Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ الُرُ (٢٧) - الوَاقِعَةُ: ٥٦ /٧٥-٩٦ ) [الانشقاق: ١٦/٨٤-١٧] و﴿ فَلَا ١٧ وَأَلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ١٦ ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [التكوير: ١٥/٨١-١٦] و﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْجَوَارِ الْكُنَسِّ ١٥ أُقِمُ بِالْخُنَسِ [الحاقة: ٣٨/٦٩] (٣٨) [القيامة: ١/٧٥] و﴿فَلاَّ أُقْسِمُ بِمَا نُصِرُونَ اَلْقِيَامَةِ و﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَرِقِ وَالْغَبِ﴾ [المعارج: ٤٠/٧٠] و﴿لَاَ أَقْسِمُ بِهَذَا اُلْبَلَدِ [القيامة: ٧٥ /٢] . ٢ [البلد: ١/٩٠] و﴿وَلاَ أُقِمُ بِالنَّفْسِ اللََّّامَةِ ويرى بعض المفسرين أن (لا) ليست زائدة لا معنى لها، بل يؤتى بها في أول القسم إذا كان مقسماً به على منفي، كقول عائشة رضي الله عنها: ((لا والله ما مسَّت يد رسول الله ◌َ له يد امرأة قط)). وجاء القسم في القرآن على أنواع: إما قسم الله بنفسه أو بذاته مثل: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ﴾ [الذاريات: ٢٣/٥١] و﴿وَتَاَللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧/٢١] . وإما قسم من الله بأشياء من خلقه، دلالة على عظمة مبدعها، كالصافات، والطور، والذاريات، والنجم ومواقع النجوم، والشمس والقمر، والليل والنهار، ويوم القيامة، والفجر والبلد والتين والزيتون. [يس: ١/٣٦- وَاُلْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ وقد يكون القسم بالقرآن: ﴿ یس ٢]. ﴿صََّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ جَ﴾ [ص: ١/٣٨]. ﴿قَّ وَاُلْقُرْءَانِ اٌلْمَجِيدِ [الزخرف: ١/٤٣-٢] [والدخان: وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ [ق: ١/٥٠] ٠﴿حم ١/٤٤-٢] في الزخرف والدخان. أي وإن هذا القسم عظيم لو ٧٦ ﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَهُ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمُ تعلمون ذلك. والضمير يرجع إلى القسم المفهوم من الكلام المتقدم. هذا هو المقسم عليه، أي إن هذا القرآن الذي نزل ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ V على محمد لكتاب عظيم، كثير المنافع والفوائد، لما فيه من الهدى والعلم والحكمة والإرشاد إلى سعادة الدنيا والآخرة. وهذه الصفة الأولى للقرآن. ٣٠٢ الْجُزْعُ (٢٧) - الوَاقِعَةِ: ٥٦ / ٧٥-٩٦ والمناسبة واضحة بين المقسم به وهو النجوم، وبين المقسم عليه وهو القرآن؛ لأن النجوم تضيء الظلمات، وآيات القرآن تنير الطريق، وتبدد ظلمات الجهل والضلالة، والأولى ظلمات حسية، والثانية ظلمات معنوية. تَنزِيلٌ مِّن رَبِّ ٧٩ لَّا يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ VA اُلْعَلَمِينَ ﴿فِي كِتَبٍ مَكْنُونٍ ( ®) هذه ثلاث صفات أخرى للقرآن العظيم: وهي أنه في اللوح المحفوظ مصون مستور لا يطلع عليه إلا الملائكة المقربون، وهم الگرُوبیون، ولا يمسه في السماء إلا الملائكة الأطهار، ولا يمسه في الدنيا إلا المطهرون من الحَدَثين: الأصغر والأكبر، أي الحدث والجنابة، وهو منزل من الله تعالى، فليس بسحر ولا كهانة ولا شعر ولا قول بشر، بل هو الحق الذي لا مرية فیه، ولیس وراءه حق نافع. ویدل فحوى الآية على أنه لا يمس القرآن کافر ولا جنب ولا محدث، روى مالك في موطئه وابن حبان في صحيحه: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله وَلو لعمرو بن حزم ألا يمس القرآنَ إلا طاهر. وروى أبو داود في المراسيل وأصحاب السنن من حديث الزهري قال: قرأتُ في صحيفة عبد أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن رسول الله وَ ل قال: ((ولا يمس القرآن إلا طاهر)) وأسنده الدراقطني عن عمرو بن حزم وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص، لكن في إسناد كل منهما نظر. وعدم مس المحدث للمصحف أمر يكاد يجمع عليه العلماء، وأجاز بعض الفقهاء وهم المالكية مس المحدث له لضرورة التعلم والتعليم. لكن رجح العلماء أن المراد من الكتاب: الكتاب الذي بأيدي الملائكة، على نحو ما هو مذكور في قوله تعالى: ﴿فِ مُحُفٍ تُكَرَّمَةٍ ﴿ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةِ ﴿ بِأَدِى سَفَرَةِ ١٥ (٣)﴾ [عبس: ١٣/٨٠-١٦] لأن الآية سيقت تنزيهاً للقرآن عن أن تنزل كَِاِ بَقِ به الشياطين، ولأن السورة مكية، وأغلب عناية القرآن المكي في أصول الدين ٣٠٣ الُرُ (٢٧) - الوَاقِعَةِ: ٥٦ / ٧٥-٩٦٠ من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة، وأما الأحكام الفرعية ففي القرآن المدني، ولأن قوله ﴿مَّكْنُونٍ﴾ معناه مصون مستور عن الأعين لا تناله أيدي البشر، ولو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن وصفه بكونه مكنوناً فائدة كبيرة. ثم وبخ الله تعالى المتهاونين بشأن القرآن، فقال: ﴾ أي أبهذا القرآن الموصوف بالأوصاف AD ﴿أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُم ◌ُدْهِنُونَ الأربعة السابقة متهاونون، تمالئون الكفار على الكفر، وتركنون إليهم؟ ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (13)﴾ أي وتجعلون شكر رزقكم من السماء وهو المطر، أو من الأرض وهو الزرع أنكم تكذبون بنعمة الله وبالبعث وبما دل عليه القرآن، فتضعون التكذيب موضع الشكر؟ ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر !! ثم وبخ الله تعالى المشركين على ما يعتقدون، فقال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ ٨٤٦ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ نَنظُرُونَ (٨٣) ﴿فَلَوَّلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ (٥٥)﴾ أي فهلا إذا وصلت الروح أو النفس الحلق حين الاحتضار، وأنتم ترون المحتضر قد قارب فراق الحياة، تنظرون إليه وما يكابده من سكرات الموت، ونحن بالعلم والقدرة والرؤية وبملائكتنا أقرب إليه منكم، ولكن لا تبصرون ملائكة الموت الذين يتولون قبضه، وجواب ﴿فَلَوْلَا﴾ سيأتي بعد وهو ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾. ثم أكَّد الله تعالى الحث والتحضيض، فقال: ٨٦ تَرْجِعُونَهَا إِن كُمْ صَدِقِينَ (49﴾ أي فهلا ﴿ فَلَوْلَا إِن كُمْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين ولا مبعوثين، تمنعون موته، وترجعون الروح التي قد بلغت الحلقوم إلى مقرها الذي كانت فيه، إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم لن تبعثوا وأنكم غير مربوبين ولا مملوكين للخالق؟ ٣٠٤ الُرءُ (٢٧) - الوَاقِعَةِ: ٥٦ /٧٥-٩٦ والمعنى المراد: أنه إذا لم يكن لكم خالق، وأنتم الخالقون، فلِمَ لا ترجعون الأرواح إلى أجسادها حين بلوغها الحلقوم؟! وإن صدقتم ألا بعث، فردوا روح المحتضر إلى جسده، ليرتفع عنه الموت، فينتفي البعث؟ أي إن تحقق الشرطان أو الوصفان منكم: إن كنتم غير مدينين، وإن كنتم صادقين فردوا روح الميت إلیه. وَظَنَّ أَنَّهُ ٣٧ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ﴿كَلَّ إِذَا بَلَغَتِ التََّافِيَ لَّ ونظير الآية قوله تعالى : ٢٨ اَلْفِرَاقُ ٢٩ وَالْنَفَتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [القيامة: ٢٦/٧٥-٢٩] . ثم بَيَّن الله تعالى مصائر هؤلاء الناس عند احتضارهم وبعد وفاتهم، وجعلهم أقساماً ثلاثة، فقال: فَرَوْعٌ وَرَتْجَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (﴾﴾ أي إن اَ- ﴿فَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ كان المحتضر أو المتوفى من فئة السابقين المقربين: وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، وبعض المباحات، وهم الصنف الأول في مطلع السورة، فلهم راحة، واستراحة وطمأنينة من أحوال الدنيا، ورزق واسع ونعيم في الجنة، وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت. والروح: الاستراحة، وهو يعم الروح والبدن، والريحان: الرزق، وهو للبدن، وجنة النعيم للروح، يتنعم بلقاء المليك المقتدر. يروى: أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه. فاللهم اجعلنا من هؤلاء يا ذا الجلال والإكرام. ٣ - ﴿وَأَمَّ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبٍ أَلْيَمِينِ فَسَلَهُ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ اٌلْيَمِينِ ٩٠ ٩١ أي وأما إن كان المحتضر أو المتوفى من أهل اليمين: وهم الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، فتبشرهم الملائكة بذلك، وتقول لهم: سلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، لا بأس عليك أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين، وذلك لأنك ستكون معهم، فيستقبلونك بالسلام. ٣٠٥ الزُرُ (٢٧) - الوَاقِعَةِ: ٥٦ / ٧٥-٩٦ وذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ نُوعَدُونَ ٣٠ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِ الْحَيَوةِ الذُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا نَشْتَهِىّ (٣٢) ﴾ [فصلت: ـ) نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ تَحِيمِ ٣١ أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٣٠/٤١-٣٢] . ﴿ وَتَصْلِيَةُ ◌َ- ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ اٌلْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينُّ ﴿ََّ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ◌َِيٍ (@) أي وإن كان المتوفى أو المحتضر من المكذبين بالحق والبعث، الضالين عن الهدى، وهم أصحاب الشمال المتقدم ذكرهم، فله ضيافة أو نزل يُعَدُّ له من حميم: وهو الماء الشديد الحرارة، بعد أن يأكل من الزقوم، كما تقدم بيانه، ثم استقرار، وزج له في النار التي تغمره من جميع جهاته. ثم حسم الله تعالى الأمر وأبان مدى صحة الخبر، فقال: أى إن هذا الخبر والمذكور في هذه السورة ٣٩٥ ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ أَلْيَقِيْنِ من أمر البعث وغيره لهو محض اليقين وخالصه، والحق الثابت الذي لا شك فیه ولا ریب، ولا محید لأحد عنه. ثم أمر الله نبيه بما يكمل نفسه، فقال: أي نزِّه الله عما لا يليق بشأنه، لما علمت ﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ ( من أخبار علمه وقدرته. والباء في قوله: ﴿ پآسم)﴾ زائدة، أي سبِّح اسم ربك، والاسم: المسمى. أخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم عن عقبة بن عامر قال: لما نزلت على رسول الله وَله: ﴿فَسَيِحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ ﴿4﴾ قال: ((اجعلوها في ركوعكم)) ولما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾﴾ قال رسول الله وَالر: ((اجعلوها في سجودكم)). ٣٠٦ الزُ (٢٧) - الوَاقِعَةِّ: ٥٦ /٧٥-٩٦ والفرق بين العظيم والأعلى: أن العظيم يدل على القرب، والأعلى يدل على البعد، فهو سبحانه قريب من كل ممكن، وقريب من الكل، وهو أعلى من أن يحيط به إدراكنا، وفي غاية البعد عن كل شيء. أخرج الجماعة إلا أبا داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وخلقه: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)). فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١ - أقسم الله تعالى بمساقط النجوم ومغاربها، وهو قسم عظيم لو يعلم الناس، على أن القرآن قرآن كريم، كثير النفع، ليس بسحر ولا كهانة، وليس بمفترى، بل هو قرآن كريم محمود، جعله الله تعالى معجزة لنبيه وَله، وهو كريم على المؤمنين؛ لأنه كلام ربهم، وشفاء صدورهم، كريم على أهل السماء؛ لأنه تنزیل ربهم ووحیه. قال القشيري عن صيغة القسم: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ﴾: هو قسم، ولله تعالى أن يقسم بما يريد، وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى وصفاته القديمة. ◌َ- وصف الله تعالى القرآن، في هذه الآيات بأربع صفات: هي أنه کريم، أي كثير الخيروالنفع والفائدة، وفي كتاب مكنون، أي في اللوح المحفوظ، مصون عند الله تعالى، ومحفوظ عن الباطل والتغيير والتبديل، ولا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب، وهم الملائكة، ومنزل من رب العالمين. والأصح أن المراد من الكتاب المكنون: اللوح المحفوظ. والضمير في ﴿لَّا يَمَسُّهُ﴾ للكتاب. أما مس المصحف على غير وضوء؛ فالجمهور ومنهم أئمة المذاهب الأربعة ٣٠٧ الزُ (٢٧) - الوَاقِعَةِ: ٥٦ /٧٥-٩٦ على المنع من مسّه، لحديث عمرو بن حزم المتقدم: ((لا يمس القرآن إلا طاهر)) وأجاز المالكية مسّ القرآن للمحدث لضرورة التعلم والتعليم. وروي عن الحكم وحماد وداود بن علي الظاهري: أنه لا بأس بحمل القرآن ومسّه للمسلم والكافر طاهراً أو محدثاً، إلا أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمله، واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبي ◌َله إلى قيصر، ورد عليهم بأنه موضع ضرورة، فلا حجة فيه. فيكون المنع من مس المصحف للمحدث ثابتاً بالسنة، وليس مأخوذاً من صريح الآية. ٣- بعد إثبات النبوة وصدق الوحي والقرأن الكريم وبَّخ الله تعالى المتهاونين بالقرآن المكذبين به، وهذا قلب للأوضاع، فإن الجاحدين جعلوا شكر الرزق من الله والإنعام هو التكذيب، فوضعوا الكذب مكان الشكر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءُ وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥/٨] أي لم يكونوا يُصلُّون، ولكنهم كانوا يصفِّرون ويصفّقون مكان الصلاة. قال القرطبي: وفي هذا بيان أن ما أصاب العباد من خير، فلا ينبغي أن يَروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكون أسباباً، بل ينبغي أن يروه من قِبَل الله تعالى، ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة، أو صبر إن كان مكروهاً، تعبُّداً له وتذللاً(١). ٤- تحدَّ الله منكري البعث بأنهم إن كانوا صادقين في زعمهم ألا بعث، وأنهم غير مجزيين ولا محاسبين ولا مبعوثين يوم المعاد، فليمنعوا الموت عن الإنسان حين الاحتضار، وليردوا الروح إليه إذا بلغت الحلقوم، وإذا انتفى الموت انتفى البعث، والحق أنهم عاجزون عن ذلك، لا يقدرون على شيء من هذا، وهم ينظرون إلى المحتضر محزونين آيسين، والله سبحانه أقرب إلى المحتضر. بالقدرة والعلم والرؤية، ولكن الحاضرين حوله لا يدركون ذلك، ولا يرون الملائكة الرسل الذين يتولون قبض الروح. (١) تفسير القرطبي : ٢٢٨/١٧. ٣٠٨ الجُزءُ (٢٧) - الوَاقِعَةِّ: ٥٦ /٧٥-٩٦ ٥- الناس عند الاحتضار ثم الوفاة أصناف ثلاثة: المقربون السابقون، وأهل اليمين، وأهل الشمال. أما المقربون فلهم الرحمة والاستراحة، والرزق الواسع، والتنعم المطلق في الجنة، ورؤية الله عز وجل، فلا يحجبون عنه. وأما أصحاب اليمين، فإنهم يسلمون من عذاب الله، ويسلم الله عليهم، وتسلّم الملائكة أيضاً عليهم قائلين لهم: سلام لك من إخوانك أصحاب اليمين. قال ابن مسعود: إذا جاء مَلَك الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام. وكذلك يسلم عليهم منكر ونكير عند المساءلة في القبر، وتسلم عليهم الملائكة عند البعث في القيامة، قبل الوصول إليها. فالملائكة تسلم على صاحب اليمين في الموا طن الثلاثة، ويكون ذلك إكراماً بعد إكرام(١). وأما أصحاب الشمال المكذبون بالبعث، الضالون عن الهدى وطريق الحق، فلهم رزق من حميم: ماء تناهى حره، وإدخال في النار. ٩- إن جميع هذا المذكور في هذه السورة محض اليقين وخالصه، وهو الحق الثابت الذي لا شك فيه، ولا محيد عنه. قال قتادة في هذه الآية: إن الله لیس بتارك أحداً من الناس حتى يقِفَه على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فنفعه ذلك يوم القيامة، وأما الكافر فأيقن يوم القيامة حين لا ينفعه اليقين. لاً - أمر الله نبيه والمؤمنين من بعده بأن ينزه الله تعالى عن السوء وعن كل ما لا يليق به، ما دام الحق قد ظهر، واستبان اليقين، وبطل زيف الكفار والمشركين. (١) المرجع السابق: ص ٢٣٤. ٣٠٩ لِلُ (٢٧) السورة (٥٧) ◌ِالحَدِدُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحَدِك مدنية، وهي تسع وعشرون آية مدنيتها: هي كما ذكر القرطبي مدنية في قول الجميع، وهو الظاهر، وقيل: إنها مكية وهو رأي مرجوح. تسميتها: · سميت سورة الحديد، للإشارة في الآية (٢٥) منها إلى منافع الحديد، واعتماد مظاهر المدنية والعمران والحضارة عليه، سواء في السلم والحرب. مناسبتها لما قبلها: وجه اتصال هذه السورة بالواقعة من ناحيتين: اً - ختمت سورة الواقعة بالأمر بالتسبيح، وبدئت هذه بذكر التسبيح من كل ما في السماوات والأرض. اَ - إن سورة الحديد واقعة موقع العلة للأمر بالتسبيح في الواقعة، فكأنه قيل: ﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِكَ الْعَظِيمِ (®]) لأنه سبح له ما في السماوات والأرض، فالله أمر بالتسبيح، ثم أخبر أن التسبيح المأمور به قد فعله، والتزمه كل ما في السماوات والأرض. ٣١٠ لِلُ (٢٧) السورة (٥٧) الحَدِ ما اشتملت عليه السورة: موضوع هذه السورة كغالب السور المدنية بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالعقيدة والإيمان، والجهاد والإنفاق في سبيل الله، والترفع عن مفاتن الدنيا، وبيان أصول الحكم الإسلامي، وكشف مخازي المنافقين، وشرائع الأنبياء في الحياة الخاصة والعامة. ابتدأت بالحديث عن صفات الله وأسمائه الحسنى، وظهور آثار عظمته في خلق الكون. ثم دعت المسلمين إلى الإنفاق في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وإعزاز الإسلام، ورفع مجده وشأنه. وقارنت أثر هذه الدعوة إلى البذل والجهاد بين المؤمنين المجاهدين الذين يتميزون بأنوارهم في الآخرة، وبين المنافقين الذين يبخلون ويجبنون، ويتخبطون في ظلمات الجهل والكفر. ثم أبانت السورة حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، فالدنيا دار الفناء واللهو واللعب، والآخرة دار الخلود والبقاء والسعادة والراحة الكبرى، وفي ذلك تحذير من الاغترار بالدنيا، وترغيب في الآخرة والعمل من أجلها. ونصحت المؤمنين بالصبر على المصائب، وذمت أهل الاختيال والكبر والبخلاء، وحضَّت على العدل وعمارة الكون، وأبانت الغاية من بعثة الرسل الكرام، وأمرت بتقوى الله، واتّباع هدي الرسل والأنبياء. وختمت السورة بالاعتبار بالأمم السابقة، وبقصص نوح وإبراهيم وأحفادهم الرسل، وبقصة عيسى ابن مريم، وموقف أتباعه من دعوته، وأوضحت ثواب المتقين، ومضاعفة أجر المؤمنين برسلهم، وأبانت أن الرسالة اصطفاء من الله، وفضل يختص به من يشاء من عباده. فضلها: أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن عِرْباض بن سارية أنه حدَّث أن رسول الله وَ ليل كان يقرأ المسبحَّات قبل أن يرقد، وقال: ((إن فيهن ٣١١ لُ (٢٧) - الحَدِّ: ٥٧ /١-٦ آية أفضل من ألف آية)) وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَّهِرُ وَالْبَاطِئٌ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيُ التسبيح لله في جميع الأوقات وأسبابه ﴿ سَبَّعَ لِّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ اُلْعَرِبِزُ الْحَكِيمُ ﴿ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَاْلَخِرُ وَاُلَّهِرُ وَاْأَرْضِّ يَّحِىءٍ وَيُمِيثٌ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَدِيرٌ وَالْبَاطِئُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ ﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِنَّ يَعْلَمُ مَا ◌َلِجُ فِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ فَإِلَى اللَّهِ تُجَعُ الْأُمُورُ ﴿ يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ اٌلَّهَارَ فِ الَلِّ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ القراءات: ﴿تُجَعُ الْأُمُورُ﴾: قرئ: ١- (تُرْجَع الأمور) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم. ٢- (تَرْجِع الأمور) وهي قراءة الباقين. الإعراب: معكم وهُوَ ظرف متعلق بما يشبه الفعل مقدر، ج کنتم أُبْنَ مَا تقديره: وهو شاهد معكم. البلاغة: ﴿يُحِ، وَيُمِيثٌ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿اَلْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ﴾ وبين ﴿وَاَلَّهِرُ ٣١٢ الُعُ (٢٧) - الحَدِّ: ٥٧ /١-٦ وَالْبَاطِنُ﴾. ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِحُ فِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ و﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ بينهما مقابلة. ﴿يُولِجُ الَّْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّلِ﴾ فيه رد العجز على الصدر. المفردات اللغوية: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ أي نزهه كل شيء من كل نقص وعما لا يليق به من صفات الحوادث كالشريك والولد، وإنما عدّي باللام وهو معدّى بنفسه، مثل نصحت له ونصحته، إشعاراً بأن إيقاع الفعل لأجل الله وخالصاً لوجهه. وذكر في القرآن: (سبِّحْ) كما في آخر السورة السابقة ﴿اُلْوَاقِعَةُ﴾ وأول الأعلى للأمر بالتسبيح، وذكر هنا وفي الحشر والصف بلفظ الماضي، وفي الجمعة والتغابن بلفظ المضارع، إشعاراً بأن من شأن ما أسند إليه أن يسبحه في جميع أوقاته، وكله يدل على الديمومة والاستمرار، وأن ذلك ديدن من في السماوات والأرض، وجاء بلفظ المصدر ﴿سُبْحَنَ﴾ أول الإسراء، إشعاراً بإطلاقه على استحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل حال. ﴿مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ جيء ب﴿مَا﴾ وليس (مَنْ) تغليباً للأكثر من غير العقلاء. ﴿وَهُوَ اُلْعَرِيِزُ الْحَكِيمُ﴾ القوي في ملكه فلا ينازعه فيه شيء، الحكيم في صنعه، والجملة حال يشعر بما يدل على أنه الأهل للتسبيح مع استغنائه . ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يُحِىءٍ وَيُمِيثٌ﴾ أي إن سبب التسبيح كونه تعالى مالكاً السماوات والأرض، وله تمام التصرف في الملك، وهو إيجاد ما شاء وإعدام ما شاء بقدرته على الإحياء والإماتة . ﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي قادر تام القدرة على كل شيء من الإحياء والإماتة وغيرهما. ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ السابق على سائر الموجودات، والموجود قبل كل شيء بلا بداية؛ لأنه موجد الأشياء ومحدثها . ﴿ وَاُلْآَخِرُ﴾ الباقي بعد فناء الموجودات، والموجود بعد كل شيء بلا نهاية . ﴿وَاَلَظَّهِرُ وَالْبَاِنُ﴾ الظاهر وجوده لكثرة ٣١٣ اِلُعُ (٢٧) - الحَدِ: ٥٧ /١-٦ دلائله، والباطن: حقيقة ذاته، فلا تحيط به العقول والحواس، وخفيت عنه ذاته، فهو ظاهر بآثاره وأفعاله، وباطن بذاته . ﴿فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ستة أطوار. ﴿ُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشَِّ﴾الكرسي استواء يليق به. ﴿يَلِجُ﴾ يدخل. ﴿فِ الْأَرْضِ﴾ من كنوز ومعادن وبذور ومطر وأموات . ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ كالنبات والمعادن المنفعة الناس. ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ كالمطر والرحمة والملائكة والعذاب وغير ذلك. ﴿ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ كالأبخرة والأعمال والدعوات. ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنُهُمّ﴾ أي بعلمه وقدرته، لا يفارقكم بحال، فليس المراد المعية بالذات. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم عليه، وتقديم الخلق في الآية على العلم؛ لأنه دليل عليه. ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ الموجودات جميعها. ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النََّارِ وَيُولِجُ اُلتَّهَارَ فِ الَّلَّ﴾ يدخل أحدهما في الآخر بالزيادة والنقص، فيزيد الليل وينقص النهار تارة، وعلى العكس تارة أخرى. ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بما فيها من الأسرار والمكنونات، والنوايا والخفايا والمعتقدات. التفسير والبيان: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ أي نزَّه الله تعالى عن كل نقص وعما لا يليق به كل شيء في السماوات والأرض من الجماد والنبات والإنسان والحيوان، تعظيماً له وإقراراً بربوبيته، سواء بلسان المقال، كتسبيح الملائكة والإنس والجن، أو بلسان الحال، كتسبيح غيرهم، فإن كل موجود يدل على الصانع، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّعُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيْحُ بِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء: ٤٤/١٧] فتسبيح العقلاء: تنزيه وتقديس وعبادة، وتسبيح ٤٤ غيرهم إقرار واعتراف بالصانع. والله هو القوي القادر الغالب الذي خضع له كل شيء، ولا ينازعه أحد في ٣١٤ الُُ (٢٧) - الحَدِلُّ: ٥٧ / ١-٦ ملكه، الحكيم في تدبيره وأمره وخلقه وشرعه، يتصرف على وَفْق الحكمة والصواب. وهذه الجملة مستأنفة بمنزلة التوكيد المعنوي لما قبلها، تدل على أنه تعالى مبدأ التسبيح مع الاستغناء عنه. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يُحِ، وَيُمِيثٌ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ أي لله تعالى الملك المطلق السموات والأرض، يتصرف فيهما وحده، وله السلطان التام، وهو نافذ الأمر، فلا ينفذ غير تصرفه، وهو المالك المتصرف في خلقه، فيحيي من يشاء، ويميت من يشاء، ويعطي من يشاء ما يشاء، وهو تام القدرة، لا يعجزه شيء، كائناً ما كان، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ﴿هُوَ اُلْأَوَّلُ وَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَالِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيُ (٤) أي الله هو الأول قبل كل شيء، قيل، وهو غير حديث: ((كنت كنزاً مخفياً، فأردت أن أعرف، فخلقت الخلق، فبي عرفوني)) وهو الآخر الباقي بعد كل شيء، خلقه، كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُمْ﴾ [القـ ٢٨/ ٨٨] . بعد وهو الظاهر العالي فوق كل شيء، الغالب على كل شيء، والباطن العالم بما بطن، ولا تعرف العقول ذاته على حقيقتها، ولا تدركه الحواس، وهو ذو علم تام بكل شيء، لا يعزُب عن علمه شيء من المعلومات. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ قال: ((اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بَعْدَك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر)). ﴿هُوَ اَلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشَِّ﴾ أي الله الذي أوجد وأبدع السماوات والأرض في أيام ستة الله أعلم بمقدارها، ٣١٥ ◌ِلُحُ (٢٧) - الحَدِة: ٥٧ /١-٦ وفي ستة أطوار مختلفة، وهو القادر على خلقها في لحظة، ولكن هذا العدد لتعليم العباد التأني والتثبيت في الأمور، ثم استوى على العرش أي الكرسي استواء يليق به، على نحو يريده، مما لا يعلم به إلا هو، وهذا رأي السلف، وهو الأولى احتياطاً، ورأي الخلف تأويل الاستواء على العرش بتدبير الأمر وتفصيل الآيات والاستيلاء على مقاليد السلطة. ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِحُ فِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَّا﴾ أي يعلم كل شيء، يدخل في الأرض من مطر وأموات وغير ذلك، ويخرج منها من نبات وزرع وثمار ومعادن وغيرها، وما ينزل من السماء من مطر وملائكة وغير ذلك، وما يصعد إلى السماء من الملائكة وأعمال العباد الصالحة والسيئة، والدعوات، والأبخرة المتصاعدة ونحو ذلك، جاء في الحديث الصحيح: ((يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل)). ﴿﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى ونظير الآية : الْبَرِّ وَاُلْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ ظُلُّمَتِ الْأَرْضِ وَلَا [الأنعام: ٥٩/٦] . ٥٩ رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِ كِئٍَ مُبِينٍ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنُمَّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي والله سبحانه مع عباده بقدرته وسلطانه وعلمه، أينما كانوا في البر والبحر والجو، والله رقيب عليهم بصير بأعمالهم، لا يخفى عليه شيء منها. قال أبو حيان: وهذه آية أجمعت الأمة على هذا التأويل فيها، وأنها لا تحمل على ظاهرها من المعية بالذات، وهي حجة على من منع التأويل في غيرها، مما يجري مجراها من استحالة الحمل على ظاهرها(١). ﴿لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَِّ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي هو المالك ۵ (١) البحر المحيط: ٢١٧/٨. ٣١٦ الجُزءُ (٢٧) - الحَدَِّّ: ٥٧ /١-٦ ﴾ [الليل: ٩٢ /١٣] للدنيا والآخرة. كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلَخِرَةَ وَأَلْأُولَى فلا راد لقضائه، ولا معقِّب لحكمه، وهو المحمود على ذلك كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْحَمْدُ فِ اٌلْأُولَى وَالْآَخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠/٢٨] ومرجع جميع الأمور إلى الله وحده لا إلى غيره يوم القيامة، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور، ولا يظلم مثقال ذرة. وقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ﴾ هذا التكرير للتأكيد، أو أنه وما بعده ليس بتكرار؛ لأن الكلام الأول في الدنيا لقوله: ﴿يُحِىِ، وَيُمِيثٌ﴾ والثاني في العقبى والآخرة لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُّجَعُ الْأُمُرُ﴾. ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّلِّ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أي إن الله سبحانه هو المتصرف في الخلق، يقلّب الليل والنهار، ويقدرهما بحكمته كما يشاء، فتارة يطول الليل، ويقصر النهار، وتارة بالعكس، وتارة يتركهما معتدلين، وتتوالى الفصول الأربعة بحكمته وتقديره لما يريده بخلقه، وهو يعلم السرائر وضمائر الصدور ومكنوناتها، وإن خفيت، لا يخفى عليه من ذلك خافية، سواء الظاهر والباطن. وهذا حث على التأمل في ملكوت الله، وشكر على ما أنعم، وتنزيه على كل ما لا يليق به. والخلاصة: أن هذه الآيات إخبار بتسبيح كل شيء الله، وبيان موجبات التسبيح. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اَ - مَجَّدَ الله ونزَّهَه عن السوء في الذات والصفات والأسماء والأفعال كُلُّ شيء في الأرض والسماء، سواء بالنطق والمقال الصريح، أم بلسان الحال ٣١٧ الُعُ (٢٧) - الحَدِد: ٥٧ /١-٦ والدلالة وظهور آثار الصنعة: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِدِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمَّ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤/١٧]. ٣- إن موجبات التسبيح كون الله العزيز الغالب في ملكه، الحكيم في صنعه، المالك المتصرف في السماوات والأرض، المستغني في ذاته وفي جميع صفاته عن كل ما عداه، ويحتاج كل ما عداه إليه في ذواتهم وفي صفاتهم، والنافذالأمر، المالك القادر القاهر، الذي لا يعجزه شيء. ◌َّ- ومن موجباته أيضاً أنه سبحانه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء والظاهر الغالب الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، وهو تام العلم بما كان أو يكون، فلا يخفى عليه شيء. وهذا دليل على أنه تعالى قبل كل شيء، ومتقدم على ما سواه تأثيراً وطبعاً وشرفاً ومكاناً وزماناً، أي إنه سبحانه قبل المكان وقبل الزمان. وهو إله لجميع الممكنات والكائنات، وإله للعرش والسماوات والأرضين، وعالم بظواهرنا وبواطننا. ٤- ومما يوجب تسبيحه أنه خالق السماوات والأرض ومبدعهما، صاحب العرش الذي استوى عليه استواء يليق به، العالم بما يدخل في الأرض من مطر وغيره، وما يخرج منها من نبات وغيره، وما ينزل من السماء من رزق ومطر وملائكة، وما يصعد فيها من ملائكة وأعمال العباد، وهو مع خلقه بقدرته وسلطانه وعلمه، لا بذاته، أينما كانوا، ويبصر أعمالهم ويراها، ولا يخفى عليه شيء منها. ٥- ومن موجبات التسبيح أنه سبحانه المالك للدنيا والآخرة، وترجع إليه أمور الخلائق في الآخرة. وهو يقلب الليل والنهار طولاً وقصراً، ويأتي بالفصول الأربعة، ولا تخفى عليه الضمائر، فهو إذن المعبود على الحقيقة، فلا يجوز أن يعبد من سواه. ٣١٨ لُرُ (٢٧) - الحَدِّمَ: ٥٧ /٧-١٢ والخلاصة: أن هذه الآيات جامعة بين الدلالة على قدرة الله، وبين إظهار نعمه، والمقصود من إعادة بعض معانيها في رأي القائلين بالتكرار الحث على النظر والتأمل، ثم الاشتغال بالشكر على تلك النعم. بعض التكاليف الدينية الحث على الإيمان حكا الله عافية وسام بالله تعالى ورسوله وعلى الإنفاق ﴿ءَامِنُوْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيَهُ قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُتْ لِثُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُنْ وَقَدْ أَخَذَ مِشَقَكُمْ إِن كُ مُؤْمِنِينَ ﴿ هُوَ الَّذِى يُنَزِلُ عَلَى عَبْدِهِ: ءَايَتٍ بَيْنَتِ لِيُخْرِحَكُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِرَثُ السَّمَوَقِّ وَالْأَرْضِّ لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ أُوْلِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَدْتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ اَلْحُسْنَىَّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لَهُ وَلَهُ: أَخْرٌ كَرِيمٌ ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَبْدِيهِمْ وَبِيْمَتِهِ بُشْرَّكُمُ الْيَوْمَ جَنََّتٌ تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ خَالِدِينَ فِيَهَ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ ١٢ القراءات: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِشَقَكُمْ﴾ : وقرأ أبو عمرو (وقد أُخِذَ ميثاقُكم). رِ يُنَزِّلُ﴾ : وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (يُنْزِل). ﴿لَرَءُوفٌ﴾ : ٣١٩ الُ (٢٧) - ◌ِالحَدِلُّ: ٥٧ / ٧-١٢ وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي (لرؤف). ﴿وَكُلَّا وَعَدَ﴾: وقرأ ابن عامر (وكلٌّ وُعد). ﴿فَيُضَعِفَهُ﴾: قرئ: ١- (فيضعِّفُه) وهي قراءة ابن كثير. ٢- (فيضعِّفَه) وهي قراءة ابن عامر. ٣- (فيضاعِفَه) وهي قراءة عاصم. ٤- (فيضاعِفُه) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿وَمَا لَكُمْ لَ نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ ﴿لَ نُؤْمِنُونَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من معنى الفعل في ﴿ وَمَا لَكُمْ﴾، ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾: جملة اسمية في موضع نصب على الحال، والواو: واو الحال، وتقديره: مالكم غير مؤمنين بالله تعالى، والرسول ◌َ ر في هذه الحال، فهما حالان متداخلتان. وقرئ: (وما لكم لا يؤمنون) والمعنى: وأي عذر لكم في ترك الإيمان، والرسول يدعوكم إليه، وينبهكم عليه، ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبراهين والحجج. ﴿وَكُلَّ وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىَّ﴾ ﴿وَكُلَّا﴾ منصوب بـ ﴿وَعَدَ﴾ و﴿اَلْحُسْنَى﴾ منصوب مفعول ثانٍ لـ ﴿وَعَدَ﴾ وقرئ: (وكلٌّ) على أنه مبتدأ، و﴿ وَعَدَ﴾ خبره، وقدر في ﴿وَعَدَ﴾ هاء، أي وعده الله، أو خبر مبتدأ محذوف، أي أولئك كل وعد الله، و﴿ وَعَدَ﴾: صفة لـ ( كل ). ٣٢٠ الزُ (٢٧) - الحَدِدُّ: ٥٧ /٧-١٢ ﴿يَوْمَ تَرَىَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرف، والعامل فيه ﴿وَلَّهُ: أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ و﴿ يَسْعَى نُورُهُم﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال؛ لأن ﴿تَرَى﴾ بصرية لا قلبية. (بُشْرَكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتٌ﴾ تقديره: دخول جنات، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه؛ لأن البشارة إنما تكون بالأحداث، لا بالجنات. ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَثَلَ﴾ فيه حذف بالإيجاز، ج البلاغة: تقديره: ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، لدلالة الكلام عليه بعدئذ، ولوضوحه. ﴿لَيُخْرِحَكُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ استعارة، حيث استعار ﴿اُلْظُلُمَتِ﴾ الكفر والضلالة، و﴿ النُّورِ﴾ للإيمان والهداية. ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ فَرْضًا حَسَنًا﴾ استعارة تمثيلية، مثل حال المنفق بإخلاص بمن يقرض ربه قرضاً واجب الوفاء. المفردات اللغوية: ﴿ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ صدقوا بوحدانية الله تعالى وبرسوله بَّه، وداوموا على الإيمان بهما . ﴿ وَأَنِفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ أنفقوا في سبيل الله من الأموال التي جعلكم خلفاء في التصرف فيها، فهي في الحقيقة له، لا لكم، وسيخلفكم بدلاً عنها، وفيه حث على الإنفاق وتهوين له على النفس. ﴿فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَنَفَقُوْ لَهُمْ أَخْرُ كَبِيرٌ﴾ هذا وعد فيه عدة مبالغات هي جعل الجملة اسمية، وإعادة ذكر الإيمان والإنفاق، وبناء الحكم على الضمير، وتنكير كلمة الأجر، ووصفه بالکبر.