Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
لُُ (٢٩) - القَلْت: ٦٨ / ١٧-٣٣
﴿ وَغَدَوْ عَلَى حَرْدٍ قَدِرِينَ ﴿٤﴾ ﴿عَلَى حَرْرٍ﴾: جار ومجرور، في موضع نصب
على الحال، وتقديره: وغدوا حاردين قادرين.
البلاغة:
﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآيِمُونَ
بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿بَلَوْنَهُمْ﴾ امتحنا أهل مكة بالقحط والجوع وغيرهما من ألوان البلاء
والآفات، أي عاملناهم معاملة المختبر. ﴿الْجَنَّةِ﴾ البستان، كان دون صنعاء
بفرسخين، وكان لرجل صالح، ينادي الفقراء وقت الصرام ويترك لهم ما
أخطأه الْمِنْجَل وألقته الريح، أو بعد عن البساط الذي يبسط تحت النخلة،
فيجتمع لهم شيء كثير، فلما مات قال بَنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا،
ضاق علينا، فحلفوا ليصرمنها وقت الصباح خِفْية عن المساكين.
﴿لَصْرِمُنَّهَا﴾ يقطعون ثمرتها. ﴿مُصْبِحِينَ﴾ وقت الصباح كيلا يشعر بهم
المساكين، فلا يعطون منها ما كان أبوهم يتصدق به عليهم منها. ﴿ وَلَا يَسْتَثُونَ
(٣) لا يقولون في يمينهم إن شاء الله، وإنما ستماه استثناء؛ لأن معنى: لا
أخرج إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله، واحد، والجملة مستأنفة، أي
وشأنهم ذلك. ﴿فَطَافَ عَلَيهَا﴾ على الجنة. ﴿ طَائِفٌ﴾ أي أصابها بلاء طارق أو
نازل من عذاب ربِّك، وهو نار أحرقتها. ﴿ كَالصَّرِمِ﴾ كالبستان الذي صرم
ثماره بحيث لم يبق فيه شيء، أو كالليل في السواد بعد أن احترقت، أي سوداء.
فَنَدَوْأَ﴾ نادى بعضهم بعضاً. ﴿أَنِ آَغْدُواْ﴾ اخرجوا في الغَدْوَة مبكّرين.
﴿عَلَى حَرْئِكُمْ﴾ بستانكم أو غلتكم. ﴿إِن كُنتُمْ صَرِمِينَ﴾ مريدين قطع ثماره،
وجواب الشرط دلّ عليه ما قبله . ﴿ يَنَخَفَنُونَ﴾ يتسارّون فيما بينهم ويتناجون
حتى لا يسمعهم أحد . ﴿ وَغَدَوْاْ﴾ ساروا غدوة إلى حرثهم. ﴿ عَلَى حَرْدٍ﴾ أي على
مِنع للفقراء، وقيل: الحرد: القصد والسرعة . ﴿قَدِرِينَ﴾ على الصَّرْم في ظنهم.
٦٢
لُُ (٢٩) - القَلَتي: ٦٨ / ١٧-٣٣
﴿فَلَا رَأَوْهَا﴾ رأوا الجنة سوداء محترقة. ﴿لَضَاَلُونَ﴾ تائهون عنها، أي ليست
هذه. ﴿يَخْرُوُمُونَ﴾ ممنوعون ثمرتها بمنعنا الفقراء منها. ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ خيرهم
وأرجحهم رأياً. ﴿لَوْلَا تُسَبِحُونَ﴾ هلا تذكرون الله وتسغفرونه من فعلكم
وتتوبون إليه من خبث نيتكم . ﴿إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ﴾ بمنع الفقراء حقهم.
{ يَتَوَمُونَ﴾ يلوم بعضهم بعضاً على قصدهم وإصرارهم على منع المساكين.
﴿يََّنَآ﴾ يا هلاكنا، و(يا): للتنبيه. ﴿طَغِينَ﴾ متجاوزين حدود الله. ﴿أَنْ يُبْدِلَنَ
خَيْراً مِّنْهَا﴾ ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة، وقد روي أنهم بدّلوا خيراً منها.
﴿إِلَى رَبِّنَا رَغِبُونَ﴾ طالبون منه العفو والخير. ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابٌ﴾ أي مثل ذلك
العذاب لهؤلاء أصحاب الجنة عذاب الدنيا . ﴿اٌلْعَذَابٌ﴾ لمن خالف أمرنا من
ج
أهل مكة وغيرهم. ﴿أَكْبُ﴾ أعظم منه. ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي لو علموا عذابها
لاحترزوا عما يؤدّيهم إلى العذاب.
سبب النزول:
نزول الآية (١٧):
﴿إِنَّا بَلَوْنَهُمْ كَمَا بَوْنَا أَصْخَبَ الْجَنَّةِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج أن
أبا جهل قال يوم بدر: خذوهم أخذاً، فاربطوهم في الحبال، ولا تقتلوا منهم
أحداً، فنزلت: ﴿إِنَّا بَهُمْ كَمَا بَوَّنَا أَصْحَبَ الْجَنَّةِ﴾ أي في قدرة أهل مكة على
المؤمنين، كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى عن الوليد بن المغيرة أو غيره أنه لأجل كونه ذا مال
وبنين، جحد وكفر وعصى وتمرد، بطريق الاستفهام على سبيل الإنكار، بيَّن
في هذه الآية أنه تعالى إنما أعطاه المال والبنين على سبيل الابتلاء والامتحان،
ليعرف هل يصرفه في طاعة الله ويشكر نعم الله، فيزيده من النعمة، أم يكفر
٦٣
الزُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ١٧ -٣٣
بها فيقطعها عنه، ويصب عليه أنواع البلاء والآفات؟ ومثله في هذا ومثل أهل
مكة كمثل أصحاب الجنة ذات الثمار، كُلِّفوا أن يشكروا النعم ويعطوا
الفقراء حقوقهم، فلما جحدوا النعمة وحرموا المساكين، حرمهم الله الثمار
کلها.
روي أن واحداً من ثقيف، وكان مسلماً، كان يملك ضيعة فيها نخل وزرع
بقرب صنعاء، وكان يجعل من ناتجها عند الحصاد نصيباً وافراً للفقراء، فلما
مات، ورثها منه بنوه، ثم قالوا: عيالنا كثير، والمال قليل، ولا يمكننا أن
نعطي المساكين مثلما كان يفعل أبونا، فأحرق الله جنتهم.
التفسير والبيان:
وَلَا يَسْتَثْنُنَ
﴿إِنَّا بَلَوْنَهُمْ كَمَا بَوْنَا أَصْحَبَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ
) أي إنا اختبرنا كفار مكة وامتحناهم بالجوع والقحط بدعوة رسول الله
١٨)
وَالر، كما اختبرنا أصحاب البستان المعروف خبرهم عند قريش، حين حلفوا
أنهم سيقطعون ثمر الجنة (البستان) عند الصباح، حتى لا يعلم بهم الفقراء،
فيأخذون ما كانوا يأخذونه، طمعاً في اقتناء كامل الغلة والزرع، ولم يقولوا:
إن شاء الله، فالأكثرون أنهم إنما لم يستثنوا فيما حلفوا به بمشيئة الله تعالى؛
لأنهم كانوا كالواثقين بأنهم يتمكنون من ذلك لا محالة. وقال آخرون: بل
المراد أنهم يصرمون كل الزرع، ولا يستثنون للمساكين نصيبهم أو القدر الذي
كان أبوهم يدفعه إليهم.
والمقصود اختبار أهل مكة، لمعرفة حالهم، أيشكرون نعم الله عليهم،
فيؤمنون بالرسول * الذي أرسله الله إليهم مبشراً ونذيراً، أم يكذبونه
ويكفرون برسالته، ويجحدون حق الله عليهم؟ فيجازوا بما يستحقونه، كما
جوزي أصحاب الجنة، وهو ما أخبر عنه في قوله تعالى:
﴿فَطَافَ عَيْهَا طَيِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآيِمُونَ
فَأَصْبَحَتْ كَلَصَّرِ (﴿٤﴾ أي طاف
١٩)
٦٤
الجُزُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ١٧-٣٣
على تلك الجنة من عند الله نار أحرقتها، أي أصابتها آفة سماوية، حتى صارت
سوداء كالليل الأسود المظلم. ووجه التشبيه أنها يبست وذهبت خضرتها، أو لم
يبق منها شيء.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((إياكم
والمعاصي، إن العبد ليذنب الذنب، فيحرم به رزقاً قد كان هيئ له، ثم تلا
رسول الله وَله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ ﴿٨) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِ
٢٠
قد حُرِموا خير جنتهم بذنبهم)) .
ولكنهم لم يدروا بما حدث، وانطلقوا مصمّمين على ما أرادوا، فقال
تعالی:
أي فنادى
٢٣
◌َ أَنِ أَغْدُواْ عَلَى حَرْيْكُمْ إِن كُمْ صَرِمِينَ
﴿فَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ
بعضهم بعضاً وقت الصباح، ليذهبوا إلى الجذاذ أي القطع: أن اخرجوا
مبكرين في الصباح إلى الثمار والزرع، إن كنتم قاصدين للصرام أي القطع.
قال مجاهد: كان حرثهم عنباً.
﴿فَأَنْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ ﴿٦َ أَن لَّا يَدْخُلَنَهَا أَلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (19)﴾ أي
فبادروا مسرعين إلى حرثهم، وهم يتسارّون ويتناجون ويقول بعضهم لبعض:
لا تمكِّنوا اليوم فقيراً يدخل عليكم، فيطلب منكم أن تعطوه منها ما كان يعطيه
أبوكم.
﴿وَغَدَوْ عَلَى حَرْدٍ قَدِرِينَ (9)﴾ أي وذهبوا في الغداة مبكرين، زاعمين أنهم
قادرون على الصرام ومنع المساكين وحرمانهم. فقوله: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ على قصد
المنع، وقيل: الحرد: القصد والْجِدّ والسرعة. وقوله: ﴿قَدِرِينَ﴾ من باب
عكس الكلام للتهكم. وفيه أنهم طلبوا حرمان الفقراء، فعورضوا بنقيض
مقصودهم.
٦٥
إِلُ (٢٩) - القَلَتِ: ٦٨ / ١٧-٣٣
﴿فَمَّا رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَضَلُونَ (®﴾ أي فلما وصلوا إليها وشاهدوها وهي
على الحالة المؤلمة من الاحتراق والسواد، قال بعضهم لبعض: قد أخطأنا وتهنا
طريق جنتنا، وليست هذه.
ثم لما تأملوا وعلموا أنها جنتهم، وأن الله سبحانه قد عاقبهم بإذهاب ما
فيها من الثمر والزرع قالوا :
﴿بَلْ نَحْنُ مَخْرُومُونَ ﴾ أي بل في الحقيقة والواقع حرمنا الله ثمر جنتنا،
بسبب عزمنا على منع المساكين وحرمانهم من خيرها، فلا حظّ ولا نصيب،
ونحن نادمون على ما فعلنا، كما أخبر تعالى فيما يأتي:
﴾ أي قال أمثلهم وأعقلهم
٢٨
﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ
وأعدلهم وخيرهم رأياً وتديناً: هلا تسبّحون الله وتذكرونه وتشكرونه على ما
أعطاكم وأنعم به عليكم، وتستغفرون الله من فعلكم وتتوبون إليه من هذه
النية التي عزمتم عليها.
ولما صدموا بالحقيقة المرة ذكروا الله واعترفوا بذنبهم قائلين:
أي قالوا: تنزيهاً لله عن أن يكون
٢٩
﴿قَالُوْ سُبْحَنَ رَبِنَا إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ
ظالماً فيما صنع بجنتنا، فإنا كنا ظالمين أنفسنا في حرماننا المساكين حقوقهم.
ولكنهم أتوا بالطاعة حيث لا تنفع، وندموا واعترفوا حيث لا ينجع الندم.
ثم لام بعضهم بعضاً كما قال تعالى:
، أي ثم أخذ بعضهم يلوم بعضاً على
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ يَتَلَوَمُونَ
ما كانوا أصروا عليه من منع المساكين من حق الجذاذ أي القطاف، ولم يجدوا
سبيلاً إلا الاعتراف بالخطيئة والذنب، والدعاء على أنفسهم بالهلاك، فقال
تعالی:
٦٦
لُزْءُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ١٧ -٣٣
{قَالُواْ يَوَتِلَآ إِنَّا كُنَّا طَغِينَ (٣٦)﴾ أي قالوا: يا هلاكنا أقبل، فإنا كنا
معتدين متجاوزين الحد، حتى أصابنا ما أصابنا.
ثم دعوا ربهم أن يعوضهم عما حلَّ بهم، فقالوا:
﴿عَسَى رَبَِّا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِنَا رَعِبُونَ (٣)﴾ أي لعلَّ الله ربّنا أن
يعطينا بدلاً خيراً من جنتنا، فإنا راجون العفو والخير منه. قال مجاهد: إنهم
تابوا فأبدلوا خيراً منها.
ثم ذكر الله تعالى العبرة من القصة، فقال:
، أي مثل ذلك العذاب
﴿ كَذَلِكَ الْعَبِّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبٌّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (
الذي بلونا به أهل الجنة من الحرمان، وأهل مكة من القحط والقتل عذاب
الدنيا، وهو عذاب كل من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه،
ومنع حق المسكين والفقير، وإن عذاب الآخرة أشد وأعظم وأشق من عذاب
الدنيا، فلو كان المشركون يعلمون ذلك، لعادوا إلى رشدهم، وبادروا إلى
الإيمان بدعوة النبي المصطفى وَلير، وأقلعوا عن الغي والضلال، ولكنهم لا
يعلمون. وهذا دليل على غفلتهم وجهلهم وبعدهم عن الحق والصواب.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت قصة أصحاب الجنة على ما يأتي:
اً - الدنيا دار ابتلاء واختبار، فقد ابتلى الله تعالى أصحاب الجنة (البستان)
وابتلى أهل مكة، بأن أعطاهم ربهم أموالاً ليشكروا، لا ليَبْطَروا، فلما
بَطِروا، وعادَى المشركون محمداً وَّ، ابتلاهم بالجوع والقحط، كما ابتلى
(اختبر) أهل الجنة المعروف خبرها عندهم؛ لأنهم من أهل اليمن القريبة
منهم، على بعد ستة أميال من صنعاء.
ئ
٦٧
الجُرُ (٢٩) - القفقلت: ٦٨ / ١٧-٣٣
٢ - قال بعض العلماء: على من حصد زرعاً أو جَذَّ ثمرة أن يواسي منها من
حضره، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ٦/
١٤١] وأنه غير الزكاة، لذا نهي عن الحصاد في الليل، لا خشية الحيّات وهوامّ
الأرض؛ لأن عقوبة أصحاب الجنة كانت بسبب ما أرادوه من منع المساكين،
كما ذكر الله تعالى.
◌َ - دلّ قوله تعالى: ﴿إِذْ أَقَْمُوْ لَيَصْرِمُنَهَا مُصْبِحِينَ﴾ على أن العزم مما يؤاخذ به
الإنسان؛ لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا قبل فعلهم. ونظير هذه الآية:
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظْلْهٍ تُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥/٢٢]. وفي
الصحيح عن النبي ◌َّ قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول
في النار، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان
حريصاً على قتل صاحبه)) .
٤ - إن الإنسان ضعيف القوة والتدبير والرأي، فلقد أحكم أصحاب الجنة
الخطّة، وصمموا على صرام الزرع والثمر أو العنب في الصباح الباكر قبل أن
ينتشر المساكين في البساتين، وذهبوا جادين مسرعين، متسارّين، أي يخفون
كلامهم ويسرّونه لئلا يعلم بهم أحد، قائلين: لا يدخل علينا مسكين، أي لا
تمكنوه من الدخول، وعزموا على حرمان المساكين، مع كونهم قادرين على
نفعهم، وهم يظنون أنهم تمكنوا من مرادهم، ففوجئوا بتدمير الله وإحراقه
الحرث وإتلافه الغلة والثمر.
٥ - ولما رأوا الجنة محترقة لا شيء فيها، قد صارت كالليل الأسود
وأضحت كالرماد، شكوا فيها، وقالوا: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تيقنوا
منها قالوا: بل نحن محرومون، أي حُرمنا جنتنا بما صنعنا. وهذا دليل على أن
الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
٩ - كان أوسطهم، أي أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم قد أمرهم بالاستثناء
٦٨
الُجُ (٢٩) - القَلَتِ: ٦٨ / ١٧-٣٣
وهو سبحان الله أي تنزيهاً لله عزّ وجلّ، فقال لهم: هلاّ تسبّحون الله؛ أي
تقولون: سبحان الله، وتشكرونه على ما أعطاكم، وتعلقون الأمر بمشيئة
الله، وتتوبون إليه من خُبث نيَّتكم، فإن الله ينتقم من المجرمين، ولكنهم لم
يطيعوه.
ثم تذكروا قوله، واعترفوا بالمعصية، ونزّهوا الله عن أن يكون ظالماً فيما
فعل، وإنما هم الظالمون أنفسهم في منعهم المساكين.
لاً - لام بعضهم بعضاً في تدبير الخطة، كشأن كل جماعة تخيب في أمرها،
فقال أحدهم لغيره: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، وقال الآخر: أنت خوّفتنا
بالفقر، وقال الثالث: أنت الذي رغبتني في جمع المال.
٨ - أكد أصحاب الجنة اعترافهم بالمعصية، فقالوا: ﴿يََّنَا إِنَّا كُنَّا طَغِينَ﴾
أي عاصين بمنع حق الفقراء وترك الاستثناء، وكان استثناؤهم تسبيحاً كما
قال مجاهد وغيره، وهو في موضع: (إن شاء الله) لأن المعنى تنزيه الله عزّ وجلّ
أن يكون شيء إلا بمشيئته. والخلاصة في رأي الأكثرين أن معنى قوله: ﴿لَوْلًا
تُسَبِّحُونَ﴾ هلا تستثنون، فتقولون: إن شاء الله.
ـة - أعلن أصحاب الجنة توبتهم وأخلصوا نيّتهم في رأي الأكثرين، حين
فإنهم تعاقدوا
٣٢
قالوا: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرً مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِنَا رَعِبُونَ
وتعاهدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعن كما صنعت آباؤنا، فدعوا
الله وتضرعوا، فأبدلهم الله، من ليلتهم تلك، ما هو خير منها. والإبدال: رفع
الشيء ووضع آخر مكانه. قال مجاهد: إن هذه كانت توبة منهم، فأبدلوا خيراً
منها.
· أَ - هدد الله المكلفين من أهل مكة وغيرهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابِّ﴾ أي
عذاب الدنيا وهلاك الأموال، والمعنى: مثلما فعلنا بهؤلاء أصحاب الجنة،
نفعل بمن تعدّى حدودنا في الدنيا. ثم خوَّف تعالى الكفار بعذاب أشد وهو
عذاب الآخرة في قوله: ﴿وَلَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾.
٦٩
الُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ٣٤-٤٣
وقال ابن عباس: هذا مَثَل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر، وحلفوا
ليقتلن محمداً وَله وأصحابه، وليرجعن إلى مكة حتى يطوفوا بالبيت ويشربوا
الخمر، وتضرب القَيْنات على رؤوسهم، فأخلف الله ظنهم، وأُسِروا وقُتلوا
وانهزموا كأهل هذه الجنة، لما خرجوا عازمين على الصِّرام، فخابوا.
١١ - الأظهر كما قال القرطبي: أن الحق الذي منعه أهل الجنة المساكين
كان واجباً عليهم. وقيل: يحتمل أنه كان تطوعاً.
جزاء المتقين وإنكار التسوية بين المطيع والعاصي
مَا لَكُمْ
٣٥
أَفَجْعَلُ اٌلْسُسْلِمِينَ كَأْتُجْرِمِينَ
٣٤
﴿إِنَّ لِلْمُنَّقِينَ عِندَ رَبِهِمْ جَنَّتِ التَّعِيمِ
إِنَّ لَكُمْ فِهِ لَمَا تَخَيُِّونَ
أَمْ لَكُمْ كِتَبٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ
كَيْفَ تَحْكُمُونَ
أَمّ
٣٨
أَيْمَنُّ عَلَيْنَا بَلِغَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْتُمُونَ
سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيْم
٣٩
أَمْ لَهُمْ شُرَكَهُ فَلْيَأْتُواْ بِشُرَكِّهِمْ إِن كَانُوْ صَدِقِينَ
﴿ يَوْمَ يَكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى
السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
٤٣
خَشِعَةً أَبْصَرُ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ
٤٣
سَلِمُونَ
الإعراب:
﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحَّكُمُونَ (﴾﴾ ﴿مَا﴾: في موضع رفع مبتدأ، و﴿لَكُمْ﴾
خبره، و﴿كَيْفَ﴾: في موضع نصب على الحال بـ ﴿تَحْكُمُونَ﴾.
٤: إنما كسرت ﴿إِنَّ﴾ لمكان اللام في ﴿لَّا)
﴿إِنَّ لَكُمْ فِهِ لَا تَخَّرُونَ
ولولا دخول اللام في ﴿لَّ﴾ لكانت مفتوحة؛ لأنها مفعول ﴿نَّدْرُسُونَ﴾ وهو
كقولهم: علمت إنّ في الدار لزيداً.
﴿أَمَ لَكُمْ أَيْمَننُّ عَلَيْنَا بَلِغَةُ﴾ مبتدأ وخبر، و﴿ بَلِغَةُ﴾: صفة لـ ﴿أَيْمَنُ﴾.
وقرئ: بالغةً بالنصب على الحال من الضمير في ﴿لَكُمْ﴾.
٧٠
الْجُرُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ٣٤-٤٣
﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَّحْكُونَ﴾ كسرت ﴿إِنَّ﴾ إما لمكان اللام كما كسرت فيما قبله،
أو لأن ما قبله قسم، وهي تكسر في جواب القسم.
﴿ يَوْمَ يَكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (مجم)
ظرف منصوب، وعامله إما ﴿فَلْيَأْتُواْ بِشُرَّكَِّهِمْ﴾ أو فعل مقدر، تقديره: واذكر
يوم.
(خَشِعَةً أَبَصَرُ تَرْهَفُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَلِّمُونَ
3
﴿خَشِعَةً﴾ حال من ضمير ﴿يُدْعَوْنَ﴾ أو من ضمير ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ و﴿ أَصَرُهُ﴾:
مرفوع بفعله. و﴿ تَرْهَقُّهُمْ زِلَّةٌ﴾: جملة فعلية إما منصوبة على الحال، وإما
مستأنفة لا موضع لها من الإعراب.
البلاغة:
﴿اُْسْلِمِينَ﴾ ﴿كَلُجْرِمِينَ﴾ بينهما طباق.
﴾؟ والجمل التي
﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿َ أَمْ لَكُمْ كِنَبُ فِيهِ نَدْرُسُونَ
بعدها : تقريع وتوبيخ.
تشبيه مقلوب ليكون أبلغ وأروع؛ لأن
﴿أَفَجْعَلُ الْمُسْلِينَ كَأْمُجْرِمِينَ
الأصل: أفنجعل المجرمين كالمسلمين في الأجر والثواب؟
﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ كناية عن شدة الهول يوم القيامة.
المفردات اللغوية:
﴾ أي في الآخرة. ﴿حَتَتِ التَّعِيمِ﴾
٣٤
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِهِمْ جَنَّتِ اٌلَّعِيمِ
أي في
جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص. ﴿أَفَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ
الدرجة والمنزلة في الجنان، وهو إنكار التسوية في نتيجة الإسلام والإجرام،
أي بين أهل الطاعة وأهل المعصية، وهو إنكار لقول الكفرة، فإنهم كانوا
٧١
لكُمُ (٢٩) - القفلتر: ٦٨ / ٣٤-٤٣
يقولون: إن صحَّ أنّا نبعث كما يزعم محمد ومن معه، لم يفضلونا، بل نكون
أحسن حالاً منهم، کما نحن عليه في الدنيا.
: هذا الحكم الفاسد؟ وهو التفات فيه تعجب
﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحَكُمُونَ (إ
من حكمهم، واستبعاد له، وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج
رأي. ﴿أَمْ لَكُمْ كِنَبٌ﴾ منزل من السماء. ﴿نَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون، و﴿أَمْ﴾ أي بل
أي لما تختارونه وتشتهونه . ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَنُّ
٣٨
ألكم . ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَّا تَخَرُونَ
عَلَيْنَا﴾ عهود مؤكدة بالأيمان. ﴿بَلِغَةُ﴾ متناهية في التوكيد موثَّقة. ﴿إِلَى يَوْمِ
الْقِيَمَةٌ﴾ أي ثابتة لكم علينا إلى هذا اليوم. ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ أي تحكمون به
لأنفسكم، وهو جواب القسم؛ لأن معنى ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَئِنُّ عَلَيْنَا﴾: أم أقسمنا
لکم.
(سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾﴾ أي سلهم أيهم كفيل لهم بذلك الحكم
الذي يحكمون به لأنفسهم من أنهم يعطون في الآخرة أفضل من المؤمنين. ﴿أَمَ
لَهُمْ شُرَكَّهُ﴾ أي بل ألهم أي عندهم شركاء موافقون لهم في هذا القول يكفلون
لهم به. ﴿فَيَأْتُواْ بِشُرَّبِهِمْ﴾ أي فإن كان لهم شركاء كفلاء فليأتوا بشركائهم
الكافلين لهم به . ﴿إِن كَانُواْ صَدِقِينَ﴾ في دعواهم.
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ أي اذكر لهم حين شدة الأمر يوم القيامة للحساب
والجزاء، أي يوم يشتد الأمر، يقال: كشفت الحرب عن ساق: إذا اشتد
الأمر فيها. ﴿ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ يطلب منهم السجود توبيخاً على تركهم
السجود. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لذهاب وقته أو زوال القدرة عليه. ﴿خَشِعَةً أَبْصَرُهُ﴾
أي ذليلة لا يرفعون أبصارهم. ﴿تَرَّهَفُهُمْ﴾ تغشاهم وتلحقهم. ﴿وَقَدْ كَانُواْ
يُدْعَوْنَ﴾ في الدنيا. ﴿وَهُمْ سَلِمُونَ﴾ أصحاء متمكنون لا شيء يمنعهم.
المناسبة:
بعد تخويف الكفار بعذاب الدنيا في قوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبرُ لَوْ كَانُواْ
.
٧٢
الجُزءُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ٣٤-٤٣
يَعْلَمُونَ﴾ ذكر الله تعالى أحوال السعداء، وأبان أن للمتقين جنات النعيم، ثم ردًّ
على الكفار الذين يزعمون المساواة في الآخرة بينهم وبين المسلمين من غير
كتاب إلهي، ولا عهد ممنوح مؤكد بالأيمان، ولا كفلاء في يوم شديد
الأهوال، عسير الحساب على الصلاة وغيرها.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ لِلْمُنَّفِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتِ اٌلْنَعِيِ ﴿َ﴾ إن لكل من اتقى الله وأطاعه، في
الدار الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص الذي لا يزول ولا ينقضي،
ولا يكدره شىء.
قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية، قال كفار مكة للمسلمين: إن الله تعالى
فضلنا عليكم في الدنيا، فلا بدّ أن يفضلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل
التفضيل، فلا أقل من المساواة.
ثم أجاب الله تعالى عن هذا الكلام بقوله :
﴿ أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَأْمُجْرِمِينَ ﴿٢﴾؟ أي كيف نساوي بين الفريقين في
الجزاء، فنجعل من يلتزم الطاعة كمن هو فاجر مجرم عاص لا يبالي بمعصيته؟
كلا فلا تسوية بين المطيع والعاصي.
ثم نفى الله تعالى وجود كل الأدلة العقلية أو النقلية التي تصلح لإثبات
التسوية أو تحقيق الدعوى، فقال:
﴾؟ أي كيف تظنون ذلك، وتحكمون هذا
١ - ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَكُونَ ﴿َ
الحكم الأعوج، كأن أمر الجزاء مفوّض إليكم؟ إن أبسط مبادئ العقل
وأصول الرأي يمنع مثل هذا الظن أو الحكم. وهذا نفي الدليل العقلي.
٢ - ﴿أَمْ لَكُمْ كِنَبٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَا تَخَّرُونَ
٣٧
﴾ أي بل ألكم
٣٨
٧٣
لِلُعُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ٣٤-٤٣
أو بأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه، يتضمن
حكماً مؤكداً كما تدعونه، وتقرؤون فيه، فتجدون المطيع كالعاصي؟! وهل في
ذلك الكتاب أن لكم في الآخرة ما تختارون وتشتهون؟ وهذا نفي الدليل
النقلي.
أي بل
٣ - ﴿أَمَ لَكُمْ أَيْمَئِنُّ عَلَيْنَا بَلِغَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ
ألكم أو معكم عهود عند الله موثقة مؤكدة ثابتة إلى يوم القيامة في أن يدخلكم
الجنة، ويحصل لكم ما تريدون وتشتهون، ويُنفَّذ لكم الحكم الذي تصدرونه؟
وهذا نفي الوعد الإلهي بما توقعوا وظنوا.
٤ - ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾﴾ أي قل لهم يا محمد موبخاً لهم ومقرِّعاً:
من هو المتضمن المتكفل بهذا، أو أيهم بذلك كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما
للمسلمين فيها؟
٥ - ﴿أَمَ لَهُمْ شُرَكَهُ فَلْيَأْتُواْ بِشُرَكَبِهِمْ إِن كَانُواْ صَدِقِينَ (4) أي بل ألهم شركاء لله
بزعمهم من الأصنام والأنداد قادرون على أن يجعلوهم مثل المسلمين في
الآخرة؟ فإن كان لهم شركاء، فليأتوا بهم لمناصرتهم إن كانوا صادقين في
دعواهم. وهذا نفي التقليد وإبطال جوهر الاعتقاد لدى المشركين.
والخلاصة: المراد من الآيات أنه ليس لهم دليل عقلي في إثبات مذهبهم،
ولا نقلي، وهو كتاب يدرسونه، ولا عهد لهم به عند الله، ولا كفيل لهم
يتكفل بما يقولون، ولا لهم مؤيد يوافقهم من العقلاء، مما يدل على بطلان
دعواهم.
ثم تحداهم الله تعالى بالإتيان بالشركاء يوم اشتداد الأمر، فقال:
﴾ أي فليأتوا
﴿يَوْمَ يَكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
بشركائهم لإنقاذهم يوم يشتد الأمر ويعظم الخطب في القيامة، وحين يدعى
٧٤
الُعُ (٢٩) - القَفَلَتِ: ٦٨ / ٣٤-٤٣
هؤلاء الشركاء وأنصارهم من الكفار والمنافقين إلى السجود توبيخاً لهم على
تركه في الدنيا، فلا يتمكنون من السجود؛ لأن ظهورهم تيبس وتصبح طبقاً
واحداً، فلا تلين للسجود.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي
وَل* يقول: ((يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من
كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً)).
والمراد بقوله: ﴿يَكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ شدة الأمر وعظم الخطب؛ لأن الله تعالى
منزه عن الجسمية وعن كل صفات الحوادث، فليس المراد بالساق الجارحة،
وإنما ذلك مؤول بما ذكر.
﴿ خَلِعَةً أَبْصَرُهُ تَرْهَفُهُمْ ◌ِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوّنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَلِسُونَ ﴾﴾ أي
تكون أبصارهم ذليلة خاسئة منكسرة، تغشاهم ذلة شديدة، وحسرة وندامة،
وقد كانوا في الدنيا مدعوين إلى الصلاة والسجود لله تعالى، فأبوا وتمردوا
وامتنعوا، مع أنهم كانوا سالمين أصحاء، متمكنين من الفعل، لا علل ولا
موانع تمنعهم من أداء السجود. قال النخعي والشعبي: المراد بالسجود:
الصلوات المفروضة.
والخلاصة: أنهم لا يُدعون إلى السجود تعبداً وتكليفاً، ولكن توبيخاً
وتعنيفاً على تركهم السجود في الدنيا، وبما أنهم تكبروا عن السجود في الدنيا
مع صحتهم وسلامتهم، عوقبوا بنقيض ما كانوا عليه، بعدم قدرتهم عليه في
الآخرة إذا تجلى الرب عز وجل، فيسجد له المؤمنون، ولا يستطيع أحد من
الكافرين ولا من المنافقين أن يسجد، بل يعود ظهره طبقاً واحداً، كما ثبت في
الحديث المتقدم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
٧٥
لُعُ (٢٩) - القَلَتِ: ٦٨ / ٣٤-٤٣
اً - إن للمتقين الملتزمين أوامر الله المجتنبين نواهيه في الآخرة جنات ليس
فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغّصه كما يشوب جنات الدنيا.
أَ - لا تسوية في الجزاء الأخروي بين المسلمين والكفار، أو بين الطائعين
والعصاة، وذلك بحكم الفضل والإحسان، لا من قبيل الاستحقاق على الله
شيئاً.
◌َّ - استنكر الله تعالى حكم المشركين الأعوج في المساواة بينهم وبين
المسلمين، كأن أمر الجزاء مفوض إليهم، حتى يحكموا بما شاؤوا أن لهم من
الخير ما للمسلمين. واستنكر أيضاً وجود كتاب سماوي يجدون فيه المطيع
كالعاصي، وأن لهم ما يختارون وما يشتهون.
ونفى أن يكون لهم عهود ومواثيق مؤكدة بالله تعالى، يستوثقون بها في أن
يدخلهم الجنة، فليس الأمر كما يحكمون ويظنون.
٤ - أنكر الله تعالى عليهم كذلك أن يكون لهم كفيل بما زعموا، قائم
بالحجة والدعوى، أو أن یکون لهم ناس شرکاء، أي شهداء یشهدون على ما
زعموا، إن كانوا صادقين في دعواهم.
ة - من أنواع العذاب في الآخرة للكفار: أنهم يوم يشتد الأمر، ويعظم
الخطب يوم القيامة، يطالبون تقريعاً وتوبيخاً بأداء الصلاة والسجود، فلا
يتمكنون عقاباً لهم بنقيض ما كانوا عليه في الدنيا، وتكون أبصارهم ذليلة
خاسئة منكسرة، وتغشاهم الذلة والمهانة، وذلك أن المؤمنين يرفعون
رؤوسهم، ووجوهُهم أشد بياضاً من الثلج، وتسودّ وجوه المنافقين والكافرين
حتى ترجع أشد سواداً من القار.
٧٦
الزُعُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ٤٤-٥٢
مكاالله
عاكيه
وسام
تخويف الكفار من قدرة الله تعالى وأمر النبي
بالصبر والتذكير العالمي بالقرآن
وَأُمْلِ لَّ
٤٤
﴿فَذَرْنِ وَمَنْ يَكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِّ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
إِنَّ كَيْدِى مَتِيِنُّ ﴿ أَمَ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمِ مُتْقَلُونَ ﴿﴿ أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ
فَأَصْبِرْ ◌ِحِكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ الْمُتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ([®َ لَوَلَا
يَكْتُبُونَ
فَأَجْنَبَهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّلِينَ
أَنْ تَدَرَّكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ، لَنْهِذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْهُومٌ (9َ
وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُرْلِقُونَكَ بِأَبْصَرِهْ لَمَّا سَمِعُواْ الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَجْنُونٌ (َ) وَمَا
٥٠
٥٣
هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ
القراءات:
﴿لَيُز ◌ِقُونَكَ﴾ :
وقرأ نافع (لَيَزْلِقونك).
الإعراب:
﴿فَذَرْنِ وَمَنْ يَكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِّ﴾ ﴿وَمَن﴾: في موضع نصب؛ لأنه معطوف
على ياء المتكلم في ﴿فَذَرْنِ﴾.
﴿لَّوْلَا أَنْ تَدَرَّكَهُ نِعْمَةٌ﴾ قال: ﴿تَدَرَكَهُ﴾ بالتذكير؛ لأن تأنيث النعمة غير
حقيقي، أو حملاً على المعنى؛ لأن النعمة بمعنى النعيم. وقرئ بالتأنيث
(تداركته نعمة) بالتأنيث حملاً على اللفظ ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ الجملة حال.
﴿وَإِن يَكَادُ﴾ ﴿وَإِن﴾ مخففة من الثقيلة بدليل اللام.
﴿لَيُرْ لِقُونَكَ بِأَبْصَرِهِمْ﴾ قرئ بضم الياء وفتحها، وهما لغتان، والضم أفضل.
٧٧
لُزُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ٤٤-٥٢
المفردات اللغوية:
﴿فَذَرْنِ﴾ دعني واتركني. ﴿ وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ اتركه إلي فإني أکفیکه،
والحديث: القرآن. ﴿سَنَتَدْرِجُهُمْ﴾ نأخذهم تدريجاً أو قليلاً قليلاً.
والاستدراج: أن تنزل بالمرء درجة درجة إلى حيث تريد لتوريطه فيه،
والمراد هنا: سندنيهم من العذاب تدريجاً بالإمهال وإدامة الصحة وازدياد
النعمة . ﴿مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنه استدراج، وهو الإنعام عليهم؛ لأنهم
حسبوه تفضيلاً لهم على المؤمنين.
﴿ وَأُمْلِى لَمُمَّ﴾ وأمهلهم وأطيل لهم المدة .﴿ گدى) تدبيري .﴿ مَنِینُ﴾ شدید
لا يطاق، ولا يدفع بشيء. ﴿أَمَ نَسَلُهُمْ﴾ بل أتسألهم على تبليغ الرسالة.
﴿أَجْرًا﴾ أجرة على البلاغ. ﴿مَّغْرَمٍ﴾ غرامة مالية يعطونكها. ﴿ُثْقَلُونَ﴾ محمَّلون
أثقالاً، فیعرضون عنك، ولا يؤمنون بك.
﴿الْغَيْبُ﴾ الشيء المغيب الذي استأثر الله بعلمه، أو اللوح المحفوظ الذي
فيه الغيب . ﴿فَهُمْ يَكْثُبُونَ﴾ أي يحكمون به ويستغنون به عن علمك، ويكتبون
منه ما يقولون. ﴿ِحِكْمِ رَيِّكَ﴾ قضاؤه فيهم وإمهالهم وتأخير نصرتك عليهم.
﴿ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْمُتِ﴾ وهو يونس عليه السلام في الضجر والعجلة.
﴿نَدَى﴾ دعا ربه في بطن الحوت. ﴿مَكْظُومٌ﴾ مملوء غيظاً وغماً، مأخوذ من
كظم السقاء: إذا ملأه.
﴿تَدَرَّكَهُ﴾ أدركه. ﴿نِعْمَةٌ مِّن رَّبِهِ﴾ رحمة من الله وهي التوفيق للتوبة
وقبولها. ﴿بِالْعَرَآءِ﴾ الأرض الخالية عن الأشجار والزروع. ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ ملوم
مطرود عن الرحمة والكرامة . ﴿فَأَجْنَبَهُ رَبُّهُ﴾ اصطفاه ورد إليه الوحي والنبوة.
﴿مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ من الأنبياء الكاملين في الصلاح. ﴿لَيُرْلِقُونَكَ بِأَبْصَرِهِمْ﴾ ينظرون
إليك نظراً شديداً يكاد أن يصرعك ويسقطك من مكانك، والمعنى: إنهم لشدة
عداوتهم ينظرون إليك شزراً بحيث يكادون يزلون قدمك ويرمونك. ﴿لَمَّا سَمِعُواْ
٧٨
لُرُ (٢٩) - القفقلت: ٦٨ / ٤٤-٥٢
الذِّكْرَ﴾ القرآن. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ حسداً وعداوة. ﴿إِنَُّ لَجْنُونٌ﴾ بسبب القرآن الذي
جاء به، حيرة من أمره وتنفيراً عنه. ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ موعظة وتذكير. ﴿لِلْعَلَمِينَ﴾
الجن والإنس، فلا يحدث بسببه جنون. قال البيضاوي: لما جننوه لأجل
القرآن، بَيَّن أنه ذكر عام، لا يدركه ولا يتعاطاه إلا من كان أكمل الناس
عقلاً، وأمتنهم رأياً.
المناسبة:
بعد تخويف الكفار بأهوال يوم القيامة وشدائدها، خوَّفهم تعالى وهددهم
بما في قدرته من القهر، ففيه الكفاية بالجزاء لمن يكذب بالقرآن، ثم أمر نبيه
وَلّ بالصبر، ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال يونس عليه السلام، ثم
أخبر نبيه وَ عن حسد قومه، وحرصهم على إيقاع المكروه به بعد أن صّره
وشجعه، ثم أعلم الناس قاطبة أن القرآن عظة للجن والإنس جميعاً، يتلقاه
أهل العقول والأفهام، وليس المجانين كما زعموا.
التفسير والبيان:
﴿فَذَرْنِ وَمَن يَكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِّ سَنَسْتَدْرِجُهُمِ مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي
دعني وإياهم، وخلّ بيني وبينهم، واترك أمر هؤلاء المكذبين بالقرآن، فأنا
أكفيك أمرهم، وأعلم كيف أجازيهم، فلا تشغل قلبك بشأنهم، فإنا
سنأخذهم بالعذاب على غفلة، ونسوقهم إليه درجة فدرجة، حتى نوقعهم فيه
من حيث لا يعلمون أن ذلك استدراج؛ لأنهم يظنونه إنعاماً، ولا يفكرون في
عاقبته، وما سيلقون في نهايته. وهذا تهديد شديد، وإيناس للنبي وَلؤ.
فهم لا يشعرون أن الإنعام استدراج، بل يعتقدون أن ذلك من الله تعالى
كرامة، وهو في الأمر نفسه إهانة كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِذُّهُم بِهِ، مِن
[المؤمنون: ٥٥/٢٣-٥٦ ]
(٥٦)
تُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَتِّ بَ لَّا يَشْعُرُونَ
٥٥
قَالٍ وَبِنٌ
٧٩
◌ِلُعُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ٤٤-٥٢
وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ
[الأنعام: ٤٤/٦] .
(٤٤
حََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ تُمْلِسُونَ
وقال الله تعالى هنا :
﴿ وَأُمْلِ لَّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ (®﴾ أي أمهلهم وأؤخرهم ليزدادوا إثماً،
ویتورطوا، فإن تدبيري و کیدي لأهل الكفر قوي شديد، فلا يفوتني شيء لكل
من خالف أمري، وكذب رسلي، واجتراً على معصيتي. وسمى الله الجزاء كيداً
- والكيد احتيال - لكونه في صورته، إذ نفعهم وهو يريد الضرر بهم، لما علم
من خبثهم وتماديهم في الكفر.
جاء في الصحيحين عن رسول الله وسلم أنه قال: ((إن الله ليملي للظالم،چحتى
إذا أخذه لم يُفْلِتْه)) ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَىَ وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ
أَخْذَهُ، أَلِمٌ شَدِيدُ (﴿٢﴾ [هود: ١٠٢/١١].
ثم أخبر الله تعالى عن إزالة كل الموانع التي تمنعهم من قبول الإسلام
والحق، فقال :
- ﴿أَمَ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَبٍ تُثْقَلُونَ ﴾﴾ أي بل أتطلب منهم أجرة
على الهداية والتعليم وتبليغ رسالتك ودعوتك إياهم إلى الإيمان بالله تعالى؟ فهم
من الغرامة المالية التي يتحملونها مثقلون بأدائها، لشحهم ببذل المال. والمراد:
هل طلبت منهم أجراً، فأعرضوا عن إجابتك بهذا السبب؟ الحقيقة أنك يا
محمد تدعوهم إلى الله عز وجل بلا أجر تأخذه منهم، بل ترجو ثواب ذلك
عند الله تعالى، وهم مع ذلك يكذبونك فيما جئتهم به من الحق جهلاً وكفراً
وعناداً. وفي هذا إثبات النبوة؛ لأن النبي ينشد الخير لذاته، لا لمنفعة مادية.
﴾ أي بل أعندهم علم الغيب يكتبون
- ﴿أَمَّ عِندَهُمُ الْغَيِّبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ◌َ
ما يريدون من الحجج التي يزعمون، ويخاصمونك بما يكتبونه من ذلك،
ويحكمون لأنفسهم بما يريدون، ويستغنون بذلك عن إجابتك وامتثال قولك.
٨٠
الُهُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ٤٤-٥٢
والمراد أنه ليس لهم حجة نقلية يعتمدون عليها في الإعراض عن قبول
رسالة الإسلام.
ولما بالغ الله تعالى في تزييف منهج الكفار، وتفنيد شبهاتهم وإبطالها،
وزجرهم عليها، أمر رسوله وَّل بالصبر على أذاهم وعلى تبليغ رسالته، فقال:
﴿فَأَصِْرْ ◌ِكْمِ رَيِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْمُتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴿٤﴾ أي
فاصبر يا محمد على قضاء ربك وحكمه فيك وفي هؤلاء المشركين، وعلى أذى
قومك وتكذيبهم، وامض في تبليغ دعوتك، دون توقف أو تعثر بمعارضتهم
وإيذائهم، فإن العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة.
ولا تكن مثل يونس عليه السلام في الضجر والعجلة والغضب، حين
ذهب مغاضباً على قومه، فكان من أمره ما كان، من ركوبه البحر، والتقام
الحوت له، وشروده في البحار، وندمه على ما فعل، فنادى ربه في الظلمات في
بطن الحوت، وهو مملوء غيظاً وغماً على قومه، إذ لم يؤمنوا لما دعاهم إلى
الإيمان، كما جاء في آية أخرى: ﴿فَنَادَى فِ اٌلُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ
سُبْحَانَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأُسْتَجَبْنَا لَهُ وَبَيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ
نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ
(٨٨)﴾ [الأنبياء: ٢١ /٨٧-٨٨].
والمعنى: لا يوجد منك ما يوجد منه من الضجر والمغاضبة، فتبتلى ببلائه،
كما قال تعالى:
﴾ أي لولا أن
٤٩
﴿لَوْلَا أَنْ تَدَرََّهُ نِعْمَةُ مِّن رَّبِّهِ، لَنْهِذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ
تداركته رحمة من الله ونعمة، بتوفيقه للتوبة وقبولها منه، فتاب الله عليه، لأُلقي
من بطن الحوت على وجه الأرض الخالية من النبات، وهو ملوم بالذنب الذي
أذنبه، مطرود من الرحمة والكرامة، لذا قال تعالى:
﴿فَأَجْنَبَهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّلِحِينَ
أي فاصطفاه ربه واستخلصه
٥٠