Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ لُحُ (٢٧) - ◌ِالحَدِيد: ٥٧ /١٦-١٩ الذين فترت عزائمهم إلى الخشوع وخشية القلب ولينه بسماع مواعظ القرآن وإرشاداته، وحذرهم من مماثلة أهل الكتاب الذين قست قلوبهم لطول العهد بينهم وبين أنبيائهم، فأهملوا أوامر الدين ونواهيه، ثم ذكر الفرق بين جزاء المتصدقين والمؤمنين وجزاء الكافرين. التفسير والبيان: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الِّْ﴾ أي ألم يحن الوقت لأن تلين قلوب المؤمنين وترقّ عند سماع تذكير الله ووعظه وقرآنه. فتفهمه وتنقاد له وتسمع أوامره وتطيعه وتجتنب نواهيه؟ روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن، فقال: ﴿أَلَمَّ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوَاْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية. والظاهر أن هذا القول أصح من غيره؛ لأن السورة مدنية. ثم نهاهم عن مماثلة أهل الكتاب، فقال: ﴿وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمّ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ أي ولا يتشبهوا بحملة الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى الذين أوتوا التوراة والإنجيل من قبل نزول القرآن، حين طال عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم، فقست قلوبهم بذلك السبب، حتى صاروا لا يتأثرون بالموعظة ولا بالوعد والوعيد، وبدَّلوا كتاب الله الذي بأيديهم، واشتروا به ثمناً قليلاً، ونبذوه وراء ظهورهم، واتبعوا الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلَّدوا أحبارهم ورهبانهم في دين الله من غير دليل ولا برهان، وكثير منهم خارجون عن حدود الله وأوامره ونواهيه، فصارت أعمالهم باطلة، وقلوبهم فاسدة، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ يُحَرَّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَنَسُواْ حَظّا مِّمَا ذُكِرُواْ بِهِءٍ﴾ [المائدة: ١٣/٥] ولهذا نهى الله المؤمنين عن التشبه بهم. ٣٤٢ الُعُ (٢٧) - ◌ِالحَدِلَّ: ٥٧ /١٦-١٩ ثم ضرب الله تعالى المثل لتأثير المواعظ وتلاوة القرآن، فقال: ﴿أَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَأْ قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أي كما أن الله يحيي الأرض بالنبات والغيث بعد جدبها قادر على أن يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد الضلال، ببراهين القرآن ودلائله، قد أوضحنا لكم الآيات والحجج، كي تتدبروها، وتعقلوا ما فيها من المواعظ، وتعملوا بموجب ذلك. ثم أبان الله تعالى ثواب المتصدقين والمتصدقات على البائسين، فقال: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُضَّدِّقَتِ وَأَفْرَضُوْ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرُ كَرِيمٌ ﴾﴾ أي إن المتصدقين والمتصدقات بأموالهم على ذوي الحاجة والفقر والبؤس والمسكنة، ودفعوا المال بنية خالصة ابتغاء رضوان الله، لا يريدون جزاء ممن أعطوه ولا شكوراً، يقابل لهم الحسنة بعشرة أمثالها، ویضاعفها إلى سبع مئة ضعف إلى أكثر من ذلك، ولهم فوق ذلك ثواب جزیل حسن، ومرجع صالح، ومآب كريم معزَّز. ثم وصف الله جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونِّ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي إن الذين أقروا بوحدانية الله وصدقوا رسله، هم في منزلة الصدّيقين، قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله، فهو صدِّيق، والذين استشهدوا في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله ودينه، ورفع راية الحق وأهله، لهم الثواب العظيم عند ربهم، والنور الموعود به الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وهذا إشارة إلى صنفين من أصناف المؤمنين المخلصين الأربعة، وهم الأنبياء، والصِّدِّيقون، والشهداء، والصالحون، المذكورون في قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُؤْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِيقِينَ ج وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩/٤]. ومن الشهداء ما ثبت في الحديث الذي ٣٤٣ الُعُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ١٦-١٩ أخرجه أحمد: أن النبيِ لّ قال: ((ما تعدّون الشهيد فيكم؟ قالوا: المقتول في سبيل الله، فقال: إن شهداء أمتي إذن لقليل، المقتول شهيد، والمبطون شهيد، والمطعون شهيد)) الحديث. وهؤلاء هم شهداء الآخرة الذين لهم ثواب خاص. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَُّواْ بِشَايَتِنَآَ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ أي والذين أنكروا وجود الله، وجحدوا وحدانيته، وكذبوا آياته وبراهينه الدالة على ألوهيته الحقَّة، وصِدْق رسله، أولئك لا غيرهم هم أصحاب النار خالدين فيها أبداً. وهذا بيان حال الأشقياء بعد بيان حال السعداء. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: اً - إن خشية الله والخضوع لأوامره وأحكامه من صفات أهل الإيمان، وإن الإعراض عن آيات الله ومواعظه وشرائعه من خصال الفاسقين، وهم اليهود والنصارى الذين بدلوا كلام الله، واتبعوا آراءهم وأهواءهم، وتركوا الدين الحق، ولم تلن قلوبهم لسماع تذكير الله ووعظه. وهذا نهي صريح للمؤمنين عن مشابهة أهل الكتاب الذين قطعوا الصلة الحقيقية بينهم وبين هدي الله فيما نزل من التوراة والإنجيل والذي لا يخالف ما نزل في القرآن، ولو بقي هذان الكتابان على حالهما ولم يندثرا لظهر التطابق التام بينهما وبين القرآن في أصول الدين والاعتقاد وأصول الشرائع. ٢ - أن سماع مواعظ الله وآياته يحيي القلوب الميتة، ويلين النفوس القاسية، كما أن الله يحيي الأرض الجدبة الهامدة، ويلينها بالغيث، ويجعل فيها الحركة والحيوية والحياة البهيجة. ٣ - أن الذين أنفقوا شيئاً من أموالهم، وتصدقوا به على الفقراء والبائسين بإخلاص ابتغاء رضاء الله، يضاعف لهم ثواب أعمالهم، ولهم الجنة. ٣٤٤ الجُعُ (٢٧) - الحَدِّ: ٥٧ / ٢٠-٢١ ٤- المؤمنون بالله ورسله هم الصدِّيقون الكاملون في الصدق؛ إذ لا قول أصدق من التوحيد والاعتراف بالرسالة، والصديقون يتلون الأنبياء،. والشهداء يتلون الصديقين، والصالحون يتلون الشهداء، وهؤلاء جميعاً لهم الأجر العظيم عند ربهم، وهم الناجون يوم الحساب، والخالدون في النعيم. ٥- الكافرون بالله ورسله، المكذبون بالرسل والمعجزات، هم أصحاب النار المخلدون فيها المعذبون فيها، فلا أجر لهم ولا نور، بل عذاب مقيم وظلمة دائمة؛ لأنهم جمعوا بين الكفر وتكذيب الآيات. حال الدنيا والحث على عمل الآخرة (أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبُ وَمَوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اَلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلِّدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَّ ◌َهِيجُ فَتَرَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمًّاً وَفِىِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنُ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّا مَنَعُ اٌلْغُرُورِ . سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنِ زَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَاْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو ٢١ اٌلْفَضْلِ اٌلْعَظِيمِ الإعراب: كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ الكاف في موضع رفع، إما وصف لقوله ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وإما خبر بعد خبر وهي ﴿اٌلْخَيَوَةُ﴾ في قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾. ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ﴾ ﴿كَعَرْضٍ﴾ جار ومجرور في موضع رفع؛ لأنه خبر المبتدأ الذي هو ﴿عَرْضُهَا﴾ والجملة في موضع جر؛ لأنها صفة لـ ﴿وَجَنَّةٍ﴾. البلاغة: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَرَنَهُ مُصْفَرًّا﴾ تشبيه تمثيلي؛ لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. ٣٤٥ الْجُرُ (٢٧) - الحَدِّ: ٥٧ /٢٠-٢١ ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ مجاز مرسل علاقته المسببية، أي إلى سبب مغفرة. المفردات اللغوية: ﴿لَعِبٌ﴾ ما لا فائدة فيه. ﴿وَلَهُوٌ﴾ ما يشغل الإنسان عما يعنيه. ﴿ وَزِينَةٌ﴾ تزيين أو ما يتزين به، كالمناصب العالية والمراكب البهية والمنازل الرفيعة والملابس الفاخرة. ﴿وَتَفَاخٌُ﴾ بالألقاب والأمجاد والأنساب. ﴿وَتَكَاثُرٌ﴾ مباهاة بكثرة الأموال والأولاد. ﴿كَمَثَلِ﴾ أي إن الدنيا في إعجابها لكم واضمحلالها كمثل ﴿غَيْثٍ﴾ مطر. ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَائُ﴾ أعجب الزراع نباته الناشئ عنه . ﴿ثُمَّ ◌َهِيجُ﴾ يببس بعد أن كان أخضر. ﴿حُطَمًا﴾ هشيماً متكسراً من الجفاف أو اليبس. ﴿وَفِىِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ لمن آثر عليها الدنيا. ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنٌ﴾ لمن آثر الآخرة، وهذا تنفير عن الانهماك في الدنيا، وحث على العمل للآخرة. ﴿ وَمَا الْحَوَةُ الدُّنْيَآَ﴾ أي وما التمتع في الدنيا. ﴿إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ متاع الخديعة لمن أقبل عليها ونسي الآخرة. ﴿سَابِقُواْ﴾ سارعوا مسارعة السابقين في مضمار السباق. ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ إلى موجبات المغفرة. ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي عرضها كعرضهما، وإذا كان العرض كذلك، فما ظنك بالطول؟ ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فيه دليل على أن الجنة مخلوقة، وأن الإيمان وحده كافٍ في استحقاقها. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ ذلك الموعود به من الجنة والمغفرة يتفضل الله به على من يشاء من عباده من غير إيجاب ولا إلزام. ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ والله واسع الفضل، لا يبعد منه التفضل بذلك. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أحوال الفريقين: المؤمنين والكافرين في الآخرة، أردفه بما يدل على تحقير أمور الدنيا، وكمال حال الآخرة، فإن الدنيا قليلة ٣٤٦ الجُرُ (٢٧) - ◌ِالحَدِلّ: ٥٧ /٢٠-٢١ النفع سريعة الزوال، والآخرة تامة الفائدة، خالدة باقية، ولا شك أن الأدوم الأخلد مفضل على المؤقت، لذا أعقبه بالحث على ما يوصل إلى مغفرة الله ورضوانه والفوز بالنعيم الأبدي. التفسير والبيان: (أَعْلَمُوْ أَنَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَمْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ أي اعلموا أيها الناس جميعاً أن الحياة الدنيا مجرد لعب لا جِدّ، ولهو يتلهى به ثم يذهب، وزينة يتزين بها مؤقتاً، ومفخرة يفتخر بها بعضكم على بعض بكثرة الأموال وعدد الأولاد. كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ اُلِسَاءِ وَاَلْبَنِينَ وَاُلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَاُلْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَاُلْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَشَابِ ١٤ [آل عمران: ٣ /١٤]. وهذا يدل على حقارة الدنيا، ثم شبهها في سرعة زوالها، مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث وربّه إلى أن يتكامل نشوؤه ثم يزول، فقال: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَائُهُ ثُمَّ بِيهِيجُ فَتَرَنَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ خُطَمًا﴾ أي إن الدنيا مثل مطر، أعجب الزراع النبات الحاصل به، ثم يجف وییبس بعد خضرته، ثم يكون فتاتاً هشيماً متكسراً متحطماً بعد يبسه، تعصف به الرياح. والكفار هنا: الزُّراع؛ لأنهم يَكْفُرون البذر في الأرض، أي يغطونه بالتراب. ونظير الآية: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَلٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَاُلْأَنْعَمُ حََّ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَبَ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيَّهَاَ أَتَنْهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَرًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤/١٠]. ٣٤٧ الجُزُ (٢٧) - ◌ِالحَدِك: ٥٧ / ٢٠-٢١ ثم حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير استعداداً للآخرة، فقال: ﴿وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنُ وَمَا الْحَيَّوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَنَحُ اٌلْغُرُورِ﴾ أي وليس في الآخرة الآتية إلا أمران: إما عذاب شديد لأعداء الله، وإما مغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته، وما الحياة الدنيا إلا مجرد متاع يتمتع به، وخديعة لمن يغتر بها، ولم يعمل لآخرته، حتى أعجبته واعتقد أنه لا دار سواها، ولا معاد وراءها، مع أنها حقيرة قليلة بالنسبة إلى الدار الآخرة. قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور، إذا ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله ولقائه، فنعم المتاع ونعم الوسيلة. وهذا دليل على أن من استعان على الآخرة بطلب الدنيا، فهي له متاع وبلاغ إلى ما هو خير منه. روى ابن جرير، وجاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َ: ((موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها)) اقرؤوا: ﴿وَمَا الْخَيَوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّا مَتَحُ اٌلْغُرُورِ﴾ والزيادة الأخيرة في رواية ابن جرير فقط. وأخرج البخاري وأحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صَل: (للجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)) وهذا يدل على اقتراب الخير والشر من الإنسان. ولما ذكر الله تعالى ما في الآخرة من المغفرة أمر بالمسابقة إليها : أي إنه سبحانه حث على المبادرة إلى الخيرات، والمسابقة إلى المغفرة وإلى الجنة، من فعل الطاعات، وترك المحرمات التي تكفّر الذنوب والزلات، وتحصِّل الثواب والدرجات، فقال: ﴿ سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي بادروا أو سارعوا مسارعة المتسابقين ٣٤٨ لُّعُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ٢٠-٢١ بالأعمال الصالحة إلى ما يوجب المغفرة لكم من ربكم، وسارعوا إلى التوبة الماحية للذنوب والمعاصي، وإلى ما يوصّل إلى جنة عرضها مثل عرض السماء والأرض معاً، وإذا كان هذا قدر عرضها، فما ظنك بطولها؟! تلك الجنة التي هيئت وخلقت للذين صدقوا بالله وبرسله، وعملوا بما فرض الله عليهم، واجتنبوا نَهْيه. ثم بَيَّن الله تعالى أن المغفرة والجنة فضل منه ورحمة، لا إيجاب وإلزام، فقال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أي إن هذا الجزاء الموعود به وهو الجنة والمغفرة مجرد فضل من الله ورحمة منه، وليس واجباً عليه. جاء في الحديث الصحيح: ((أن فقراء المهاجرين قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، بالدرجات العلى والنعيم المقيم، قال: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، قال: أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثلما صنعتم، تسبِّحون وتكبِرون وتحمِّدون دُبُر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، قال: فرجعوا، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله ◌َ له: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾)). فقه الحياة أو الأحكام: اَ - إن المقصود الأصلي من الآية الأولى تحقير حال الدنيا، وتعظيم حال الآخرة، لذا وصف الله تعالى الدنيا بخمس صفات: أنها لعب وهو فعل الصبيان الذين يتعبون أنفسهم جداً، ثم تنقضي متاعبهم من غير فائدة، وأنها لهو وهو فعل الشبان، ولا يبقى غالباً بعده إلا الحسرة، وأنها زينة وهذا دأب النساء وهو تكميل الناقص، وتفاخر بين أهلها بالصفات الفانية الزائلة، وهو ٣٤٩ الُُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ /٢٠-٢١ إما التفاخر بالنسب، أو التفاخر بالقدرة المادية والقوة الجسدية والأتباع والمنصب، وكلها ذاهبة، وأنها تكاثر في الأموال والأولاد. ثم شبهها في سرعة انقضائها وزوال جمالها بالزرع الذي يعجب الناظرين إليه، لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشيماً كأن لم يكن، وقد ذكر هذا المثل في سورتي يونس (٢٤) والكهف (٤٥). ثم ذكر حال الآخرة، فالناس فيها إما إلى عذاب شديد دائم لأعداء الله، وإما إلى مغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته، وهو أعظم درجات الثواب. ثم ختم الآية تأكيداً لما سبق بأن الحياة الدنيا مجرد متاع يغُرّ ويخدع من أقبل عليها، وهم الكفار، أما المؤمنون فالدنيا لهم متاع بلاغ إلى الجنة. أَ- إذا كان هذا شأن الدنيا وحال الآخرة، فما على الناس إلا العمل للآخرة، لذا أمر الله بالمسارعة بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لهم من ربهم، وتبوئهم جنات تجري من تحتها الأنهار، والجنة كعرض السماء والأرض لو وصل بعضها ببعض، وقد خلقت وهيئت للذين صدّقوا بوجود الله ووحدانيته وبرسله. وفي هذا تقوية للرجاء، ودليل على أن الجنة مخلوقة جاهزة. لكن لا تُنال الجنة ولا تُدخل إلا برحمة الله تعالى وفضله، والله صاحب الفضل الواسع الكثير. والمراد بهذه الجملة: التنبيه على عظم حال الجنة؛ لأن ذا الفضل العظيم إذا أعطى عطاء مدح به نفسه، فإنه لا بد وأن يكون ذلك العطاء عظيماً. ٣٥٠ الجُرَءُ (٢٧) - الحدي: ٥٧ / ٢٢-٢٤ تعلق المصائب بالقضاء والقدر وجناية البخلاء على أنفسهم ﴿مَآ أَصَابَ مِنَ قُصِيبَةٍ فِىِ اُلْأَرْضِ وَلَا فِىِّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِىِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا ٢٣ أَن نَبْرَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ! اُلَّذِينَ يَبْخَلُونَ ٢٤ وَبَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلُ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْغَنِىُّ الْحَمِيدُ القراءات: ﴿ءَاتَنكُمْ} ٠ وقرأ أبو عمرو (أَتاكم). ﴿بِلْبُخْلِ﴾ : وقرأ حمزة، والكسائي (بالبَخَل). ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ : وقرأ نافع، وابن عامر (فإن الله الغني الحميد) .. الإعراب: ﴿مَّ أَصَابَ مِن قُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ تَبْرَأَهَاً﴾ ﴿فِى الْأَرْضِ﴾ موضعه إما الجر على أنه صفة لمصيبة على اللفظ، أي كائنة في الأرض، وإما الرفع صفة لمصيبة على الموضع، وموضعها الرفع؛ لأن ﴿مِن﴾ زائدة، وفي الصفة ضمير يعود على الموصوف، وإما النصب على أنه متعلق بـ ﴿أَصَابَ﴾ أو ب﴿ قُصِيبَةٍ﴾ فلا يكون إذن فيه ضمیر. ٣٥١ الُرُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ٢٢-٢٤ و﴿إِلَّا فِي كِتَبٍ﴾ في موضع نصب على الحال، أي إلا مكتوباً، وهاء ﴿نَّبْرَأَهَا﴾ تعود على النفس أو على الأرض أو على المصيبة. ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ ﴿تَأْسَوْاْ﴾ منصوب بـ (كي) لا بتقدير (أن) بعدها؛ لأن اللام هنا حرف جر، وقد دخلت على (كي) فلا يجوز أن تكون (كي) حينئذ حرف جر؛ لأن حرف الجر لا يدخل على حرف الجر. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بدل من كل مختال، أو مبتدأ، خبره محذوف دل عليه ما بعده: ﴿وَمَن يَنَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ لأن معناه: ومن يعرض عن الإنفاق، فإن الله غني عنه، وعن إنفاقه. وضمير ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل. المفردات اللغوية: ﴿قُصِيبَةٍ﴾ هي في اللغة: كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر، وخصت في العرف بالشر، كالجدب والعاهة في الأرض، والمرض والآفة وفقد الولد في الأنفس .﴿إِلَّا فِ كِتَبٍ﴾ أي اللوح المحفوظ.﴿نَّبْرَأَهَاً﴾ نخلقها. ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ إن إثباته في كتاب الله سهل؛ لاستغنائه فيه عن العَدّ والمدة .﴿تَأْسَوْأ﴾ تحزنوا ﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من نعيم الدنيا. ﴿وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ فرح بطر، بل فرح شكر على النعمة، بما أعطاكم الله منها، فإن من علم أن الكل مقدّر، هان عليه الأمر .﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ﴾ أي يعاقب .﴿كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ متكبر بما أوتي ﴿فَخُورٍ﴾ متباه أو مباه على الناس بماله أو جاهه. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بما يجب عليهم. ﴿ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِاَلْبُخْلُ﴾ أي بالبخل به، لهم وعيد شديد، ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ عما يجب عليه . ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْغَنِىُّ﴾ عن غيرم﴿ الْحَمِيدُ﴾ المحمود في ذاته، لا يضره الإعراض عن شكره، ولا ينتفع بالتقرب إليه بشيء من نعمه. وفيه تهديد وإشعار بأن الأمر بالإنفاق لمصلحة المنفق. ٣٥٢ الشرعُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ٢٢-٢٤ المناسبة: بعد أن بَيَّن الله تعالى أن كل ما في الآخرة من مغفرة وجنة من فضله ورحمته، أراد أن يبين أن كل ما في الدنيا من مصائب وأحداث بقضائه وقدره، لتهوين أمر المصيبة على المؤمنين. ثم حذر الله تعالى من الحزن على ما فات من نعيم الدنيا، والبطر والاختيال والمباهاة عند مجيء النعمة، ثم أخبر أنه يعاقب المختالين الفخورين الذين يبخلون بما يجب عليهم شرعاً، بل ويأمرون الناس بالبخل، وهؤلاء لا يجنون إلا على أنفسهم. التفسير والبيان: ﴿مَآ أَصَابَ مِن قُّصِيبَةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن تَّبْرَأَهَا﴾ أي لا توجد مصيبة من هذه المصائب في الدنيا إلا وهي مكتوبة عند الله، فهي بقضاء وقدر، سواء أكانت مصيبة في الأرض مثل القحط والجدب أو قلة النبات، وفساد الرزع، ونقص الثمار، وغلاء الأسعار، وتتابع الجوع، أم في الأنفس كالأمراض، والفقر وضيق المعاش، وذهاب الأولاد، وإقامة الحدود، فذلك كله مسطّر في اللوح المحفوظ، من قبل إيجاد هذه الخليقة. وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ الأحسن عود الضمير على الخليقة والبرية أو النسمة؛ لدلالة الكلام عليها، كما قال ابن جرير. ﴿﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي إن إثباتها في الكتاب، مع كثرتها، وعلمه بالأشياء قبل وجودها، سهل يسير على الله، غير عسير؛ لأن الله هو الخالق، وهو أعلم بما خلق، يعلم ما كان وما سيكون وما لا يكون. ورد في الخبر: (من عرف سر الله في القَدَر، هانت عليه المصائب). وقد استدل العلماء بهذه الآية على أنه تعالى عالم بالأشياء قبل وقوعها. ٣٥٣ الجُرُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ٢٢-٢٤ فالأشياء والأحداث والمصائب تنسب إلى الله الموجد لها، لا إلى أحد من البشر في الحقيقة، وأما ما يقال من التشاؤم (الطيرة) في المرأة والدابة والدار، فذلك بحسب عرف الناس وتصوراتهم ومقالاتهم، لا في واقع الأمر، كذلك السحر والعين والقتل كل ذلك يحدث بتأثير الله، فهو المؤثر والفعال الحقيقي، وأما فعل الناس فهو مجرد أمر أو سبب في الظاهر، فينسب إليه الشيء الحادث ظاهراً، لا حقيقة. وإنما قيد المصائب بكونها في الأرض والأنفس لقصرها على أحوال الدنيا، لذا قال وَلجر: ((جفَّ القلم بما هو كائن إلى يوم الدين)) ولم يقل: إلى الأبد. أخرج الإمام أحمد، والحاكم وصححه عن أبي حسان: أن رجلين دخلا على عائشة رضي الله تعالى عنها فقالا: ((إن أبا هريرة يحدِّث أن النبي ◌َّ- كان يقول: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار، فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم وَ لوما هكذا كان يقول، ولكن كان رسول اللـه ◌ُ له يقول: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار))، ثم قرأت: ﴿مَآ أَصَابَ مِن ◌ُصِيبَةٍ فِ اُلْأَرْضِ﴾ الآية. ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ أي أخبرناكم بذلك لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من نعيم في الدنيا، ولا تفرحوا فرح بطر بما هو آت، فلا تأسوا على ما فاتكم؛ لأنه لو قدر شيء لكان، ولا تفرحوا بما جاءكم أو أعطاكم، أي لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم، فإن ذلك من قدر الله ورزقه لكم، لذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ أي إن الله يعاقب كل مختال في نفسه، أي متكبر، فخور على غيره، أي مباه بماله أو جاهه. . وبه يتبين أن الحزن المذموم: هو الذي لا صبر لدی صاحبه، ولا رضا بقضاء الله وقدره، والفرح الممنوع: هو البطر الذي يحمل صاحبه على ٣٥٤ الُعُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ٢٢-٢٤ الطغيان، ويلهيه عن الشكر. قال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يحزن أو يفرح، ولكن اجعلوا الفرح شكراً، والحزن صبراً. ولا يصح النهي عن شيء من طبائع البشر كالفرح والحزن والغضب، وإنما النهي وارد على مقدمات الغضب وتعاطي أسبابه، أو على توابع الفرح والحزن وهو بطر النعمة وكفرانها، والسخط على القدر، والجزع. وبما أن المختال الفخور يكون غالباً بخيلاً؛ لأنه لا يرى لغيره حقاً عليه، ذكر تعالى صفة البخل عندهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلُ وَمَن يَنَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْغَنِىُّ اٌلْحَمِيدُ ) أي إن المختالين الفخورين هم الذين يبخلون عادة بأموالهم، فلا يؤدون حق الله فيها، ولا يواسون بائساً فقيراً، ولا معدماً عاجزاً، بل إنهم يطلبون من غيرهم إمساك المال، ويحسِّنون للناس أن يبخلوا بما يملكون، حتى يجعلوا لهم أشباهاً وأمثالاً. ولكن من يعرض عن الإنفاق وعن أمر الله وطاعته، فإن الله غني عنه، محمود الذات في السماء والأرض عند خلقه، لا يضره ذلك، ولا يضرن البخيل إلا نفسه، كما قال موسى عليه السلام لقوم فيما حكى القرآن: ﴿إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَيْدٌ﴾ [إبراهيم: ٨/١٤]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ٢- كل ما في الكون بأمر الله تعالى، وكل المصائب معلومة لله تعالى، مكتوبة في اللوح المحفوظ قبل إيجاد الخليقة، وحفظ ذلك وعلمه هيّن يسير على الله تعالى. ٣- إذا كان الكل مكتوباً مقدراً لا مرد له، هانت المصائب على الناس، ٣٥٥ الُُ (٢٧) - الحديد: ٥٧ / ٢٢-٢٤ وكان عليهم امتثال الأمر، فلا يحزنوا على ما فاتهم من الرزق، ولا يفرحوا بما أوتوا من الدنيا. وروى عكرمة عن ابن عباس: ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبراً، وغنيمته شكراً (١). والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان يتعدى فيهما المرء إلى ما لا يجوز. وقد تقدم أن الفرح المذموم: هو الموجب للبطر والاختيال، أي التكبر. وأن الحزن الممنوع: هو الذي يخرج صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله تعالى، ورجاء ثواب الصابرين. ٣ - إن الله يبغض كل متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس ولا يرضى عنه، ويعاقبه. ٤ - إن الله لا يحب المختالين الذين يبخلون أو يضنون بالمال عما أوجب الله عليهم من الإنفاق في سبيله، والصدقة به على الفقراء والمساكين، ويأمرون الناس بالبخل مثلهم. ٥- من يعرض عن الإنفاق وعن طاعة الله والإيمان بما قدر وقضى فإن الله غني عنه وعن إنفاقه، والله سبحانه هو الغني المطلق الغنى الذي يرزق عباده، والمحمود في ذاته في السماء والأرض، فلا يحتاج إلى أحد من خلقه، كما قال يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ سبحانه : ١٥ [فاطر: ١٥/٣٥] ولا يضره الإعراض عن شكره، بالتقرب إليه بشيء من نعمه جل جلاله. (١) أخرجه الحاكم وصححه وغيره . ٣٥٦ لُ (٢٧) - الحَدِّ: ٥٧ / ٢٥ الغاية من بعثة الرسل - ١ - دستور المجتمع الإسلامي ونظام الحكم ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ، إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ٢٥ القراءات: ﴿رُسُلَنَا﴾ : وقرأ أبو عمرو (رُسْلنا). بأسٌ﴾ : وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (باس). الإعراب: ﴿وَأَنَزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿فِيهِ بَأَسُ شَدِيدٌ﴾ جملة مركبة من مبتدأ وخبر، في موضع نصب على الحال من ﴿اٌلْحَدِيدَ﴾. ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ معطوف على ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ﴾ ﴿وَرُسُلَهُ﴾ منصوب بالعطف على هاء ﴿يَنْصُرُهُ﴾ وتقديره: وينصر رسله، مثل: ﴿ وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٨/٥٩]. ولا يجوز نصبه بـ (يعلم) ج لأنه يصير فصلاً بين الصلة والموصول أي بين ﴿يَصُرُؤُ﴾ وقوله: ﴿ بِلْغَيْبٍ﴾ وذلك لا يجوز. و﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال من هاء. ﴿يَصُرُؤُ﴾ أي غائباً عنهم في الدنيا. ٣٥٧ لُعُ (٢٧) - الحَدِّ: ٥٧ / ٢٥ البلاغة: ﴿أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ جناس ناقص لتغير الشكل وبعض الحروف. ﴿ وَأَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌ شَدِيدٌ ﴾سجع مرصع محبب إلى النفس. المفردات اللغوية: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ أرسلنا الأنبياء إلى الأمم ﴿بِالْبَيِّنَتِ﴾ الحجج والمعجزات. ﴿اَلْكِنَبَ﴾ أراد به الجنس، أي كتب الشرائع. ﴿وَاُلْمِيزَانَ﴾ العدل. ﴿بِاَلْقِسْطِ﴾ بالحق. ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ خلقناه وأخرجناه من المعادن . ﴿فِيهِ بَأَسُ شَدِيدٌ) أي تتخذ منه آلات الحرب والصناعات الثقيلة والمباني الضخمة ونحو ذلك، والبأس: القوة. ﴿وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ ﴾يدخل في صناعات كثيرة مفيدة للناس. ﴿وَلِيَعْلَمَ اُللَّهُ﴾ علم مشاهدة وظهور في الواقع الحاصل. ﴿مَن يَنصُرُءُ وَرُسُلَهُ﴾ من ينصر دينه وينصر رسله باستخدام الأسلحة وآلات الحرب من الحديد وغيره من مجاهدة الكفار الأعداء . ﴿بِالْغَيْبٍ﴾ غائباً عنهم في الدنيا، قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه . ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ﴾ على إهلاك من أراد إهلاكه . ﴿عَزِيزٌ﴾ لا حاجة له إلى نصرة عباده، وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به وينالوا ثواب الامثال فيه. المناسبة: بعد بيان حال الدنيا وحال الآخرة، أراد الله تعالى أن يبين الغرض من بعثة الرسل المؤيدين بالمعجزات والحجج القاطعات، ويرشد إلى مقومات الرسالات والشرائع الإلهية لتنظيم حياة المجتمعات، وإعزاز دين الله ونصرة رسله. وأما وجه المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد في الآية، فإن العلماء ذكروا وجوهاً سبعة أظهرها: أن الدين إما اعتقادات أو معاملات أو أصول ٣٥٨ الجزءُ (٢٧) - الحَدِلُّ: ٥٧ / ٢٥ وفروع، والاعتقادات أو الأصول لا تتم إلا بالكتاب السماوي، ولاسيما إذا كان معجزاً، والمعاملات أو الفروع لا تصلح ولا تنتظم إلا بالميزان وهو العدل، ولا بد من مؤيد يحمي نظم الشرائع، وذلك المؤيد هو الحديد لتأديب من ترك الأصلين أو الطريقين، وهما الاعتقاد ونظام التعامل(١). وهذا إشارة إلى أن الكتاب يمثل سلطة التشريع، والعدل يمثل سلطة القضاء، وإنزال الحديد يمثل السلطة التنفيذية. التفسير والبيان: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ أي تالله لقد أرسلنا الملائكة إلى الأنبياء بالوحي، والأنبياء إلى أممهم لتبليغ الوحي، بالمعجزات البيئة والشرائع الظاهرة والحجج والبراهين القاطعة، وأنزلنا معهم الكتاب أي جنسه الشامل لكل كتاب سماوي كالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن، وأنزلنا معهم الميزان، أي العدل في الأحكام، أي أمرناهم به، ليتبع الناس ما أمروا به من الحق والعدل، وتقوم حياتهم عليه، فيتعاملوا بينهم بالإنصاف في جميع أمورهم الدينية والدنيوية، فهم الحراس على تنفيذ الأحكام واحترام الشرائع واتباع الرسل. ﴿ وَأَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌْ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ أي وخلقنا الحديد مع المعادن، وعلَّمنا الناس صنعته، وجعلناه رادعاً لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه، ففيه قوة رادعة، وفيه منافع للناس ينتفعون به في كثير من حاجاتهم ومعايشهم، كأدوات الطعام ومرافق المنازل وإقامة المباني والعمارات، ومرافق الحياة الاقتصادية وآلات الزراعة وأدوات الصناعة السلمية والحربية، الخفيفة والثقيلة من آلات وأسلحة وقطارات وبواخر (١) تفسير الرازي: ٢٤٠/٢٩ وما بعدها، غرائب القرآن للنيسابوري: ١٠١/٢٧ وما بعدها. ٣٥٩ الُ (٢٧) - ◌ِالحَدِلُّ: ٥٧ / ٢٥ وطائرات وسيارات وغيرها. فكلمة الحديد إشارة إلى القوة الرادعة لتنفيذ أحكام الشريعة بين المسلمين ومن يتعايش معهم في داخل الدولة، ولجهاد الأعداء الذين يعتدون على حرمات الدين وبلاد الإسلام ويعرقلون انتشاره في العالم. لهذا أقام الرسول وَله بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية لإصلاح العقيدة والأخلاق وجدال المشركين وإيضاح أصل التوحيد وإثبات النبوة بالمعجزات الباهرات، فلما قامت الحجة على الناس المخالفين، شرع الله الهجرة، وأذن بالقتال دفاعاً عن استقرار العقيدة وكرامة المسلمين وعزتهم، وكفالة احترام تعاليم القرآن. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله صل﴾: ((بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتی یعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعلت الذلةُ والصغَار على من خالف أمري، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم)) . ﴿ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ أي إنما فعل الله ذلك ليعلم علم مشاهدة ووجود من ينصر دينه وينصر رسله بإخلاص ونية صالحة، باستعمال الحديد، في أسلحة الجهاد ومقاومة الأعداء، إن الله قوي قادر عزيز قاهر غالب، يستطيع دفع عدوان الظالمين، وينصر رسله والمؤمنين من غير حاجة إليهم، وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به وبثوابه، ويحققوا لأنفسهم العزة والمنعة والهيبة في قلوب الناس، فإن حماية القيم والمبادئ تحتاج دائما إلى مُماة أشداء، ذوي بأس وإباء. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآية دستور المجتمع الإسلامي ونظام الحكم في الإسلام، فهو مجتمع يحكم بشريعة سماوية، على منهج الحق والعدل والمساواة، وفي ظل من القوة الحامية لمبادئ التشريع الرادعة الزاجرة كل من يتجرأ على انتهاكها أو النيل من ٣٦٠ الُعُ (٢٧) - الحَدِّ: ٥٧ / ٢٥ قدسيتها، أو محاولة القضاء عليها، أو عرقلة مسيرة الدعوة الإسلامية في الداخل والخارج. أساس هذه الشريعة: المعجزات البيّنة والشرائع الظاهرة التي تضمنتها الكتب السماوية، واحتواها وصاغها خاتم هذه الكتب وهو القرآن العظيم دستور الحياة البشرية. ومنهج الحكم في شريعة الله تعالى هو التزام الحق والعدل في المعاملات فبالعدل قامت السماوات والأرض، وهو المعبر عنه بالميزان، الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴿ أَّا نَطْغَوْا فِىِ الْمِيزَانِ ٨ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ (١)﴾ [الرحمن: ٧/٥٥-٩]. والحديد رمز القوة الرادعة لكفالة احترام الأحكام في دار الإسلام، ولتأديب المعتدين والمعادین لشرع الله ودينه وحرمات أهله ودیاره، روی عمر رضي الله عنه أن رسول الله وَ ل ◌ّ قال فيما أخرجه في الفردوس عن ابن عمر: ((إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء والملح)). وفي الحديد أيضاً منافع كثيرة للناس في شؤون معايشهم وتحقيق حاجياتهم في المنازل والمصانع والمعامل والمباني والأسلحة وآلات الزراعة ووسائل النقل والمواصلات البرية والبحرية والجوية. وقد أنزل الله الحديد وخلقه للناس ليعلم علم مشاهدة حسية من ينصر شرعه ودينه وينصر رسله، وهم غائبون عنه لم يروه، إن الله قوي على الأمور في أخذه، منيع غالب لا يمانع، والنصر الصحيح: هو ما كان عن إخلاص بالقلب، وهو المراد ﴿بِالْغَيْبِ﴾