Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
الجُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ / ١-٨
حِكْمَةٌ بَلِّغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (@)﴾ أي إن هذه الأنباء في القرآن وما
تضمنته من عبرة وعظة وهداية حكمة بالغة كاملة قد بلغت منتهى البيان، ليس
فيها نقص ولا خلل، ولا تفيد النذر أو الإنذارات شيئاً للمعاندين، فإن
عنادهم يصرفهم عن الحق، فتكون (ما ) نافية، ويصح أن تكون استفهاماً
إنكارياً، بمعنى أي غناء أو شيء تغني النذر أي الإنذارات لهؤلاء الكفار
الطغاة؟ فإنك أيها النّبي أتيت بما عليك من الإخبار بالنبوة مقرونة بالآية
الباهرة، وأنذرتهم بأحوال الأقدمين، فلم يفدهم شيئاً.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾
[يونس: ١٠ / ١٠١] .
ثم أمر الله نبيه بالإعراض عن مجادلتهم بعدئذٍ، فقال:
﴿فَتَوَلَ عَنْهُمُ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ نُكُرٍ ﴾﴾ أي أعرض عنهم يا
محمد، ولا تتعب نفسك بدعوتهم، حيث لم يؤثر فيهم الإنذار، وانتظرهم،
واذكر يا محمد ذلك اليوم الذي يدعو فيه إسرافيل إلى شيء فظيع تنكره
نفوسهم، استعظاماً له، إذ لا عهد لهم بمثله أبداً، وهو موقف الحساب
الرهيب وما فيه من البلاء والأهوال.
أي یوم یکون
(خُشَّعًا أَبْصَرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَحْدَاثِ كَهُمْ جَارٌ مُنَشِرٌ (4)
أولئك الكفار في ذلك اليوم ذليلة أبصارهم من الذل والهوان، يخرجون من
القبور على هذه الحال من الذل، كأنهم لكثرتهم واختلاطهم وانتشارهم
وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي جراد منتشر منبثّ في
الآفاق، مختلط بعضه ببعض.
وهذا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَأَلْفَرَاشِ الْمَبْئُوثِ
[القارعة: ٤/١٠١] .
٤٠

١٦٢
الُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ / ١-٨
﴿ُهْطِعِينَ إِلَى النََّعَ يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُّ عَسِرٌ (®﴾ أي مسرعين إلى
الداعي، وهو إسرافيل دون تلكؤ ولا تأخر، يقول الكفار: هذا يوم صعب
شديد الهول على الكفار، ولكنه ليس بشديد على المؤمنين.
ج عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ
ونظير الآية: ﴿فَذَلِكَ يَوْمِذٍ يَوْمٌ عَسِيرُ
[المدثر: ٩/٧٤ -١٠] .
١٠
وهذا يدل بطريق المفهوم على أنه يوم هيِّن يسير على المؤمنين.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - اقتراب موعد يوم القيامة، فكل آتٍ قريب، وإن مرور عشرات القرون
بعد نزول هذه الآية وأمثالها لا يعد شيئاً في حساب عمر الدنيا الذي قدّر
بخمسة مليارات سنة.
◌َ- حدوث انشقاق القمر بمكة في عهد النبي ◌َّ معجزة له، قال
القرطبي: وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة، وهو ظاهر
التنزيل، ولا يلزم أن يستوي الناس فيها؛ لأنها كانت آية ليلية، وأنها كانت
باستدعاء النّبي ◌َّر من الله تعالى عند التحدي(١).
وقال الرازي: وأما المؤرخون فتركوه؛ لأن التواريخ في أكثر الأمر
يستعملها المنجم، وهو لما وقع الأمر قالوا بأنه مثل خسوف القمر، وظهور
شيء في الجو على شكل نصف القمر في موضع آخر، فتركوا حكايته في
تواريخهم، والقرآن أدل دليل، وأقوى مثبت له، وإمكانه لا يشك فيه، وقد
أخبر عنه الصادق، فيجب اعتقاد وقوعه(٢).
(١) تفسير القرطبي: ١٢٦/١٧.
(٢) تفسير الرازي : ٢٨/٢٩.

١٦٣
الجُزُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ / ١-٨
· والقائلون بأن الأخبار الواردة بشأن انشقاق القمر أخبار آحاد غير متواترة
يرون أن منكر ذلك لا يكفر؛ لعدم التواتر في السنة، وكون الآية ليست نصاً
في ذلك.
◌َّ - دلّ قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ﴾ على أن المشركين رأوا انشقاق
القمر. قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله وَّل، وقالوا: إن كنت
صادقاً فاشقق لنا القمر فرقتين، نصف على أبي قُبَيْس ونصف على قُعَيْقَعَان؛
فقال لهم رسول الله وَله: ((إن فعلتُ تؤمنون؟)) قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر،
فسأل رسول الله وَ لي ربه أن يعطيه ما قالوا؛ فانشق القمر فرقتين، ورسول الله
وَل# ينادي المشركين: ((يافلان، يافلان اشهدوا)). ويؤيده حديث ابن مسعود
المتقدم في سبب النزول.
٤- لم يجد المشركون طريقاً لتكذيب آية الانشقاق إلا بأن يصفوه بأنه سحر
محكم قوي شديد، ومن الْمِرّة وهي القوة، أو دائم نافذ مطرد، أو ذاهب، من
قولهم: مَرَّ الشيء واستمر: إذا ذهب.
٥- لقد كذبوا نبيهم واتبعوا ضلالاتهم واختياراتهم وآراءهم الباطلة في أن
انشقاق القمر خسوف عرضي للقمر.
أَ- هددهم الله تعالى بأن كل أمر مستقر، أي يستقر بكل عامل عمله،
فالخير مستقرّ بأهله في الجنة، والشرّ مستقرّ بأهله في النار، وكل أمر صائر إلى
غاية، وأن أمر محمد بَّه سيصير إلى حدّ يعرف منه حقيقته، وكذلك أمرهم
مستقر على حالة البطلان والخذلان.
لاً- لقد أعذر من أنذر، وجاء هؤلاء الكفار من أنباء الأمم الخالية ما
يزجرهم عن الكفر لو قبلوه، وأخبره الرسول باقتراب القيامة، وأقام الدليل
على صدقه، ووعظهم بأحوال القرون الخالية وأهوال الدار الآخرة.

١٦٤
المُرُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ / ١-٨
٨- الأنباء التي في القرآن الكريم أو القرآن نفسه حكمة بالغة النهاية في
الكمال والبيان.
١- إذا كذَّب الكفار وخالفوا وعاندوا وأصروا على كفرهم، فلسيت تغني
عنهم النذر، فتكون (ما) نافية في قوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾. ويجوز أن تكون
استفهاماً بمعنى التوبيخ، أي فأي شيء تغني النذر عنهم، وهم معرضون
عنها؟! والنذر بمعنى الإنذار، أو جمع نذير.
. ١ - إذا كان هذا شأن الكفار، فأعرض يا محمد عن مجادلتهم ومحاجتهم،
ولا تسأل عنهم وعن أحوالهم، واذكر يوم يدع الداعي: إسرافيل إلى شيء
فظيع عظيم شديد تنكره نفوسهم لشدة أهواله، وهو موقف الحساب ويوم
القيامة.
١اً - في يوم القيامة بخر الكفار من قبورهم ذليلة أبصارهم، كأنهم لكثرتهم
واختلاطهم وتموجهم جراد منتشر مبثوث في كل مكان. وقال تعالى في آية
أخرى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ اٌلْمَبْثُوثِ
[القارعة: ١٠١ / ٤] .
٤
قال القرطبي: فهما صفتان في وقتين مختلفين:
أحدهما - عند الخروج من القبور، يخرجون فزِعين لا يهتدون أين
يتوجهون، فيدخل بعضهم في بعض؛ فهم حينئذٍ كالفراش المبثوث
بعضه في بعض، لا جهة يقصدها.
الثاني- فإذا سمعوا المنادي قصدوه، فصاروا كالجراد المنتشر؛ لأن الجراد
له جهة يقصدها.
وهم في سيرهم مهطعون، أي مسرعون، ويقولون: إن يوم القيامة يوم
صعب عَسِر؛ لما ينالهم فيه من الشدة.
٠

١٦٥
لُرُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ / ٩-١٧
إعادة قصص الأمم الخالية المكذبة للرسل
- ١ -
قصة قوم نوح عليه السلام
فَدَعَا رَبَّهُ:
كَذَّبَتْ قَبَلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ
أَنِى مَغُلُوبٌ فَأَنَصِرْ ﴿ فَفَنَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَاءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمٍِ
١١
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا
روم
وَحَمَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَحِ
١٣
فَالْنَفَى الْمَاءُ عَلَىَّ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
تَجْرِى بِأَعْيُنِنَ
ودسر
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ
١٥
جَزَآءُ لِّمَنْ كَانَ كُفِرَ ﴿ وَلَقَد تََّكْتَهَآ ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّذَكٍِ
روز
وَلَقَدْ يَسِّرْنَا اُلْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ
ونذر
القراءات:
﴿فَفَنَحْنَآَ﴾ :
وقرأ ابن عامر (ففَتَّحْنا).
﴿عُيُونَا﴾ :
وقرأ ابن كثير، وابن ذكوان، وحمزة، والكسائي (عِيوناً).
﴿ اَلْقُرْءَانَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران).
الإعراب:
﴿فَالْنَقَى الْمَآءُ﴾ أراد بالماء الجنس، ولو لم يرد ذلك لقال: الماءان: ماء
السماء، وماء الأرض. والأصل في الماء: مَوَهِ، لقولهم في تكسيره: أمواه،
وفي تصغيره: مُوَيْه؛ لأن التصغير والتكسير يردان الأشياء إلى أصولها،

٠ ١٦٦
لِلُزُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ /٩-١٧
فتحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها،
وأبدلت من الهاء همزة، فصار: (ماء) .
﴿جَآءً﴾ منصوب بفعل مقدر، أي أغرقوا انتصاراً، أو عقاباً.
﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾ أصل ﴿مُذَّكِرٍ﴾ مذتكر بوزن مفتعل، من الذكر، إلا أن
الذال مجهورة والتاء مهموسة، فأبدلوا من التاء حرفاً من مخرجها يوافق الذال
في الجهر، وهي الدال، وأدغمت الذال في الدال لتقاربهما، فصار مذكر.
ويجوز أن تدغم الدال في الذال، فيقال: مذكر، وقد قرئ به.
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ (®﴾ (كيف): إما خبر ﴿كَانَ﴾ إن كانت
ناقصة، و﴿عَذَابِ﴾: اسمها، وهو مصدر بمعنى الإنذار، أو جمع نذير،
كرغيف ورُغُف. ويجوز أن يكون (كيف) في موضع الحال، فـ (كان) بمعنى
وقع وحدث و(عذابي): رفع لـ(كان) ولا خبر لها.
البلاغة:
﴿فَفَنَحْنَآ أَبْوَبَ السَّمَآءِ﴾ استعارة تمثيلية، شبه تدفق المطر من السحاب
بانصباب أنهار انفتحت بها أبواب السماء . ﴿ وَحَمَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَحِ وَدُسُرٍ
(١) كناية عن السفينة التي تتركب من الأخشاب والمسامير.
المفردات اللغوية:
﴿كَذَّبَتْ﴾ بالرسل. ﴿قَبْلَهُمْ﴾ قبل قومك قريش. ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ تأنيث الفعل
المعنى ﴿قَوْمٌ﴾. ﴿فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا﴾ نوحاً، وهو تفصيل بعد إجمال. ﴿وَأَزْدُجِرَ﴾ أي
زجر عن التبليغ بأنواع الأذى من السبّ وغيره.
﴿فَدَعَا رَبَُّ: أَنِ﴾ أي بأني. ﴿مَغْلُوبٌ﴾ غلبني قومي. ﴿فَأَنَصِرْ﴾ فانتقم لي
منهم، وذلك بعد يأسه منهم، فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه،
حتى يخرّ مغشياً عليه، فيفيق، ويقول: اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون.

١٦٧
الُ (٢٧) - الْقَبْ: ٥٤ / ٩-١٧
﴿مُنْهَمِرٍ﴾ منصب، كثير. ﴿ وَفَجَرْنَا اُلْأَرْضَ عُونًا﴾ أي وجعلنا الأرض كلها
كأنها عيون، وأصله: فجرنا عيون الأرض، أي وجعلناها تنبع، فغيَّر
للمبالغة. ﴿فَالْنَفَى الْمَآءُ﴾ ماء السماء وماء الأرض. ﴿عَلَىَّ أَمْرٍ﴾ على حال ﴿قَدْ
قُدِرَ﴾ قضي به في الأزل، وهو هلاكهم غرقاً. ﴿ وَحَلْنَهُ﴾ حملنا نوحاً. ﴿عَلَى
ذَاتِ أَلَوَجِ وَدُسُرٍ﴾ حملناه على سفينة ذات أخشاب عريضة ومسامير، والدسر:
جمع دسار مثل كتب وكتاب، والمراد أن السفينة ذات دفع شديد .﴿نَجْرِى
◌ِأَعْيُنِنَا﴾ بمرأى منا، والمراد بحراستنا وحفظنا ﴿جَزَآءَ﴾ أي أغرقوا عقاباً. ﴿لِّمَن
كَانَ كُفِرَ﴾ جُحد به، وهو نوح عليه السلام، أي أغرقوا عقاباً لهم، وقرئ:
(كفَر) أي جزاء للكافرين.
﴿ وَلَقَد تَرَّكْتَهَا﴾ أبقينا السفينة أو الفعلة. ﴿ءَايَةً﴾ علامةً ودليلاً لمن يعتبر
بها . ﴿مُذَّكِرٍ﴾ أي متذكر معتبر ومتعظ. ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنَذُرِ (٣)﴾ أي
إنذاراتي لهم بالعذاب قبل نزوله، وهو استفهام تعظيم ووعيد، وتقرير،
والمعنى: حمل المخاطبين على الإقرار بوقوع عذاب الله تعالى بالمكذبين لنوح
موقعه. ﴿يَسَّرْنَا﴾ سهلنا. ﴿لِلذِّكِرِ﴾ للعظة والاعتبار. ﴿مُّذَّكِرٍ﴾ متعظ
بمواعظه.
المناسبة:
بعد أن أجمل الله تعالى الزجر بأخبار الأمم الماضية المكذبة رسلها، أعاد
بعض الأنباء وفصلها، وهي قصص أربع: قصة قوم نوح وعاد وثمود وقوم
لوط لهدفين: بيان أن حال الرسول - ﴿ كحال الرسل المتقدمين مع أقوامهم،
ووعيد المشركين من أهل مكة وغيرهم على تكذيبهم رسولهم.
التفسير والبيان:
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحِ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ
٩
أي

١٦٨
لُعُ (٢٧) - الْقَبَرُ: ٥٤ / ٩-١٧
كذبت قبل قومك يا محمد بالرسل قوم نوح، فإنهم كذبوا عبدنا نوحاً عليه
السلام، واتهموه بالجنون، وانتهروه وزجروه وتواعدوه عن تبليغ الدعوة
بمختلف أنواع الإيذاء والسّب والتخويف، قائلين: ﴿قَالُواْ لَكِن لَّمْ تَنْتَهِ يَنُوحُ
[الشعراء: ١١٦/٢٦].
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ
وفائدة قوله: ﴿فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا﴾(١) بعد قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ هي
التخصيص بعد التعميم، أي كذبت الرسل أجمعين، فلذلك كذبوا نوحاً.
وقوله: ﴿عَبْدَنَا﴾ تشريف وتنبيه على أنه هو الذي حقق المقصود من الخلق
وقتئذٍ، ولم يكن على وجه الأرض حينئذٍ عابد لله سواه، فكذبوه.
﴿فَدَعَا رَبَّهُ: أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنَصِرْ (٣)﴾أي فدعا نوح الله ربّه قائلاً: إني
ضعيف عن مقاومة هؤلاء، فانتصر أنت لدينك، وانتقم لي منهم بعقاب من
عندك.
وقد طلب النصرة عليهم، بعد أن علم تمردهم وعتوهم وإصرارهم على
الضلال. فأجاب الله دعاءه قائلاً:
﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (4﴾(٢) أي صبينا عليه ماءً غزيراً
كثيراً متدفقاً. وهذا التعبير مجاز عن كثرة انصباب الماء من السماء، كما يقال في
المطر الوابل: جرت ميازيب السماء، وفتحت أبواب القِرَب.
﴿ وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَلْنَقَى الْمَآءُ عَلَىَّ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
أي وجعلنا
١٣
الأرض كلها عيوناً متفجرة وينابيع متدفقة، فالتقى ماء السماء وماء الأرض
على أمر قد قضي عليهم، أي على أمر مقدر عليهم من الأزل، لما علم الله من
حالهم.
(١) الفاء : فاء تفصيل وتفريع.
(٢) الباء للآلة نحو فتحت الباب بالمفتاح، ويفتح الله لك بخير.

١٦٩
لُ (٢٧) - الْقَبْ: ٥٤ / ٩-١٧
وهذا دليل على عقابهم والانتقام منهم، ثم ذكر تعالى كيفية إنجاء نوح،
فقال :
﴿ وَحَمَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَحِ وَدُسُرِ (٣)﴾ أي وحملنا نوحاً على سفينة ﴿ذَاتِ
أَلْوَج﴾: وهي الأخشاب العريضة، ﴿وَدُسُرٍ﴾: وهي المسامير التي تشد بها
الألواح. وهذا الإيجاز من فصيح الكلام وبدیعه.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥/٢٩].
﴿ تَّجْرِى ◌ِأَعْيُنِنَا جَآءَ لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ®﴾ أي تسير بمنظر ومرأى منا وحفظ
وحراسة لها، جزاءً لهم على كفرهم بالله، وانتصاراً لنوح عليه السلام؛ لأنه
نعمة من الله، وتكذيبه كفران أو جحود لتلك النعمة.
وهذا دليل على أن اتخاذ الأسباب لتحقيق النتائج أمر ضروري، وهو أيضاً
محتاج إلى رعاية الله وعنايته وحفظه.
ثم ذكر الله تعالى أنه أبقى السفينة عبرة لمن بعدهم، فقال:
﴿وَلَقَد تَرَّكْنَهَآ ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ ﴾﴾ أي لقد أبقينا السفينة عبرة
للمعتبرين، أو لقد تركنا هذه الفعلة التي فعلناها بهم عبرة وعظة، فهل من
متعظ ومعتبر، يتعظ بهذه الآية ويعتبر بها.
قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة، وعقب عليه
الحافظ ابن كثير قائلاً: والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفينة، كقوله
تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَهُمْ أَنَّا خَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿﴿ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ،
﴾ [يس: ٤١/٣٦-٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَآءُ حَمَلْنَّكُمْ فِي
٤٢
مَا يَرْكَبُونَ
الْجَارِيَةِ
لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ نَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنُ وَعِيَةٌ (13)﴾ [الحاقة: ١١/٦٩ -١٢](١)
ولهذا قال هاهنا :
(١) تفسير ابن كثير: ٤ / ٢٦٤.

١٧٠
الُرُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ / ٩-١٧
﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾ أي هل من متعظ ومعتبر يتعظ بهذه الآية ويعتبر بها؟!
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنَذُرِ ®﴾ أي فانظر أيها السامع كيف كان عذابي
لمن كفر بي، وكذَّب رسلي، ولم يتعظ بما جاءت به نذري المرسلون، وكيف
: انتصرت لهم، وأخذت لهم بالثأر، أو كيف كانت إنذاراتي؟ والاستفهام
للتوبيخ والتخويف، وإنما أفرد العذاب فلم يقل: أنواع عذابي، وجمع النذر،
إشارة إلى غلبة الرحمة الغضب؛ لأن الإنذار إشفاق ورحمة.
﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرِ (٣)﴾ أي لقد سهلناه للحفظ،
وسهلنا لفظه للنطق، ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس، فهل من متعظ
بمواعظه، ومعتبر بعبره؟! والأولى أن يقال: سهلناه للتذكر والاتعاظ بسبب
المواعظ الشافية والبيانات الوافية.
وفي الآية الحث على درس القرآن، والاستكثار من تلاوته، والمسارعة في
تعلّمه، كما قال تعالى: ﴿كِنَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرٌَّ لِيَدَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَلَنَذَكَّرَ أُوْلُواْ
الْأَلْتَبِ يِّ
[ص: ٢٩/٣٨]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ
[مريم: ٩٧/١٩]. قال ابن
٩٧
لِتُبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لُّدًّا
عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخَلْق أن
يتكلم بكلام الله عزّ وجلّ.
والحكمة في تكرير قوله: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ﴾ هي تجديد التنبيه على
الاذكار والاتعاظ والتعرف على تعذيب الأمم السالفة، للاعتبار
بحالهم. وهكذا حكم التكرير في سورة الرحمن عند عدّ كل نعمة، وفي سورة
المرسلات عند عدّ كل آية، لتكون مصوَّرة للأذهان، محفوظة في كل أوان.
وهذه القصص نفسها كم كررت في القرآن مختلفة أوجز وأطنب؛ لأن التكرير
يوجب التقرير في النفوس، والتذكير ينبه الغافل على أن كل موضع مختص
بمزيد فائدة لم يعرف من غيره(١).
(١) غرائب القرآن النيسابوري: ٢٧/ ٥٢.

١٧١
المُ (٢٧) - القَرُ: ٥٤ / ٩-١٧
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي : .
اً - كان نوح عليه السلام في وقته ومبدأ دعوته العابد الوحيد لله عزّ وجلّ،
وكان قومه أول المكذبين للرسل، لذا شرفه الله تعالى بقوله: ﴿عَبْدَنَا﴾
فالإضافة إلى الله تشريف منه، واختيار لفظ العبد أدل على صدقه وقبح
تکذیبھم من قوله: رسولنا.
أَ - وصفوه بأنه مجنون إشارة إلى أنه أتى بالآيات الدالة على صدقه، حیث
رأوا ما عجزوا عنه. وأخبر تعالى عنه: ﴿وَأَزْدُجِرَ﴾ دليل على الحجر عليه ومنعه
من تبليغ دعوته بالسبِّ والوعيد بالقتل. ويصح أن يكون ذلك حكاية قولهم.
وتقديره: قالوا: مجنون مزدجر، ومعناه ازدجره الجن، قال الرازي: والأول
أصح.
◌َّ- لما زجروه وانزجر عن دعوتهم دعا ربّه: ﴿أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَننَصِرْ﴾ أي
غلبوني بتمردهم فانتصر لي.
٤- أجاب الله دعاءه، وأمره باتخاذ السفينة، ثم أغرقهم بالطوفان بماء كثير
منصب متدفق من السحب، وماء نابع من الأرض فالتقى الماءان: ماء السماء
وماء الأرض على حال قدرها الله وقضى بها من الأزل، لعلمه بتكذيبهم.
٥- ونجى الله نوحاً عليه السلام ومن آمن معه بحملهم على سفينة ذات
ألواح شدت بمسامير، وفي حفظ الله ورعايته وكلاءته، وقد جعل الله ذلك
ثواباً وجزاءً لنوح على صبره على أذى قومه الذين جحدوا برسالته، وعقاباً
للكافرين على كفرهم بالله تعالى.
}- لقد ترك الله هذه الفعلة أو السفينة عبرة، فهل من متعظ خائف؟! قال
قتادة: أبقاها - أي السفينة - الله ببَاقِرْدَى من أرض الجزيرة عبرة وآية، حتى
نظرت إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة كانت بعدها، فصارت رماداً.

١٧٢
الُزُ (٢٧) - القسم: ٥٤ / ١٨-٢٢
لاً- عقب الله تعالى على القصة بأمرين:
أولهما- فكيف كان العذاب والإنذار؟ تنبيهاً عاماً للخلق.
وثانيهما - لقد سهل الله القرآن الكريم للاتعاظ والادِّكار، أو للحفظ
وأعان عليه من أراد حفظه. قال سعيد بن جبير: ليس من كتب الله كتاب يقرأ
كله ظاهراً إلا القرآن.
وهذا يدل على أن الله تعالى يشَر على هذه الأمة حفظ كتابه ليذگَّروا ما فيه،
فهل من قارئ يقرؤه، ومتذكر متعظ يتذكّر به ويتعظ؟ وكرر ذلك في هذه
السورة للتنبيه والإفهام، كما تقدم.
- ٢ -
قصة عاد قوم هود عليه السلام
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ
ش
كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ
١٩
نَحْسِ مُسْتَمِرّ
◌َ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ
تَرِجُ النَّاسَ كَهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْفَعِرٍ
٢٢
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْنَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ
٢١٦
الإعراب:
﴿رِيَحًا صَرْصَرًا﴾ صرصر: أصله صِرَّر، إلا أنه اجتمعت ثلاث راءات،
فأبدلوا من الراء الثانية صاداً، كما قالوا: رقرقت، وأصله رققت، فاجتمع
فيه ثلاث قافات، فأبدلوا من القاف الوسطى راءً، هرباً من الاستثقال.
﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْفَعِرٍ﴾ إنما ذكر ﴿مُّنْقَعِرٍ﴾ لأن النخل يذكر ويؤنث، ولهذا
قال في موضع آخر: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧/٦٩]. والقاعدة: كل ما
كان الفرق بين واحده وجمعه من أسماء الأجناس الهاء، نحو النخل والشجر
والسدر، فإنه يجوز فيه التذكير والتأنيث.

١٧٣
لُزُرُ (٢٧) - القَمرُ: ٥٤ / ١٨-٢٢
البلاغة:
كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ تشبيه مرسل مجمل، حذف منه وجه الشبه.
المفردات اللغوية:
﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ نبيَّهم هوداً عليه السلام، فعذبوه . ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ
وَنَذُرٍ﴾ إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، أو إنذاري لمن بعدهم في تعذيبهم.
﴿صَرْصَرًا﴾ شديدة الصوت والبرد . (نَحْسِ﴾ شؤم. ﴿مُسْتَمِرٍ﴾ دائم شؤمه حتى
أهلكهم .﴿تَِعُ النَّاسَ﴾ تقلعهم من أماكنهم، وتصرعهم على رؤوسهم، فتدق
رقابهم ﴿كَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلِ مُقَعِرٍ﴾ أصول نخل مقتلع من مغارسه، أو مؤخر
الشيء، وشُبِّهوا بالنخل لطولهم، والمنقعر: المنقطع من أصله.
3) كرره للتهويل، أو أنه ذكر مرتين في قصة
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذٍُ
عاد؛ لأن الاستفهام الأول للبيان، كما يقول المعلم لمن لا يعرف: كيف
المسألة الفلانية؟ ليتنبه الطالب المسؤول للجواب الذي سيذكره المعلم،
والاستفهام الثاني للتوبيخ والتخويف. أما في قصة ثمود فاقتصر على الأول
للاختصار، وفي قصة نوح اقتصر على الثاني للاختصار أيضاً، ولعله ذكر
الاستفهامين معاً في قصة عاد لفرط عتوهم، وقولهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةً﴾
[فصلت: ٤١ /١٥] .
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرِ (®))) أي متعظ، والمعنى كما
تقدم: سهلناه للاذكار والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية،
وقيل: للحفظ. والأول أنسب بالمقام، وإن روي أنه لم يكن شيء من كتب الله
محفوظاً على ظهر القلب سوى القرآن.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى تكذيب قوم نوح الذي بدأ به؛ لأن تكذيبهم كان أبلغ

١٧٤
الُ (٢٧) - القت: ٥٤ / ١٨-٢٢
وأشد، حيث دعاهم قريباً من ألف سنة، وأصروا على التكذيب، أعقبه بقصة
عاد قوم هود، تأكيداً للعظة والعبرة، وتبياناً للمشركين المكذبين في مكة
وأمثالهم أن عاقبة المكذبين الهلاك والدمار، دون تفاوت بين الأقوام. وإنما
قال ﴿عَادٌ﴾ ولم يقل (قوم هود) كما قال (قوم نوح) لأن التعريف بالاسم
العلم أولى من التعريف بالإضافة إليه.
التفسير والبيان:
﴿ كَذَّبَتْ عَادُ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ (٣)﴾ أي كما صنع قوم نوح في
تكذيبهم رسولهم، كذبت قبيلة عاد قوم هود عليه السلام رسولهم، فانظروا
واسمعوا أيها المخاطبون من قريش وغيرهم كيف كان عذابي لهم، وإنذاري
إیاهم.
وقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرٍ﴾ لفت للأنظار، وتنبيه للأسماع لما
سیذکر.
(4) أي إنا سلّطنا
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِبِحًا صَرْصَرًا فِ يَوْمِ نَّحْسِ مُسْتَمِّرِّ
عليهم (١) ريحاً شديدة البرد والصوت في يوم شؤم عليهم، دائم الشؤم حتى
أهلکهم ودمرهم؛ لأنه اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي، أما ذات اليوم
بمجرده فلا يصح وصفه بالنحس أو الشؤم، وإنما الأيام والليالي كلها سواء،
لذا كان التشاؤم بالعدد (١٣) غير صحيح شرعاً وديناً.
ونظير الآية: ﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىَ أَيَّامِ تَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ٤١/
١٦] وقوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامِ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧/٦٩]
أي متتابعة.
(١) هذه الجملة استئنافية، لبيان ما أجمل أولاً في قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ﴾.

١٧٥
اِلُ (٢٧) - القبر: ٥٤ / ١٨-٢٢
1) أي إن تلك الريح الصرصر
﴿تَزِعُ النَّاسَ كَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلِ مُنْفَعِرٍ
كانت تقتلعهم من الأرض اقتلاع النخلة من أصلها، قال مجاهد: كانت
تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم، فتدق أعناقهم، وتبين
رؤوسهم من أجسادهم.
والمعنى أنهم كانوا يتساقطون على الأرض أمواتاً، وهم جثث طوال عظام،
كأنهم أعجاز نخل وهي أصولها فلا فروع، ﴿مُنْقَعِرٍ﴾: منقلع عن مغارسه.
وقد شبهوا في طول قاماتهم حين صرعتهم الريح، وطرحتهم على وجوههم
بالنخل الساقط على الأرض التي ليست لها رؤوس.
والآية تومئ إلى أن الريح كانت تقتلع رؤوسهم، فتصبح الأجسام من غير
رؤوس ولا هامات، وتشير أيضاً إلى عظمة أجسادهم وطول قاماتهم، وإلى
محاولتهم الثبات في الأرض والتشبث بها لمقاومة الريح، كما تشير أيضاً إلى
يبسهم وجفافهم بالريح التي كانت تقتلعهم ببردها المفرط، فتجعلهم كأنهم
أخشاب يابسة.
ثم أعاد الله تعالى ما يفيد تهويل العذاب، فقال:
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرٍ﴾ أي فانظروا كيفية بطشي وعقابي وإنذاري.
ثم كرر التصريح بسهولة التعرف على ذلك القرآن، فقال:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذَّكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ (﴿1﴾ أي لقد سهلنا القرآن للادكار
والاتعاظ، بما أوردنا فيه من المواعظ الشافية، وبينا ما فيه من الوعد
والوعيد، فهل من متعظ معتبر؟! وقيل: ولقد سهلناه للحفظ وأعنًا عليه من
أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه(١) ؟
(١) الكشاف : ١٨٤/٣.

١٧٦
المُرُ (٢٧) - القبر: ٥٤ / ١٨-٢٢
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - كذبت قبيلة عاد قوم هود برسولهم هود عليه السلام، فاستحقوا
العقاب، لذا بادر الله تعالى إلى التخويف والتهويل بقوله: ﴿فَكَفَ كَانَ عَذَابِى
وَنُذُرِ (4) وقد وقعت كلمة ﴿وَنُذُرِ﴾ في هذه السورة في ستة أماكن محذوفة
الياء في جميع المصاحف، وقرأها يعقوب مثبتة في الحالين: حال الوقف
والوصل، وقرأها ورش بالياء في الوصل لا غير.
٣- کان عقابهم بإرسال ريح شديدة البرد، شديدة الصوت، في يوم كان
مشؤوماً عليهم، قال ابن عباس: كان آخر أربعاء في الشهر، أفنى صغيرهم
وكبيرهم. والمراد أنه يوم نحس على الفجار والمفسدين؛ كما كانت الأيام
النحسات المذكورة في القرآن، نحسات على الكفار من قوم عاد، لا على نبيهم
والمؤمنين به منهم.
٣ - وصف الله الريح بأنها تقلعهم من مواضعهم، قيل: قلعتهم من تحت
أقدامهم اقتلاع النخلة من أصلها، وقال مجاهد كما تقدم: كانت تقلعهم من
الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم، فتندق أعناقهم، وتَبِين رؤوسهم عن
أجسادهم.
وكانت الريح تنزع الناس، فتتركهم كأنهم أعجاز نخل منقعر. والأعجاز:
جمع عَجُز: وهو مؤخر الشيء، وكانت أشخاص عاد موصوفين بطول القامة
فشُبِّهوا بالنخل انكبت لوجوهها . .
٤- كانت العاقبة على قوم عاد سوءاً وشراً مستطيراً، يستدعي التفكير
بكيفية عذاب الله وإنذاراته. وطريق فهم ذلك ميسر، فإن القرآن بما اشتمل
عليه من العظات والعبر سهل يسير الاعتبار والاتعاظ، فهل من متعظ
معتبر؟!

١٧٧
الُعُ (٢٧) - القَر: ٥٤ / ٢٣-٣٢
- ٣ -
قصة ثمود قوم صالح عليه السلام
◌َ فَقَالُواْ أَبَشَرًا مِنَا وَاحِدًا نَّعُهُ: إِنَّا إِذَا لَّفِى ضَلَالٍ وَسُعٍُ
كَذَّبَتْ تَمُودُ بِالنُّدُرِ (
٢٤
سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ
٢٥
أَلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ
اُلْأَشِرُ
وَنَبِتْهُمْ أَنَّ أَلْمَآءَ قِسْمَةٌ
٢٧
إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِئْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَأَصْطَبِرْ
٢٦
بَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُخَضَرٌ
﴿َ فَادَوْاْ صَاحَِهُمْ فَعَطَى فَعَقَرَ
٣٩
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ
٣٠
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَّهِمْ صَيْحَةُ وَحِدَةً فَكَانُوْ كَهَشِيِ الْمُحْتَظِرِ
لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ
٣٢
القراءات:
{سَيَعْلَمُونَ﴾
وقرأ ابن عامر، وحمزة (ستعلمون).
الإعراب:
﴿أَبَشَرًا مِنَا وَحِدًا نَّعُهُ﴾ ﴿أَبَشْرًا﴾﴾ منصوب بتقدير فعل دل عليه ﴿نَّنِعُهُ﴾
تقديره: أنتبع بشراً منا واحداً؟
﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِتْنَةٌ لَّهُمْ﴾ ﴿فِتْنَةً﴾: إما مفعول لأجله، أو مصدر،
منصوب على المصدرية. وقوله: ﴿وَأَصْطَبِرْ﴾ أصله: اصتبر، على وزن: افتعل
من الصبر، إلا أنهم أبدلوا من التاء طاء لتوافق الصاد في الإطباق.
﴿فَكَانُواْ كَهَشِيِ الْمُخْتَظِرِ﴾ ﴿كَهَشِيمِ﴾: في موضع نصب؛ أنه خبر كان،
و﴿المُخْتَظِرِ﴾: بكسر الظاء هو المشهور، أي المتخذ الحظيرة، وقرئ بفتحها
(المحتظَر ) أي مكان الحظيرة.

١٧٨
الجُزءُ (٢٧) - القبر: ٥٤ / ٢٣-٣٢
البلاغة:
﴿بَلْ هُوَ كَذَّابُ أَشِرٌ﴾ صيغة مبالغة على وزن فَعَّال وفَعِل، أي كثير
الكذب، عظيم البطر.
﴿فَكَانُواْ كَهَشِيرِ الْمُخْنَظِرِ﴾ تشبيه مرسل مجمل.
المفردات اللغوية:
أي بالرسل جمع نذير بمعنى منذر أو
﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ ◌ِالنُّدُرِ
بالإنذارات والمواعظ، فإنهم كذبوا بالأمور التي أنذرهم بها نبيهم صالح عليه
السلام، وتكذيبه تكذيب لجميع الرسل؛ لاتفاقهم على أصول الدين . ﴿أَبَشَرً
مِنَّا﴾ أي من جنسنا أو من جملتنا لا فضل له علينا. ﴿وَحِدًا﴾ منفرداً لا تبع له،
والاستفهام بمعنى النفي، المعنى: كيف نتبعه ونحن جماعة كثيرة، وهو واحد
منا، وليس بحاكم ولا ملك؟ أي لا نتبعه . ﴿إِنَّا إِذَا﴾ أي إنا إن اتبعناه . ﴿لَّفِى
ضَلَالٍ﴾ خطأ وبُعْد عن الصواب. ﴿وَسُعُرٍ﴾ جنون، ومنه: ناقة مسعورة أي
مجنونة.
﴿ الذِّكْرُ﴾ الوحي، ﴿عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أي وفينا من هو أحق منه بذلك. ﴿بَلّ
هُوَ كَذَّابٌ﴾ في أنه أوحي إليه. ﴿أَشِرٌ﴾ متكبر بَطِر، حمله بطره على الترفع علينا
بادعائه. ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ أي عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة. ﴿مَّنِ
اُلْكَذَابُ الْأَشِرُ﴾ هو أو هم، أي الذي حمله أشره على الاستكبار عن الحق،
وطلب الباطل.
﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ﴾ مخرجوها وباعثوها. ﴿فِتْنَةً لَّهُمْ﴾ اختباراً أو امتحاناً
لهم . ﴿فَرْتَقِبْهُمْ﴾ فانتظرهم يا صالح وتبصر ما يصنعون. ﴿وَأَصْطَبِرْ﴾ اصبر على
أذاهم. ﴿قِسْمَةُ بََّهُمْ﴾ مقسوم بينهم وبين الناقة، يوم لهم ويوم لها. ﴿كُلّ
شِرْبٍ﴾ نصيب من الماء . ﴿ تُخْضَرٌ﴾ يحضره صاحبه في نوبته.

١٧٩
الُ (٢٧) - القنطرة: ٥٤ / ٢٣-٣٢
﴿صَاحِهٌمْ﴾ قُدار بن سالف أُحَيْمر ثمود. ﴿فَتَعَالطَى﴾ اجترأ على تعاطي قتلها
غير مبال بما يفعل، والتعاطي: تناول الشيء بتكلَّف. ﴿فَعَقَرَ﴾ ضرب قوائم
الناقة بالسيف، فقتلها موافقة لهم. ﴿فَكَفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ (٣)﴾ أي كيف
كان عقابي وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، المعنى: أن العذاب وقع موقعه.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَحِدَةً﴾ هي صيحة جبريل عليه السلام، والجملة
بيان للعذاب المشار إليه في الجملة السابقة. ﴿كَهَشِيرِ الْمُحْتَظِرِ﴾ أي مثل
المتهشم اليابس، المتكسر من الشجر، الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في
الشتاء. وقرئ فتح الظاء، أي كهشيم الحظيرة. ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ﴾
سهلنا القرآن للاتعاظ به . ﴿فَهَلْ مِن تُذَّكِرٍ﴾ متعظ.
المناسبة:
هذه قصة ثالثة أو أنموذج من تكذيب الأمم الخالية رسلها، فإن عادتهم
ومذهبهم إنكار الرسل وتكذيبهم، فكذبوا نوحاً وهوداً وصالحاً عليهم السلام
فيما يدعيه من الوحي عن ربه، وكل من كذب رسولاً كذب جميع الرسل
الاتحادهم في أصول الاعتقاد والدين. وكانت معجزة صالح عليه السلام ناقة
فريدة تشرب ماء نهير كله يوماً، وتدر لبناً يكفي جميع القبيلة، بل يفيض
عنهم، فقتلوها، فعاقبهم الله بعذاب الصيحة: صيحة جبريل عليه السلام،
فبادوا عن آخرهم.
التفسير والبيان:
﴾ كذبت قبيلة ثمود قوم صالح برسل الله الكرام،
٣٣
﴿ كَذَّبَتْ تَمُودُ بِالنُّذُرِ
بتكذيبهم لرسولهم، وهو صالح، ومن كذب واحداً من الأنبياء، فقد كذب
سائرهم؛ لاتفاقهم في الدعوة إلى كليات الشرائع وأصولها العامة، كتوحيد الله
تعالى، وعبادته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ويلاحظ أنه في

١٨٠
الجُزُ (٢٧) - القَبْ: ٥٤ / ٢٣-٣٢
قصة نوح وقصة عاد قال: ﴿كَذَّبَتْ﴾ ولم يقل بالنذر، وفي هذه القصة وقصة
قوم لوط قال: ﴿ِالنَّدُرِ﴾ والأمر سواء؛ لأن عادتهم التكذيب.
ثم أبان الله تعالى مظاهر تكذيبهم، فقال:
أَ - ﴿فَقَالُواْ أَبَشَرًا مِنَا وَحِدًا نََّبِعُهُ، إِنَّا إِذَا لَّفِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (®َ﴾ أي إنهم
قالوا فيما بينهم: كيف نتّبع بشراً من جنسنا، منفرداً وحده، لا تبع له، ولا
متابع له على ما يدعو إليه، لقد خبنا وخسرنا إن أطعنا واحداً منا، وإنا إذا
اتبعناه نكون في خطأ واضح وبعد عن الحق والصواب، واتصفنا بالجنون أو
أصابنا العذاب والعناء والشدة.
◌َّ - ﴿أَلْفِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (49﴾ أي كيف خُصّ من
بيننا بالوحي والنبوة، وفينا من هو أحق بذلك منه، بل هو متجاوز في
حدالكذب فيما يدعيه من نزول الوحي الإلهي عليه، ومتكبر بطر، حمله تكبره
على الترفع علينا بادعائه الوحي.
فوجّه الله تعالى إليهم تهديداً شديداً ووعيداً أكيداً بقوله:
أي سيعرفون عما قريب في المستقبل
٢٦
{سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (
وقت نزول العذاب بهم في الدنيا، أو يوم القيامة، وسيتبين لهم من هو المفتري
الكذّاب، الأبلغ في الشرارة، أصالح في تبيلغ رسالة ربه، أم هم في تكذيبهم
إياه؟ والمراد أنهم هم الكذابون البطرون المتكبرون.
ثم وصف الله تعالى جرمهم مخاطباً صالحاً فقال:
﴿إِنَّا مُرْسِلُوْ النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَأَرْتَقِبْهُمْ وَأَصْطَيْ (1)﴾ أي إنا مخرجو الناقة
العظيمة العشراء من صخرة صماء، كما سألوا، لتكون حجة الله عليهم في
تصديق صالح عليه السلام فيما جاءهم به، ولتكون امتحاناً واختباراً لهم،
فانتظر ما يؤول إليه أمرهم وما يصنعون واصبر عليهم وعلى ما يصيبك من
الأذى منهم، فإن العاقبة لك والنصر في الدنيا والآخرة.