Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ لُُ (٢٩) - نورج: ٧١ / ٢١-٢٨ ﴿وَقَالُوا﴾ للأدنياء السفلة. ﴿لَ نَذَرُّنَّ﴾ لا تتركن. ﴿وَذَا﴾ صنم لكلب. ﴿وَلَا سُوَاعًا﴾ صنم لهذيل. ﴿وَلَا يَغُونَ﴾ صنم لغُطيف بالجَرْف عند سبأ، أو المذحِج. ﴿وَيَعُوقَ﴾ ◌َمْدان. ﴿ وَنَسَرًّا﴾ صنم لِحِمْيَرِ آل ذي الكلاع. ﴿ وَقَدْ أَضَلُّواْ﴾ الضمير للرؤساء بأن أمروهم بعبادتهم، أو للأصنام. ﴿ وَلَا نَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَلًا﴾ عطف على ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ﴾ أو على ﴿رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِ﴾. ﴿مِّمَّا خَطِيِّئَِهِمْ﴾ أي من أجل ذنوبهم وآثامهم. ﴿أَغْرِقُواْ﴾ أي بالطوفان. ﴿ فَأُدْخِلُواْ نَارًا﴾ وهو عذاب الآخرة أو عذاب القبر. ﴿فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنَصَارًا﴾ أي لم يجدوا غير الله أنصاراً يمنعون عنهم العذاب، وهو تعريض لهم باتخاذهم آلهة من دون الله لا تقدر على نصرهم . ﴿دَيَّارًا﴾ نازل دار، أي أحداً، وهو مما يستعمل في النفي العام. ﴿ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ من يفجر ويكفر، كان هذا الدعاء بعد الإيحاء إليه. ﴿وَلِوَلِدَىَّ﴾ وكانا مؤمنين. ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا﴾ منزلي أو مسجدي أو سفينتي إذا كان مؤمناً. ﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِنَتِ﴾ إلى يوم القيامة. ﴿نَبَارًا﴾ هلاكاً. المناسبة: بعد بيان أنواع الدلائل التي استدل بها نوح عليه السلام على توحيد الإله، أعلن نوح عصيان قومه، وحكى عنهم أنواع قبائحهم وأقوالهم وأفعالهم، ومحورها العكوف على عبادة الأصنام والأوثان. ثم ذكر ما يستحقونه من دخول النار في الآخرة، والهلاك في الدنيا بعد دعاء نوح عليهم بذلك، ودعائه بالمغفرة السابغة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات. التفسير والبيان: ﴿ قَالَ نُعُ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِ وَأَنَّبَعُواْ مَن لَّْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ: إِلَّا خَسَارًا ٢١ أي دعا نوح عليه السلام ربه قائلاً: يا رب، إن قومي استمروا على عصياني، ١٦٢ لُحُ (٢٩) - نورج: ٧١ / ٢١-٢٨ ولم يجيبوا دعوتي، واتبع الجمهور الرؤساء والكبراء وأهل الثراء، الذين لم يزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالاً في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، فخسروا الدنيا والآخرة. ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا ﴾﴾ أي مكروا مكراً عظيماً كبيراً، وهو صدّ الناس عن دعوة نوح إلى الدين الحق وتوحيد الإله، وإغراؤهم السفلة على إيذاء نوح وقتله. ﴿وَقَالُواْ لَ نَذَرُنَّ ءَالِهَتَّكُمْ وَلَا نَذَرُنَّ وَذَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا أي وقال الرؤساء للأتباع للإغراء بمخالفة نوح وعصيان أوامره وأقواله: لا تتركوا عبادة آلهتكم، وتعبدوا رب نوح، ولا تتركوا بالذات عبادة هذه الأصنام التي انتقلت عبادتها إلى العرب وهي ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر. فكان وَدّ لكلب، وسُواعٌ لهذيل، ويغوث لِغِطْفان، ويعوق لَمْدان، ونَشْر لحِمْيَر آل ذي الكَلاع. وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام، فلما هلكوا أوحى(١) الشيطان إلى قومهم أن انْصُبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلما ماتوا وجاء آخرون، وسوس إليهم إبليس قائلاً: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسْقَوْن المطر، فعبدوهم. وكان عند العرب أصنام أخرى: أهمها اللات لثقيف بالطائف، والعُزّى السُلَيم وغطفان وجُشم، ومناة لخزاعة بقُدَيْد، وأساف ونائلة وهُبَل لأهل مكة، وهبل أكبر الأصنام عندهم، فوضع فوق الكعبة. ﴿ وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيرًا وَلَا نَزِدِ الَّلِينَ إِلَّا ضَلَلَا (®﴾ أي وقد أضل كبراؤهم ورؤساؤهم كثيراً من الناس، وقيل: أضلت الأصنام كثيراً من الناس، فإنه (١) الوحي: الإعلام في خفاء لأي شيء، من الأرض والإنسان والحيوان. ١٦٣ اِلُ (٢٩) - نورج: ٧١ / ٢١-٢٨ استمرت عبادتها في القرون بين العرب والعجم إلى عهد النبوة، كما قال إبراهيم الخليل في دعائه: ﴿ وَأَجْنُبْنِ وَبَنِىَّ أَنْ نَعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥/١٤-٣٦]. وناسب ذلك أن يدعو عليهم نوح عليه السلام لإضلالهم وضلالهم وكفرهم وعنادهم، فقال: ولا تزد الكافرين إلا حيرة وبعداً عن الصواب، فلا يهتدوا إلى الحق والرشد، وذلك كما دعا موسى عليه السلام على فرعون وقومه في قوله: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَىَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوَّأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨/١٠]. ثم أبان الله تعالى جزاءهم وسبب الجزاء وهو إضلال الناس فقال: ﴿مِّمَا خَطِيَّنِمْ أُغْرِفُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا فَلَمْ يَجِدُوْ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا ١٢٥ أي من أجل كثرة سيئاتهم وآثامهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم، أغرقوا بالطوفان، ثم أدخلوا نار الآخرة، فلم يكن أحد يمنعهم من عذاب الله ويدفعه عنهم. ﴿وَقَالَ نُحُ رَّتٍّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا ﴾﴾ أي لما أيس نوح من إيمانهم، دعا عليهم بعد أن أوحي إليه ذلك، فقال: رب لا تترك على وجه الأرض منهم أحداً یسکن الديار. ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرَّهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوْاْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٣)﴾ أي إنك إن أبقيت منهم أحداً أضلوا عبادك الذين تخلقهم بعدهم عن طريق الحق، ولا يلدوا إلا كل فاجر في الأعمال بترك طاعتك، كثير الكفران في القلب لنعمتك، لخبرته بهم، ومكثه معهم ألف سنة إلا خمسين عاماً. ثم دعا نوح عليه السلام لأهل الإيمان، وأعاد الدعاء مرة أخرى على الكفار، قائلاً: ١٦٤ الجزء (٢٩) - نورج: ٧١ / ٢١-٢٨ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَنَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا نَزِدِ الَّالِمِينَ إِلَّا نَبَارًا ﴾﴾ أي رب استر علي ذنوبي واستر على والديَّ المؤمنين برسالتي، واغفر لكل من دخل منزلي وهو مؤمن، ولكل المصدقين بوجودك ووحدانيتك ولكل المصدقات بذلك من الأمم والأجيال القادمة، ولا تزد الذين ظلموا أنفسهم بالكفر إلا هلاكاً وخسراناً ودماراً. وقد شمل دعاؤه هذا كل مؤمن وكل ظالم إلى يوم القيامة. روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله وَلل يقول: ((لا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)). ويستحب مثل دعاء نوح اقتداء به لجميع المؤمنين والمؤمنات من الأحياء والأموات. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - لا تجوز الشكوى إلا إلى الله عز وجل، ولذا شکا نوح قومه إلى ربه، وأنهم عصوه ولم يتبعوه فيما أمرهم به من الإيمان، بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، داعياً لهم، وهم على كفرهم وعصيانهم. قال ابن عباس: رجا نوح عليه السلام الأبناء بعد الآباء؛ فيأتي بهم الولد بعد الولد، حتى بلغوا سبعة قرون، ثم دعا عليهم بعد الإياس منهم، وعاش بعد الطوفان ستين عاماً حتى كثر الناس وفشَوْا. أَ - يقلد الناس في العادة قادتهم وكبراءهم، وقد اتبع قوم نوح رؤساءهم وأغنياءهم الذين لم يزدهم كفرهم وأموالهم وأولادهم إلا ضلالاً في الدنيا وهلاكاً في الآخرة؛ ومكروا مكراً عظيماً بصرف الناس الأتباع عن الدين والإيمان، وبإغراء السفلة على قتل نوح عليه السلام. ١٦٥ الزُ (٢٩) - نورج: ٧١ / ٢١-٢٨ ـًا - أصرّ قوم نوح على الكفر والعناد والتمرد وعبادة الأصنام، وتواصوا بعبادة الأوثان وترك عبادة الله، ولا سيما عبادة وَدّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وهي أصنام وصور، كان قوم نوح يعبدونها، ثم عبدتها العرب. ٤ - أكد نوح عليه السلام في شكواه أنه أضل كبراء قومه كثيراً من أتباعهم، لذا دعا عليهم بقوله: ولا تزد الظالمين الكافرين إلا عذاباً (١) وخسراناً وضلالاً عن طريق أهل الجنة، أو ضلال مكرهم. وإنما دعا نوح عليهم بالضلال غضباً عليهم حين عرف بالقرائن المفيدة للجزم أنهم لا یکادون يؤمنون. ٥ - إن خطايا وذنوب قوم نوح هي السبب في الإغراق بالطوفان ودخول نار جهنم بعد إغراقهم، فلم يجدوا حينئذ أحداً يمنعهم من عذاب الله. أَ - استدل بعض أهل السنة وهو القشيري بآية ﴿أُغْرِقُواْ فَأَدْخِلُواْ نَارًا﴾ على إثبات عذاب القبر؛ لأن إدخال النار حصل عقيب الإغراق، فلا يحمل على عذاب الآخرة، وإلا بطلت دلالة الفاء على التعقيب، ولأنه قال: ﴿فَأُدْخِلُوا﴾ على سبيل الإخبار عن الماضي، وهذا إنما يصدق لو وقع ذلك. ورد الرازي بأن الذي قالوه ترك للظاهر من غير دليل؛ لأن المعنى صاروا مستحقين دخول النار، وأما التعبير بقوله: ﴿فَأُدْخِلُوا﴾ فهو عن المستقبل بلفظ الماضي، لتأكد وقوعه وصحة وجوده(٢). لاً - قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ حجة على كل من عوَّل على شيء غير الله تعالى؛ لأن الآية تعريض بالمشركين الذين واظبوا على ٣)﴾ [القمر: ٤٧/٥٤] والضلال هنا : (١) كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَلٍ وَسُعٍُ العذاب. (٢) تفسير الرازي: ١٤٥/٣٠ ١٦٦ الجزء (٢٩) - نورج: ٧١ / ٢١-٢٨ عبادة الأصنام، لتكون دافعة للآفات عنهم، جالبة للمنافع إليهم، فلما جاءهم عذاب الله لم ينتفعوا بتلك الأصنام، وما دفعت عنهم شيئاً من عذاب الله. ٨ - دعا نوح على الكفار بالدمار والهلاك بعد أن يئس من اتِّباعهم إياه، وبعد أن أوحى الله إليه: ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦/١١] فأجاب الله دعوته وأغرق أمته. وهذا كقول النبي ◌َّ: ((اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وزلزلهم)) . قال ابن العربي: دعا نوح على الكافرين أجمعين، ودعا النبي ◌َّل على من تحزب على المؤمنين وألّب عليهم. وكان هذا أصلاً في الدعاء على الكافرين في الجملة، فأما كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يدعَى عليه؛ لأن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة. وإنما خص النبي ويَّة بالدعاء عُتبة وشَيْبة وأصحابهما؛ لعلمه بمآلهم وما كُشف له من الغطاء عن حالهم، والله أعلم (١). ـة - دعا نوح أيضاً لنفسه ولوالديه، وكانا مؤمنين، ولكل من دخل منزله مؤمناً، أو دخل مسجده ومصلاه مصلياً مصدقاً بالله تعالى، ولجميع المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات عامّة إلى يوم القيامة. ثم دعا أيضاً على الكافرين في مقابلة أهل الإيمان بقوله: ﴿ وَلَا نَزِدِ الَِّلِينَ إِلَّا نَبَارًا﴾ أي لا تزد الكافرين إلا هلاكاً، وهذا عام في كل كافر ومشرك. (١) أحكام القرآن: ١٨٤٨/٤ وما بعدها. - ١٦٧ الُ (٢٩) السورة (٧٢) الخبرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحُر مڪية، وهي ثلاثون آية تسميتها: سميت سورة الجن؛ لتعلقها بأحوالهم، فإنهم لما سمعوا القرآن، آمنوا به، ثم أبانوا علاقتهم بالإنس، ومحاولتهم استراق السمع، ورميهم بالشهب المحرقة، وغير ذلك من حديث الجن العجيب الذين منهم المؤمن ومنهم الكافر، والجن عالم لا نراه، ولا طريق لمعرفة شيء عنه إلا بالوحي الإلهي. ويلاحظ أن تسميات السور تبعث على النظر والتفكير. مناسبتها لما قبلها: ترتبط السورة بما قبلها من وجهين : اً - قال الله سبحانه في سورة نوح: ﴿اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ ﴾﴾ [١٠-١١] وقال تعالى في هذه السورة لكفار مكة: السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ﴿ وَلَّوِ أُسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مَّةَ غَدَقًا ٢ - ذكر في السورتين شيء يتعلق بالسماء، كما ذكر فيهما عذاب العصاة، فقال تعالى في سورة نوح: ﴿أَلَمَّ تَرَوْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ١٥ [١٥] وقال عز وجل هنا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا ١٦٨ الُ (٢٩) السورة (٧٢) الخبر [٨] وقال في السورة المتقدمة: ﴿مِّمَّا خَطِيئَتِهِمْ أُغْرِفُواْ فَأُدْخِلُواْ وشهبًا نَارًا﴾ [٢٥] وقال هنا: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا ءَ [٢٣]. أبد ما اشتملت عليه السورة: هناك موضوعان بارزان في السورة هما : الإخبار عن حقائق تتعلق بالجن، وتوجيهات للنبي وَّ في تبليغه الدعوة إلى الناس. افتتحت السورة بالإخبار عن إيمان فريق من الجن بالقرآن العظيم حين سمعوا تلاوته من النبي وَلّ في صلاته في منى بعد عودته من الطائف قبيل الإسراء والمعراج: ﴿قُلْ أُوجِىَ إِلَىَ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الآيات: ١-٢] فهو کما قالوا کتاب يهدي إلى الرشد. ثم أبانت تمجيدهم الله عز وجل وإفرادهم له بالعبادة وتنزيههم له عن اتخاذ الصاحبة والولد، وتسفيههم من جعل الله ولداً، وعلاقة الجن بالإنس: ﴿وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُواْ كَمَا ظَنَهُمْ أَن لَّنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (فَ [٣-٧]. وأعقبت ذلك بالإخبار عن محاولات الجن استراق السمع من السماء، للتعرف على خبر العالم العلوي، ومنعهم منه لإحاطة السماء بالحرس الملائكي، وإحراقهم بالشهب النارية بعد بعثة النبي ◌َّر، وتعجبهم من هذا الحديث السماوي، وتساؤلهم: هل يراد به تعذيب أهل الأرض: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىّ أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَن فِ الْأَرْضِ﴾ [الآيات: ٨- ١٠]. وصرح الجن بعدئذ بانقسامهم إلى فريقين: مؤمنين وكفار، مع تبشير المؤمنين بخير الدنيا والآخرة وعزهما، وإنذار الكافرين المعرضين عن هدي الله للُءُ (٢٩) - الخرج: ٧٢ / ١-٧ ١٦٩ وكتابه بالعذاب الشديد: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصَِّحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَّ كُنَّا طَرَبِقَ قِدَدًا [الآيات : ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ١٣ ١١-١٨ ]. ووصفوا تجمعهم حول النبي ◌َّ حين سمعوه يتلو القرآن: ﴿ وَأَنَّهُ لَا قَامَ عَبْدُ (١) [الآية: ١٩]. اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا واشتمل القسم الثاني من السورة على توجيهات للنبي وَّر بأمره بتبليغ دعوته إلى الناس وإخلاص العمل لله وكونه لا يشرك بربه أحداً، وإعلامه بأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وأنه لا ينجيه أحد من الله إن عصاه، وأنه لا يدري بوقت العذاب: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِ وَلَآَ أُشْرِكُ بِهِ- أَحَدًّا (٣٥) إلى قوله: (٥ ) [الآيات: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِىَّ أَقَرِيبُ مَّا نُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِ أَمَدًا ٢٠-٢٥]. وختمت السورة ببيان استئثار الله واختصاصه بمعرفة علم الغيب، وإحاطته بجميع ما لدى الخلائق وإحصاء أعدادهم: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (٣) إلى قوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ﴾ [٢٦- ٢٨]. إيمان الجن بالقرآن وبالله تعالى ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَنَا عَجَبًا ﴿ يَهْدِىّ إِلَى الزُّشْدِ فَامَنَا بِّ، وَلَنْ نُشْرِكَ بِنَا أَحَدًّا ﴿﴿ وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبِنَا مَا أَتَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا وَلَدًّا ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا ﴿ وَأَنَّا ظَنَآ أَنْ لَّنْ نَقُولَ اُلْإِسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِّبًّا (®َ وَأَنَّهُر كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴿ وَأَنَّهُمْ ظَنُواْ كَمَا ظَنَهُمْ أَن ◌َّنْ يَبْعَثَ اَللَّهُ أَحَدًا (٣) ١٧٠ الُُ (٢٩) - ◌ِخِّ: ٧٢ /١-٧ القراءات: ﴿قُرْءَانًا﴾: وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (قراناً). ﴿وَأَنَّهُ تَعَلَى﴾، ﴿وَأَنَّهُ, كَانَ يَقُولُ﴾، ﴿ وَأَنَّا ظَنَا﴾، ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ ﴿ وَأَنَهُمْ ظَنُواْ﴾ : ، قرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف، بفتح الهمزة في المواضع كلها. وقرأ الباقون بكسرها. الإعراب: ﴿ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ﴾ في موضع رفع، نائب فاعل لـ ﴿أُوْجِىَ﴾ وعطف عليها جميع ما ذكر بعدها، وهو اثنا عشر موضعاً من لفظ (أنّ) فهو عطف على الموحى به، ويصح الكسر في الجميع عطفاً على المقول. ﴿كَذِّبًا﴾ منصوب على المصدر؛ لأنه نوع من القول، أو صفة لمحذوف، أي قولاً مكذوباً فيه. ﴿أَنْ لَّنْ نَقُولَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، أي أنه. وكذا ﴿أَن ◌َّنْ يَبْعَثَ﴾ مخففة من الثقيلة . ﴿أَنْ أَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ سدّ مسدّ مفعولي ﴿ظَنُواْ﴾. البلاغة: ﴿قُرْءَانًا عَجَبًا﴾ وصف بالمصدر للمبالغة، أي عجيباً في إيجازه وإعجازه. ﴿فَامَنَا بِهِ، وَلَن نُشْرِكَ بِرَبِنَا أَحَدًا﴾ بينهما طباق السلب؛ لأن الإيمان ضدّ الشرك ونفي له. ١٧١ لُُ (٢٩) - القُرّ: ٧٢ / ١-٧ ﴿اَلِِّنْسُ﴾ و﴿ وَآلْجِنَّ﴾ بينهما طباق. ﴿أَحَدًا﴾، ﴿وَلَدًا﴾، ﴿رَّصَدًا﴾، ﴿رَشَدًا﴾، ﴿قِدَدًا﴾، ﴿صَعَدًا﴾، ﴿عَدَدًا﴾ إلخ توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات، وهو ما يسمى في علم البديع بالسجع المرصع. المفردات اللغوية: ﴿قُلْ﴾ أيها النبي للناس. ﴿أُوْجِىَ إِلَىَ﴾ أخبرني الله تعالى بالوحي. ﴿أَنَّهُ﴾ الهاء ضمير الشأن. ﴿أُسْتَمَعَ﴾ لقراءتي القرآن. ﴿نَفَرٌ﴾ النفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة. ﴿الْجِنِّ﴾ أجسام عاقلة خفية مخلوقة من النار، والمقصود بهم هنا جن نصيبين، وذلك في صلاة الصبح ببطن نخل: موضع بين مكة والطائف، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِ﴾ [الأحقاف: ٢٩/٤٦] .﴿فَقَالُواْ﴾ لقومهم لما رجعوا إليهم. ﴿قُرَُّنَا﴾ كتاباً. ﴿عَجَبًا﴾ بديعاً في حسن نظمه ودقة معناه، يتعجب منه من فصاحته وغزارة معانيه، مباين لكلام الناس. و﴿عَجَبًا﴾: مصدر وصف به القرآن للمبالغة. ﴿يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ﴾ الإيمان والحق والصواب. ﴿فَامَنَا بٌِّ﴾ بالقرآن. ﴿ وَلَنْ نُشْرِكَ بِيِنَا أَحَدًا﴾ لما نطق به من الأدلة القاطعة الدالة على التوحيد. ﴿ وَأَنَّهُ﴾ الهاء ضمير الشأن. ﴿تَعَلَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ تنزه جلاله وعظمته عما نسب إليه من الصاحبة والولد، والمعنى: وصف بالتعالي عن الصاحبة والولد لعظمته. والْجَدُّ: العظمة. وقرئ: جَدّاً بالتمييز، وجِدّ بالكسر، أي صدق ربوبيته، كأنهم سمعوا من القرآن ما نبههم على خطأ ما اعتقدوه من الشرك واتخاذ الصاحبة والولد . ﴿صَحِبَةً﴾ زوجة. ويحتمل أن يكون المراد من الْجَدّ: الملك والسلطان أو الغنى، جاء في الحديث: ((لا ينفع ذا الْجَدّ منك الْجَدّ)) قال أبو عبيدة: لا ينفع ذا الغنى منك غناه. ﴿سَفِيُهُنَا﴾ السفيه: الجاهل ومن عنده خفة وطيش تنشأ عن حمق وجهل. (شَطَطًا﴾ غلوّاً في الكذب وتجاوزاً حدّ ١٧٢ الُهُ (٢٩) - الْخُرِّ: ٧٢ / ١-٧ العدل والحق بنسبة الصاحبة والولد إليه .﴿ گذِبًا﴾ بوصفه بذلك، حتی تبینا كذبهم فيما قالوا. ﴿يَعُوذُونَ﴾ يستعيذون أو يطلبون النجاة والعون. ﴿بِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ﴾ كان الرجل إذا أمسى بأرض ففر قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه . ﴿فَزَادُوهُمْ﴾ زادوا الجنّ باستعاذتهم بهم. ﴿رَهَقًا﴾ طغياناً وكبراً وعتواً، وأصل الرهق: الإثم وارتكاب المعاصي. ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ أي الإنس. ﴿ظَنُواْ كَمَا ظَهُ﴾ أيها الجن. ﴿أَن ◌َّنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ بعد موته. سبب النزول: نزول الآية (١): ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَ﴾: أخرج البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله وَلل على الجن ولا رآهم، ولكنه انطلق في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعوا إلى قومهم، فقالوا: ما هذا إلا لشيء قد حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا هذا الذي حدث، فانطلقوا، فانصرف النفر الذين توجهوا نحو تهامة، إلى رسول الله وَله، وهو بنخلة، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا، إنا سمعنا قرآناً عجباً، فأنزل الله على نبيّه: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَ﴾ وإنما أوحي إليه قول الجن. نزول الآية (٦): ﴿ وَنَُّرٍ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِسِ يَعُوذُونَ بِعَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًّا (٦) أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ابن حيان في العظمة عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة، وذلك أول ما ١٧٣ لُعُ (٢٩) - الخبر: ٧٢ / ١-٧ ذكر رسول الله وَلقر، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل، جاء ذئب، فأخذ حَمَلاً من الغنم، فوثب الراعي، فقال: عامر الوادي، جارك، فنادى مناد، لا نراه يا سِرْحان، فأتى الْحَمَل يشتد حتى دخل في الغنم، وأنزل الله على رسوله بمكة: ﴿ وَأَنَّكُم كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًّا ®) الآية. وأخرج ابن سعد عن أبي رجاء العطاردي من بني تميم قال: بُعث رسول الله ◌َ ﴿، وقد رعيت على أهلي، وكفيت مهنتهم، فلما بعث النبي وَل خرجنا هراباً، فأتينا على فلاة من الأرض، وكنا إذا أمسينا بمثلها قال شيخنا: إنا نعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة، فقلنا ذاك، فقيل لنا: إنما سبيل هذا الرجل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، من أقرَّ بها، أمِن على دمه وماله، فرجعنا فدخلنا في الإسلام، قال أبو رجاء: إني لأرى هذه الآية نزلت فيّ وفي أصحابي: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ اِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًّا التفسير والبيان: حكى الله عن الجن ستة أشياء وهي: اً - ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا ◌َجَبًا ﴾ أي قل يا محمد مخبراً أمتك وقومك بأن الجن استمعوا القرآن، فآمنوا به وصدّقوه وانقادوا له، فقد أوحى الله إلي على لسان جبريل عليه السلام أنه استمع عدد من الجن إلى قراءتي للقرآن، وهي سورة ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ [العلق: ١/٩٦] فقالوا لقومهم لما رجعوا إليهم: سمعنا كلاماً مقروءاً مثيراً للعجب في فصاحته وبلاغته، ومواعظه وبركاته. والإيحاء: إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء، كالإلهام وإنزال الملك، ويكون ذلك في سرعة. والجنّ عالم مستتر عنا، لا نعرف عنه إلا ما أخبر به الوحي، فهم مخلوقون ١٧٤ الْجُرُ (٢٩) - الثّ: ٧٢ / ١-٧ ) ﴾ [الحجر: ٢٧/١٥]، ولم ٣٧ من النار: ﴿وَالْجَنَ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ يرسل الله إليهم رسلاً منهم، بل الرسل جميعاً من البشر، وهم كالبشر منهم المؤمن المثاب، ومنهم الكافر المعاقب. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ [الأحقاف: ٤٦ /٢٩] . ﴿يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَامَنَا بِ، وَلَن نُشْرِكَ بِرَبِنَا أَحَدًا ﴾﴾ أي إن هذا القرآن يرشد إلى الحق والصواب ومعرفة الله تعالى، فصدقنا به أنه من عند الله، ولن نشرك مع الله إلهاً آخر من خلقه، ولا نتخذ إلهاً آخر، وهذا إعلان منهم للإيمان أمام قومهم حين رجعوا إليهم، كما جاء في تتمة آية الأحقاف السابقة: ﴿قَالُواْ أَنْصِنُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ﴾. , وفي الآية دلالة أن أعظم ما في دعوة محمد رَلي: توحيد الله تعالى، وخلع الشرك وأهله. وقد آمنت الجن أن القرآن كلام الله، بسماعه مرة واحدة، ولم ينتفع كفار قريش، ولا سيما رؤساؤهم، بسماعه مرات، مع كون الرسول وَّ منهم يتلوه عليهم بلسانهم. أَ - ﴿ وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَيِّنَا مَا اٌتَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا وَلَدًّا (٣)﴾ وأنه ارتفع عظمة ربِّنا وجلاله، أو فعله وأمره وقدرته، وأنه تعاظم عن اتّخاذ الصاحبة والولد، كما يقول الكفار الذين ينسبون إلى الله الصاحبة والولد. والمعنى أنهم كما نفوا عن أنفسهم الإشراك بالله، نزهوا الرّب جلّ جلاله حين أسلموا وآمنوا بالقرآن عن اتّخاذ الصاحبة والولد. وبذلك أثبتوا وحدانية الله وامتناع وجود شريك له، ثم أثبتوا له القوة والعظمة، ونزهوه عن الحاجة والضعف باتخاذ الصاحبة والولد، شأن العباد الذين يتعاونون على أمور الحياة بالزوجة للسَّكَن والألفة، وبالولد للمؤازرة والتكاثر والأنس. ◌َ - ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ، سَفِيُهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا أي وإن مشركي الجن ٤ ١٧٥ لُعُ (٢٩) - الخبر: ٧٢ /١-٧ وجهالهم كانوا قبل إسلامهم يقولون قولاً متجاوزاً الحدّ، بعيداً عن الصواب، غالياً في الكفر، فهم يكذبون على الله بدعوى الصاحبة والولد وغير ذلك. والشطط: مجاوزة الحد في الظلم والكفر وغيره من الباطل والزور. ٤ - ﴿وَأَنَا ظَّا أَنْ لَّن نَقُولَ الْإِسُ وَاَلِنُّ عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا (®َ﴾ أي وأنا حسبنا أن الإنس والجن كانوا لا يكذبون على الله، حينما قالوا بأن له شريكاً وصاحبةً وولداً، فصدقناهم في ذلك، فلما سمعنا القرآن علمنا بطلان قولهم وبطلان ما كنا نظنه بهم من الصدق، وعرفنا أنهم كانوا كاذبين. وهذا - كما ذكر الرازي - إقرار منهم بأنهم إنما وقعوا في تلك الجهالات بسبب التقليد، وأنهم إنما تخلصوا منها بالاستدلال والاحتجاج. ٥ - ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا أي كنا نرى أن لهم فضلاً علينا، فكان بعض الإنس يستعيذ في القفار ببعض الجن، فزادوا رجال الجن طغياناً وسفهاً وغيّاً وضلالاً وإثماً. وذلك أنه كان العرب إذا نزل الرجل بوادٍ قال: أعوذ بسيِّد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح. وقد أدى هذا إلى اجتراء الجن على الإنس وظلمهم. ونظير الآية: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَمَعْشَرَ أُلْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْنُم مِّنَ الْإِنسِّ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا أَسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا ◌ُلَّذِىّ أَجَلْتَ لَّ قَالَ النَّارُ مَثْوَنَّكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ١٢٨) [الأنعام: ١٢٨/٦]. ٩ - ﴿ وَهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَكُمْ أَنْ لَّنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٣)﴾ أي وأن الإنس ظنوا كما ظننتم أيها الجن أنه لا بعث ولا جزاء، أو أنه لن يبعث الله بعد هذه المدة رسولاً يدعو إلى التوحيد والإيمان بالله ورسله واليوم الآخر. ١٧٦ الُءُ (٢٩) - الثّ: ٧٢ / ١-٧ فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات الكريمات إلى ما يأتي: اً - الإخبار عن قصص الجن له فوائد كثيرة أهمها بيان أنهم مكلفون بالتكاليف الشرعية كالإنس، وأن المؤمن منهم يدعو الكافر إلى الإيمان، وأن النبي ◌َّه مبعوث إلى العالمين: الإنس والجن وإلى الملائكة تشريفاً، وأن يكون إيمانهم بالقرآن باعثاً كفار قريش وغيرهم إلى الإيمان به، وأنهم يسمعون كلامنا ویفهمون لغاتنا. لكن ظاهر القرآن يدل على أن النّبي ◌َّ ما رآهم؛ لقوله تعالى: ﴿أُسْتَمَعَ﴾. وفي صحيح البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله وَّ على الجنّ وما رآهم، انطلق رسول الله وَله في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ .. إلخ ما ذكر في سبب النزول المتقدم. ففي هذا الحديث دليل على أنه وَله لم يرَ الجن، ولكنهم حضروه، وسمعوا قراءته. وفيه دليل على أن الجنّ كانوا مع الشياطين حين تجسسوا الخبر، بسبب الشياطين لما رُمُوا بالشهب، وكان المرميون بالشهب من الجنّ أيضاً، لقوله وجّهه في الحديث: ((وأرسلت عليهم الشُّهُب)). ومذهب ابن مسعود أنه أمر النبي ◌َّ بالمسير إليهم ليقرأ القرآن عليهم، ويدعوهم إلى الإسلام، وأن النّبي ◌َّ رأى الجن، قال القرطبي: وهو أثبت؛ روى عامر الشعبي قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله وَل﴿ ليلة الجنّ؟ فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله وَ ﴿ ليلة الجنّ؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله وَّه ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشِّعاب، فقلت: استُطير(١) أو (١) استطير فلان: ذعر. ١٧٧ الُعُ (٢٩) - ◌ِخرّ: ٧٢ / ١-٧ اغتيل، قال: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، فلما أصبح إذا هو يجيء من قِبَل حِراء، فقلنا: يا رسول الله! فقدناك وطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشرٌّ ليلة بات بها قوم، فقال: ((أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن)) فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد وكانوا من جِنّ الجزيرة؛ فقال: (لكم كلُّ عَظْم ذُكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفرَ ما يكون لحماً، وكلُّ بَعْرة عَلَفٌ لدوابكم)) فقال رسول الله وَّه: ((فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم الجن)). قال ابن العربي: وابن مسعود أعرف من ابن عباس؛ لأنه شاهده، وابن عباس سمعه، وليس الخبر كالمعاينة(١). وأصل الجن كما قال الحسن البصري: أن الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثواب والعقاب. فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمناً، فهو ولي الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافراً فهو شيطان. ◌َ - حكى الله عن الجن أشياء: أولاً - إنهم لما سمعوا القرآن العجيب في فصاحة كلامه وبليغ مواعظه الهادي إلى مراشد الأمور، قالوا: اهتدينا به وصدّقنا أنه من عند الله، ولن نشرك بربّنا أحداً، أي ولن نعود إلى ما كنّا عليه من الإشراك به. ثانياً - إنهم كما نفوا عن أنفسهم الشرك، نزّهوا ربّهم عن الصاحبة والولد، لذا قالوا: عظُم الله سبحانه عن أن يكون له صاحبة أو ولد. (١) أحكام القرآن: ١٨٥٢/٤ ١٧٨ لُعُ (٢٩) - الخرّ: ٧٢ / ١-٧ ثالثاً - استنكروا ما كان يقول إبليس والجن قبل إسلامهم من الكذب والغلو في الكفر ومجاوزة الحدّ في الظلم. رابعاً - حسبوا أن لن يكذب الإنس والجن على الله، فلذلك صدقوهم فيما سلف في أن لله صاحبةً وولداً، فلما سمعوا القرآن تَبيّنوا به الحقّ. خامساً - كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض قال: أعوذ بسيد هذا الوادي، أو بعزيز هذا المكان من شرّ سفهاء قومه، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح، فزاد الإنسُ الجنَّ طغياناً وعتواً بهذا التعوذ، حتى قالت الجن: سُدْنا الإنس والجن. وقيل: ازداد الإنس بهذا فَرَقاً وخوفاً من الجن، وقيل: زاد الجنُّ الإنس رهقاً أي خطيئةً وإثماً. ويقال بدلاً من هذه الاستعاذة: ما جاء في حديث أخرجه أبو نصر السجزي في الإبانة عن ابن عباس، وقال غريب جداً: أنه وَلّ قال: ((إذا أصاب أحد منكم وحشة أو نزل بأرض ◌َجَنَّةً (١)، فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها برّ ولا فاجر من شرّ ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن فتن النهار، ومن طوارق الليل إلا طارقاً يطرق بخير)). سادساً - ظن الإنس كما ظن الجن أن لن يبعث الله الخلق، أو ظنت الجن كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولاً إلى خلقه يقيم به الحجة، وكل هذا توكيد للحجة على قريش، فإذا آمن هؤلاء الجن بمحمد، فأنتم أحق بذلك. وعلى هذا يكون الكلام كلام الجن، وهو الظاهر. ويحتمل أن يكون الكلام من قول الله تعالى للإنس، والمعنى: وأن الجن ظنوا كما ظننتم يا كفار قريش. (١) أرض مجنة: أي ذات جنّ. ١٧٩ الُ (٢٩) - الخِنْ: ٧٢ / ٨-١٧ وعلى كلا التقديرين: دلت الآية على أن الجن كما كان فيهم مشرك ويهودي ونصراني، فيهم من ينكر البعث. حكاية أشياء أخرى عن الجن . ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِتَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَفْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبَا رَّصَدًا ﴾ وَأَنَّا لَا نَدْرِىّ أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَن فِ اَلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ® وَأَنَّا مِنَّا الصَّلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكٌ كُنَا طَرَبِقَ قِدَدًا ﴿ وَأَنَّا ظَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اَللَّهَ فِى الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ١٣] وَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا اُلْهُدَىّ ◌َمَنَّا بِهِ، فَمَن يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ، فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَا اُلْقَسِطُونَّ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَدًا (﴿ وَأَمَّا اُلْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴿ وَأَلَّوِ أُسْتَقَمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم ◌َّةً ١٧ لِنَفْئِنَهُمْ فِيَةً وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ، يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا عَدَقًا القراءات: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا﴾، ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَفْعُدُ﴾، ﴿وَأَنَّا لَ نَدْرِىّ﴾، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّلِحُونَ﴾، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾، ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا اُلْهُدَىَ﴾، ﴿وَأَنَّا مِنَّا اُلْمُسْلِمُونَ﴾ : قرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف، بفتح الهمزة في المواضع كلها. وقرأ الباقون بكسرها. ﴿يَسْلُهُ﴾ : وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (نسلكه). الإعراب: ﴿فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ ﴿فَوَجَدْنَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، وإما أن تجعل (وجد) متعدية إلى مفعولين، بمعنى علمناها، والها: المفعول ١٨٠ الجُرُ (٢٩) - الفِرّ: ٧٢ / ٨-١٧ الأول، وجملة ﴿مُلِئَتْ﴾ المفعول الثاني، وإما أن تجعل متعدية إلى مفعول واحد، بمعنى أصبناها، وتجعل ﴿مُلِتَتْ﴾ في موضع الحال، بتقدير (قد) ، و﴿حَرَسًا﴾: تمييز منصوب. ﴿أَنْ لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ﴾ ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة: أنه. ﴿ وَلَنْ تُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ ﴿هَرَبًا﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال، تقديره: ولن نعجزه هاربين. ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ بالعطف على هاء ﴿ءَمَنَّا بِهِّ﴾ على تقدير حذف حرف الجر، لكثرة حذفه مع (أنّ) علماً بأن العطف على الضمير المجرور لا يجوز. وبكسر (إنا) بالعطف على قوله: ﴿فَقَالُواْ﴾ وما بعده في تقدير الابتداء والاستئناف، قال ابن بجر: كل ما في هذه السورة من (إن) المكسورة المثقلة، فهي حكاية لقول الجن الذين استمعوا القرآن، فرجعوا إلى قومهم منذرین، وكل ما فيها من (أن) المفتوحة، فهي وحي إلى رسول الله گچ. ﴿وَأَلَّوِ أُسْتَقَمُواْ﴾ ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي وأنهم. ﴿يَسْلُكَّهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ ﴿عَذَابًا﴾ منصوب بتقدير حذف حرف الجر، تقديره: يسلكه في عذاب، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به، فنصبه. و﴿صَعَدًا﴾: مصدر وصف به العذاب. البلاغة: :جوم نقعد بينهما جناس الاشتقاق. لِلسَّمْعِ مقعد مِنْهَا ﴿ وَأَنَّا لَا نَدْرِىّ أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَنْ فِ الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (®َ﴾ تأدب مع الله بنسبة الخير إلى الله، دون الشر، وبين لفظ (الشر) و (الرشد) طباق في المعنى.