Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ الُعُ (٢٨) - المُنَافِقُونَ: ٦٣ /١-٤ المنافقون حسان الهيئة، فصيحي اللسان، ولكنهم أشباح بلا أرواح، وصور بلا معان. قال ابن عباس: كان عبد الله بن أبيْ وسيماً صحيحاً صبيحاً ذَلِق . اللسان، فإذا قال سمع النبي ◌َّر مقالته، وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة. أخرج مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ قال: ((إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)). ٥- يؤدي النفاق عادة إلى القلق والتردد، والضعف والهزيمة، والجبن والجزع والهلع، لذا كان المنافقون جبناء، يحسبون كل واقعة، كأنها نازلة بهم لجبنهم، وكأن كل أمر وقع أو خوف نازل بهم وحدهم. قال مقاتل: إذا نادى مناد في العسكر، أو انفلتت دابة، أو نشدت ضالة مثلاً، ظنوا أنهم يرادون بذلك، لما في قلوبهم من الرعب، ولأنهم على وجل من أن يهتك الله أستارهم، ويكشف أسرارهم، يتوقعون الإيقاع بهم ساعة فساعة. ٩- المنافقون أعداء المؤمنين، الكاملون في العداوة لله تعالى وللرسول وليه، فينبغي الحذر من أقوالهم والميل لكلامهم، والحرص من تآمرهم وتخذيلهم بعض ضعفة المؤمنين، واطلاعهم على أسرار الأمة، حتى لا تتسرب إلى الأعداء. ٧- لهذه الأوصاف الذميمة كلها ختمت الآيات بكلمة الذم والتوبيخ وهي ﴿فَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤفَلُونَ﴾ أي لعنهم وطردهم من رحمته، فکیف یصرفون عن الحق إلى الباطل، وعن الهدى إلى الضلال، وكيف تضل عقولهم عن الإيمان مع وضوح الدلائل؟! ٦٠٢ الجزءُ (٢٨) - المُنَافِقُونَ: ٦٣ / ٥-٨ أدلة إثبات كذب المنافقين ونفاقهم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُونَ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنَ وَهُم مُسْتَكْبِرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهَدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ﴿﴿ يَقُولُونَ لَبِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ٨ القراءات: ﴿قِيلَ﴾ : بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة. ﴿لَوَّوْأ﴾ : وقرأ نافع (لَوَوْا). الإعراب: ﴿تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ﴾ هنا فعلان، أعمل الثاني منهما وهو ﴿يَسْتَغْفِرْ﴾ ولا ضمير فيه؛ لأن ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ مرفوع به، والفعل لا يرفع فاعلين. ولو أعمل الأول وهو ﴿تَعَالَوَأْ﴾ لقيل: تعالوا إلى رسول الله يستغفر لكم، وكان في ﴿يَسْتَغْفِرْ﴾ ضمير يعود إلى ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ هو الفاعل. ﴿أَسْتَغْفَرْتَ﴾ استغني بهمزة الاستفهام عن همزة الوصل. ٦٠٣ اِلُ (٢٨) - المُثَافِقُونَ: ٦٣ / ٥-٨ ﴿ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ هذا هو المشهور، وقرئ (لِيَخْرجن) بفتح الياء، وهو فعل لازم مضارع (خرج) إلا أنه نصب ﴿اَلْأَذَلَّ﴾ على الحال، وهو شاذ؛ لأن الحال لا يكون فيها الألف واللام، مثل: (مررت به المسكينَ) منصوب على الحال، وقولهم: ادخلوا الأول فالأول. البلاغة: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ بينهما طباق السلب. ﴿ مُسْتَكْبِرُونَ﴾، ﴿الْفَاسِقِينَ﴾، ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾، ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ .. إلخ، توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات. المفردات اللغوية: ﴿تَعَالَوَأْ يَسْتَغْفِرْ﴾ أي احضروا معتذرين يطلب لكم الرسول المغفرة. ﴿لَوَّوْأْ رُوسَهُمْ﴾ عطفوها وأمالوها إعراضاً واستكباراً عن ذلك واستهزاء. ﴿يَصُدُّونَ﴾ يعرضون عن الاستغفار وعن القائل. ﴿وَهُم ◌ُسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الاعتذار. ﴿لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ لرسوخهم في الكفر. ﴿اَلْفَسِقِينَ﴾ الخارجين عن طاعة الله تعالى والرسول وَلؤ. ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ لأصحابهم من الأنصارِ. ﴿لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ من المهاجرين. ﴿حَتَّى يَنْفَضُواْ﴾ يتفرقوا عنه. ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خزائن الأرزاق فيهما، فبيده الأرزاق، وهو الرزاق للمهاجرين وغيرهم . ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ لا يعلمون ذلك لجهلهم بالله، فهم لا يدركون عظمة الله وقدرته وسعته. ﴿لَيِّن رَّجَعْنَآ﴾ من غزوة بني المصطلق. ﴿اٌلْأَعَزَّ﴾ أي المنافقون. ﴿اَلْأَذَلَّ﴾ أي المؤمنون في زعمهم. ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ الغلبة والنصرة والقوة. ﴿اُلْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك من فرط جهلهم وغرورهم. ٦٠٤ الُ (٢٨) - المُنَافِقُونَ: ٦٣ / ٥-٨ سبب النزول: نزول الآية (٥): ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أخرج ابن جرير عن قتادة قال: قيل لعبد الله بن أُبْ: لو أتيت النبي وََّ، فاستغفر لك، فجعل يلوي رأسه، فنزلت فيه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوَاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة مثله. وأخرج البخاري ومسلم، والترمذي بمعناه في بيان سبب نزول هذه الآية: أن النبي ◌َِّ غزا بني المصطلِق على ماء يقال له (الْمُرَيْسِيع) من ناحية (قُدَيد) إلى الساحل، فازدحم أجير لعمر يقال له (جَهْجاه) مع حَليف لعبد الله بن أبيْ يقال له (سِنان) على ماء (بالْمُشَلِّل) فصرخ جهجاه بالمهاجرين، وصرخ سِنان بالأنصار؛ فلَظَم جهجاه سناناً، فقال عبد الله بن أبي: أوَ قد فعلوها! والله ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلا كما قال الأول: سَمّن كلبك يأكلْك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل - يعني محمداً مَّه - ثم قال لقومه: كُقُّوا طعامكم عن هذا الرجل، ولا تنفقوا على من عنده حتى ينفضّوا ويتركوه، فقال زيد بن أرقم - وهو من رهط عبد الله -: أنت والله الذليل الْمُنْتَقَص في قومك؛ ومحمد رَّه في عز من الرحمن، ومودّة من المسلمين، والله لا أحبك بعد كلامك هذا أبداً، فقال عبد الله: اسكت إنما كنت ألعب. فأخبر زيد النبي وَله بقوله؛ فأقسم بالله ما فعل ولا قال؛ فعذره النبي ◌َّ. قال زيد: فوجدت في نفسي ولامَني الناس، فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله. فقيل لعبد الله: قد نزلت فيك آيات شديدة، فاذهب إلى رسول الله وَله ليستغفر لك؛ فألوى برأسه، فنزلت الآيات. نزول الآية (٦): ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ أخرج ابن جرير عن عروة قال: لما نزلت: ﴿أُسْتَغْفِرُ لَمْ أَوْ لَا نَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠٥ الجُ (٢٨) - المنَافِقُون: ٦٣ / ٥-٨ ٨٠/٩] قال النبي ◌َّه: ((لأزيدن على السبعين))، فأنزل الله: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. الآية. وأخرج عن مجاهد وقتادة مثله. وأخرج عن ابن عباس قال: لما نزلت آية براءة قال النبي وَّر: ((وأنا أسمع، إني قد رخص لي فيهم، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة، لعل الله أن يغفر لهم)) فنزلت. نزول الآية (٧ - ٨): أخرج البخاري كما تقدم وأحمد وغيرهما عن زيد بن أرقم قال: سمعت عبد الله بن أُبيّ يقول لأصحابه: ﴿لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّ يَنفَضُواْ﴾ فلئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمِّي، فذكر ذلك عمي للنبي وََّ، فدعاني النبي ◌ََّ، فحدثته، فأرسل رسول الله وقيل إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذَّبني، وصدّقه، فأصابني شيء لم يصبني مثله، فجلست في البيت، فقال عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله وَّ﴿ ومقَتك، فأنزل الله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَفِقُونَ﴾ فبعث إليّ رسول الله وَله، فقرأها، ثم قال: ((إن الله قد صدَّقك))(١). وروى الترمذي أيضاً عن زيد بن أرقم: أن أعرابياً نازع أنصارياً في بعض الغزوات على ماء، فضرب الأعرابي رأسه بخشبة فشجّه، فشكا إلى ابن أبيّ، فقال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وإذا رجعنا إلى المدينة، فليخرج الأعز الأذل. عنى بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله وَلؤ. المناسبة: بعد بيان قبائح خصال المنافقين وهي الكذب والأيمان الكاذبة، والصد عن سبيل الله، والجبن، وجمال الأجسام وضعف العقول، وعداوة الله تعالى (١) وأخرجه الترمذي أيضاً وقال: هذا حديث حسن صحيح. ٦٠٦ ٠ اِلُ (٢٨) - المُنَافِقُونَ: ٦٣ / ٥-٨ والرسول ◌َّله، ذكر تعالى أدلة تثبت كذبهم ونفاقهم من الواقع المشاهد، كإعراضهم عن الاعتذار، وتصميمهم بعد وقعة بني المُصْطَلِقِ (قبيلة يهود) على طرد المؤمنين من المدينة. التفسير والبيان: ذكر الله تعالى أدلة كذب المنافقين وأسباب غضب الله عليهم، فقال: اً - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُ وَرَأَنْتَهُمْ يَصُدُونَ وَهُم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾﴾ أي وإذا قيل للمنافقين بقيادة عبد الله بن أُبي: أقبلوا إلى رسول الله وَير يطلب لكم المغفرة من الله، أعرضوا استكباراً واستهزاء بذلك ورغبة عن الاستغفار، ورأيتهم يعرضون عن رسول الله ولاته، وهم مستكبرون عن الإتيان إليه وطلب الاستغفار منه، فهم أكبر من ذلك في زعمهم. والمشهور في السيرة أن ذلك كان في غزوة الْمُرَيْسِيع، وهي غزوة بني المصطلق، وليس في غزوة تبوك كما ذكر بعضهم؛ لأن عبد الله بن أبي لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك، بل رجع بطائفة من الجيش. قال الكلبي: لما نزل القرآن على الرسول وَل بصفة المنافقين، مشى إليه عشائرهم من المؤمنين، وقالوا لهم: افتضحتم بالنفاق، وأهلكتم أنفسكم فأُتوا رسول الله وَلّر، وتوبوا إليه من النفاق، واسألوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك، وزهدوا في الاستغفار، فنزلت(١). وقال ابن عباس: لما رجع عبد الله بن أُبيْ من أُحُد بكثير من الناس، مقتَه المسلمون، وعنّفوه، وأسمعوه المكروه، فقال له بنو أبيه: لو أتيت رسول الله وَير حتى يستغفر لك ويرضى عنك، فقال: لا أذهب إليه، ولا أريد أن يستغفر لي، وجعل يلوي رأسه، فنزلت(٢). (١) تفسير الرازي: ١٥/٣٠. (٢) المرجع السابق. ٦٠٧ اِلُعُ (٢٨) - المُثَافِقُونَ: ٦٣ / ٥-٨ وعند الأكثرين من المفسرين: إنما دعي إلى الاستغفار؛ لأنه قال: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ وقال: ﴿لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ فقيل له: يستغفر لك رسول الله، فقال: ماذا قلت، فذلك قوله تعالى: ﴿لَوَّوَأْ وُ ◌ُ رُءُوسَهُمْ﴾. ثم أبان الله تعالى أن الاستغفار لهم لا ينفعهم، فقال: ﴿سَوَاءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ﴾﴾ أي جازاهم الله على استكبارهم وإعراضهم، فأوضح أن الاستغفار لا ينفعهم لإصرارهم على النفاق، واستمرارهم على الكفر، فسواء حدث الاستغفار لهم أو لم يحدث لا يجديهم نفعاً، ولن يغفر الله لهم، ما داموا على النفاق، إن الله لا يوفق الخارجين عن الطاعة، المنهمكين في معاصي الله، ومنهم المنافقون بالأولى. قال قتادة كما تقدم: نزلت هذه الآية بعد قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وذلك لأنها لما نزلت، قال رسول الله بَّر: ((خيرني ربي، فلأزيدنهم على السبعين)) فأنزل الله تعالى: ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَدِى اٌلْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾. ٢َ - ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ﴾ ج أي إن هؤلاء المنافقين يقولون للأنصار: لا تطعموا أصحاب محمد المهاجرين، حتى يجوعوا ويتفرقوا عنه. فرد الله عليهم بقوله : ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ اُلْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي إن الله هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين، وبيده مفاتيح أرزاق العباد، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ولكن المنافقين يجهلون أن خزائن الأرزاق بيد الله، فظنوا أن الله لا يوسّع على المؤمنين. ٦٠٨ الُ (٢٨) - المُنَافِقُونَ: ٦٣ / ٥-٨ ◌َّ- ﴿يَقُولُونَ لَيِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ أي يقول هؤلاء المنافقون، والقائل عبد الله بن أبي زعيم المنافقين: لئن عدنا من هذه الغزوة، أي غزوة بني المصطلق إلى المدينة، ليخرجن الأعز - عنى بالأعز نفسه ومن معه - منها الأذل، أراد بذلك رسول الله وَ ل﴿ ومن معه، فنحن الأعزاء الأقوياء، وهم الأذلاء الضعفاء. وقد رجع ابن أبي إلى المدينة، فلم يلبث إلا أياماً يسيرة حتى مات، فاستغفر له رسول الله وَليل، وألبسه قميصه، فنزلت هذه الآية. فرد الله عليهم قولهم، فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي إن لله وحده القوة والغلبة، ولمن منحها من رسله وصالحي عباده المؤمنين، لا لغيرهم، ولكن المنافقين لا يدرون ذلك، لفرط جهلهم، وعدم إيمانهم، وشدة حيرتهم وقلقهم، فالله هو الذي ينصر من يشاء من عباده، كما قال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِيَّ إِنَّ اللّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ( ﴾ [المجادلة: ٢١/٥٨]. ٢١ والعز والمنعة والقوة لله، خلافاً لما توهموا أن العزة بكثرة الأموال والأتباع. والعزة غير الكبر، فالعزة: الشعور بالسمو مع معرفة الإنسان حقيقة نفسه، والكبر: غمط الناس حقوقهم وجهل الإنسان بنفسه. روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبيْ ابن سلول قال لأبيه: والذي لا إله إلا هو لا تدخل المدينة حتى تقول: إن رسول الله وَل هو الأعز وأنا الأذلّ؛ فقاله(١). وإنما قال في الآية الأولى: ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ وهنا ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ليعلم بالأول قلة کیاستهم وفهمهم، وبالثاني كثرة حماقتهم وجهلهم. (١) تفسير القرطبي: ١٢٩/١٨. ٦٠٩ الزُعُ (٢٨) - المثَافِقُونَ: ٦٣ / ٥-٨ فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ا - السبب الأول في غضب الله على المنافقين: إباؤهم الاعتذار من أقوالهم وأفعالهم، وإعراضهم عن الرسول وَله متكبرين عن الإيمان. ٣- كل من الاستغفار للمنافقين وعدم الاستغفار سواء، فلا ينفعهم استغفار الرسول وَله شيئاً؛ لأن الله لا يغفر لهم، وإن الله لا يهدي من سبق في علمه أنه يموت فاسقاً كافراً. ◌ّ- السبب الثاني: قول ابن أبي وصحبه للأنصار: لا تنفقوا على من عند محمد وَاليه من أصحابه المهاجرين حتى يتفرقوا عنه .. ٤ - رد الله على ذلك ببيان أن خزائن السماوات والأرض ومفاتيح الرزق لله عز وجل، ينفق كيف يشاء، غير أن المنافقين لا يفهمون أنه تعالى إذا أراد أمراً يسره. ٥- السبب الثالث: قول ابن أبي أيضاً: لئن عُدْنا إلى المدينة من غزوة بني المصطلق ليخرجن الأعز - يعني نفسه- منها الأذل - يعني محمداً وَله وصحبه- لتوهمه أن العزة بكثرة الأموال والأتباع، فرد الله عليه بأن العزة والقوة لله وحده ولمن أفاضها عليهم من رسله وعباده الصالحين. عن بعض الصالحين وكان في هيئة رثة: ألستُ على الإسلام، وهو العز الذي لا ذل معه، والغنى الذي لا فقر بعده. وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما: أن رجلاً قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً، فقال: ليس بتيه، ولكنه عزة، وتلا الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ٦١٠ لُعُ (٢٨) - المُنَافِقُونَ: ٦٣ / ٩-١١ تحذير المؤمنين من أخلاق المنافقين وأمرهم بالإنفاق في سبيل الخير (بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ أَمَوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ ﴿ وَأَنْفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْلَكُمْ مِّن قَبْلِ أَنَ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُؤْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبٍّ لَوْلَا أَخَّرْتَبِىِّ إِلَى أَجَلِ فَرِيبٍ فَأَصَّذَّفَ وَأَكُن مِّنَ الصَّلِحِينَ ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ١١ القراءات: ﴿ وَأَكُنْ﴾ : وقرأ أبو عمرو (وأكون). يُؤَخِرَ﴾: وقرأ ورش، ووقفاً حمزة (یوخر). الإعراب: ﴿ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ (أَكُن): مجزوم بالعطف على موضع ﴿فَأَصَّذَّقَ﴾ لأن موضعه الجزم على جواب التمني. وقرئ (فأكونَ) بالنصب عطفاً على لفظ﴿ فَصَّدَقَ﴾ وهو منصوب بتقدير (أن). البلاغة: ﴿اَلْخَسِرُونَ﴾، ﴿الصَّلِحِينَ﴾، ﴿تَعْمَلُونَ﴾ توافق الفواصل مثلما سبق، مراعاة لرؤوس الآيات. ٦١١ الُ (٢٨) - المُنَافِقُونَ: ٦٣ / ٩-١١ المفردات اللغوية: ﴿لَا نُلْهِكُمْ﴾ لا تشغلكم عن الصلاة وسائر العبادات المذكّرة بالمعبود، والمراد النهي عن اللهو بالأموال والأولاد، وتوجيه النهي إليها للمبالغة. ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الصلوات الخمس والعبادات الأخرى. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ وهو اللهو أو الشغل بها. ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ في تجارتهم؛ لأنهم باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني. ﴿ وَأَنْفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَكُمْ﴾ أي أنفقوا بعض أموالكم لادخار ثوابها للآخرة. ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي قبل أن يرى دلائله. ﴿لَوْلَاً أَخْتَنِىّ ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هلا، وهي كلمة تفيد تمني حصول ما بعدها، و﴿أَخَرْتَنِيّ أمهلتني. ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أمد غير بعيد. ﴿فَأَصَّذَّفَ﴾ أي فأتصدق بالزكاة وغيرها . ﴿وَأَكُنْ مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ بتدارك الأعمال الصالحة كالحج وغيره. ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ﴾ لن يمهلها. ﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا﴾ آخر عمرها. ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي مطلع على كل أعمالكم، فمجازيكم عليها. المناسبة: بعد بيان خصال المنافقين وذمهم وتوبيخهم عليها، حذر الله المؤمنين من أخلاق المنافقين، ثم أمرهم أن ينفقوا بعض أموالهم في مجالات الخير، ولا يؤخروا ذلك حتى يداهمهم الموت، فيندموا ويطلبوا إطالة العمر حتى يتداركوا ما فاتهم من خير. التفسير والبيان: وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ أَوَلُكُمْ وَلَآَ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اُللَّهِ﴾ أي يا أيها المؤمنون المصدقون بالله تعالى ورسوله مثلالز لا تشغلكم الأموال وتدبيرها والأولاد والعناية بشؤونها عن القيام بذكر الله تعالى من قراءة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل وأداء فرائض الإسلام وحقوق الله تعالى. ٦١٢ لُجُزْءُ (٢٨) - المُنَافِقُونَ: ٦٣ /٩-١١ ثم حذر من المخالفة وتوعد اللاهين بالدنيا، فقال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُؤْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ أي ومن يلتهي بالدنيا ومتاعها وزخارفها وزينتها، وينصرف عن الدين وطاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين، الكاملين في الخسران، الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة؛ لأنه باع خالداً باقياً بفان زائل. ثم حث المؤمنين على الإنفاق في طاعته، فقال: ﴿وَأَنْفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاً أَخَرْتَِيّ إِلَى أَجَلٍ فَرِيبٍ فَأَصَّذَفَ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّلِحِينَ ﴾﴾ أي وأنفقوا بعض ما رزقناكم في سبيل الخير، شكراً على النعمة، ورحمة بالفقراء، ورعاية لمصلحة الأمة العامة، من قبل مجيء أسباب الموت ومشاهدة علاماته، فيقول الواحد منكم: هلا أمهلتني وأخَّرت موتي إلى مدة أخرى قصيرة، فأتصدق بمالي، وأكن من الصالحين المستقيمين. وهذا يدل على أن كل مفرط يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة، ولو شيئاً يسيراً ليستدرك ما فاته، ولكن فات الأوان. أخرج الترمذي وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وقال: ((من كان له مال يبلِّغه حج بيت الله، أو تجب عليه فيه الزكاة، فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت)) ، فقال له رجل: يا ابن عباس: اتق الله، فإنما يسأل الرجعةَ الكافرُ !! فقال: سأتلو عليكم بذلك قرآناً: ﴿ وَأَنْفِقُوْ مِن ◌َا رَزَقَْكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوَلَا أَخْتَنِيَّ إِلَىَّ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّذَّفَ﴾ الآية. ﴿ وَلَنْ يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا وَاَللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي لن يؤخر الله أي نفس إذا حضر أجلها، وانقضى عمرها، والله لا يخفى عليه شيء ٦١٣ اِلُعُ (٢٨) - المُنَافِقُونَ: ٦٣ / ٩-١١ من أعمالكم، فهو مجازيكم عليها، بالإحسان إحساناً، وبالإساءة سخطاً وعذاباً، وبعداً عن الرحمة والرضوان. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً- وجوب الاشتغال بطاعة الله تعالى، كقراءة القرآن، وإدامة الذكر، وأداء الصلوات الخمس، وإيتاء الزكاة، وإتمام الحج، والقيام بجميع الفرائض. ◌َ- عدم الاشتغال بتدبير الأموال والاهتمام بشؤون الأولاد عن أداء حقوق الله، كما فعل المنافقون؛ إذ قالوا بسبب الشح بأموالهم: لا تنفقوا على من عند رسول الله وَله. ومن يشتغل بالمال والولد عن طاعة ربه، فأولئك هم الخاسرون. ◌َّ - قوله تعالى: ﴿وَأَنِفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْتَكُمْ﴾ يدل على وجوب تعجيل أداء الزكاة، ولا يجوز تأخيرها أصلاً، وكذلك سائر العبادات إذا تعين وقتها، يجب أداؤها فوراً. والآية في العموم حث على الإنفاق الواجب خاصة، دون النفل؛ لأن الوعيد إنما يتعلق بالواجب دون النفل، وذلك إما مطلقاً، وإما في طريق الجهاد، قبل فوات الأوان ومجيء أمارات الموت حين لا تقبل التوبة، ولا ينفع العمل، فيسأل الإنسان التأخير في الأجل لتدارك ما فات. وتشمل الآية على العموم الحج عند الجمهور القائلين بأنه على الفور. ولا تشمله عند الشافعية القائلين بأنه على التراخي. ٤- قال ابن عباس في آية: ﴿لَوْلَا أَخْرَتَنِىّ﴾: هذه الآية أشدّ على أهل التوحيد؛ لأنه لا يتمنى الرجوع في الدنيا أو التأخير فيها أحد له عند الله خير ٦١٤ الُ (٢٨) - المثَافِقُونَ: ٦٣ / ٩-٠١١ في الآخرة. واستثنى العلماء الشهيد، فإنه يتمنى الرجوع حتى يقتل؛ لما يرى من الكرامة. ٥- الله تعالى خبير بما يعمل العباد من خير وشر، لا تخفى عليه خافية، ويجازي كل امرئ بما عمل خيراً أو شراً. ٦١٥ اِلُ (٢٨) السورة (٦٤) التَّخَابُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ سُورَةُ الثَّخَابُ مدنية، وهي ثمان عشرة آية تسميتها: سميت التغابن تذكيراً بيوم القيامة الذي يظهر فيه غبن الكافر وخسارته بتركه الإيمان، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمَّعْ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُنِّ﴾ (٩). مناسبتها لما قبلها: تتضح مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه ثلاثة: اً- في السورة السابقة ذكر الله أوصاف المنافقين، وحذر المؤمنين من أخلاق المنافقين، وهنا حذر تعالى من صفات الكافرين: ﴿أَلَّ يَأْتِكُمْ نَبَؤُّأْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ﴾ وقسم الناس في الجملة قسمين: مؤمن وكافر، وبشر المؤمن بالجنة، وهدد الكافر بالنار. أَ- نهى الله تعالى في السورة المتقدمة عن الاشتغال بالأموال والأولاد عن ذكر الله: ﴿لَا نُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَآَ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وفي هِذه السورة ذكر أن الأموال والأولاد فتنة: ﴿ إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وهذا كالتعليل لما سبق. ٦١٦ لُ (٢٨) السورة (٦٤) النَّخَابُ ٣ - أمر الله في آخر سورة (المنافقون) السالفة بالإنفاق في سبيل الله: ﴿وَأَنِفِقُواْ مِن مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ كذلك أمر بالإنفاق في أواخر هذه السورة: ﴿ وَأَنِفِقُواْ خَيْرًا لِّأَنْفُسِكُمْ﴾ كما أن سورة التغابن تدل على أنه يغبن الناس في يوم القيامة بعضهم بعضاً بترك الإيمان والعمل الصالح والإنفاق في سبيل الله. ويلاحظ الترتيب بين السور الست التالية، فإنها اشتملت على أصناف الأمم، فسورة الحشر: في ذكر المعاهدين من أهل الكتاب، فإنها نزلت في بني النضير حين نبذوا العهد وقوتلوا، وسورة الممتحنة: في ذكر المعاهدين من المشركين، وسورة الصف: ذكر فيها أهل الكتاب: اليهود والنصارى، والمؤمنون، وكذلك سورة الجمعة: ذكر فيها اليهود وأهل الإيمان، وسورة · (المنافقون): في أهل النفاق، وسورة التغابن: ذكر فيها المشركون والكفار بنحو عام. وبه يتبين أن الفصل بين المسبِّحات التي هي نظائر (وهي الحشر والصف والجمعة والتغابن) جاء لحكمة دقيقة هي الكلام الشامل عن هذه الأمم. ما اشتملت عليه السورة: سورة التغابن من السور المدنية التي عنيت خلافاً للمعتاد بأمور متعلقة بالعقائد . . ابتدأت ببيان بعض صفات الله الحسنى المتصلة بجلال الله وقدرته وعلمه وخلقه الإنسان الذي يؤول أمره إلى أحد قسمين: مؤمن وكافر. ثم أنذرت الكفار بما حل بالأمم الماضية التي كذبت الرسل بسبب بشريتهم، وإنكارهم البعث، والرد عليهم بقسم الله بوقوعه وأنه حق، وبجزائه على الأعمال. ودعت بعدئذ إلى الإيمان بالله تعالى والرسول ◌َ﴿ والقرآن، النور الذي ٦١٧ اِلُ (٢٨) - النَّخَابُ: ٦٤ /١-٤ أنزله على نبيه محمد وَّ ر، وهددت بما يلقاه الناس يوم القيامة يوم يغبن فيه الكافر بتركه الإيمان، ويغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، ويدخل المؤمنون الذين يعملون الصالحات الجنان، ويدخل الكافرون النيران، وفي ذلك أمر بالطاعة وتحذير من المعصية. ثم أبانت أن كل ما يحدث في الكون بإرادة الله ومشيئته، وأكدت الأمر بطاعة الله تعالى والرسول وَله والتوكل على الله وحده، فإن أعرضوا فلا يضير رسول الله بَير بقاءهم على الكفر. ثم حذرت من عداوة بعض الأزواج والأولاد الذين يمنعون الإنسان أحياناً عن الجهاد، وأوصت بالعفو والصفح عن المسيء، وأخبرت بأن الأموال والأولاد فتنة واختبار. وختمت السورة بالأمر بالتقوى والإنفاق في سبيل الله لإعلاء دينه، وحذرت من الشح والبخل، وأبانت مضاعفة الثواب للمحسنين المنفقين من أجل إعلاء كلمة الله تعالى. مظاهر قدرة الله تعالى يُسَبِّعُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدِّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ شَىْءٍ قَدِیُ بَصِیر ﴿ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْقِّ وَصَوَّرَّكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَّكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا نُشِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ البلاغة: ﴿فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ﴾ بينهما طباق، وكذا بين قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا ◌ُشِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. ٦١٨ الُ (٢٨) - التَخَابُ: ٦٤ / ١-٤ صلى ﴿لَهُ اُلْمُلْثُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ تقديم الجار والمجرور لإفادة الحصر والاختصاص من حيث الحقيقة، أي له وحده الملك والحمد. ٠٠ بينهما جناس ناقص، لاختلاف الحركات صُوَرکمْ فَاحْسَنَ وصَوّرَد والشكل. ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُشِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ ينزهه ويمجّده ويدل عليه جميع المخلوقات في السماوات والأرض، بدلالتها على كماله واستغنائه، واللام زائدة، وعبر بـ ﴿مَا﴾ دون (مَنْ) تغليباً للأكثر. ﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي أن قدرته في إيجاد جميع المخلوقات على سواء. ﴿فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُ مُؤْمِنٌ﴾ قال الشوكاني: خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب، وخلق المؤمن، وإيمانه فعل له وكسب، والكافر يكفر ويختار الكفر، والمؤمن يؤمن ويختار الإيمان، والكل بإذن الله، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ﴾ مبصر أعمالكم عالم بها، فيعاملكم بما يناسب أعمالكم.﴿بِحِقّ﴾ بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وهو أن جعل الأرض مقر المكلفين ليعملوا فيجازيهم وسخر السماوات لهم .﴿وَصَوَّرَكُ فَأَحْسَنَ صُوَرَّكُمْ﴾ أي جعل أشكالكم الآدمية بأحسن صورة، أي أتقنها وأحكمها، وجعلكم أنموذج جميع المخلوقات كما قال تعالى: ﴿فيّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤/٩٥] فالتصوير: تخطيط وتشكيل وتمييز وتخصيص .﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ إليه المرجع فأحسنوا السرائر والظواهر .﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ عليم بحديث النفس وخطرات القلب، والسر، فلا يخفى عليه شيء كلياً أو جزئياً، وعلمه بجميع الأشياء على سواء. قال البيضاوي: وتقديم تقرير القدرة: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ على العلم: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ لأن دلالة ٦١٩ الُرُ (٢٨) - التَخَتَابُ: ٦٤ / ١-٤ المخلوقات على قدرته أولاً وبالذات، وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأنحاء. التفسير والبيان: هذه السورة هي آخر المسبحات، قال تعالى: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ لَهُ اُلْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٤) أي ينزه الله عن كل نقص وعيب، وبمجده، ويدل عليه جميع مخلوقاته التي في سماواته وأرضه، فهو بارئها ومالکها، له الملك وحده دون غيره؛ لأنه الخالق المصور المتصرف في جميع الكائنات، وله الحمد والشكر وحده، لأنه المستحق لذاك، وهو المحمود على جميع ما يخلقه ويقدره، فالملك والحمد يختصان به، ليس لغيره منهما شيء، وما كان لعباده منهما فهو من فيضه وراجع إليه، وهو قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء في السماوات والأرض، فمهما أراد كان، وما لم يشأ لم يكن. والتسبيح إما باللسان والنطق كما يفعل الإنسان، وإما بنطق وحال لا نفقهه، كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ١٧ / ٤٤]. ثم ذكر الله تعالى بعض آثار قدرته، فقال: ١- خلق الإنسان: ﴿هُوَ اُلَّذِى خَلَقَكُمْ فَنَكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُ مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ (®) أي إن الله هو الذي أوجدكم على هذه الصفة، وآل أمركم أن يكون بعضكم كافراً باختياره وكسبه على خلاف مقتضى فطرته، وبعضكم مؤمناً مختاراً للإيمان على وفق الفطرة السوية القائمة على التوحيد والإيمان بالله، والله العالم البصير قبل الخلق بما يؤول إليه أمر كل واحد منكم، الشهيد على أعمال عباده، وسيجزيهم بها أتم الجزاء. ٦٢٠ الُءُ (٢٨) - النَخَابُ: ٦٤ /١-٤ ونظير الآية قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبِّ فَمِنَهُم ◌ُهْتَّدٍ وَكَثِرٌ مِّنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦/٥٧]. أخرج أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن الأسود بن سريع عن النبي وأَله قال: (( كل مولود يولَد على الفطرة، حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهوِّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه)). ٢- خلق العالم كله بالحكمة البالغة: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ بِالْحَقّ وَصَوَّرَّكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ أي أوجد السماوات والأرض بالعدل والحكمة البالغة المحققة لنفع العالم في الدين والدنيا، وخلقكم أيها البشر في أكمل صورة، وأحسن تقويم، وأجمل شكل، كما قال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا فِى أَبِّ صُورَةٍ الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ اُلْإِسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ مَا شَآءَ رَكَّبَكَ ﴾ [الانفطار: ٦/٨٢-٨] وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ ٨ نَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَّةَ بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ﴾ [غافر: ٦٤/٤٠] وقال عز وجل: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنْسَنَ فِيَّ أَحْسَنِ [التين: ٤/٩٥] . تقویمٍ (3) وإليه في عالم الآخرة المرجع والمآب، فيجازي كل نفس بما كسبت. ٣- العلم الشامل: ﴿يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُشِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤) أي يعلم الله جميع ما في السماوات والأرض، فلا تخفى عليه من ذلك خافية، ويعلم ما تخفونه وما تظهرونه، والله محيط علمه بما يضمره كل إنسان في نفسه من الأسرار والمعتقدات. ، ويلاحظ أنه تعالى عطف الخاص على العام في قوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُشِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ ثم عطف ما هو أخص وهو حديث النفس الذي لا يعبر عنه الإنسان بكلام أو إشارة أو بيان ما.