٨):
﴾: أخرج ابن المنذر
﴿ وَيُطْعِمُونَ الَّعَامَ عَلَى خُبِّهِ، مِسْكِينًا وَبَيْمًا وَأَسِيرًا
٣٠٩
الُعُ (٢٩) - الإنتراء: ٧٦ / ٤-١٢
عن ابن جرير في قوله: ﴿وَأَسِيرًا﴾ قال: لم يكن النبي ◌َّ يأسر أهل الإسلام،
ولكنها نزلت في أسارى أهل الشرك، كانوا يأسرونهم في العذاب، فنزلت
فيهم، فكان النبي ◌َّر يأمرهم بالإصلاح إليهم.
وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكيناً ويتيماً
وأسيراً. وقال أهل التفسير: نزلت في علي وفاطمة رضي الله عنهما وجارية
لهما اسمها فضة، لكن القصة لم تصح.
قال القرطبي: والصحيح أنها نزلت في جميع الأبرار، ومَنْ فعل فعلاً
حسناً؛ فهي عامة (١).
المناسبة:
بعد بيان أن الله هدى الناس إلى طريق الخير وطريق الشّر، ثم انقسامهم
بعدئذٍ فريقين: شاكراً وكافراً، ذكر تعالى على جهة الوعيد أنه أعد للكافرين
قيوداً وناراً، وللمؤمنين الطائعين جنة فيها ألوان النعيم من المأكل والمشرب
والملبس، لتتم المقابلة أو المقارنة بين الجزاءين، مع بيان العلة أو السبب لكل
جزاء.
التفسير والبيان:
﴿إِنّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلًا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٣)﴾ أي إننا هيأنا وأعددنا
لكل من كفر بالله وبنعمه، وخالف أمره سلاسل في أرجلهم يقادون بها إلى
الجحيم، وقيوداً تشد بها أيديهم إلى أعناقهم، وناراً تستعر وتتوقد، لنعذبهم
ونحرقهم بها. والسلاسل: القيود في جهنم، كل سلسلة سبعون ذراعاً، كما
جاء في سورة الحاقة. والأغلال: ما تغل به الأيدي إلى الأعناق.
(١) تفسير القرطبي: ١٣٠/١٩
٣١٠
الجُزءُ (٢٩) - الإِنتَذِ: ٧٦ / ٤-١٢
ج
(١) فيِ الْحَمِيمِ
ونظير الآية: ﴿إِذِ الْأَغْلَلُ فِيَّ أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ
[غافر: ٤٠ /٧١-٧٢].
ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ
فهذا إخبار عما أرصده الله عزّ وجلّ للكافرين الأشقياء من خلقه، ثم أتبعه
بما أعد للمؤمنين الطائعين، فقال:
عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ
٥
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأَسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (
اَللَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْجِيْرًا (٣) أي إن المؤمنين أهل الطاعة والإخلاص الذين يؤدون
حق الله، بالتزام فرائضه واجتناب معاصيه، يشربون من خمر ممزوجة بكافور
بارد أبيض طيب الرائحة، ليكمل ريح الخمر وطعمها ويطيب، وممزوجة
أيضاً بماء عين يشرب منها عباد الله الصالحون، يجرونها إلى حيث أرادوا من
منازلهم وقصورهم، وينتفعون بها كما يشاؤون، ويشقُّونها شقّاً كما يشقّ النهر
ويتفجر الينبوع. وقيل: الكافور: اسم عين في الجنة، يقال لها عين الكافور.
وقوله: ﴿يُفَجِرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ معناه يتصرفون فيها حيث شاؤوا وأين شاؤوا
من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم. والتفجير: الإنباع.
ثم ذكر الله تعالى ثلاثة أسباب لهذا التكريم وثواب الأبرار، فقال:
أي یوفون بما
٧
اَ - ◌َّ - ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوَمَا كَانَ شَرُهُ مُسْتَطِيرًا ®
أوجبوه على أنفسهم من نذور تقرباً إلى الله تعالى، ويتركون المحرمات التي
نهاهم عنها. والنذر في الشرع: ما أوجبه المكلف على نفسه لله تعالى من صلاة
أو صوم أو ذبح أو غيرها مما لم يكن عليه واجباً بالشرع. قال الرازي: اعلم
أن مجامع الطاعات محصورة في أمرين: التعظيم لأمر الله، وإليه الإشارة
بقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾، والشفقة على خلق الله، وإليه الإشارة بقوله:
﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾. ويخافون عذاب يوم هو يوم القيامة كانت شدائده وأهواله
فاشية منتشرة في كل جهة، وعامة على الناس إلا من رحم الله.
٣١١
الُ (٢٩) - الإِنْتَذَلِ: ٧٦ / ٤-١٢
وإنما سميت الأهوال شرّاً؛ لكونها مضرة بمن تنزل عليه، ولكونها صعبة
عليه، كما تسمى الأمراض وسائر الأمور المكروهة شروراً.
والآية دالة على وجوب الوفاء بالنذر؛ لأنه تعالى عقبه بقوله: ﴿وَخَافُونَ
يَوْمًا﴾ وهذا يقتضي أن الخوف من عذاب الله هو سبب الوفاء بالنذر.
◌َّ - ﴿وَيُطْعِمُونَ أَلَّطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا جَ﴾ أي ويطعمون
الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له المحتاج الفقير العاجز عن الكسب، واليتيم
الحزين الذي فقد أباه وعائله، والأسير المقيد المحبوس، أو المملوك، سواء من
أهل الإيمان أو من المشركين. وخصّ الطعام بالذكر لكونه إنقاذاً للحياة،
وإصلاحاً للإنسان، وإحساناً لا ينسى.
وفي قوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ تنبيه على ما ينبغي أن يكون عليه الْمُطْعِمُ، بل كل
عامل، من إخلاص عمله لله.
وَمَا أَدْرَئِكَ مَا اُلْعَقَبَةُ
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَلَا أَقْنَحَمَ اُلْعَقَبَةَ
يَتِيمَا ذَا مَقْرَبَةٍ
١٤
فَقُ رَقَبَةٍ ﴿ أَوْ إِطْعَمٌ فِ يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ (
) أَوْ
١٥
مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴿1﴾ [البلد: ١١/٩٠-١٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ
عَلَى حُبِّهِ،﴾ [البقرة: ١٧٧/٢]، وقوله: ﴿لَن ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾
[آل عمران: ٣/ ٩٢] .
وبما أن تمام الطاعة لا يكون إلا بالإخلاص وقرن النية بالعمل، ذكر النية
بعد تلك الأعمال، فقال:
﴿إِنََّ نُطِعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ لَا نُرِبِدُ مِنْكُمْ جَآءٍ وَلَا شَكُورًا (ج)﴾ أي إنما قصدنا من
هذا الإطعام هو ابتغاء رضوان الله وحده، ورجاء ثوابه، دون منّ عليكم
ولاثناء من الناس، ولا توقع مكافأة تنقص الأجر، ولا طلب مجازاة منكم،
ولا إرادة شكر منكم لنا، بل هو خالص لوجه الله تعالى.
٣١٢
لُ (٢٩) - الإِنَّذِ: ٧٦ / ٤-١٢
وهذا أي طلب رضا الله عنهم هو الهدف الأول، ثم أعقبه بالهدف الثاني
وهو خوف يوم القيامة وأهوالها، فقال سبحانه:
﴿إِنَّا نَخَافُ مِن زَيَّا يَوَمَّا عَبُسًا فَطَرِيْرًا (٣)﴾ أي إننا مع طلب رضوان الله،
نخاف من أهوال يوم تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، صعب شديد.
ووصف اليوم بالعبوس مجاز، وصف بصفة أهله، أو تشبيهاً في ضرره بالأسد
العبوس أو بالشجاع الباسل، والقمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله
بلاء.
ويلاحظ أنه سبحانه وصفهم بالخوف من أهوال القيامة في موضعين: في
قوله المتقدم: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ وقوله هنا: ﴿إِنَّا تَخَافُ مِن رَّيْنَا يَؤْمًا
عَبُوسًا فَتْطَرِيرًا
ثم أوضح الله تعالى أنه حقق للأبرار الهدفين، وذكر ما سيجزيهم على
أعمالهم وإخلاصهم، فذكر الثاني أولاً ثم الأول، فقال: ﴿فَوَقَهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ
اَلْيَرِ وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (1﴾ أي فدفع الله عنهم شرّ ذلك اليوم العبوس،
وآمنهم مما خافوا منه، بسبب خوفهم منه وإطعامهم لوجهه، وأعطاهم بدل
العبوس في الكفار نضرة في الوجوه، وسروراً في القلوب لطلبهم رضا الله.
والنضرة: البياض والنقاء في وجوههم من أثر النعمة.
٣٨١
[عبس: ٨٠٪
مَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ
ونظير الآية: ﴿وُجُوٌ يَؤَمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ
٣٨-٣٩] .
أي وكافأهم بسبب صبرهم على
١٢
﴿وَجَزَئُهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيرًا
التكاليف جنة يدخلونها وحريراً يلبسونه، أي أعطاهم منزلاً رحباً، وعيشاً
رغداً، ولباساً حسناً، كما قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيْرٌ﴾ [الحج: ٢٢/
٢٣]. والتعبير بقوله: ﴿فَوَقَهُمُ﴾ و﴿وَلَقَّهُمْ﴾ بصيغة الماضي، لتأكيد تحقق
الوعد.
٣١٣
المُعُ (٢٩) - الإنتفاعِ: ٧٦ / ٤-١٢
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - إن انقسام الناس باختيارهم إلى فريقين: شاكر وكافر، اقتضى تنوع
الجزاء بعد التكليف والتمكين من المأمورات، فمن كفر فله العقاب من
السلاسل في الأرجل، والأغلال في الأيدي، والنار المستعرة التي تحرق
الجسد؛ ومن وحَّد وشكر، فله الثواب الجزيل والجنة بما فيها من ألوان
النعيم.
والآية دليل على أن الجحيم بسلاسلها وأغلالها مخلوقة؛ لأن قوله تعالى:
﴿أَعْتَدْنَا﴾ إخبار عن الماضي.
ويلاحظ أن الاختصار في ذكر العقاب، مع الإطناب في شرح الثواب،
يدل على أن جانب الرحمة أغلب وأقوى(١).
٣ - وصف الله تعالى نعيم أهل الجنة بما يبهر، فذكر أن الأبرار: أهل
التوحيد والصدق يشربون في الجنة الخمر غير المسكرة، الممزوجة بالكافور،
المختومة بالمسك، المختلطة بعين ماء عذبة في الجنة، يشربون منها، وتكون تحت
تصرفهم وأمرهم يجرونها كما يشاؤون، ويُشقِّقونها شَقّاً، كما يفجر النهر في
الدنيا. وتلك العين هي السلسبيل كما جاء في حديث ذكره الترمذي الحكيم في
نوادر الأصول عن الحسن البصري قال: قال رسول الله وَالفقير: ((أربع عيون في
الجنة: عينان تجريان من تحت العرش، إحداهما التي ذكر الله: ﴿يُفَجِّرُونَها
تَفْجِيرًا﴾ والأخرى الزنجبيل، والأخريان نضاختان من فوق العرش: إحداهما
التي ذكر الله: ﴿عيناً فيها، تسمى سلسبيلاً﴾، والأخرى التسنيم)). وقال:
فالتسنيم للمقربين خاصة شرباً لهم، يمزج للأبرار من التسنيم شرابهم، وأما
الزنجبيل والسلسبيل فللأبرار منها مِزاج.
(١) تفسير الرازي: ٢٥٦/٣٠ وما بعدها.
٣١٤
لُعُ (٢٩) - الإنتاِ: ٧٦ / ٤-١٢
٣ - إن علة أو سبب هذا النعيم للأبرار أمور ثلاثة: وفاؤهم بالنذور
وأداؤهم ما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعُمْرة
وغيرها من الواجبات؛ وخوفهم من يوم القيامة ذي الشدائد والأهوال
الفاشية المنتشرة في كل مكان؛ وإطعامهم الطعام على قِلّته وحبهم له وشغفهم
به ذا مسكنة وفقر وحاجة، ويتيماً من يتامى المسلمين، والأسير المؤمن أو
الكافر الذي يؤسر فيحبس.
وقد أوصى النبي وَّر بالأسارى قائلاً: ((استوصوا بالأُسارى خيراً))(١).
ويكون إطعام الأسير المشرك قربة إلى الله تعالى، غير أنه من صدقة التطوع،
فأما المفروضة فلا. وتقدم لدينا أن الآية دالة على وجوب الوفاء بالنذر.
وأجاز عامة العلماء الإحسان إلى الكفار في بلاد الإسلام من التطوعات لا
من الواجبات. وإطعام الأسير واجب أولاً على الإمام (الدولة) فإن لم يفعله
وجب على المسلمين.
٤ - إطعام هؤلاء بقصدين أو غرضين: رضا الله عنهم، وخوف يوم
القيامة.
٥ - أعطى الله الأبرار ما يحقق الغرضين، فوقاهم ودفع عنهم شرور
ومحاذير ومخاطر يوم القيامة، وآمنهم من خوفهم، وأعطاهم وآتاهم حين لقوه
نَضْرة أي حسناً، وسروراً، أي حبوراً، فتحقق لهم الغرضان: الحفظ من هول
القيامة، وطلب رضا الله تعالى.
قال الرازي: اعلم أن هذه الآية أحد ما يدل على أن شدائد الآخرة لا
تصل إلا إلى أهل العذاب.
(١) أخرجه الطبراني عن أبي عزيز، وهو حديث حسن.
٣١٥
الجُزُ (٢٩) - الإنتزاعِ: ٧٦ / ١٣-٢٢
أَ - كذلك جزاهم الله بصبرهم على طاعة الله وعلى معصية الله ومحارمه
جنان الخلد يدخلونها، والحرير يلبسونه. روى ابن عمر أن رسول الله وَ ال* سئل
عن الصبر، فقال: ((الصبر أربعة: أولها الصبر عند الصدمة الأولى، والصبر
على أداء الفرائض، والصبر على اجتناب محارم الله، والصبر على المصائب)) (١).
هذا مع العلم بأن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإنما أُلبسه من
أُلبسه في الجنة عوضاً عن حبسهم أنفسهم في الدنيا عن الملابس التي حرمها الله.
مساكن أهل الجنة وأشربتهم وخدمهم وألبستهم
﴿ وَدَائِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا
﴿ُتَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَِّ لَا يَرَوْنَ فِيَهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا
وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا ﴿ وَيُطَافُ عَلَهِم ◌ِثَانِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيَأْ ﴿ قَوَارِيرَاً
مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا
عَيْنَا فِيَهَا تُغَّى
١٧
وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأَسًا كَانَ مِنَاجُهَا زَنْجِيلًا
سَلْسَيلا
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ تُحَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْنَهُمْ حَسِبْنَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْتُورًا (®) وَإِذَا
عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقِّ وَحُواْ أَسَاوِرَ
رَأَيْتَ ثَمَّ ◌َأَيْتَ نَعِيًّا وَمُلْكًا كَبِيرًا
مِن فِضَّةٍ وَسَقَّتُهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا ﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُر
٣٣
مَشْكُورًا
القراءات:
﴿قَوَارِيَأْ ، فَوَارِيَا﴾ :
قرأ نافع، والكسائي بالتنوين فيهما، وبإبداله ألفاً وقفاً.
وقرأ ابن كثير بالتنوين في الأول، وبتركه في الثاني، ووقفا على الأول
بالألف، وعلى الثاني بحذفها مع إسكان الراء.
(١) تفسير القرطبي: ١٣٦/١٩
٣١٦
الُُ (٢٩) - الإِنشَاءِ: ٧٦ / ١٣-٢٢
وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحفص، بترك التنوين فيهما.
ووقفوا على الأول بالألف، وعلى الثاني بحذفها مع إسكان الراء. وقرأ حمزة
بترك التنوين فيهما.
لُؤْلُؤًا﴾ :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (لولواً).
﴿عَلِيَهُمْ﴾ :
وقرأ نافع، وحمزة (عاليْهِم).
﴿خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقُّ﴾: قرئ:
١- (خضرٌ وإستبرقٌ) وهي قراءة نافع، وحفص.
٢- (خضرٍ وإستبرقٌ) وهي قراءة ابن كثير.
٣- (خضرٌ وإستبرقٍ) وهي قراءة أبي عمرو، وابن عامر.
٤- (خضرٍ وإستبرقٍ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿ُتَّكِينَ فِهَا﴾ حال من الهاء والميم في ﴿وَجَزَّهُمْ﴾. وكذلك ﴿لَا يَرَوْنَ﴾ في
موضع نصب على الحال من ذلك الضمير، أو من ضمير ﴿مُتَّكِينَ﴾.
﴿وَدَائِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا﴾ منصوب بالعطف على قوله: ﴿جَنَّةٌ﴾ في آية:
﴿ وَجَزَّهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً﴾ و﴿ظِلَلُهَا﴾: فاعل ﴿وَدَانِيَّةً﴾.
(4) بدل من ﴿زَنَجِيلًا﴾.
﴿عَيْنَا فِيَهَا تُسَقَّى سَلْسَبِيلًا
٣١٧
لِلُعُ (٢٩) - الإنتزاعِ: ٧٦ / ١٣-٢٢
في موضع نصب إما لأنه
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكَا كَبِيرًا
ظرف مكان، ويكون مفعول ﴿رَأَيْتَ﴾ محذوفاً، وإما لأنه مفعول ﴿رَأَيْتَ﴾.
ثُمَّ﴾: مبني على الفتح لتضمنه لام التعريف؛ لأنه معرفة، أو لتضمنه معنى
الإشارة، والأصل في الإشارة أن يكون بالحرف، فكأنه تضمن معنى الحرف.
) بفتح الياء منصوب لكونه ظرفاً بمعنى
﴿ عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ ﴿عَلِ
فوقهم، أو على الحال من الهاء والميم في ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ﴾ أي يعلوهم في
هذه الحالة. وقرئ بالسكون فيكون مبتدأ، و﴿ثِيَابُ﴾: خبره، وعالي: لفظه
لفظ الواحد، والمراد به الجمع، كالسامر في قوله تعالى: ﴿سَمِرًا تَهْجُرُونَ﴾
[المؤمنون: ٦٧/٢٣]. ويصح كونه صفة ﴿وِلْدَهُ﴾. و﴿ثِيَابُ سُندُسٍ﴾: مرفوع بـ
﴿عَلِهُمْ﴾ سواء كان حالاً أو وصفاً. و﴿خُضْرٌ﴾ إما بالجر صفة لـ ﴿سُنْدُسٍ﴾
وإما بالرفع صفة لـ ﴿ثِيََّبُ﴾. وكذلك ﴿وَإِسْتَبَرَقُ﴾ بالجر عطفاً على ﴿سُندُسٍ﴾،
أو بالرفع عطفاً على ﴿ثَِابُ﴾. و﴿ وَ إِسْتَبْرَقُ﴾: وهو غليظ الديباج، وأصله
(إستبره) فأبدلوا من الهاء قافاً. وهو منصرف لأنه يحسن فيه دخول الألف
واللام، وليس اسم علم كإبراهيم، ومن لم يصرفه فقد وهم.
البلاغة:
﴿شَمْسًا﴾ و﴿زَمْهَرِرًا﴾ بينهما طباق.
﴿إِذَا رَتْنَهُمْ حَسِبَنَهُمْ لُؤْلُؤَا مَنْتُورًا﴾ تشبيه رائع، أي كاللؤلؤ المنثور.
﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً﴾ إيجاز بالحذف، أي يقال لهم: إن هذا.
﴿وَكَانَ سَعْيُكُم مَشْكُورًا﴾ مجاز عن قبول الطاعة والثواب الكثير.
﴿زَمْهَرِرًا﴾، ﴿قَوَارِيَا﴾، ﴿نَقْدِيْرًا﴾، ﴿مَثُورًا﴾، ﴿كَبِيرًا﴾، ﴿لَطَهُورًا﴾،
﴿مَشْكُورًا﴾ سجع مرصع، أي مراعاة الفواصل.
٣١٨
لُزُرُ (٢٩) - الإنتِّاعِ: ٧٦ / ١٣-٢٢
المفردات اللغوية:
﴿مُتَّكِينَ﴾ جالسين بتمكن وراحة، والغالب أن يكون الجلوس على
جانب واحد، بالاعتماد على وسادة. ﴿الْأَرَّبِكِ﴾ السرر في الحِجال، جمع
أريكة: وهي السرير المجلل بالأستار أو الحجلة أو الكِلّة (الناموسية). ﴿لَا
يَرَوْنَ﴾ لا يجدون. ﴿شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِرًا﴾ أي لا حرّاً ولا برداً، والزمهرير: البرد
الشديد. ﴿وَدَانِيَةً﴾ قريبة. ﴿ظِلَلُهَا﴾ ظلال أشجارها. ﴿وَذُلِّلَتْ﴾ سخرت
وسهّلت ثمارها، وصارت في متناول الأيدي. ﴿قُطُوفُهَا﴾ ثمارها، جمع قِطْف،
والمراد: أدنيت ثمارها، فينالها القائم والقاعد والمضطجع.
﴿َِانَةٍ﴾ صحاف أو أواني الطعام، جمع إناء. ﴿ وَأَكْوَابٍ﴾ آنية الشراب،
جمع كوب: وهو قدح أو كوز مستدير الفتحة، لا عروة فيه. ﴿قَوَارِيرًا﴾ أوعية
زجاجية، جمع قارورة: وهي الزجاجة المعروفة. ﴿قَدَّرُوهَا نَقْدِيرًا﴾ قدرها السقاة
الطوافون على قدر ريّ الشارب، من غير زيادة ولا نقصان، وذلك ألذ
الشراب .﴿كَأَسًا﴾ أي خمراً، والكأس في الأصل: القدح الذي تكون فيه
الخمر. ﴿مِنَ اجُهَا﴾ ما تمزج به. ﴿زَنْجِيلًا﴾ ماء يشبه الزنجبيل في الطعم، وكانت
العرب يستلذون الشراب الممزوج به، والزنجبيل: نبات ذو عرق يوضع في
أخلاط البهارات، له رائحة طيبة وله لذع في اللسان، ينبت في بلاد الشام
والهند والصين.
سميت بذلك لسلاسة انحدارها في الحلق،
﴿عَيْنَا فِيَهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا
وسهولة مساغها. والسلسبيل: الشراب اللذيذ. ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ دائمو البهاء
والحسن، لا يَشيبون. ﴿حَسِبْنَهُمْ﴾ ظننتهم لحسنهم. ﴿لُؤْلُؤًا مَنْتُورًا﴾ كاللؤلؤ المنتثر
.﴿ثَّ﴾ هناك. ﴿نَعِيًّا﴾ لا يوصف. ﴿وَمُلْكَا كَبِيرًا﴾ واسعاً
في الصفاء والبياض
لا غاية له .﴿عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ﴾ يعلوهم ثياب الحرير الخضر، والسندس: ما
رقّ من الحرير، وهو الظهائر. ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ ما غلظ من الديباج، وهو
البطائن. ﴿وَحُلُّواْ﴾ ألبسوا حلية. ﴿أَسَاوِرَ﴾ جمع سوار. ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ وفي موضع
.
٣١٩
الزُُ (٢٩) - الإنتزاعِ: ٧٦ / ١٣-٢٢
آخر: ﴿مِّن ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٧١/٤٣]، للدلالة على أنهم يحلّوْن من النوعين
معاً، ومفرَّقاً. ﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ نقياً من الشوائب، والطهور: صيغة مبالغة في
طهارته ونظافته، خلافاً لخمر الدنيا. ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً﴾ أي يقال لهم:
إن ما أعدّ لكم من الثواب جزاء أعمالكم الصالحة .﴿مَّشْكُورًا﴾ مجازى عليه،
غیر مضَّع.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٠):
م
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَّ رَأَيْتَ نَعِيًّا وَمُلْكَا كَبِيرًا ﴾﴾: أخرج ابن المنذر عن عكرمة
قال: دخل عمر بن الخطاب على النّبي ێ، وهو راقد على حصیر من جرید،
وقد أثّر في جنبه، فبكى عمر، فقال: ما يبكيك؟ قال: ذكرت کسری ومُلكه،
وهُرْمز، وصاحب الحبشة ومُلْكه، وأنت رسول الله وَّر على حصير من
جريد، فقال رسول الله وتلقى: أما ترضى أن لهم الدنيا، ولنا الآخرة، فأنزل
الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا
المناسبة:
بعد بيان طعام أهل الجنة ولباسهم، ذكر الله تعالى أوصاف مساكنهم
وكيفية جلوسهم فيها وأشربتهم وأوانیهم وخدمهم واعتدال هوائهم، ثم أشار
إلى تجملهم بمحاسن الثياب والحلي، وذكر في النهاية أن هذه النعم جزاء
عملهم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن أوضاع أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم، وما .
أسبغ عليهم من الفضل العظيم، فقال تعالى:
٣٢٠
الجُزُ (٢٩) - الإنتِناءِ: ٧٦ / ١٣-٢٢
١) أي جزاهم الله
﴿ُتَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَبِّ لَا يَرَوْنَ فِيَهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِرًا
جنة، متكئين فيها على الأسرَّة المظللة بالْحِجال أو الكِلل، لا يرون فيها حرّ
الشمس، ولا برد الزمهرير، بل إن هواءها معتدل، جاء في الحديث: ((هواء
الجنة سَجْسَج، لا حَرّ ولا قَرّ)) والسجسج: الظل الممتد كما بين طلوع الفجر
وطلوع الشمس(١).
﴿وَدَانِيَّةً عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا وَذُلِلَتْ قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا (®﴾ أي وإن ظلال الأشجار
قريبة منهم، مظللة عليهم، زيادة في نعيمهم، وإن كان لا شمس هناك،
وسخرت وأدنيت ثمارها لمتناوليها تسخيراً، يتناولها القائم والقاعد
والمضطجع، لا يردّ أيديهم عنها بُعْدٌ ولا شوك. فقوله: ﴿وَدَانِيَةً﴾ أي
وجزاهم جنة أخرى دانية عليهم ظلالها.
ولا يخفى أن هذا الظل ليس بالمعنى المصطلح عليه في الدنيا، وهو الضوء
النوراني، فإنه لا شمس هناك، فمعنى دنو الظلال: أن أشجار الجنة خلقت
بحيث لو كان هناك شمس، لكانت تلك الأشجار قريبة الظلال على أهل
الجنة، وقد أكّد هذا المعنى بقوله: ﴿وَذُلِلَتْ قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا﴾ أي لا تمتنع على
قُطّافها كيف شاؤوا(٢).
ثم أخبر الله تعالى عن شرابهم وأوانيهم التي فيها يشربون، فقال:
﴿ وَيُطَافُ عَهِم بَِانَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيَأْ ﴿ قَوَارِيَرًا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرً
(٣) أي يطوف عليهم الخدم بأواني الطعام، وهي من فضة، وبأكواب
الشراب: وهي الكيزان التي لا عراً لها ولا خراطيم، وهي أيضاً من فضة،
فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير وهي الزجاج، حتى يرى داخلها من
خارجها، وجاءت في الشكل والحجم كما يريدون لا تزيد ولا تنقص.
(١) تفسير القرطبي: ١٣٨/١٩
(٢) غرائب القرآن: ١٢٤/٢٩