Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١
الزرع (٢٩) - القلة: ٦٩ / ١٩-٢٤
أي ويقال لهم :
٢٤
﴿كُواْ وَاشْرَبُواْ حَنِيَا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِ الْأَامِ الْخَالِيَةِ
كلوا يا أيها المتقون الأبرار في الجنة من طيباتها وثمارها، واشربوا من أشربتها
أكلاً وشرباً هنيئاً، أي لا تكدير فيه ولا تنغيص، جزاء لما عملتم، وبسبب ما
قدمتم من الأعمال الصالحة في الدنيا.
وهذا تفضل من الله عليهم وامتنان وإنعام وإحسان؛ لما ثبت في الصحيح
عن رسول الله وَلهو أنه قال: ((اعملوا وسدِّدوا وقاربوا، واعلموا أن أحداً لن
يدخله عملُه الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن
يتغمَّدني الله برحمةٍ منه وفَضْلٍ)) .
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إن إعطاء الكتاب باليمين دليل على النجاة، فيقول المؤمن الناجي ثقة
بالإسلام وسروراً بنجاته لكل من يلقاه من جماعته: هلموا وخذوا واقرؤوا
كتابي هذا، إني ظننت أن يؤاخذني الله بسيئاتي ويعذبني، ولكنه تفضل علي
بعّفوه ولم يؤاخذني بها. وقال ابن عباس وغيره عن قوله: ﴿إِّ ظَنْتُ﴾ أي
أيقنت وعلمت أني ملاق حسابي في الآخرة، ولم أنكر البعث، يعني أنه ما نجا
إلا بخوفه من يوم الحساب؛ لأنه تيقن أن الله يحاسبه، فعمل للآخرة. ذكر
الثعلبي عن ابن عباس قال: أول من يُعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن
الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس، قيل له: فأين أبو بكر؟ فقال: هيهات
هيهات !! زقَّته الملائكة إلى الجنة.
أَ - يكون الناجي في عيش يرضاه لا مكروه فيه، أو في عيشة مرضية، في
جنة عالية، أي عظيمة في النفوس، ثمارها قريبة التناول، يتناولها القائم
والقاعد والمضطجع.
١٠٢
الجُرَءُ (٢٩) - لقلة: ٦٩ / ٢٥-٣٧
جاء في الصحيح عن النبي ◌َّر: ((أنهم يعيشون، فلا يموتون أبداً،
ويصحّون فلا يمرضون أبداً، ويَنْعَمون فلا يرون بأساً أبداً، ويَشِبّون فلا
یهرمون أبداً)» .
◌َّ - يقال للناجين من قبل ربهم، أو بوساطة الملائكة خزنة الجنة: كلوا
واشربوا في الجنة أكلاً وشرباً هنيئاً لا تكدير فيه ولا تنغيص، بسبب ما قدمتم
من الأعمال الصالحة.
والآيات تعم جميع أهل السعادة، كما أن الآيات التالية تعم جميع أهل
الشقاوة.
حال الأشقياء يوم القيامة
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِنَهُ بِشِمَالِهِ، فَيَقُولُ يَلَيْنَنِى لَمْ أُوَتَ كِنَبِيَهْ ﴿ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَةٌ
ومُ مُ
(٢٩)
مَآ أَغْنَى عَنّ مَالِيَةٌ ﴿ هَلَكَ عَنّ سُلْطَنِيَهْ
٢٧
يَتَّتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ
٢٦
خُذُوهُ
فعلوه
٣٠
ثُمَّ الْبَحِيمَ صَلُّوهُ
، نُزَ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ
◌َةَ إِنَّهُ
وَلَا يَحُ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ
كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ
فَلَيْسَ لَهُ الْيَّوْمَ هَهُنَا
٣٧
لَّا يَأْكُهُ: إِلَّ الْخَطِئُونَ
٣٦
وَلَا طَعَامُ إِلَّ مِنْ غِسْلِينٍ
٣٥١
حِيمٌ
الإعراب:
يََّنِى﴾ يا: للتنبيه. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّ مَالِيَّهُ (®﴾ ﴿مَا﴾ إما استفهامية على
سبيل الإنكار في موضع نصب؛ لأنها مفعول ﴿أَغْنَى﴾. ﴿مَالَهٌ﴾ فاعله،
وتقديره: أي شيء أغنى عنّي ماليه؟ أو أن تكون ﴿مَا﴾ نافية، ويكون مفعول
﴿ أَغْنَى﴾ محذوفاً، وتقديره: ما أغنى ماليه شيئاً، فحذفه. والهاء في ﴿مَالِيَهٌ﴾
للسكت، وإنما أدخلت صيانة للحركة عن الحذف، وتثبت وقفاً ووصلاً اتباعاً
لمصحف الإمام والنقل المتواتر.
١٠٣
الجُرعُ (٢٩) - الدقلم: ٦٩ / ٢٥-٣٧
﴿فَلَيْسَ لَهُ أُلْيَوْمَ هَهُنَا حَمِيمٌ
◌ُ﴾ اسم ليس، وخبرها الجار
٣٥
والمجرور، وهو ﴿لَهُ﴾. ولا يجوز أن يكون ﴿اليَوْمَ﴾ هو الخبر؛ لأن
جثة، واليوم ظرف زمان، وظروف الزمان لا تكون أخباراً عن الجثث، وإنما
تدل على وجود حدث بعدها.
البلاغة:
ثُرَّ الْبَحِيَمَ صَلُوهُ ﴿ ثُمَ فِ سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا
الْخُذُوهُ فَغْلُوهُ
فَاسْلُكُوهُ (َ)) توافق الفواصل، مراعاة لرؤوس الآيات، ويسمى في علم
البديع كما تقدم السجع المرضَّع.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَا مَنْ أُوْتِىَ كِنَبَهُ بِشِمَالِهِ، فَيَقُولُ﴾ يقول لما يرى من قبح العمل وسوء
· العاقبة. ﴿يَلَيْتَهَا﴾ يا ليت الموتة التي متها في الدنيا. ﴿ كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ القاطعة
لأمري وحياتي، فلم أبعث بعدها . ﴿مَالِيَّهُ﴾ مالي من المال. ﴿سُلْطَنِيَهْ﴾ حجتي
التي كنت أحتج بها في الدنيا، أو ملكي وسلطاني على الناس.
﴿خُذُوهُ﴾ خطاب لخزنة جهنم. ﴿فَغُلُوهُ﴾ شدُّوه في الأغلال، واجمعوا يديه
إلى عنقه في الغُلّ: وهو ما يكبل به الأسير أو المتهم من القيود والسلاسل.
﴿الْجَحِيمَ﴾ النار المحرقة. ﴿صَلُّوُهُ﴾ أدخلوه وأوردوه إياها، يصلى نارها ويحترق
بها . ﴿ذَرْعُهَا﴾ طولها. ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ المراد أنها سلسلة طويلة، والمراد ذراع
الملَك.﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ أدخلوه فيها بعد إدخاله في النار، بأن تلفّوها على جسده
كيلا يتحرك فيها. وتقديم الجحيم والسلسلة للدلالة على التخصيص،
ـ﴾ لتفاوت ما بينهما في الشدة.
والاهتمام بذكر أنواع ما يعذب به، وكلمة
تعليل على طريقة الاستئناف
﴿إِنَُّ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ اٌلْعَظِيمِ
للمبالغة، وذكر صفة ﴿اٌلْعَظِيمِ﴾ للإشعار بأنه هو المستحق للعظمة، فيجب
١٠٤
الجزءُ (٢٩) - الأقلية: ٦٩ /٢٥-٣٧
لا يحث على إطعامه، فضلاً عن
(٣٤)
الإيمان به . ﴿﴿ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ اٌلْمِسْكِينِ
أن يبذل من ماله. ﴿حَميمٌ﴾ قريب مشفق يحميه أو صديق ينتفع به . ﴿غِسْلِينٍ﴾
صديد أهل النار وما يسيل منهم من قيح أو دم . ﴿الْخَطِئُونَ﴾ الآثمون،
أصحاب الخطايا، من خطئ الرجل: إذا تعمد الذنب، لا من الخطأ المضاد
للصواب.
المناسبة:
بعد بيان حال السعداء في معايشهم وسكناهم في الجنة، بيَّن الله تعالى
للموازنة والمقارنة والعبرة حال الأشقياء الكفار في الآخرة، وتعرضهم لألوان
العذاب في نار جهنم، مع بيان سبب ذلك: وهو عدم الإيمان بالله العظيم،
والإعراض عن مساعدة المساكين البائسين.
التفسير والبيان:
﴿ وَمَّا مَنْ أُوْقِيَ كِنَبَهُ بِشِمَالِهِ، فَقُولُ يَلَيْنَنِى لَمْ أُوَتَ كِنَلِيَهُ (9)﴾ أي وأما الشقي
الذي يعطى كتابه بشماله أو من وراء ظهره، فيقول حزناً وكرباً، وألماً وندماً
لما رأى فيه من سيئاته وقبيح أعماله: يا ليتني لم أعط كتابي. وهذا دليل على
وجود العذاب النفسي قبل العذاب الجسدي.
٣٦
يَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٣﴾ أي ولم أعلم أيّ شيء
﴿ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَةٌ
حسابي الذي أحاسب به؛ لأن كله وبال علي، ليت الموتة التي متها في الدنيا
كانت القاطعة نهاية الحياة، ولم أحْيَ بعدها، فهو يتمنى دوام الموت وعدم
البعث، لما شاهد من سوء عمله، وما يصير إليه من العذاب. قال قتادة: تمَّى
الموت، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه. ونظير الآية: ﴿وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ
يَلَيِّتَنِىِ كُتُ تُرَبًا﴾ [النبأ: ٤٠/٧٨].
(9) أي ما أفادني مالي شيئاً،
﴿مَا أَغْنَى عَنِّ مَالِيَةٌ ﴿ هَلَكَ عَنِى سُلْطَنِيَةْ
١٠٥
الجُرُ (٢٩) - القلم: ٦٩ / ٢٥-٣٧
ولم يدفع عني شيئاً من عذاب الله، وفقدت حجتي، وذهب منصبي وجاهي
ومُلْكي، فلم يدفع عني العذاب، بل خلص الأمر إلي وحدي، فلا معين لي
ولا مجير. قال أبو حيان: الراجح قول ابن عباس ومن ذكر معه أن السلطان
هنا هو الحجة التي كان يحتج بها في الدنيا؛ لأن من أوتي كتابه بشماله ليس
مختصاً بالملوك، بل هو عام في جميع أهل الشقاوة (١). وحينئذ يقول الله عز
وجل مبيناً مصيره وعاقبة أمره:
ثُمَ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا
٣١
ثُرَّ الْبَحِيمَ صَلُّوهُ
﴿خُذُوهُ فَعُلُوهُ
فَاسْلُكُوهُ (®﴾ أي يأمر الله الزبانية قائلاً: خذوه مكبَّلاً بالقيود والأغلال،
بجمع يده إلى عنقه في الغُلّ، ثم أدخلوه الجحيم ليصلى حرّها، ثم أدخلوه في
سلسلة (حَلَق منتظمة) طولها سبعون ذراعاً تلفُّ على جسمه، لئلا يتحرك.
ثم بيّن الله تعالى سبب وعيده الشديد وعذابه قائلاً:
وَلَا يَحُ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (®َ﴾ أي إنه
٣٣
﴿ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ
كان كافراً جاحداً لا يصدق بالله صاحب العظمة والسلطان، ولا يحث على
إطعام الفقير والمسكين البائس، فضلاً عن عدم بذله المال للبائسين، والمعنى
أنه لا يؤدي حقوق الله من توحيده وعبادته وعدم الشرك به، ولا يؤدي حقوق
العباد من الإحسان والمعاونة على البر والتقوى. وفي ذكر الحض دون الفعل.
تشنيع، يفيد أن تارك الحض كتارك الفعل. وفي الآية دلالة على أن الكفار
مخاطبون بفروع الشريعة.
والعذاب متعين لازم له، كما قال تعالى:
﴿فَسَ لَهُ أَلْيَوْمَ هَهُنَا حَمِيمٌ ﴾﴾ أي ليس له يوم القيامة قريب ينفعه، أو
صديق يشفع له، أو ينقذه من عذاب الله تعالى، كما جاء في آية أخرى: ﴿مَا
(١) البحر المحيط: ٣٢٥/٨ وما بعدها.
١٠٦
الجزء (٢٩) - القلم: ٦٩ / ٢٥-٣٧
لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨/٤٠]. وقوله: ﴿هَهُنَا﴾ إشارة
إلى مكان عذابهم.
وطعامه ما وصف تعالى:
أي وليس له
لَا يَأْكُلُهُ: إِلَّا الْخَطِئُونَ
٣٦
﴿ وَلَا طَعَامُ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ
طعام إلا ما يسيل من أجسام أهل النار من صديد ودم وقيح، لا يأكله إلا
أصحاب الخطايا والذنوب. قال قتادة عن الغسلين: هو شر طعام أهل النار.
والطعام: اسم بمعنى الإطعام، كالعطاء اسم بمعنى الإعطاء.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إذا كان المؤمن يفاخر بكتابه ابتهاجاً وفرحاً، فإن الكافر الشقي يتمنى
الموت، ويكره البعث والعودة إلى الحياة مرة أخرى، قال القفّال: تمنى الموت
حين رأى من الخجل وسوء المنقلب ما هو أشدّ وأشنع من الموت.
أَ - ذكر الله تعالى سرور السعداء أولاً، ثم ذكر أحوالهم في العيش الطيب
وفي الأكل والشرب، ثم ذكر هنا غم الأشقياء وحزنهم، ثم ذكر أحوالهم حينما
يزج بهم في نار جهنم في الغُلّ والقيد، وتناول طعام الغسلين، والتصلية(١) في
الجحيم (وهي النار العظمى) وإدخاله في سلسلة طولها سبعون ذراعاً بذراع
الملَك.
ءَّ - سبب الظفر بالجنة للمؤمنين السعداء الإيمان والأعمال الصالحة في
الدنيا، وسبب العذاب والوعيد الشديد للأشقياء: هو عدم الإيمان بالله
العظيم وعدم بذل المال للمساكين.
(١) قال المبرّد: أصليته النار: إذا أوردته إياها، وصلّيته أيضاً، كما يقال: أكرمته وكرَّمته.
١٠٧
لُرُ (٢٩) - القلم: ٦٩ / ٣٨-٥٢
على أن الكفار يعاقبون
٤ - دلت آية ﴿ وَلَا يَحُّ عَلَى طَعَامِ اُلْمِسْكِينِ
على ترك الصلاة والزكاة. وهو المراد من قول جمهور الأصوليين: إن الكفار
مخاطبون بفروع الشريعة. عن أبي الدرداء: أنه کان یحض امرأته على تکثیر
المرق لأجل المساكين، ويقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان، أفلا نخلع
النصف الباقى!
٥ - ليس للشقي في الآخرة حميم، أي قريب يدفع عنه العذاب، ويحزن
عليه؛ لأنهم يتحامون ويفرّون منه، كقوله: ﴿وَلَا يَسَْلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا
[المعارج: ١٠/٧٠] وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾ [غافر: ٤٠/
١٨] .
٩ - طعام أهل النار الخاطئين (المذنبين): الغسْلين: وهو صديد أهل النار
السائل من جروحهم وفروجهم، قال قتادة: هو شر الطعام وأبشعه، وفي آية
أخرى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامُّ إِلَّا مِن ضَرِيعِ (®﴾ [الغاشية: ٦/٨٨] والضريع: شيء
في النار کالشوك مُرّ منتن.
تعظيم القرآن وإثبات نزوله بالوحي
﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِمَا نُصِرُونَ ﴿ وَمَا لَا نُصِرُونَ
٣٩
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (®
وَمَا
هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ
نَنِیلٌ مِّن رَّبِّ
٤٢
وَلَا بِقَوْلِ كَِهِنَّ قَلِيلًا مَّا نَذَكَّرُونَ
٤١
لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ
٤٤
اَلْعَلَمِينَ (٣) وَلَوْ نَقَوَّ عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَقَاوِيلِ
ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ
٤٥
الْوَتِينَ ﴿ فَمَا مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ ﴿ وَإِنَّهُ لَنَذَّكِرَةٌ لِلْمُنَّقِينَ
وَإِنَّا لَتَعْلَؤُ
٤٨
أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ
وَإِنَّهُ لَحَسْرَةُ عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾
وَإِنَّهُ لَحَقُّ أَلْيَقِينِ
فَسَبِحْ
٥٢
بِأَسِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ
القراءات:
﴿نُؤْمِنُونَ﴾، ﴿نَذَكَّرُونَ﴾: قرئ:
١٠٨
الجزء (٢٩) - الدّقلم: ٦٩ / ٣٨-٥٢
١- (يؤمنون، يذَّكَّرون) وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر، بخلف عن ابن
ذكوان.
٢- (تؤمنون، تذََّّرون) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وهو الوجه الثاني
لا بن ذكوان.
٣- (تؤمنون، تَذَكَّرون) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ﴾ صفة للمفعول المطلق لـ﴿نُؤْمِنُونَ﴾ أي تصدقون تصديقاً
قليلاً، و﴿مَّا﴾ مزيدة للتأكيد.
﴾ ﴿نَزِيلٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو
﴿تَنْزِيْلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
تنزيل . ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ ﴾﴾ ﴿مِّنْ أَحَدٍ﴾ في موضع رفع، لأنه
اسم ﴿فَمَا﴾ لأن ﴿مِّنْ﴾ زائدة لتأكيد النفي، و﴿مِنكُمْ﴾ حال ﴿مِّنْ أَحَدٍ﴾،
و﴿حَجِينَ﴾ خبر ﴿فَمَا﴾. و﴿عَنْهُ﴾ في موضع نصب لأنه يتعلق بـ ﴿حَجِزِينَ﴾
التقدير: فما منكم أحد حاجزين عنه. وجمع ﴿ حَجِزِينَ﴾ وإن كان وصفاً لـ
﴿أَحَدٍ﴾ لأنه في معنى الجمع، فجمع حملاً على المعنى، فإنه عام والخطاب
للناس، ولأن أحداً في سياق النفي بمعنى الجمع، مثل ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
مِّن رُسُلِه٤ٍِ﴾ [البقرة: ٢٨٥/٢]. ولم يُبطل ﴿مِنَكُمْ﴾ عمل ﴿فَمَا﴾ لأن الفصل
بالجار والمجرور والظرف لا يؤثر.
البلاغة:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا نُصِرُونَ
وَمَا لَ نُصِرُونَ
بينهما طباق السلب.
٣٩٦
المفردات اللغوية:
﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ لا حاجة للقسم لظهور الأمر واستغنائه عن التحقيق بالقسم،
١٠٩
الجزء (٢٩) - الأقلم: ٦٩ / ٣٨-٥٢
أو إن المراد بهذه الصيغة القسم، أي فأقسم، وهو مستأنف، ولا: زائدة.
﴿بِمَا نُصِرُونَ﴾ من المشاهدات والمخلوقات. ﴿وَمَا لَا نُصِرُونَ ﴿6﴾ أي بما غاب
عنكم، فهذا قسم بالمشاهدات والمغيبات، وذلك يتناول الخالق والمخلوقات
بأسرها.
﴿إِنَّهُ﴾ أي القرآن. ﴿لَقَوَّلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أي لقول جبرائيل أو محمد عليهما
السلام، رسول كريم على الله، يبلغه عن الله تعالى، فإن الرسول لا يقول عن
نفسه، والمراد به هنا النبي وَله في قول الأكثرين. وأما المراد به في سورة التكوير
فهو جبريل عليه السلام في قول الأكثرين. ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ كما يزعمون؛
لأن الرسول ليس بشاعر. ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاِهِنٍ﴾ كما يزعمون تارة أخرى،
والكاهن: من يدعي معرفة الغيب . ﴿قَلِلاً مَّا نُؤْمِنُونَ﴾ أي تصدقون تصديقاً
قليلاً، والقلة بمعناها الظاهر، وحمل الزمخشري القلة على العدم والنفي، أي
لا تؤمنون البتة، وقال أبو حيان: لا يراد بـ ﴿قَلِيلًا﴾ هنا النفي المحض كما
زعم الزمخشري، فإن هذا لا يكون في حال النصب، وإنما في حال الرفع ﴿مَّا
نَذَكَّرُونَ﴾ تتذكرون، و﴿مَا﴾ مزيدة للتأكيد .
والخلاصة: أنهم آمنوا بأشياء يسيرة، وتذكّروها، مما أتى به النبي ◌َّ من
الخير والصلة والعفاف، فلم تغن عنهم شيئاً.
﴿نَزِيلٌ﴾ بل هو تنزيل. ﴿فَقَوَلَ﴾ أي النبي، سمى الافتراء تقولاً؛ لأنه قول
٤٥) @ لنلنا
متكلَّف، والأقوال المفتراة أقاويل، تحقيراً بها . ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ
منه عقاباً بالقوة والقدرة . ﴿الْوَنِينَ﴾ نياط القلب، وهو عرق متصل بالقلب،
إذا انقطع مات صاحبه . ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ﴾ أي لا أحد عن القتل أو عن
النبي . ﴿حَجِزِينَ﴾ مانعين أو دافعين، والمراد: لا مانع لنا عنه من حيث
العقاب.
(*) أي وإن القرآن لموعظة لأهل التقوى؛ لأنهم
﴿ وَإِنَُّ لَنَذْكِرَةٌ لِلْمُنَّقِينَ
--
١١٠
الجزء (٢٩) - للەقلم: ٦٩/ ٣٨-٥٢
المنتفعون به . ﴿أَنَّ مِنكُمْ﴾ أيها الناس. ﴿مُكَذِّبِينَ﴾ بالقرآن، ومنكم مصدّقين.
®)، وإن القرآن لحسرة عليهم إذا رأوا ثواب
﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةُ عَلَى الْكَفِينَ
المؤمنين المصدقين به، وعقاب المكذبين به . ﴿ وَإِنَّهُ لَحَقُّ أَلْيَقِينِ (٥) وإن القرآن
اليقين الحق الذي لا ريب فيه . ﴿فَسَيِحُ﴾ نزّه الله بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عن
الرضا بالتقول عليه، وشكراً على ما أوحى إليك. وباء ﴿بِأَسْمِ﴾ زائدة.
سبب النزول:
نزول الآيات (٣٨ - ٤٠):
﴿فَلَّ أُقْسِمُ﴾: قال مقاتل: سبب ذلك أن الوليد بن المغيرة قال: إن محمداً
ساحر، وقال أبو جهل: شاعر، وقال عقبة: كاهن، فقال الله عز وجل:
﴿فَلَ أُقْسِمُ بِمَا نُصِرُونَ (4﴾ أي أقسم.
المناسبة:
بعد الإخبار عن إمكان القيامة ووقوعها، وبيان أحوال السعداء والأشقياء
فيها، ختم الكلام بتعظيم القرآن وإثبات كونه كلام الله تعالى المنزَّل على قلب
رسوله محمد چ
التفسير والبيان:
وَمَا لَا نُصِرُونَ
٣٨
﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِمَا نُصِرُونَ
إِنَّهُ لَقَوَّلُ رَسُولِ كَرِيمٍ
٣٩
٤٠
أي أُقسم لخلقي بما تشاهدون من المخلوقات الدالة على كمالي في أسمائي
وصفاتي، وبما غاب عنكم من المغيبات، أو أقسم بالأشياء كلها ما يُبْصَر منها
وما لا يُبْصَر إن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله على عبده ورسوله الذي
اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة، وإنه لتلاوة رسول كريم، وقول يبلّغه
رسول كريم، مؤدّىً عن الله بطريق الرسالة.
١١١
لُرُ (٢٩) - القلم: ٦٩ / ٣٨-٥٢
وإنما أضافه إلى الرسول على معنى التبليغ؛ لأن الرسول من شأنه أن يبلّغ
عن المرسِل. وفي ذكر (الرسول) إشارة إلى أن هذا القرآن ليس قوله من تلقاء
نفسه، وإنما هو قوله المؤدى عن الله بطريق الرسالة. وفي وصفه بالكرم إشارة
إلى أمانته، وأنه ليس ممن يغير الرسالة طمعاً في أغراض الدنيا الخسيسة.
والأكثرون على أن الرسول الكريم هنا هو محمد ◌َّ؛ لأنه ذكر بعده أنه
ليس بقول شاعر ولا كاهن، والقوم ما كانوا يصفون جبرائيل بالشعر
والكهانة، وإنما يصفون محمداً وَل.
وأما في سورة التكوير فالأكثرون على أنه جبرائيل عليه السلام، لأن
الأوصاف التي بعده تناسبه، كما سيأتي.
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ ﴾﴾ أي ليس القرآن بقول شاعر، كما
تزعمون؛ لأن محمداً وَله ليس بشاعر، ولأن آيات القرآن ليست من أصناف
الشعر، وأنتم تؤمنون إيماناً قليلاً، وتصدقون تصديقاً يسيراً. والقلة على
ظاهرها وهي إقرارهم إذا سئلوا: من خلقكم؟ قالوا: الله. ويحتمل أن يكون
المتصف بالقلة هو الإيمان اللغوي؛ لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرة لا تغني
عنهم شيئاً؛ إذ كانوا يصدّقون أن الخير والصلة والعفاف ونحوه الذي كان يأمر
به رسول الله 3 38 هو حق صواب.
وإنما قال عند نفي الشعر عنه: ﴿قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ﴾ وعند نفي الكهانة: ﴿قَلِلًا
مَّا نَذَكَّرُونَ﴾ لأن انتفاء الشعرية عن القرآن أمر كالبيِّن المحسوس.
أما من حيث اللفظ فظاهر؛ لان الشعر كلام موزون مقفّى؛ وألفاظ القرآن
ليست كذلك إلا النادر غير المتعمد. وأما من جهة التخيل فلأن القرآن فيه
أصول كل المعارف والحقائق والبراهين والدلائل المفيدة للتصديق إذا كان
المكلف ممن یصدّق ولا يعاند.
١١٢
لجُعْ (٢٩) - الدقلت: ٦٩ / ٣٨-٥٢
وانتفاء الكهانة عنه يحتاج إلى تأمل، فإن كلام الكهان أسجاع لا معاني
لها، وأوضاع تنبو عنها الطباع، وأيضاً في القرآن سب الشياطين وذم سيرتهم،
والكهان إخوان الشياطين، فكيف رضوا بإظهار قبائحهم (١).
﴿ وَلَا بِقَوْلِ كَاِنٍ قَلِيلًا مَّا نَذَّكَّرُونَ (4)﴾ أي وليس القرآن بقول كاهن (وهو
من يدعي الغيب في المستقبل) كما تزعمون، فإن الكهانة أمر آخر لا جامع
بينها وبين القرآن، ولأن القرآن ورد بسب الشياطين، فلا يعقل أن يكون
بإلهامهم، ولكنكم تتذكرون تذكراً قليلاً، ولذلك يلتبس الأمر عليكم، فلا
تتذكرون كيفية نظم القرآن، واشتماله على شتم الشياطين، فقلتم: إنه كهانة.
ثم صرح تعالى بالمقصود، فقال:
أي بل هو تنزيل من الله رب الإنس والجن،
٤٣
{فَفِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
نزل به جبريل الأمين على قلب رسوله محمد بيّله، وهو قول هذا الرسول بمعنى
أنه مبلِّغ له عن المرسل، وهو الذي أظهره للخَلْق، ودعا الناس إلى الإيمان به،
وجعله حجة لنبوته.
روى الإمام أحمد عن شُرَيح بن عبيد قال: قال عمر بن الخطاب: ((خرجت
أتعرض رسول الله وَر قبل أن أُسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت
خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قال:
نَزِيلٌ مِّن رَّبِّ
٤٢
فقلت: كاهن، قال: فقرأ: ﴿ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنَّ قَلِيلًا مَّا نَذَكَّرُونَ
لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ
٤٤
وَلَوْ نَفَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَفَاوِيلِ
اَلْعَلَمينَ
ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ
٤٥
الْوَتِينَ ﴿® فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ ﴾﴾ إلى آخر السورة، قال: فوقع
الإسلام في قلبي كل موقع))، قال ابن كثير: فهذا من جملة الأسباب التي
جعلها الله تعالى مؤثرة في هداية عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(١) غرائب القرآن للحسن القمي النيسابوري: ٤٢/٢٩
١١٣
الزُعُ (٢٩) - الأقلية: ٦٩ / ٣٨-٥٢
ثم أكد الله تعالى أن محمداً وَ له لا يستطيع أن يفتعل القرآن، فقال:
لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِلْيَمِينِ ﴾﴾ أي ولو افترى
﴿ وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ اْأَقَاوِيِلِ (®
محمد أو جبريل شيئاً من الأقوال الباطلة، وجاء به من عند نفسه ونسبه إلى الله
على سبيل الفرض، لأخذناه بالقوة، وعاجلناه بالعقوبة، وانتقمنا منه، أو
لأخذنا بيمينه، كما يؤخذ الشخص عند إرادة قتله. فاليمين: القوة، كما قال
الشمَّاخ :
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴾﴾ أي ثم بترنا الوتين من قلبه، وهو عرق متصل
من القلب بالرأس، إذا انقطع مات صاحبه. وهذا تصوير لإهلاكه بأفظع
وأشنع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه.
﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ ﴾﴾ أي ليس منكم أحد يحجزنا عنه
ويمنعنا منه أو ينقذه منا، فكيف يجرؤ على تكلف الكذب على الله لأجلكم؟!
وجمع: ﴿حَجِزِينَ﴾ على المعنى؛ لأن قوله: ﴿مِّنْ أَحَدٍ﴾ في معنى الجماعة، يقع
﴿لَا
في النفي العام على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، مثل قوله تعالى:
تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهٍِ﴾ [البقرة: ٢٨٥/٢] وقوله سبحانه: ﴿لَسْتُنَّ
كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢/٣٣]. والمراد لا أحد يمنعنا عن الرسول أو
عن القتل.
ثم ذكر الله تعالى أوصافاً ومنافع للقرآن، فقال:
﴾ أي وإن القرآن لعظة وتذكرة لأهل التقوى
٤٨
﴿وَإِنَّهُ لَنَذْكِرَةُ لِلْمُنَّقِينَ
الذين يخشون عذاب الله بإطاعة أوامره واجتناب نواهيه، كقوله تعالى:
﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢/٢]. وخصَّ ﴿لِلْمُثَّقِينَ﴾ بالذكر؛ لأنهم المنتفعون
به. وناسب ذلك أنه تعالى أوعد المكذبين بقوله:
١١٤
الجُرُ (٢٩) - القلم: ٦٩ / ٣٨-٥٢
﴿وَإِنَّا لَتَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مكَذِّبِينَ ﴿3﴾ أي وإنا لنوقن أن بعضكم يكذب
بالقرآن، كفراً وعناداً، ونحن نجازيهم على ذلك، وبعضكم يصدِّق به لا هتدائه
إلى الحق. وفي هذا وعيد شديد للمكذبين.
﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةُ عَلَى الْكَفِينَ ﴾﴾ أي وإن هذا القرآن لحسرة وندامة على
الكافرين يوم القيامة إذا رأوا ثواب المؤمنين وفضل الله عليهم.
﴿ وَإِنَّهُ لَحَقُّ أَلْيَقِينِ ﴿٨﴾ أي وإن القرآن هو الخبر الصدق واليقين الحق
الذي لا شك فيه ولا ريب؛ لكونه من عند الله، وليس من تقول محمد وَلاقه.
﴿فَسَيِّحْ بِأَسِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾﴾ أي نزه الله الذي أنزل هذا القرآن العظيم
عما لا يليق به، بالتسبيح، وهو قول: سبحان الله، وعن الرضا بالتقول
عليه، وشكراً لله على ما أوحى به إليك.
واسم الرب: كل لفظ يدل على الذات الأقدس، أو على صفة من صفاته
كالله والرحمن الرحيم، وتنزيه الاسم الخاص تنزيه للذات، فتكون الباء في
﴿يِأَسْمِ﴾ زائدة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - أقسم الله تعالى بالأشياء المخلوقة كلها، ما يراه الناس وما لا يرونه على
أن القرآن العظيم من قول الله عز وجل، وليس قول الرسول وَليهو في الحقيقة،
لكن نسب القول في الظاهر إلى الرسول؛ لأنه تاليه ومبلِّغه والعامل به،
كقولنا: هذا قول مالك.
أَ - ليس القرآن أيضاً بقول شاعر؛ لأنه مباين لصنوف الشعر كلها، ولا
بقول كاهن؛ لأنه ورد بسب الشياطين وشتمهم، فلا يمكن أن يكون ذلك
١١٥
الجزء (٢٩) - المدقلم: ٦٩ / ٣٨-٥٢
بإلهام الشياطين، إلا أن المشركين المعاندين لا يقصدون الإيمان، فلذلك
أعرضوا عن التدبر، ولو قصدوا الإيمان لعلموا كذب قولهم: إنه شاعر؛
لمغايرة تركيب القرآن أنواع الشعر، وهم أيضاً لا يتذكرون كيفية نظم القرآن،
واشتماله على شتم الشياطين، فقالوا: إنه نوع من أنواع الكهانة.
٣ - إنما القرآن الكريم تنزيل من رب العالمين.
٤ - لو فرض جدلاً أن النبي ◌َّلهول تكلّف وأتى بقول من عند نفسه، لأخذه
الله بالقوة والقدرة، وعاقبه بالإهلاك، وتقطيع نياط القلب، وحينئذ لا أحد
من القوم على الإطلاق يحجز عنه العذاب ويمنعه عنه.
٥ - مهام القرآن: أنه تذكرة للمتقين الخائفين الذين يخشون الله، وقد أوعد
الله على التكذيب به، وتكذيب القرآن سبب حسرة الكافرين في القيامة إذا
رأوا ثواب المصدِّقين به، أو في الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين؛ لأن القرآن
العظيم حق يقين لا ريب فيه، وحق لا بطلان فيه.
أَ - أمر الله نبيه بتسبيحه وتنزيهه عما لا يليق به شكراً له على الإيحاء إليه،
أو على أن عصمه من الافتراء علیه.
١١٦
للمُهُ (٢٩) السورة (٧٠) المعتزة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحِيمَةِ
سُورَةُ المَعَدِهِ
مكية، وهي أربع وأربعون آية
تسميتها:
سميت سورة المعارج؛ لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ
إِلَيْهِ﴾ أي تصعد إليه الملائكة وجبريل الأمين الذي خصه الله بنقل الوحي إلى
الأنبياء والرسل عليهم السلام، وخصه بالذكر لشرفه وفضل منزلته، وهو
﴾ [الشعراء: ١٩٣/٢٦].
١٩٣
المسمّى بالروح في قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الزُّوَعُ الْأَمِينُ
مناسبتها لما قبلها:
نزلت هذه السورة بعد ﴿الْحَاقَّةُ ) وهي كالتتمة لها في بيان أوصاف یوم
القيامة والنار، وأحوال المؤمنين والمجرمين في الآخرة.
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة كبقية السور المكية تتحدث عن أصول العقيدة الصحيحة، وفي
قَمَّتها إثبات البعث والنشور، والجزاء والحساب، وأوصاف العذاب والنار.
شرعت السورة ببيان موقف أهل مكة من دعوة رسول الله وَلقر واستهزائهم
به، وسؤال الكفار عن عذاب الله واستعجالهم به استهزاء وسخرية وعناداً،
١١٧
الُ (٢٩) السورة (٧٠) المُعَنِزة
متمثلاً ذلك بالنضر بن الحارث بن كَلْدة حين طلب إيقاع العذاب، والعذاب
أ ) إلى قوله :
٣
واقع بهم: ﴿سَأَلَ سَآئِلُ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴿﴿ لِلْكَفِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعُ (
قريبًا
[الآيات: ١- ٧].
٧
ونرنه
ثم وصف يوم القيامة وأهواله، والنار وعذابها، وأحوال المجرمين في ذلك
) إلى قوله: ﴿وَجَعَ فَأَوْعَّ
٨
اليوم الرهيب: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَاَلْهُلِ
[الآيات: ٨-١٨ ].
وناسب ذلك الحديث الاستطرادي عن طبيعة الإنسان وصفاته التي
أوجبت له النار، ومدارها الجزع عند الشدة، والبطر عند النعمة، والبخل
والشح عند الحاجة والأزمة وعلاج الفقر:
١٩
﴿ إِنَّ اُلْإِنِسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا
[الآيات: ١٩-٢١].
٢١
إلى قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا
واستثنت من ذلك المؤمنين المصلين الذين يتحلّون بمكارم الأخلاق،
فيؤدون حقوق الله وحقوق العباد معاً فيستحقون الخلود في الجنان: ﴿إِلَّا
اُلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَائِعُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ فِ جَنَّتٍ
٢٢
اُلْمُصَلِينَ
[الآيات: ٢٢-٣٥].
١٣٥
◌ُّكْرَمُونَ
ثم نددت السورة بالكفار، وهددتهم بالفناء والتبديل، وأوعدتهم بما
يلاقونه يوم القيامة، ووصفت أحوالهم السيئة في الآخرة وقت البعث
والنشور: ﴿فَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ
﴾ إلى قوله: ﴿خَشِعَةً أَبْصَرُهُمْ
[الآيات: ٣٦-٤٤].
331
تَرْهَقُّهُمْ زِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَانُواْ يُعَدُونَ
١١٨
الُرُ (٢٩) - المُعَذِيِّ: ٧٠ /١-١٨
تهديد المشركين بعذاب القيامة وتأكيد وقوعه
﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴿﴿ لِلْكَفِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعُ ﴿ مِّنَ اللَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ
تَعْرُجُ الْمَلَتِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَّةٍ
٤
٣
فَأَصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥َ إِنَّهُمْ بَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴿ وَنَرَنَّهُ قَرِيبًا ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ
يبصرونهم يود
وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَلْعِهْنِ ﴿ وَلَا يَسْتَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا
كَاَلْهُلِ فَ
وَفَصِيلَتِهِ الَّتِى
١٣
وَصَحِبَتِهِ، وَأَخِيهِ
اَلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِلِ بَِلِیهِ
كَلَّ إِنَّهَا لَظَى ﴿ نَزَّاعَةً لِلشَّوَى
١٤
تُوِيِهِ ﴿ وَمَن فِ الْأَرْضِ حَمِيعًا ثُمَّ يُجِيهِ
تَدْعُواْ مَنْ أَذْبَرَ وَتَوَلَّى
١٨
﴿ وَعَ فَأَوْعَ
القراءات:
سَأَلَ﴾ :
وقرأ نافع، وابن عامر (سال).
﴿تَعْرُجُ﴾ :
وقرأ الكسائي (يعرج).
﴿ يومٍدٍ﴾:
وقرأ نافع، والكسائي (يَوْمَئذٍ).
نَزَّاعَةً﴾ :
قرأ حفص (نزاعةً) وقرأ الباقون (نزاعةٌ).
الإعراب:
﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ قرئ بالهمز على الأصل، وقرئ بترك الهمزة بإبدال الهمزة
ألفاً على غير قياس.
١١٩
الجُرُ (٢٩) - المُغَزْنِ: ٧٠ /١-١٨
﴿ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ﴿خَمْسِينَ﴾: خبر كان، و﴿ أَلْفَ﴾:
منصوب على التمييز، وجملة كان مع اسمها وخبرها في موضع جر صفة
﴿يَومٍ﴾ ..
يُصَّرُونَهُمْ﴾ ﴿يَسَلُ﴾ و﴿حَمِيمٌ﴾: فعل
﴿وَلَا يَسَْلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (يَا
وفاعل، و﴿حَمِيمًا﴾: مفعول به، وقرئ (يُسأل) بالضم: فعل مبني
للمجهول، تقديره: ولا يُسأل حميم عن حميمه. و﴿يُصَّرُونَهُمْ﴾: أي يبصر
الحميم حميمه، وأراد بالحميم الجمع، والضمير المرفوع في ﴿يُصَّرُونَهُمْ﴾ يعود
على المؤمنين، والهاء والميم تعود على الكافرين. والمعنى: يبصّر المؤمنون
الكافرين يوم القيامة، أي ينظرون إليهم في النار.
﴿إِنَّهَا لَظَى، نَزَّاعَةً لِّلْشَّوَى (®َ﴾ ﴿لَظَى﴾ بالرفع: خبر (إن)، و﴿نَزَّاعَةً﴾:
خبر ثان، أو ﴿لَظَى﴾: خبر (إن)، و﴿نَزَّاعَةً﴾: بدل من ﴿لَظَى﴾، أو أن هاء
﴿إِنَّهَا﴾ ضمير القصة، و﴿لَظَى﴾: مبتدأ، و﴿نَزَّاعَةً﴾: خبره، والجملة: خبر
(إن). ويصح كون ﴿لَظَى﴾ بالنصب بدلاً من هاء ﴿إِنَّهَا﴾، و﴿نَزَّاعَةً﴾ بالرفع
خبر (إن). ونصب ﴿نَزَّاعَةً﴾ على الحال المؤكدة، والعامل فيها معنى الجملة،
مثل ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١/٢]، و﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ﴾: خبر ثالث، أو
مستأنف.
البلاغة:
﴿بَعِيدًا﴾ و﴿قَرِيبًا﴾ بينهما طباق.
[سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ جناس اشتقاق، وكذا بين ﴿اَلْمَعَارِجِ﴾ و﴿تَعْرُجُ﴾.
﴿تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ أي جبريل: عطف خاص على عام تنبيهاً على
شرفه وفضله.
تشبيه مرسل
وَتَكُنُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ
﴿يَوْمَ تَكُنُ السَّمَةُ كْهُلِ
مجمل، لحذف وجه الشبه.
١٢٠
الزُعُ (٢٩) - المُعَزِجِ: ٧٠ /١-١٨
﴿لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابٍ يَوْمِذٍ بِبَنِيهِ، وَصَحِبَتِهِ، وَأَخِيهِ ﴿4﴾ ﴿وَمَن فِ اْأَرْضِ
عموم بعد خصوص لبيان هول الموقف.
١١٤
◌َعَا ثُمَّ يُجِهِ
(٤) الخ سجع مرصع.
﴿لَ قَدْعُواْ مَنْ أَذْبَرَ وَتَوَلَّى
إِنَّهَا لَظَى، نَزَّاعَةً لِلشَّوَى
المفردات اللغوية:
﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ دعا داع به، بمعنى استدعاه، ولذلك عدي بالباء، أي
يكون السؤال أحياناً بمعنى طلب الشيء واستدعائه، ويعدّى حينئذٍ بالباء،
تقول: سألت بكذا، أي طلبته. والأصل في السؤال أن يكون بمعنى
الاستخبار عن الشيء، ويعدّى حينئذٍ بعن أو بالباء، تقول: سألت عنه
وسألت به وبحاله. والسائل استهزاءً وتعنتاً: النضر بن الحارث، فإنه قال:
﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمَطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ
أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢/٨] أو أبو جهل، فإنه قال: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا
كِسَفَا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الشعراء: ١٨٧/٢٦] أو الرسول وَّو، استعجل بعذابهم.
﴿لِلْكَفِرِينَ﴾ صفة أخرى لعذاب، أو صلة متعلقة بـ ﴿وَاقِعٍ﴾. ﴿لَيْسَ لَهُ
دَافِعٌ﴾ مانع وواق، أي إنه واقع لا محالة. ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ متصل بواقع. ﴿ذِى
اُلْمَعَارِجِ﴾ ذي المصاعد وهي الدرجات التي يصعد فيها الكلم الطيب والعمل
الصالح، أو مراتب الملائكة، أو السماوات، والظاهر: ذي السماوات،
وقيل: ذي النعم والفضائل التي تكون درجات متفاضلة. ﴿تَعْرُجُ﴾ تصعد.
﴿وَالرُّوحُ﴾ جبريل عليه السلام. ﴿إِلَيْهِ﴾ إلى مهبط أمره من السماء. ﴿فِي
يَوْمٍ﴾ متعلق بقوله: ﴿تَعْرُجُ﴾. ﴿ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ هذا لبيان
ارتفاع تلك المعارج وبُعْد مداها، بطريق التمثيل والتخييل، والمعنى: إنها
بحيث لو قدر قطعها في زمان، لكان في زمان يقدر بخمسين ألف سنة من سني
الدنيا. وهذا في الآخرة بالنسبة إلى الكافر، لما يرى فيه من الشدائد، وأما
المؤمن فيكون عليه أخف من صلاة مكتوبة، كما جاء في الحديث النبوي الآتي
بیانه.