Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ الُرُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ /١-٣ ١٢ - الإشهاد على الطلاق وعلى الرجعة مندوب إليه في المذاهب الأربعة، منعاً للتجاحد، وعدم الاتهام في الإمساك، وعدم التذرع بثبوت الزوجية للإرث بعد الموت. والرجعة عند الحنفية تحصل بالقول مثل: راجعتك، وبالفعل كالقبلة والمباشرة والملامسة بشهوة والنظر إلى الفرج. وعند الشافعي: تكون الرجعة بالكلام. وتحصل الرجعة عند المالكية بالقول أو الفعل أو النية، وتحصل الرجعة عند الحنابلة والأوزاعي بالقول الصريح وبالوطء، سواء نوى به الرجعة أم لم ينو به الرجعة؛ ولا تحصل الرجعة بالتقبيل أو اللمس بشهوة، أو النظر إلى الفرج أو الخلوة بالمرأة والحديث معها؛ لأن المذكور كله ليس في معنى الوطء، وهو الذي يدل على ارتجاعها دلالة ظاهرة. ١٣ - من ادعى بعد انقضاء العدة أنه راجع امرأته في العدة، فإن صدّقته جاز، وإن أنكرتْ حلفت، فإن أقام بيِّنة أنه ارتجعها في العدة، ولم تعلم بذلك، لم يضره جهلها بذلك، وكانت زوجته. وإن تزوجت ولم يدخل بها الزوج الثاني، ثم أقام الأول بيِّنة على رجعتها، فلمالك في ذلك روايتان: إحداهما - أن الأوّل أحق بها، والأخرى - أن الثاني أحق بها. فإن دخل بها الثاني فلا سبيل للأول إليها. ١٤ - الإشهاد يكون بالرجال المسلمين دون الإناث؛ إذ لا مدخل للنساء فيما عدا الأموال. ويجب أن تكون الشهادة تقرباً إلى الله في إقامتها وأدائها على وجهها إذا مسَّت الحاجة إليها من غير تبديل ولا تغيير. ١٥- إن المؤمن هو الذي يرضى بهذه الأحكام وينتفع بهذه المواعظ، أما غير المؤمن بالله واليوم الآخر، فلا ينتفع بها. ١٦- كل من يتقي الله في تطبيق أحكام الشريعة في الطلاق والعدة والإشهاد ونحوها، يجعل الله له مخرجاً من كل شدة وضيق، ويرزقه الثواب الحسن ويبارك له فيما آتاه. روى أحمد والنسائي وابن ماجه عن ثوبان: ((إن ٦٦٢ الُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ / ١-٣ العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)) . ٢٧ - كل من يتوكل على الله وفوض الأمر إليه، كفاه ما أهمه في الدنيا والآخرة؛ لأن الله بالغ أمره فيما أراد، وقاض أمره في كل الناس، سواء من توكل عليه ومن لم يتوكل عليه، وجعل لكل شيء من الشدة والرخاء أجلاً ينتهي إليه. ولا يعني التوكل إهمال اتخاذ الأسباب أو الحفظ والصون؛ لقوله وَلّ فيما رواه الترمذي عن أنس، وهو ضعيف: ((اعقلها وتوكل)). قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِ الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠/٦٢]. وقال سبحانه: ﴿فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقٌِّ﴾ [الملك: ٦٧ /١٥] . قال الربيع بن خَيْئم: إن الله تعالى قَضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه، ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وَثِق به نُجَّاه، ومن دعاه أجاب له. وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ٦٤/ ١١]. ﴿وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى الَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣/٦٥]. ﴿إِن تُفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَحِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧/٦٤]. ﴿وَمَن يَعْنَصِمِ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١/٣]. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦/٢]. وقال رسول الله وَ له: ((من أحب أن يكون أقوى الناس، فليتوكل على اللّه))(١). (١) تفسير الرازي الكبير: ٣٤/٣٠. ٦٦٣ اِلُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ /٤-٥ عدة اليائسة والصغيرة ﴿ وَأَلَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُ فَعِذَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ وَلَِّى لَمْ يَحِضْنَّ وَأُوْلَتُ اٌلْأَعْمَلِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَنْسِ يُسْرَ ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَبِئَاتِهِ، وَيُعْظِمْ لَهُ: أَجْرًا الإعراب: ﴿وَأَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَثَةُ أَشْهُرٍ وَأَلَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ فيه محذوف تقديره: اللائي يئسن من المحيض فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر. حذف خبر الثاني لدلالة خبر الأول عليه، مثل: زيد أبوه منطلق وعمرو، أي وعمرو أبوه منطلق. و﴿ وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ﴾ مبتدأ، وواحد ﴿وَأُوْلَتُ﴾: ذات، و﴿أَجَلُهُنَّ﴾ مبتدأ ثانٍ، و﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول. ويجوز أن يكون ﴿أَجَلُهُنَّ﴾ بدلاً من ﴿وَأُوْلَتُ﴾ بدل الاشتمال، و﴿أَنْ يَضَعْنَ﴾ الخبر. البلاغة: ﴿ وَأَّتِى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ إيجاز الحذف، حذف منه الخبر، أي فعدتهن ثلاثة أشهر أيضاً. المفردات اللغوية: ﴿ وَالَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ أصابهن اليأس من الحيض لكبرهن. ﴿إِنِ أَرْبَبْتُمْ﴾ شككتم في عدتهن أي جهلتم. ﴿ وَلََّحِى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ أي الصغيرات، ٦٦٤ للْمُعْ (٢٨) - القَفَلَقْ: ٦٥ /٤-٥ فعدتهن ثلاثة أشهر أيضاً. وكلاهما في غير المتوفى عنهن أزواجهن، أما المتوفّى عنهن أزواجهنّ فعدتهن كما في آية أخرى [البقرة: ٢٣٤/٢] أربعة أشهر وعشراً. ﴿ وَأُوْلَثُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ أي أجل انقضاء عدتهن، مطلقات أو متوفى عنهن أزواجهن ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وضع الجمل، وهو حكم يعم المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن . ﴿يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ، يُسْرًا﴾ يسهل عليه أمره ويوفقه للخير، وييسر أموره في الدنيا والآخرة . ﴿ ذَلِكَ﴾ المذكور من الأحكام، ومنها حكم العدة . ﴿أَفْرُ اللَّهِ﴾ حكمه. ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ،﴾ فإن الحسنات يذهبن السيئات . ﴿ وَيُعْظِمْ لَهُ: أَجْرًا﴾ بمضاعفة الثواب. سبب النزول: أخرج ابن جرير وإسحاق بن راهويه والحاكم والبيهقي عن أبي بن كعب قال: لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عَدَد من عِدَد النساءَ، قالوا: قد بقي عدد من عِدَد النساء لم يذكرن: الصغار والكبار اللاتي قد انقطع عنهن الحيض، وأولات الأحمال، فأنزلت: ﴿وَأَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ الآية. وأخرج مقاتل في تفسيره: أنه لما ذكر قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ ثَثَةَ قُرُوَةٍ﴾ قال خَلَّاد بن النعمان: يا رسول الله، فما عِدَّة التي لم تَحِضْ، وعدة التي انقطع حيضها، وعدة الحُبْلى فنزلت الآية: ﴿ وَالَِّى بَيِسْنَ مِنَ اَلْمَحِيضِ مِن نِسَائِكُمْ﴾ يعني قعدن عن المحيض. وقيل: إن معاذ بن جَبَل سأل عن عِدَّة الكبيرة التي يئست؛ فنزلت الآية. المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى بتطليق النساء لعدتهن وبيَّن أمر الطلاق والرجعة في التي تحيض، بَيَّن هنا مقدار العدة للآيسة والصغيرة اللتين لا تريان الدم، ٦٦٥ الُ (٢٨) - القَّلاق: ٦٥ /٤-٥ وأنها ثلاثة أشهر، وعدة الحامل وكونها بوضع الحمل، تتميماً لما ذكر الله تعالى في سورة البقرة من عدة ذوات الأقراء، والمتوفى عنها زوجها. التفسير والبيان: ﴿ وَأَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْبَبْتُمُّ فَعِذَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ وَأَلَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ أي إن عدة النساء الآيسات وهن اللاتي قد انقطع حيضهن لكبرهن ببلوغهن سن الخامسة والخمسين أو الستين هي ثلاثة أشهر، عوضاً عن الثلاثة قروء في حق من تحيض كما دلت على ذلك آية البقرة [٢٢٨] إن شككتم وجهلتم كيف عدتهن، وكذا الصغار اللائي لم يبلغن سن الحيض عدتهن ثلاثة أشهر كعدة الآيسة. ﴿ وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي وعدة النساء الحوامل أي انتهاء عدتهن يتم بوضع الحمل، ولو كان بعد الطلاق أو الموت بساعة في قول جمهور العلماء، بدليل ما روى أحمد وأصحاب الكتب الستة عن المِسْور بن تَخْرمة أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية توفي عنها زوجها: سعد بن خَوْلة، وهي حامل، فلم تمكث إلا ليالي(١)، حتى وضعت، فلما تعلّت - شفيت- من نفاسها خُطبت، فاستأذنت رسول الله وَ له في النكاح، فأذن لها أن تنكح، فنکحت. وفي لفظ: أنه دخل عليها أبو السنابل، فقال: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح، إنك والله ما أنت بناكح، حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت علي ثيابي، حين أمسيت، فأتيت رسول الله ◌َ ل﴿، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي. (١) حددت في رواية بثلاثة وعشرين يوماً. ٦٦٦ لُ (٢٨) - الطَّلَاِقْ: ٦٥ / ٤-٥ وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود أنه قال: من شاء لا عنته أن الآية التي في النساء القصرى: ﴿وَأَوْلَتُ اُلْأَحْمَالِ﴾ الآية. نزلت بعد الآية التي في سورة البقرة [٢٣٤] بكذا وكذا شهراً. وقال علي وابن عباس رضي الله عنهما: تعتد الحامل المتوفى عنها زوجها بأبعد الأجلين من وضع الحمل، والأشهر أي أربعة أشهر وعشر، عملاً بهذه الآية والتي في سورة البقرة. وهذا في الواقع جمع بين المدتين، وليس جمعاً بين النصين ولا إعمالاً لعموم كل منهما في مقتضاه، فإننا إذا حكمنا بعدم انتهاء العدة على من وضعت حملها قبل أربعة أشهر وعشر، كان ذلك إهداراً لمقتضى الحصر والتوقيت في قوله تعالى: ﴿ وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. وكذلك إذا حكمنا بعدم انتهاء العدة على من مضى عليها أربعة أشهر وعشر، ولم تضع حملها، كان ذلك إهداراً لمقتضى الحصر والتوقيت في قوله تعالى: ﴿يَتَرَّبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ، يُسْرًا﴾ أي ومن يخف الله ويرهب عقابه، فيأتمر بما أمر الله به، وينته عما نهى عنه، يسهّل عليه أمره كله في الدنيا والآخرة. وهذا تنويه بفضيلة التقوى في الدنيا والآخرة. ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَبِّئَاتِهِ، وَيُعْظِمْ لَهُ: أَجْرًا (٤) أي جميع الأحكام المتقدمة في الطلاق والعدة والسكنى هو أمر الله الذي أمر به عباده، وأنزله إليهم في قرآنه، ومن يخف الله، بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، بمح عنه ذنوبه من صحائف أعماله، ولا يؤاخذه بها، كما وعد بذلك في قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤/١١] ويضاعف له جزاء حسناته، ويجزل له المثوبة على عمله. وقد كرر الأمر بالتقوى للتأكيد عليها، وكونها عماد النجاة والسعادة الدنيوية والأخروية. ٦٦٧ لُُ (٢٨) - الصَّلاَق: ٦٥ / ٤-٥ فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - عدة المرأة اليائس التي انقطع دمها بسبب الكبر وتقدم السن، وعدة الفتاة الصغيرة التي لم تر الدم هي ثلاثة أشهر، تقابل القروء الثلاثة عند من ترى الدم. وسن اليأس في تقدير الحنابلة: خمسون سنة، وفي تقدير الحنفية: خمس وخمسون، وعند الشافعية: اثنتان وستون سنة. وعند المالكية: سبعون سنة. ولو تأخر الحيض لغير مرض ولا رضاع، فإنها تنتظر سنة لا حيض فيها، تسعة أشهر ثم ثلاثة. وكذلك المرتابة في عدتها لا تنكح حتى تستبرئ نفسها من ريبتها، ولا تخرج من العدة إلا بارتفاع الريبة، وتكون عدتها عند المالكية والحنابلة سنة بعد انقطاع الحيض، بأن تمكث تسعة أشهر، وهي مدة الحمل غالباً، ثم تعتد بثلاثة أشهر، فيكمل لها سنة، ثم تحل. وحكمها عند الحنفية والشافعية أنها تبقى أبداً حتى تحيض أو تبلغ سن من لا تحيض، ثم تعتد بثلاثة أشهر. ومن تأخر حيضها لمرض، فكلذلك تعتد عند مالك تسعة أشهر ثم ثلاثة. وأما من انقطع حيضها بسبب الرضاع فإن عدتها عند المالكية تنقضي بمضي سنة بعد انتهاء زمن الرضاع وهو سنتان، فإن رأت الحيض ولو في آخر يوم من السنة، انتظرت الحيضة الثالثة. وأما التي جُهل حيضها بالاستحاضة أو ممتدة الدم فعدتها عند المالكية سنة . كاملة، تمكث تسعة أشهر استبراء لزوال الريبة؛ لأنها مدة الحمل غالباً، وثلاثة أشهر عدة، وتحل للأزواج. والمفتى به عند الحنفية: أنها تنقضي عدتها بسبعة أشهر، بأن يقدر طهرها بشهرين، فتكون أطهارها ستة أشهر، وتقدر ثلاث حيضات بشهر احتياطاً. ٦٦٨ لُعُ (٢٨) - الطَّلَاِقْ: ٦٥ / ٦-٧ وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن عدة المستحاضة الناسية لوقت الحيض، والمبتدأة كالآيسة: ثلاثة أشهر؛ لأن النبي وَلهو أمر آمنة بنت جحش أن تجلس في كل شهر ستة أيام أو سبعة، فتجعل لها حيضة من كل شهر. ٢- عدة الحامل تنتهي بوضع الحمل، سواء كانت مطلّقة أو متوفى عنها زوجها. وتحل عند المالكية إذا وضعت عَلَقة أو مُضْغة. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تحلُّ إلا بما يكون ولداً. ٢- من يتّق الله في اجتناب معاصيه، يجعل له من أمره يسراً في توفيقه للطاعات، وقال الضحاك: من يتق الله في طلاق السنة يجعل له من أمره يسراً في الرجعة. ثم كرر الله تعالى الحث على التقوى، فذكر أن من يعمل بطاعة الله يكفِّر عنه سيئاته من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة، ويُعظم أجره في الآخرة. ٤- إن المذكور من الأحكام المتقدمة أمر الله أنزله للناس وبيَّنه لهم. السكنى والنفقة للمعتدة وأجر الرضاع ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا نُضَارُوهُنَّ لِنُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَتَِّنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَانُهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأَتَمِرُواْ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ: أُخْرَى ﴿﴿ لِيُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِعَّآ ءَائَنَهُ اللَّهُ لَا يُكَلِفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلََّ مَآ ءَاتَنِهَاَ ٧ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُشْرٍ يُسْرًا القراءات: ﴿وَأَتَمِّرُواْ﴾: ٦٦٩ لُعُ (٢٨) - الطَّلَاِق: ٦٥ /٦-٧ وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (واتَّرُوا). الإعراب: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ﴾ جواب عن سؤال تقديره: كيف نتقي الله فيهن؟ ﴿مِّنْ وُجْدِكُمْ﴾ عطف بيان لقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ أو بدل مما قبله، بإعادة الجار، وتقدير مضاف، أي أمكنة سعتكم، لا ما دونها. المفردات اللغوية: ﴿ أَشْكِنُوهُنَّ﴾ أسكنوا المطلقات المعتدات. ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ﴾ أي بعض مساکنکم وفي مستوی سكناكم .﴿مِّن ◌ُجْدِگُمْ﴾ مما تجدونه ویکون في وسعكم وطاقتكم.﴿وَلَا نُضَارُوهُنَّ﴾ أي في النفقة والسكنى. ﴿لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ لتضايقوهن في المساكن، فتلجئوهن إلى الخروج، ولا في النفقة فيفتدين منكم. ﴿حَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فحينئذ يخرجن من العدة. ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أولادكم منهن بعد انتهاء رابطة الزواج .﴿فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ على الإرضاع. ﴿وَأَنَمِرُواْ بَيْنَكُمُ بِعْرُوفٍ﴾ أي ليأمر بعضكم بعضاً بجميل وروح كريمة في الإرضاع والأجر، رعاية لمصلحة الأم والولد وحال الأب، فلا بخل من الأب، ولا معاسرة أو مضايقة وإرهاق لجانب الأب. ﴿وَإِن تَعَسَرْتُمْ﴾ تضايقتم في الإرضاع، وضيق بعضكم على بعض في الأجر وأصابكم إعسار واختلاف، فامتنع الأب من الأجرة، والأم من الرضاع .﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ: أُخْرَى﴾ سترضع للأب امرأة أخرى، ولا تكره الأم على الرضاع، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة. ﴿ لِيُّفِقْ﴾ على المطلقات والمرضعات. ﴿ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَنِةٍ﴾ لينفق الموسر بقدر يسره ووسعه .﴿ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ ضيق عليه أو قتر عليه في الرزق، وهو المعسر، فلينفق بقدر وسعه . ﴿فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَائَنَهُ اللَّهُ﴾ مما أعطاه الله على ٦٧٠ لُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ / ٦-٧ قدره . ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنَهَا﴾ لا يكلف الله نفساً إلا بقدر ما أعطاها من الرزق قليلاً أو كثيراً، وفيه تطييب لقلب المعسر، فوعده باليسر، فقال: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ أي يبدل بالعسر يسراً، عاجلاً أو آجلاً. المناسبة: بعد بيان عدة الآيسة والصغيرة والحامل الحبلى، ذكر الله تعالى ما يجب للمعتدة من نفقة وسكنى بقدر الطاقة، سواء كانت مطلقة أو حاملاً، ثم ذكر ما يجب للمطلقة من أجرة على رضاع ولدها إذا هي أرضعته، فالأم أولى بالإرضاع إذا رضيت بأجر المثل، فإن أبت أرضعت المولود امرأة أخرى. التفسير والبيان: ﴿أَشْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم مِّن وُجْدِّكُمْ وَلَا نُضَارُوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ أي أسكنوا المطلقات في مسكن مشابه لما تسكنون فيه بقدر أحوالكم، وقدر سعتکم وطاقتكم، ولو کان ذلك في حجرة من غرف الدار التي تسکنون فيها، ولا تلحقوا بهن ضرراً في النفقة والسكنى، فتلجئوهن إلى الخروج من المسكن، أو التنازل عن النفقة، فالوجد: الغنى والمقدرة. وهذا بيان ما يجب للمطلقات من السكنى في المستوى الملائم لحال الرجل؛ لأن السكنى نوع من النفقة الواجبة على الزوج، فإذا طلق الرجل زوجته، وجب عليه أن يسكنها في منزل حتى تنقضي عدتها، دون مضارّة في السكنى أو النفقة. ﴿ وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي إن كانت المرأة المطلقة حاملاً، وجب الإنفاق عليها حتى تضع حملها. ولا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة. وقد ذهب الحنفية إلى تعميم هذا الحكم، فقالوا: تجب النفقة والسكنى لكل مطلقة، ولو مبتوتة، وإن لم تكن ذات حمل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُضَارُوهُنَّ لِنُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ وترك النفقة من أكبر ٦٧١ لُعُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ / ٦-٧ الأضرار، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله وَل يقول في المبتوتة: ((لها النفقة والسكنى)) لأن ذلك جزاء الاحتباس، وتستوي فيه الحامل وغيرها. لكن قال الإمام أحمد: لا يصح ذلك عن عمر. ورأى مالك والشافعي: أن للمطلقة ثلاثاً السكنى، ولا نفقة لها إلا إذا كانت حاملاً؛ لأن آية ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ﴾ هي في البائن الحامل، بدليل أن الرجعية تجب نفقتها، سواء كانت حاملاً أو حائلاً (غير حامل) لذا قالوا: الآية دليل على اختصاص النفقة بالحامل من المعتدات، والأحاديث تؤيده. ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور: ألا نفقة للمطلقة ثلاثاً ولا سكنى؛ لما رواه مسلم وأحمد من حديث فاطمة بنت قيس الذي طلّقها زوجها ثلاثاً، فقال لها رسول الله وَ له: ((لا نفقة لكِ ولا سكنى)). وذكر الدارقطني عن الأسود بن يزيد قال: قال عمر لما بلغه قول فاطمة بنت قيس: لا نجيز في المسلمين قول امرأة. وكان يجعل للمطلقة ثلاثاً السكنى والنفقة. لكن قال الدارقطني: السنة بيد فاطمة قطعاً. ثم أمر الله تعالى بدفع الأجرة على الرضاع، فقال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتِعِرُواْ بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ أي فإن أرضعت الأمهات المطلقات أولادكم بعد ذلك، فأعطوهن أجور إرضاعهن إذا رضين بأجر المثل، وائتمروا وتآمروا وتشاورا أيها الأزواج والزوجات الذين وقع بينهم الفراق بالطلاق بما هو جميل معروف، وحسن غير منكر، في شأن الولد بما يضمن أوضاعه الصحية والمعاشية، من غير إضرار ولا مضارة، كما قال تعالى: ﴿لَا تُضَارَ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودُ لَّهُ بِوَلَدِهٍِ﴾ [البقرة: ٢٣٣/٢] وقال. سبحانه: ﴿وَعَلَى الْمَوَّلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣/٢]. والآية دليل على أن أجرة الرضاع للأولاد على الأزواج، وحق الحضانة على الزوجات. ٦٧٢ الُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ /٦-٧ ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ( أُخْرَى﴾ أي وإن تضايقتم واختلفتم في شأن الإرضاع، فأبى الزوج أن يعطي الأم الأجر الذي تريده، وأبت الأم أن ترضعه إلا بما تريد من الأجر، فيستأجر الأب مرضعة أخرى ترضع ولده. وفي هذا عتاب للأم على التشدد في الطلب، وعدم التسامح مع الأب. وذلك إذا قبل الولد ثدي امرأة أخرى، وإلا وجب الإرضاع على الأم. ثم أبان الله تعالى مقدار النفقة، فقال: ﴿ لِيُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَائَنَهُ اللَّهُ﴾ أي لينفق على المولود والده أو وليه بحسب طاقته أو قدرته، ومن كان فقيراً مقتراً أو مضيَّقاً عليه في الرزق، فلينفق مما أعطاه الله من الرزق بقدر سعته، ليس عليه إلا ذلك، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦/٢] . وقال هنا : ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنْهَا﴾ أي لا يكلف الله نفساً إلا ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير بأن ينفق على الزوجة والقريب الرحم ما ليس في وسَعه، كنفقة الغني. ثم وعد الله تعالى بالعطاء والفضل، فقال: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ أي سيجعل الله بعد ضيق وشدة سعة وغنى، وهذا وعد منه تعالى، ووعده حق لا يخلفه، وهو بشرى بالفرج بعد الكرب، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًّاً ﴾َ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥/٩٤-٦] . ٦٧٣ المُعُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ / ٦-٧ فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على الأحكام التالية: ١ - السكنى بقدر الطاقة وفي المستوى اللائق بحال الزوج واجبة لكل مطلقة، وقد أجمع العلماء على أن للمرأة الرجعية (التي يحق مراجعتها بعد طلقة واحدة رجعية أو طلقتين) السكنى والنفقة، أما السكنى: فللآية: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾، وآية ﴿لَا تُخْرِجُوُهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ وأما النفقة ولو لم تكن حاملاً فلأن الرجعية كالزوجة في بقاء حق الاحتباس وسلطة الزوج عليها، فيكون الإجماع مخصصاً لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ! واتفق العلماء أيضاً على أن للبائن (التي طلقت طلاقاً بائناً) الحامل السكنى والنفقة؛ لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوُهُنَّ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَتِهِنَّ﴾. وأما البائن غير الحامل أو المطلقة ثلاثاً، فاختلف العلماء في سكناها ونفقتها على أقوال ثلاثة تقدم ذكرها، وموجزها كما يلي: أحدهما- وجوب السكنى والنفقة لها : وهو مذهب عمر وابن مسعود وكثير من فقهاء الصحابة والتابعين، ومذهب الحنفية والثوري، لقوله تعالى: ﴿ أَشْكِنُوهُنَّ﴾ فهو أمر بالسكنى لكل مطلقة، ولأن النفقة جزاء الاحتباس لحق الزوج، سواء كانت حاملاً أو حائلاً. والمقصود بآية ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ دفع توهم ألا نفقة لها لطول مدة الحمل. وقد قال عمر رضي الله عنه: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا وَ ل ﴿ لقول امرأة، لا ندري جهلت أم نسيت. يريد قول فاطمة بنت قيس حين طلقها زوجها ألبتة: ((لم يجعل لي رسول الله وَلّ سكنى ولا نفقة)). ۔ ٦٧٤ الُعُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ / ٦-٧ والثاني- ألا نفقة للمبتوتة ولا سكنى: وهو رأي ابن عباس وأصحابه وجابر بن عبد الله وفاطمة بنت قيس وبعض التابعين، وإسحاق وداود وأحمد، لحديث مسلم وغيره المتقدم عن فاطمة بنت قيس حينما طلقها عمرو ابن حفص ألبتة، فلم يفرض لها رسول الله وَ الله نفقة ولا سكنى. والثالث- للمطلقة البائن بينونة كبرى السكنى دون النفقة: وهو مذهب مالك والشافعي، أما السكنى فلقوله تعالى: ﴿أَشْكِنُوهُنَّ﴾ وأما عدم النفقة فلمفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ج فإن الله سبحانه لما ذكر السكنى أطلقها لكل مطلقة، فلما ذكر النفقة قيدها بالحمل، فدل مفهوم: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ﴾ على أن المطلقة البائن غير الحامل لا نفقة لها. وردًّ الجصاص على حديث فاطمة بنت قيس بقوله: وهذا حديث قد ظهر من السلف النكير على راويه، ومن شرط قبول أخبار الآحاد تعريها من نكير السلف، أنكره عمر بن الخطاب على فاطمة بنت قيس، فقال: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ يِفَاحِشَةٍ مُِّنَةٍ﴾(١). ثم جمع بين هذا الحديث - على فرض صحته- وبين الآية، فقال: وللحديث عندنا وجه صحيح يستقيم على مذهبنا فيما روته من نفي السكنى والنفقة، وذلك لأنه قد روي أنها استطالت بلسانها على أحمائها، فأمرها بالانتقال، فلما كان سبب النقلة من جهتها، كانت بمنزلة الناشزة، فسقطت نفقتها وسكناها جميعاً، فكانت العلة الموجبة لإسقاط النفقة هي الموجبة لإسقاط السكنى(٢). (١) أحكام القرآن ٣/ ٤٦١. (٢) المرجع السابق ٤٦٢/٣ ٦٧٥ الجُمُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ / ٦-٧ أَ- تحريم مضارة المرأة المطلقة في المسكن والنفقة، كما تحرم الرجعة والطلاق بقصد الضرار، وهو أن يطلقها، فإذا بقي يومان من عدتها راجعها ثم طلقها. ◌َ- لا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة ثلاثاً، أو أقل منهن حتى تضع حملها. أما الحامل المتوفى عنها زوجها: فقال جماعة من الصحابة كعلي وابن عمر وابن مسعود والتابعين كالنخعي والشعبي وحماد: يُنْفَق عليها من جميع المال أي من التركة حتى تضع. وقال ابن عباس وابن الزبير ومالك والشافعي وأبو حنيفة: لا ينفق عليها إلا من نصيبها، وروى الدارقطني بإسناد صحيح عنه وسلم أنه قال: ((ليس للحامل المتوفى عنها زوجها نفقة)). ٤- إذا أرضعت المطلقات أولاد الزوج، فعلى الآباء أن يعطوهن أجرة إرضاعهن. ولا يجوز عند مالك والشافعي للرجل أن يستأجر امرأته للرضاع، كما يستأجر أجنبية. ولا يجوز عند أبي حنيفة الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يَبِنَّ أي يصبحن بائنات. فإذا رضيت الأم أن ترضع ولدها بأجر المثل، فهي أحق به، لوفور شفقتها، فهي أولى بحضانته وإرضاعه من كل أحد، وليس للأب أن يسترضع غيرها في هذه الحالة. وتستحق الأجرة بالفراغ من العمل، لا بالعقد؛ لأن الله أوجبها بعد الرضاع بقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) ٥- دلّ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أيضاً على أن نفقة الولد الصغير على أبيه؛ لأنه إذا لزمه أجرة الرضاع، فكفايته ألزم. لذا أجمعوا على ذلك في طفل لا مال له، وأُلحق به بالغ عاجز عن نفقة نفسه، لخبر هند بنت عتبة فيما أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) . ٦٧٦ لُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ /٦-٧ أَ- على الأزواج والزوجات الائتمار بينهم أو قبول بعضهم من بعض ما أمره به من المعروف الجميل في الإرضاع والأجر وغيرها. والجميل من الأم المطلقة إرضاع الولد من غير أجرة. والجميل من الأب توفير الأجرة للأم للإرضاع. ١- إن حدث التعاسر أو تضييق بعض الأزواج على بعض في أجرة الرضاع، فأبى الزوج أن يدفع للأم أجرة المثل، أو أبت الأم الرضاع أو تغالت في الأجرة، فليس للزوج إكراهها، وليستأجر مرضعة أخرى غير أمه. ودلت الآية ﴿وَإِن تَعَسَرْتُمْ﴾ أيضاً على أنه إذا طلبت الأم أكثر من أجر المثل، فللأب أن يسترضع غيرها ممن يرضى بأجر المثل، إذا قبل الصبي ثدي المرأة الأخرى، ولم يحصل له ضرر بلبنها، وإلا أجبرت الأم على إرضاعه بأجرة المثل. فإن اختلفا في الأجرة: فإن دعت الأم إلى أجر مثلها، وامتنع الأب إلا تبرعاً، فالأم أولى بأجر المثل إذا لم يجد الأب متبرعاً. وإن دعا الأب إلى أجر المثل، وامتنعت الأمّ لتطلب شططاً، فالأب أولى به. فإن أعسر الأب بأجرتها، أخذت جبراً برضاع ولدها. ٨- على الزوج الإنفاق على زوجته وعلى ولده الصغير على قدر وُسْعه وطاقته، فإن كان غنياً موسراً أنفق نفقة الأغنياء، وإن كان فقيراً أنفق نفقة الفقراء. وتقدر النفقة بحسب حالة المنفق وحاجة المنفق عليه بالاجتهاد على وفق العرف والعادة، في رأي المالكية. وقال الإمام الشافعي: النفقة مقدّرة محدّدة، ولا اجتهاد لحاكم أو لِفْت فيها. وتقديرها هو بحال الزوج وحده يُشْراً وعُشْراً، ولا يعتبر بحالها وكفايتها، فإن كان الزوج موسراً لزمه مُدَّان، وإن كان متوسطاً فمدّ ونصف، وإن كان معسراً فمدّ؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُفِقْ ذُو ٦٧٧ الجُرُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ / ٦-٧ سَعَةٍ مِّن سَعَنِةٍ،﴾ الآية، وقوله سبحانه: ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُفْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦/٢]، فجعل الاعتبار بالزوج في اليسر والعسر دونها، ولأن مراعاة كفايتها لا سبيل إلى علمه للحاكم ولا لغيره، فتقع الخصومة؛ لأن الزوج يدّعي أنه تطلب فوق كفايتها، وهي تزعم أن ما تطلبه قدر كفايتها، فجعلت مقدرة قطعاً للخصومة. وأدلة المالكية على تقدير النفقة بحسب حال الزوجين معاً عرفاً وعادة قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوَّلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَّكِسْوَتُهُنَّ بِلْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣/٢]، وقوله اَّهُ في الصحيحين لهند امرأة أبي سفيان: ((خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف)) وفي صحيح مسلم أنه وُّ قال في خطبة الوداع: ((واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بسنة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)) ففي الحديثين إحالة على الكفاية، ولم يقل عليه الصلاة والسلام للأم في حديث هند: لا اعتبار بكفايتك، وأن الواجب لكِ شيء مقدر. 1- آية ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِةِ﴾ أصل في وجوب النفقة للولد على الوالد، دون الأمّ، خلافاً لمحمد بن المؤَّاز يقول: إنها على الأبوين على قدر الميراث. وفي البخاري عن النبي وَله: ((تقول لك المرأة: أنفق علي وإلا فطلِّقني، ويقول لك العبد: أنفق علي واستعملني، ويقول لك ولدك: أنفق عليّ، إلى من تكلُني» . ٠ ١ - قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّ مَآ ءَاتَنَهَا﴾ دليل على أنه لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني، وعلى أنه لا فسخ بالعجز عن الإنفاق على الزوجة؛ لأنه تضمن عدم التكليف بالإنفاق في حال العجز، فلا يجوز إجباره على الطلاق من أجل النفقة؛ لأن فيه إيجاب التفريق لشيء لم يجب عليه. وكذلك قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرِ يُسْرًا﴾ يدل على أنه لا يفرق ٦٧٨ لِلُعُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ / ٨-١٢ بين الزوجين من أجل عجزه عن النفقة؛ لأن العسر يرجى له اليسر، وسيجعل الله بعد الضيق غنى، وبعد الشدّة سعة، كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠/٢]. وهذا مذهب الحنفية ورواية عن أحمد. والقول بالفسخ للإعسار بالنفقة مذهب مالك وأظهر قولي الشافعي ورواية أخرى عن أحمد، بدليل خبر الدارقطني والبيهقي في الرجل لا يجد شيئاً ينفق على امرأته: يفرَّق بينهما. ولأنه شرع الفسخ بالعنّة لإزالة الضرر، والضرر الذي يلحق المرأة بعدم النفقة أشد من ضررها بالعنة، فكان الفسخ بالعجز عن النفقة أولى من الفسخ بالعنة. ودلت الآية: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ﴾ أيضاً على أنه ينبغي للإنسان مراعاة حال نفسه في النفقة والصدقة، جاء في الحديث: ((إن المؤمن أخذ عن الله أدباً حسناً، إذا هو سبحانه وسّع عليه وسَّع، وإذا هو عز وجل قتَّر عليه قتَّ))(١). وعيد المخالفين ووعد الطائعين والتذكير بقدرة الله وَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَهَا عَذَابًا ثُكْرًّا ﴿ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَغْرِهَا وَكَانَ عَقِبَةُ أَتْرِهَا خُمْرًا ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًاً فَتَّقُواْ اللَّهَ يَأُوْلِىِ الْأَلَْبِ الَّذِينَ ءَامَوْ قَدْ أَنَزَلَ اللَّهُ إِلَتَّكُمْ ذِكْرًا ءَتِ اللهِ مُبَغِنَتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُوْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحًا يُدْخِلَّهُ جَنَّاتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِينَ فِيَهَا أَبَدًّا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴿ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ اٌلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَزَّلُ الْأَمْرُ رَّسُولًا يَثْلُواْ عَلَيْكُمْ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا (١) تفسير الألوسي: ١٤٠/٢٨ ١٢ ٦٧٩ الُعُ (٢٨) - القَطلاق: ٦٥ /٨-١٢ القراءات: ﴿ وَكَِّن﴾ : وقرأ ابن كثير (وكائن). كرًا﴾ : وقرأ نافع، وابن ذكوان، (نُكُراً). مبینتٍ ﴾ : وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (مُبَيِّنَات). ﴿يُدْخِلَهُ﴾: وقرأ نافع، وابن عامر (ندخله). الإعراب: ﴿الَّذِينَ ءَمَوْ﴾ نعت للمنادى أو بيان له. ﴿قَدْ أَنْزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا، رَسُولًا﴾ ﴿رَسُولًا﴾: منصوب بأحد خمسة أوجه: إما منصوب بـ ﴿ذِكْرًا﴾ على أنه مصدر، أي: أن اذكر رسولاً، كانتصاب ﴿يَنِيمًا﴾ في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطَّعَهٌ فِي يَوْرٍ ذِى مَسْغَبَةٍ ﴿ يَكِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ [البلد: ١٤/٩٠-١٥] أي أن أطعم يتيماً، أو منصوب بفعل مقدر، أي ١٥) وأرسل رسولاً، أو بتقدير: أعني، أو أن يكون بدلاً من ﴿ذِكْرًا﴾ ويكون ﴿رَسُولًا﴾ بمعنى رسالة، وهو بدل الشيء من الشيء نفسه، أو منصوب على الإغراء، بتقدير: اتبعوا رسولاً. مُبَيِنَتٍ﴾ حال من اسم الله أو صفة رسولاً. ﴿ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ﴾ مبتدأ وخبر. ٦٨٠ الجُزُ (٢٨) - الطَّلَاِق: ٦٥ / ٨-١٢ ﴿ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ ﴿مِثْلَهُنَّ﴾: إما منصوب بتقدير فعل أي: من الأرض خلق مثلهن، وليس منصوباً بفعل ﴿خَلَقَ﴾ المتقدم لئلا يقع الفصل بين واو العطف والمعطوف بالجار والمجرور. أو مرفوع بالظرف أو على الابتداء، أو الخبر مع خلاف فيه. ﴿لِنَعْلَمُوْ﴾ اللام إما تتعلق بـ﴿يَزَّلُ﴾ أو تتعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾. البلاغة: ﴿فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْتَهَا عَذَابًا ثُّكْرًا، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَفْرِهَا﴾ تكرار الوعيد للترهيب. ﴿وَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ﴾ مجاز مرسل، أي أهل قرية، من إطلاق المحل وإرادة الحالّ. ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ استعارة، استعار الظلمات الكفر والضلال، والنور للهدى والإيمان. ﴿قَدّ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ ﴿يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ، يُسْرًا﴾ ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ ﴿وَكَانَ عَقِبَةُ أَتْرِهَا خُسْرًا﴾ هذه الآيات فيما سبق من السورة سجع بديع غير متكلف. المفردات اللغوية: ﴿وَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ﴾ أي وكثير من أهل قرية، ﴿وَأَتِنِ﴾: كاف الجرّ دخلت على (أي) بمعنى (كم). ﴿عَنَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِهَا﴾ عصت وأعرضت أو تجبرت وتكبرت، المراد عتى أهلها. ﴿فَحَاسَبْتَهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ بالاستقصاء والمناقشة، والحساب في الآخرة، وعبر عنها بالماضي وإن لم تجئ لتحقق وقوعها. ﴿عَذَابًا ◌ُكْرًا﴾ عذاباً منكراً عظيماً وهو عذاب النار.