Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
الجُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ٢٦-٢٩
- ٢ -
وحدة الشرائع في أصولها وصلة الإسلام بما قبله
﴿وَلَفَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَهِيَمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبِّ فَمِنْهُم
ثُمَّ قَفَّتْنَا عَلَى ءَاثَرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا
٢٦
مُهْتَدٍ وَكَتِرٌ مِّنْهُمْ فَسِقُونَ
بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَهُ الْإِنِجِيلِّ وَجَعَلْنَا فِ قُلُوبِ الَّذِينَ أُتَبَعُوهُ
رَأَفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَبْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ
فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاْ فَانَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ
◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفَلَيْنِ
فَسِقُونَ
٢٧
(٢٨)
مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمّْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
لِثَلَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ
٢٩
اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
القراءات:
﴿ اَلْتُّبُوَّةَ﴾:
وقرأ نافع (النبوءة).
﴿بِرُسُلِنَا﴾:
وقرأ أبو عمرو (رُسْلنا).
﴿رَأَفَةٌ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (رافة).
﴿لِثَلاَ﴾:

٣٦٢
الُرءُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ٢٦-٢٩
وقرأ ورش (لِيَلًا).
الإعراب:
﴿ وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا مَا كَثَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّ أَبْتِغَآَهَ رِضْوَنِ اللَّهِ﴾
﴿ وَرَهْبَانِيَّةً﴾ منصوبة بفعل مقدر، أي ابتدعوا رهبانية ابتدعوها. و﴿ أَبْتِغَاءَ﴾
مستثنى بـ (إلا) من غير الجنس، أو بدل من الضمير المنصوب في ﴿كَثَبْنَهَا﴾.
﴿لِثَلَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِنَبِ﴾ ﴿لِئَّلَا﴾ بكسر اللام على القراءة المشهورة،
وقرئ بفتحها وهي لغة لبعض العرب، ولا: إما زائدة، وهو الظاهر، أو غير
زائدة بمعنى: لئلا يعلم أهل الكتاب أن يفعل بكم هذه الأشياء من إيتاء
الرحمة والمغفرة وجعل النور، ليبين جهل أهل الكتاب، وأن ما يؤتيكم الله من
فضله لا يقدرون على إزالته وتغييره. وبعبارة أخرى: لئلا يعتقد أهل الكتاب
أنه لا يقدر النبي والمؤمنون به على شيء من فضل الله، ولا ينالونه.
المفردات اللغوية:
﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبِّ﴾ جعلنا النبوة في ذرية نوح
وإبراهيم، والكتب الأربعة: التوراة والزبور والإنجيل والفرقان، ﴿فَمِنْهُم
مُّهْتَدٍ﴾ من الذرية أو من المرسل إليهم.﴿ وَكَثِرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ خارجون
عن الطريق المستقيم.
﴿قَفَِّّنَا﴾ أتبعنا أو جعلناهم تابعين متأخرين عنهم في الزمان، يقال: قفَّى
أثره، وقفَّى على أثره: أتبعه. ﴿اَلْإِنجِيلُ﴾ الكتاب الذي أنزل الله على عيسى
عليه السلام .﴿رَأْفَةٌ﴾ هي دفع الشر باللطف واللين.﴿وَرَحْمَةُ﴾ جلب الخير
والمودة بالحسنى .﴿ وَرَهْبَانِيَّةَ﴾ أو رهبنة: هي الانقطاع للعبادة عن الناس،
واتخاذ الصوامع في الجبال وغيرها، والامتناع عن لذيذ الطعام والشراب
والزواج. ﴿أَبْتَدَعُوهَا﴾ استحدثوها وليست في دينهم. ﴿مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾

٣٦٣
الزُعُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ٢٦-٢٩
ما فرضناها عليهم، أو ما أمرناهم بها . ﴿إِلَّا أَبْتِغَاءَ رِضْوَنِ اُللَّهِ﴾ استثناء
منقطع، أي لكنهم ابتدعوها بقصد مرضاة الله . ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي
لم يرعها الجميع، فتركها كثير منهم، وكفروا بدين عيسى، ودخلوا في دين
ملكهم .﴿فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ آتينا الذين آمنوا بعيسى الإيمان الصحيح
والمحافظة على حقوقه .﴿مِنْهُمْ﴾ من أتباعه . ﴿فَسِقُونَ﴾ خارجون عن حال
الاتباع.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالرسل المتقدمة. ﴿اَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ فيما نهاكم عنه.
﴿وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ،﴾ محمد رَّةِ. ﴿كِفْلَيْنِ﴾ نصيبين، الكفل: الحظ والنصيب.
﴿مِن رَّحْمَتِهِ،﴾ لإيمانكم بالنبيين.
﴿ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ أي نوراً تمشون به على الصراط، يكون
أساس النجاة، وهو المذكور في قوله تعالى المتقدم في السورة: ﴿يَسْعَى
نُورُهُمْ﴾ (١٢). ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الكفر والمعاصي. ﴿ِثَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِنَبِ﴾ أي
ليعلم، ولا: زائدة ويؤيده أنه قرئ: (ليعلم، ولكي يعلم، ولأن يعلم).
وأهل الكتاب هنا: اليهود وأصحاب التوراة الذين لم يؤمنوا بمحمد وَلؤ.
﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ أن: مخففة من الثقيلة، أي أنه لا ينالون شيئاً مما ذكر من
فضله، ولا يتمكنون من نيله، ولا يستطيعون التصرف في أعظم فضله وهو
النبوة، فيخصونها بمن أرادوا ﴿يُؤْنِهِ﴾ يعطيه.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٨):
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: لما
نزلت: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [القصص: ٥٤/٢٨] فَخَر مؤمنو
أهل الكتاب على أصحاب النبي وَّر، فقالوا: لنا أجران، ولكم أجر، فاشتد
۔۔

٣٦٤
المُعُ (٢٧) - ◌ِالحَدِيد: ٥٧ /٢٦-٢٩
ذلك على الصحابة، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ
بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ،﴾ الآية، فجعل لهم أجرين مثل أجور مؤمني
أهل الكتاب، وزادهم النور.
نزول الآية (٢٩):
﴿ِثَلَا يَعْلَمَ﴾ أخرج ابن جرير عن قتادة قال: بلغنا أنه لما نزلت: ﴿يُؤْتِكُمْ
كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ،﴾ حسد أهل الكتاب المسلمين عليها، فأنزل الله: ﴿لِثَلَّا يَعْلَمَ
أَهْلُ الْكِتَبِ﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: قالت اليهود: يوشك أن يخرج منا نبي،
فيقطع الأيدي والأرجل، فلما خرج من العرب كفروا، فأنزل الله: ﴿لِئَلَا
يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ﴾ الآية، يعني بالفضل النبوة.
المناسبة:
بعد بيان أن الله أرسل الرسل بالبينات والمعجزات، وأمر الخلق بنصرتهم،
أبان تعالى وحدة النبوة سلالة ومعنى في ذرية نوح وإبراهيم، ووحدة النبوة
تقتضي وحدة التشريع، ووحدة الكتاب، أي الكتب السماوية الأربعة، فما
جاء أحد بعد نوح وإبراهيم بالنبوة إلا من سلالتهما وعلى منهجهما، وتلك
نعمة شرف الله بها نوحاً وإبراهيم عليهما السلام.
ثم أوضح الله تعالى أن الأجر والثواب واحد لكل من آمن بالرسل
المتقدمة، وأكمل إيمانه بخاتم الرسل محمد ﴿، وأن النبوة فضل من الله ورحمة،
لا تختص بقوم دون قوم، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، ولا يصح قول
اليهود: إن الرسالة فينا دون غيرنا، ونحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن شعب الله
المختار.
التفسير والبيان:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَهِيَمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبِّ﴾ أي تالله

٣٦٥
الجُ (٢٧) - الحَدِد: ٥٧ / ٢٦-٢٩
لقد بعثنا نوحاً أبا البشر الثاني إلى قومه وإبراهيم خليل الرحمن أبا الأنبياء وأبا
العرب إلى قوم آخرين، وجعلنا الرسالة والنبوة في ذريتهما، فكل الأنبياء من
سلالتهما، فلم يرسل الله بعدهما رسولاً ولا نبياً إلا من ذريتهما، وكذلك
جعلنا الكتب المنزلة فيهما، فلم ينزل الله كتاباً ولا أوحى إلى بشر وحياً إلا من
سلالتهما.
﴿فَمِنْهُم ◌ُّهْتَدٍ وَكَثِرٌ مِّنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ أي كان مصير الذرية الانقسام
إلى فريقين، فمنهم جماعة مهتدون إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، وكثير منهم
خارجون عن حدود الله وطاعته، وتلك سنة الله مع الأنبياء جميعاً.
وهذا دليل على أن الانحراف والخروج عن جادة الحق كان بعد التمكن من
معرفته والوصول إليه وقيام الحجة عليهم.
﴿ثُمَّ قَفَتْنَا عَلَىّ ءَاتَئِهِم بِرُسُلِنَا﴾ أي ثم بعثنا بعدهم رسلاً تترى، رسولاً
بعد رسول، وبعضهم بعد بعض، مع مرور العصور، وذلك إلى أن انتهى
الأمر إلى أيام عيسى عليه السلام، فخصه بالذكر لشهرته في عصر التنزيل،
فقال :
﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَهُ الْإِنِجِيلِ﴾ أي وأتبعنا سلسلة
الرسل بعيسى عليه السلام وأعطيناه الإنجيل: وهو الكتاب الذي أوحاه الله
إليه، متضمناً أصول شرعه، ومكملاً لما في التوراة، وموضحاً حقيقة الشريعة
وحكمتها، ومخففاً بعض أحكامها القاسية التي شرعت تغليظاً على بني
إسرائيل لظلمهم وفحشهم، كما قال تعالى: ﴿فَيَظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنًا
عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَمْ﴾ [النساء: ١٦٠/٤].
ثم ذكر الله تعالى بعض صفات أتباع عيسى، فقال:
﴿ وَجَعَلْنَا فِ قُلُوبِ الَّذِينَ أَنَبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا مَا

٣٦٦
الُعُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ٢٦-٢٩
كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَنِ اَللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي وجعلنا في
قلوب أتباعه وهم الحواريون وأنصارهم رقة في الطبع ورحمة بالخلق، خلافاً
لليهود القساة، وابتدعوا الرهبانية من جهة أنفسهم، ولم يشرعها الله لهم، ولم
يأمرهم بها، بل ساروا عليها غلواً في العبادة، وحَّلوا أنفسهم المشقات في
الامتناع عن المطعم والمشرب والزواج، وانعزلوا عن الناس وانقطعوا إلى
العبادة في الكهوف والصوامع، ولبسوا الملابس الخشنة، تقرباً إلى الله تعالى.
ولكنهم ابتدعوا الرهبانية بقصد مرضاة الله، غير أنهم لم يراعوها حق
الرعاية، ولم يحافظوا على أصولها، بل ضيَّعوها، واستعملها كثير منهم في
الفساد.
۔۔
وهذا- كما قال ابن كثير- ذمّ لهم من وجهين:
أحدهما - الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله تعالى.
والثاني- أنهم لم يقوموا بما التزموه مما زعموا أنه قربة تقربهم إلى الله عز
وجل.
روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله ◌َلقول: يا ابن
مسعود، قلت: لَبَّيك يا رسول الله، قال: هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا
على ثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منهم إلا ثلاث فرق قامت بين الملوك والجبابرة
بعد عيسى ابن مريم عليه السلام، فدعت إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم،
فقاتلت الجبابرة، فقُتلت، فصبَرت، ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم تكن لها
قوة القتال، فقامت بين الملوك والجبابرة، فدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن
مريم، فقُتلت وقُطعت بالمناشير، وحُرقت بالنيران، فصبرت ونجت، ثم قامت

٣٦٧
الُرُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ٢٦-٢٩
طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال، ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت
بالجبال، فتعبدت وترهبت، وهم الذين ذكر الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا مَا
كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾(١).
﴿فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمَّ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي فأعطينا
المؤمنين إيماناً صحيحاً ثوابهم الذي يستحقونه بالإيمان، وكثير من هؤلاء
المترهبين فاسقون خارجون عن حدود الله وطاعته، يأكلون أموال الناس
بالباطل، وسلوكهم منحرف.
روى الحافظ أبو يعلى عن أنس بن مالك: أن رسول الله وسلم كان يقول:
((لا تشدّدوا على أنفسكم، فيُشدّد عليكم، فإن قوماً شدَّدوا على أنفسهم،
فشُدِّد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، ﴿ وَرَهْبَانِيَةً أَبْتَدَعُوهَا مَا
كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾)) .
وروى الإمام أحمد عن إياس بن مالك: أن النِي رَّر قال: ((لكل نبي
رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله عز وجل)).
ثم ذكر الله تعالى ثواب المؤمنين بعيسى وبمحمد عليهما الصلاة والسلام،
فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْنِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ،
﴾ أي يا أيها
وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ()
الذين صدقوا بوجود الله تعالى ووحدانيته وصدقوا رسوله قليل من مؤمني أهل
الكتاب: اليهود والنصارى، خافوا الله تعالى، بترك ما نهاكم عنه، وأداء ما
أمركم به، وآمنوا برسوله محمد ، يعطكم الله نصيبين أو ضعفين من رحمته،
بسبب إيمانكم برسوله ◌َ﴾، بعد إيمانكم بمن قبله من الرسل، ويزيدكم على
ذلك أنه يجعل لكم نوراً تمشون به على الصراط، تهتدون به في الآخرة، وهدى
(١) ورواه ابن جرير بلفظ آخر .

٣٦٨
الُرُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ٢٦-٢٩
تبصرون به العمى والجهالة في الدنيا، ويغفر لكم ما سلف من ذنوبكم، والله
بليغ المغفرة والرحمة.
فهذا وعد للمؤمنين برسول الله وَ ﴿ بعد الإيمان بجميع الأنبياء قبله يتضمن
ثلاثة أمور: مضاعفة الثواب، وجعل النور لهم على الصراط للنجاة، ومغفرة
الذنوب والسيئات.
أخرج الشيخان صاحبا الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: قال
رسول الله قال: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن
بنبيه، وآمن بي، فله أجران؛ وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، فله
أجران، ورجل أدّب أمَته، فأحسنَ تأديبَها، ثم أعتقها وتزوجها، فله
أجران».
ثم رد الله على اليهود الذين زعموا اختصاص النبوة فيهم، فقال: ﴿لِثَلًا
يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اَللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اَللَّهِ يُؤْنِهِ
﴾(١) أي اتقوا الله وآمنوا يؤتكم الأمور
مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
الثلاثة المتقدمة، ليعلم ويتحقق الذين لم يتقوا ولا آمنوا من أهل الكتاب أنهم
لا يقدرون على رد ما أعطاه الله ورسوله، ولا إعطاء ما منع الله، فإنهم لا
يقدرون على أن ينالوا شيئاً من فضل الله الذي تفضل به على من آمن
بمحمد ◌ّه، ولا يقدرون أن يمنعوا ذلك الفضل الذي تفضل به على المستحقين
له، كالنبوة والرسالة وغيرها، وأن الفضل ومنه النبوة والعلم والتقوى بيد
(١) أي ليعلم كما تقدم، وقرأها ابن مسعود وغيره: لكي يعلم، قال ابن جرير: لأن العرب
تجعل (لا) صلة زائدة مؤكدة في كل كلام، دخل في أوله أو آخره جحد غير مصرح، فالسابق
كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢/٧]. ﴿وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[الأنعام: ١٠٩/٦]. ﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَزْجِعُونَ (@)﴾ [الأنبياء: ٢١/
٩٥].

٣٦٩
لُجُ (٢٧) - الحَدِلُّ: ٥٧ / ٢٦-٢٩.
الله، يعطيه من يشاء، كما آتى محمدً له وأصحابه وأمته منه نصيباً أوفر من
دين الإسلام، والله واسع الفضل، كثير العطاء والخير لمن يشاء من عباده.
والخلاصة: أن إيمان أهل الكتاب بالتوراة والإنجيل وبموسى وعيسى لا
يكفي، ولا ينفع شيئاً، ما لم يؤمنوا بالنبي مدير خاتم الأنبياء والمرسلين.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات تفصيل ما أجمل في الآيات السابقة من إرسال الرسل بالكتب،
وقد دلت على ما يأتي:
اً - أخبر الله أنه أرسل نوحاً وإبراهيم، وجعل النبوة في نسلهما، فجعل
بعض ذريتهما الأنبياء، وأوحى إليهم الكتب المنزَّلة من السماء: التوراة
والإنجيل والزبور والفرقان.
اً- بعض تلك الذرية آمن وائتم بإبراهيم ونوح واهتدى، وكثير منهم
كافرون خارجون عن طاعة الله تعالى.
٣- أتبع الله سبحانه على آثار تلك الذرية رسلاً كثيرين كموسى وإلياس
وداود وسليمان ويونس وغيرهم، وعيسى ابن مريم، فهو من ذرية إبراهيم من
جهة أمه، وآتاه الله الإنجيل، وهو الكتاب المنزل عليه.
٤ - جعل الله تعالى في قلوب الذين اتبعوا عيسى على دينه، وهم الحواريون
وأتباعهم، رأفة ورحمة، أي مودّة، فكان يوادّ بعضهم بعضاً، والرأفة:
اللين، والرحمة: الشفقة.
وهذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس، وألان
الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم، وحرّفوا الكلم عن
مواضعه. قال مقاتل: المراد من الرأفة والرحمة: أنهم كانوا متوادِّين بعضهم مع
بعض، كما وصف الله أصحاب محمد ◌ّ بذلك في قوله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.

٣٧٠
الزُ (٢٧) - الحَدِدُ: ٥٧ /٢٦-٢٩
واستدل أهل السنة بقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبٍ اُلَّذِينَ أُتَّعُوهُ رَأْفَةً
وَرَحْمَةً﴾ على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، وكسب للعبد؛ لأنه تعالى حكم
بأن هذه الأشياء مجعولة لله تعالى، وحكم بأنهم ابتدعوا تلك الرهبانية.
٥- لقد ابتدع أتباع عيسى الرهبانية (الفعلة المنسوبة إلى الرهبان) من قبل
أنفسهم، ولم يفرضها الله عليهم ولا أمرهم بها، لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان
الله، فما قاموا بها حق القيام، وتسببوا بالترهب إلى طلب الرياسة مع الناس،
وأكل أموالهم، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَـ
اُلْأَحْبَارِ وَالزُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[التوبة: ٣٤/٩].
والمراد من الرهبانية كما ذكر الرازي وغيره: ترهبهم في الجبال فارّين من
الفتنة في الدين، مخلصين أنفسهم للعبادة، ومتحملين كُلَّفاً زائدة على العبادات
التي كانت واجبة عليهم من الخلوة واللباس الخشن، والاعتزال عن النساء،
والتعبد في المغاور والكهوف.
عن ابن عباس: أن في أيام الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام
غيَّر الملوك التوراة والإنجيل، فساح قوم في الأرض، ولبسوا الصوف.
٩- آتى الله الذين آمنوا من أتباع عيسى والذين ابتدعوا الرهبانية أولاً
ورَعَوْها أجرهم المستحق لهم، وكان كثير من المتأخرين بعدئذ فاسقين
خارجين عن حدود الله وطاعته، كافرين بما جاء به عيسى وموسى عليهما
السلام، ولما بعث الله محمداً وَله، ولم يبق منهم إلا قليل، جاؤوا من الكهوف
والصوامع والمغاور، فآمنوا بمحمد ێ.
لاً- هذه الآية: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا﴾ دالة على أن كل محدثة بدعة، فينبغي
لمن ابتدع خيراً أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده، فيدخل في الآية.

٣٧١
الجُزُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ٢٦-٢٩
وفيها أيضاً دليل على أن العزلة عن الناس في الصوامع والبيوت مندوب
إليه عند فساد الزمان وتغيّر الأصدقاء والإخوان.
٨- أمر الله تعالى صراحة مؤمني أهل الكتاب (الذين آمنوا بموسى وعيسى)
أن يتقوا الله حق تقاته باتباع أوامره واجتناب نواهيه، وأن يؤمنوا برسوله
محمد ◌َّطه، فإن فعلوا كان لهم مثلان من الأجر على إيمانهم بعيسى ومحمد وَ ظله،
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [القصص: ٢٨/
٥٤] .
ويجعل الله لهم أيضاً نوراً، أي بياناً وهدى إلى الحق في الدنيا، وضياء
يمشون به على الصراط، وفي القيامة إلى الجنة، ويغفر لهم ذنوبهم وسيئاتهم.
وهذا وعد من الله منجز في أمور ثلاثة كما تقدم: مضاعفة الثواب، وجعل
النور، وغفران الآثام.
4 - رد الله تعالى بقوله: ﴿لِّئَلَّا يَعْلَمَ﴾ بما يأتي على بني إسرائيل الذين كانوا
يقولون: الوحي والرسالة فينا، والكتاب والشرع ليس إلا لنا، والله تعالى
خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جمع العالمين.
ومضمون الرد: أن النبوة ليست مختصة بهم، وغير حاصلة في غير قومهم،
فهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر النبوة
والرسالة في قوم مخصوصين، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده،
ولا اعتراض عليه في ذلك.
وهذا المفهوم على القول المشهور عند أكثر المفسرين بأن (لا) في قوله تعالى:
﴿لِثَلَا يَعْلَمَ﴾ صلة زائدة مؤكدة، أي ليعلم أهل الكتاب أنهم عاجزون عن
منح أحد شيئاً من فضل الله تعالى.
وعلى قول أبي مسلم الأصفهاني وجمع آخرين: أن هذه الكلمة ليست

٣٧٢
الجُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ٢٦-٢٩
بزائدة، يكون المفهوم والمستفاد من الآية: لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي
والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، وأنهم إذا لم يعلموا أنهم لا
يقدرون عليه، فقد علموا أنهم يقدرون عليه(١)، وليعلموا أن الفضل بيد الله،
ويكون تقدير الآية: إنا فعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون
على حصر فضل الله وإحسانه في أقوام معينين، وليعتقدوا أن الفضل بيد الله،
فيكون في هذا القول تقدير محذوف وهو: وليعتقدوا أن الفضل بيد الله. وأما
القول الأول فاحتاج إلى حذف شيء موجود، ومن المعلوم أن الإضمار أولى
من الحذف(٢).
. ٢ - دل قوله: ﴿ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ على أن الفضل الإلهي في ملك الله
وتصرفه، يؤتيه من يشاء؛ لأنه قادر مختار يفعل ما يريد، ودل قوله: ﴿وَاللَّهُ
ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ على أنه لا بد وأن يكون إحسانه عظيماً، والمراد تعظيم
حال محمد ◌ّه في نبوته وشرعه وكتابه، وأمر أهل الكتاب بالمبادرة إلى الإيمان
برسالته خاتمة الشرائع الإلهية.
انتهى الجزء السابع والعشرون ولله الحمد
(١) لأن نفي النفي إثبات، كما تقول: لا تصدِّق فلاناً أنه ما قال كذا، أي قال.
(٢) تفسير الرازي : ٢٤٧/٢٩ - ٢٤٨.

٠۶
٠۶٨٠
جــ
التَّفَيَهُمُ المَرَ
(٠٠
في العقيدة والشريعة والمنهج
المُجُّزُ الثَامِن وَالعُشِرُون

٣٧٥
لُ (٢٨) السورة (٥٨) المجَكَادلة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَى الرَّحِيمَةِ
سُورَةُ المُجَادْلَةِ
مدنية، وهي سبع وثلاثون آية
مدنيتها:
هذه السورة مدنية على الصحيح، وروي عن الكلبي أنه قال: نزلت كلها
بالمدينة إلا قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن تَّجْوَى ثَثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ فإنها
نزلت بمكة، وعن عطاء: العشر الأول منها مدني، وباقيها مكي.
تسميتها:
سميت سورة المجادلة؛ لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ أَلَّتِى تُحَدِلُكَ
فِي زَوْجِهَا﴾ وهذه المرأة هي خَوْلة امرأة أوس بن الصامت.
مناسبة السورة لما قبلها:
تتضح صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه ثلاثة هي:
١- ذكر في مطلع سورة الحديد صفات الله الجليلة، ومنها الظاهر
والباطن، والعالم بما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء
وما يعرج فيها، وهو مع خلقه أينما كانوا، وذكر في مطلع هذه السورة ما يدل
على ذلك وهو سماع قول المجادلة التي تشتكي إلى الله، ولهذا قالت عائشة رضي

٣٧٦
◌ِلُ (٢٨) السورة (٥٨) الجُكَادْلَةِ)
الله عنها حين نزلت: ((سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، إني في ناحية
البيت لا أعرف ما تقول))(١) أي المجادلة.
أَ- ختمت السورة السابقة ببيان فضل الله، وافتتحت هذه السورة بما
يشير إلى بعض الفضل.
٣ - ذكر في المجادلة: ﴿أَلَمَ نَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ الشَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ﴾ الآية
(٧) وهي تفصيل لإجمال قوله تعالى في السورة السابقة: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا
كُتُمَّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤/٥٧].
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كغالب السور المدنية بيان الأحكام التشريعية، وقد
تضمنت حكم الظهار وكفارته، وحكم التناجي، وأدب المجالس، وتقديم
الصدقة في بدء الأمر قبل مناجاة الرسول بَلي، وحكم المنافقين وجزاءهم
وتكذيبهم ووصفهم بأنهم حزب الشيطان، وموادة أعداء الله وموالاتهم،
وتميزت الآيات كلها في هذه السورة باشتمال كل آية على لفظ الجلالة: (الله)
التربية المهابة منه في النفوس، وعدم التجرؤ على مخالفة أحكامها.
بدئت السورة ببيان سماع الله صوت امرأة هي خَوْلة بنت ثَعْلَبة، تجادل
رسول الله له في شأن مصيرها من زوجها أوس بن الصامت الذي ظاهر منها
قائلاً لها: ((أنت عليّ كظهر أمي)) وحكم الظهار في الجاهلية تحريم الزوجة تحريماً
مؤبداً، فبدَّل الله ذلك الحكم، وجعل حكم الظهار التحريم المؤقت الذي
يزول بإخراج كفارة الظهار المنصوص عليها في الآيات الأولى من هذه
السورة: عتق رقبة، فصيام شهرين متتابعين، فإطعام ستين مسكيناً (الآيات:
(١) أخرجه سعيد بن منصور والبخاري تعليقاً، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن ماجه، وابن
المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، بلفظ ((الحمد لله .. )).

٣٧٧
الجُعُ (٢٨) السورة (٥٨) المجْكَادلة
١-٤) وأعقبت ذلك بالحكم بإذلال وخزي الذين يعادون الله تعالى ورسوله
وَالر، وإحصاء أعمالهم وشهادته عليهم (الآيتان: ٥-٦).
ثم ذكرت أدب التناجي في المجالس: وهو الكلام سراً بين اثنين فأكثر أمام
الآخرين، وحرّمته إذا كان تناجياً بالإثم والعدوان، كما كان يفعل اليهود
والمنافقون، وأخبرت بأن الله يعلم سر الحديث الدائر بين اثنين فأكثر،
وفضحت خبث اليهود ومكرهم وخداعهم حينما كانوا يحيون رسول الله وَله
بتحية ظاهرها السلام، وباطنها الأذى والسب، قائلين: السامُ عليك يا
محمد، أي الموت (الآيات: ٧-١٠).
وأردفت ذلك ببيان أدب التفسح في المجالس، وطلب مغادرتها، وأشادت
بالمؤمنين الذين يمتثلون أوامر الله وأوامر رسوله، وامتدحت العلماء منهم
خاصة، وأوجبت تقديم الصدقة عند مناجاة النبي ◌َّر، ثم رفعت الحكم تخفيفاً
على المؤمنين وتيسير لقاء نبيهم، وجعلت محله الاشتغال بإقام الصلاة وإيتاء
الزكاة وإطاعة الله ورسوله (الآيات: ١١ -١٣).
ثم أبانت مخازي المنافقين الذين يوالون اليهود ويحبونهم، ويفشون أسرار
المؤمنين لهم، ويحلفون الأيمان الكاذبة، ويعادون الله تعالى والرسول اَلت،
ويخالفون أمرهما، فهم مخذولون مهزومون، والمؤمنون أعزة منصورون
(الآيات: ١٤-٢١).
وختمت السورة الكريمة بأمر المؤمنين بتجنب الخونة الذين يوالون أعداء
الأمة ولو كانوا أقرب الناس إليهم، وينافقون ويتذبذبون بين هؤلاء وهؤلاء،
· لإضعاف كيان أمتهم وتفريق جمعهم، أما الأمة المتماسكة المتحابّة، فهي أمة
الإيمان الحق، وأهل الجنة خالدين فيها أبداً.
والتفريق بين الموقفين: موقف الإيمان وموقف الكفر والنفاق يبين أن الحب
ينبغي أن يكون لله، والبغض لله، وأن اكتمال الإيمان يتطلب معادة أعداء الله
(الآية: ٢٢).

٣٧٨
الجُرُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١-٤
الظهار وكفارته:
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُحَدِلُكَ فِىِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىَّ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ
تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ ﴿﴿ الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَابِهِم ◌َّا هُنَّـ
أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ اُلْقَوْلِ وَزُورًا
وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوْ غَفُورٌ
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَأْ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ
٣
فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اُللَّهِ
وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِمُ
القراءات:
﴿يُظَهِرُونَ﴾: قرئ:
١- (يَظَّهَّرُون) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو.
٢- (يُظَاهرون) هي قراءة عاصم.
٣- (يَظَاهرون) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿قَدْ سَمِعَ﴾ قال النحاة: إن قد الداخلة على الماضي لا بد فيها من معنى
التوقع، فلا يقال: قد فعل إلا لمن ينتظر الفعل أو يسأل عنه.
﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَابِهِم ◌َا هَُ أُنَّهَتِهِمَّ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ،
خبره: ﴿مَّا هُنَ أُمَّهَتِهِمْ﴾ أو دليل خبره المحذوف أي الذين يظاهرون من

٣٧٩
الُرعُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ / ١-٤
نسائهم مخطئون، لسن أمهاتهم، ﴿مَا﴾: نافية حجازية تعمل عمل ليس،
و﴿هُنَ﴾: اسمها، و﴿أُمَّهَتُهُمْ﴾: خبرها المنصوب على لغة أهل الحجاز،
وتقرأ بالرفع على لغة بني تميم. وتعدى فعل الظهار بمن لتضمنه معنى التبعيد.
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًّا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ ﴿مُنكَرًا﴾ ﴿وَزُورًا﴾: منصوب
على الوصف لمصدر محذوف، وتقديره: وإنهم ليقولون قولاً منكراً وقولاً زوراً.
ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ الجار والمجرور في موضع نصب، متعلق بـ
﴿يَعُودُونَ﴾ وما: مصدرية، أي يعودون لقولهم، والمصدر في موضع المفعول،
وكقولك: هذا الثوب نسج اليمن، أي منسوجه، ومعناه: يعودون للإمساك
المقول فيه الظهار ولا يُطلِّق الزوج.
﴿ وَلَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾:
مبتدأ، وتحرير: مبتدأ ثان خبره محذوف أي فعليهم تحرير رقبة، والجملة خبر
المبتدأ الأول.
البلاغة:
﴿قَدْ سَمِعَ﴾ السماع هنا مجاز عن القبول والإجابة بعلاقة السببية.
﴿ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ ﴿خَبِيرٌ﴾ ﴿أَلِيمٌ﴾ صيغ مبالغة.
﴿َّا هُشَ أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ﴾ إطناب بذكر الأمهات، لزيادة التقرير
والبيان.
المفردات اللغوية:
﴿سَمِعَ اللَّهُ﴾ أجاب وقبل، كما في التسميع: ((سمع الله لمن حمده" أي
أجابه. ﴿الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾ تراجعك الكلام أيها النبي في أمرها وأمر
زوجها الذي ظاهر منها، وهي خولة بنت ثعلبة بن مالك الخزرجية، زوجة

٣٨٠
اِلُعُ (٢٨) - المجادلة: ٥٨ /١-٤
أوس بن الصامت أخي عبادة، وكان قد ظاهر منها قائلاً: أنت علي كظهر
أمي، فاستفتت النبي وََّ، فقال تأثراً بالعرف: حَرُمتِ عليه؛ لأن الظهار كان
عند العرب موجباً حرمة مؤبدة، فقالت: ما طلقني، فقال: حرمت عليه،
فاغتمت لصغر أولادها، وشكت إلى الله تعالى، فنزلت هذه الآيات الأربع.
﴿وَتَشْتَكِ إِلَى اللَّهِ﴾ تبث شكواها وغمها وهمها إلى الله، متوقعة أن الله
يسمع مجادلتها وشكواها، ويفرج عنها كربها، ﴿ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاً﴾
تراجعكما الكلام، بطريق تغليب الخطاب، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ للأقوال
والأحوال، وهذا يدل على إثبات صفتي السمع والبصر الله تعالى.
﴿الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنكُم﴾ الذين يقولون لنسائهم مثلاً: أنت علي كظهر
أمي، أي في الحرمة، وكالأم سائر المحارم، وقد كان هذا أشد طلاق في
الجاهلية. والظهار: تشبيه المرأة أو عضو منها بأحد محارمه نسباً أو رضاعاً أو
مصاهرة بقصد التحريم، وقوله: ﴿مِنكُم﴾ تهجين لعادتهم فيه، فإنه كان من
أيمان الجاهلية .﴿إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ﴾ أي ما أمهاتهم إلا اللاتي ولدن
الأولاد، فلا تشبه بالمحارم في الحرمة إلا من ألحقها الله بهن، كالمرضعات
وأزواج الرسول وَله ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي بالظهار ﴿لَيَقُولُونَ مُنكَرًّا مِّنَ اُلْقَوْلِ﴾
أي قولاً منكراً أنكره الشرع، والمنكر: كل ما استقبحه الشرع والعقل والطبع.
{وَزُورًا﴾ كذباً وبهتاناً، فإن الزوجة لا تشبه بالأم.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ﴾ يعفو عن المظاهر ويغفر له إذا تاب وأدى
الكفارة، كما أنه سبحانه غفور لكل من أذنب وعصى مطلقاً إذا تاب وأناب.
(ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ أي عدلوا عن قصد التحريم، وذلك عند الشافعي
بإمساك المظاهر منها في الزواج زماناً يمكنه مفارقتها فيه، وعند أبي حنيفة:
باستباحة استمتاعها ولو بنظرة شهوة، وعند مالك: بالعزم على الجماع،
وعند الحسن البصري وأحمد: بالجماع ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي فعليهم، أو